أولويات الجنرال ماتيس: إيران ثم إيران ثم إيران

اختاره ترامب وزيرا للدفاع والبيت الأبيض رفض اقتراحه بضرب طهران في 2011

الجنرال جيمس ماتيس في الكونغرس الأميركي الأربعاء الماضي (أ.ب)
الجنرال جيمس ماتيس في الكونغرس الأميركي الأربعاء الماضي (أ.ب)
TT

أولويات الجنرال ماتيس: إيران ثم إيران ثم إيران

الجنرال جيمس ماتيس في الكونغرس الأميركي الأربعاء الماضي (أ.ب)
الجنرال جيمس ماتيس في الكونغرس الأميركي الأربعاء الماضي (أ.ب)

كانت الصواريخ التي أرسلتها إيران تنهمر بكثافة فوق رؤوس الجنرال جيمس ماتيس وجنوده طوال فصلي الربيع والصيف عام 2011. ولقي ستة جنود أميركيين حتفهم جراء القصف المتواصل شرق بغداد بداية شهر يونيو (حزيران) من ذلك العام. وبعد أسابيع قليلة، قتل ثلاثة جنود آخرين جراء قصف مماثل، ليرتفع عدد القتلى خلال شهر واحد إلى 15 قتيلاً. كان ذلك الشهر الأسوأ للقوات الأميركية في العراق خلال عامين، وتعهدت الميليشيات التي تدعمها إيران بشن المزيد من الهجمات الصاروخية وإراقة المزيد من الدماء.
وشدد الجنرال ماتيس، القائد الأعلى للقوات الأميركية في الشرق الأوسط، آنذاك أن يرسل رسالة واضحة لطهران لكي تتوقف عن ممارساتها. وبحسب مسؤول أميركي رفيع سابق، حضر جلسة وجد فيها السفير الأميركي وقائد القوات الأميركية في العراق اللذان أيدا ماتيس في طرحه، كان المقترح هو الرد على إيران في عقر دارها.
وكان من ضمن المقترحات، توجيه ضربة جوية أميركية في منتصف الليل لمحطة كهرباء أو لمصفاة نفط إيرانية، وفق المسؤولين اللذين طلبا عدم ذكر اسميهما. وأفاد أحد المسؤولين بأن ماتيس أبلغ واشنطن بقوله: «علينا أن نجعلهم يدركون أن لدينا صواريخ كذلك». سرعان ما وصلت مقترحات ماتيس البيت الأبيض، الذي تبنى وجهة نظر مختلفة إزاء كبح جماح إيران لكي تتوقف عن ممارساتها العدوانية.
فبالنسبة للرئيس باراك أوباما، لن يؤدي ضرب إيران إلا إلى تفاقم الأوضاع وتوسيع نطاق الصراع الذي وعد بإنهائه، فيما رأى آخرون في البيت الأبيض أن مقترحات ماتيس تحمل في طياتها بوادر حرب جديدة في الشرق الأوسط.
عكست معركة الرد على الخسائر التي تكبدتها القوات الأميركية صيف عام 2011 الانقسام الكبير الذي نشأ بين الرئيس أوباما وكبار قادة قواته في الشرق الأوسط. ففي الوقت الذي استشعر فيه البيت الأبيض مخاطر مغامرة القيام بعمل عسكري، كان ماتيس يمثل الصوت الآتي من الميدان والمصمم على رد فعل قوي.
وفي السياق نفسه، قال ليون بانيتا، وزير الدفاع في تلك الفترة: «كان هناك بالبيت الأبيض من يرون أن مقترحات ماتيس تمثل مغامرة. لكن بالنسبة لي، كنت أرى أن أيًا من تلك المقترحات كانت بالنضج الكافي، أو أنها تستحق أن ينظر الرئيس فيها ليتخذ قرارًا بشأنها». في النهاية، لم يرق مقترح ماتيس وأسلوبه العدواني للبيت الأبيض ولا للرئيس.
والآن سيلعب ماتيس دورًا مختلفًا بعدما أصبح اختيار دونالد ترامب لوزارة الدفاع، إذ إنه سيتولى قيادة قوة قوامها نحو 1.3 مليون جندي موزعة على أكثر من 150 دولة. وسيخدم ماتيس رئيسًا سبق وأن شكك في حيادية وكالات الاستخبارات الأميركية، ودعم أحيانًا أطرافًا لطالما كانت تعتب خصوما، مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. فترامب رئيس يميل دومًا لغير المتوقع، ويفضل ذلك على النقاش المتأني، ويميل للقوة أكثر من الدبلوماسية.
طبيعة خلاف ماتيس مع إدارة أوباما، وتحديدًا إزاء إيران، تعطي مؤشرًا على الأسلوب الذي سيقود به الجنرال البحري المتقاعد أكبر قوة عسكرية في العالم، والنصيحة التي سيسديها لترامب في الأوقات الحساسة عند لقائهما بغرفة الاجتماعات بالبيت الأبيض. فالنقاشات الحامية عام 2011 بشأن طريقة التعامل مع مسألة الصواريخ الإيرانية استمرت لأسابيع.
وفي هذا الصدد، قال مسؤول سابق بالبنتاغون شارك في النقاشات إنه «كان هناك قلق بشأن حجم رد الفعل وتأثيره، وما إذا كان الإيرانيون سيصعدون الموقف. هل تستطيع فعليًا تحديد المسؤولين عن ذلك بدلاً من توجيه اتهامات عشوائية؟ ما ستفعله لن يكون أكثر من محاولة وخز، هل يمكنك أن تفعل ما هو أكبر من الوخز من دون أن تتسبب في نشوب صراع؟» في النهاية، سمح لماتيس بالتصرف داخل العراق ضد قادة الميليشيات الذين تقودهم إيران.
وبرزت إيران خلال أغلب فترات رئاسة أوباما، كإحدى أكبر مشكلات السياسة الخارجية الأميركية وأكثرها اشتعالاً. ومن أهم أوجه هذا التحدي، كان أسلوب إدارة إسرائيل بوصفها أقرب الحلفاء بالمنطقة، بل والاعتداء الذي تستطيع القيام به بمفردها ضد إيران.
كان القادة الإسرائيليون يرسلون رسائل مختلطة إلى إدارة أوباما وكبار مستشاريه عن رغبتهم في منع إيران من تطوير سلاح نووي. وأبلغ وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك نظراءه بالبنتاغون عن خطط سرية لشن هجمات، على غرار عمليات القوات الخاصة (الكوماندوز) على أكثر المواقع الإيرانية تحصينًا، فيما أبلغ جهاز الاستخبارات الإسرائيلي، الموساد، الأميركيين سرًا بأن إسرائيل لن يمكنها اتخاذ إجراء أحادي ضد إيران، مما وضع البيت الأبيض في حيرة إزاء تصديق أي من الرأيين.
فعمل ماتيس بالقيادة المركزية كان الاستعداد في حال أشعلت إسرائيل حربا، وإعطاء إشارة للإيرانيين بأن العواقب ستكون وخيمة عليهم حال قرروا توسيع نطاق الصراع مع الولايات المتحدة. حمل ماتيس تلك المسؤولية على عاتقه بجدية، وأحيانًا بجدية أكبر من تلك التي تعامل بها البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأميركية مع الأمر، بحسب مسؤولين حاليين وسابقين.
فبعد تعيين ماتيس قائدًا للقوات الأميركية بالشرق الأوسط مباشرة في أغسطس (آب) 2010، وعندما طلب منه أوباما توضيح مهامه وأولوياته في الشرق الأوسط، أجاب: «الأولوية الأولى إيران، والثانية إيران، والثالثة إيران»، وفق مسؤول رفيع حضر اللقاء. أثار تركيز الجنرال على أمر واحد فقط أعصاب بعض القادة المدنيين الذين قالوا إنه من الواجب عليه توسع نظرته لتشمل تهديدات أخرى. فأسلوب ماتيس وتباهيه دوما بسلاح البحرية الذي ينتمي إليه، غالبًا ما ضرب الوتر الخطأ في البيت الأبيض الذي كان يركز على الدبلوماسية، وهو الأمر الذي لم يتوافر بوضوح لدى كبار المسؤولين ذوي الخلفية والخبرات العسكرية. غير أن ماتيس ومساعديه كانوا يمثلون الصوت العالي في أي خطة عسكرية أميركية بشأن إيران.
وكانت استعدادات ماتيس لصراع محتمل تثير بعض المسؤولين الأميركيين، الذين دعاهم لحضور اجتماع بمقر القيادة المركزية في أحد بلدان الشرق الأوسط عام 2011 ليسمع وجهات نظرهم بشأن أسلوب رد إيران المحتمل ضد حلفاء الولايات المتحدة، ومنشآتها الحيوية. وبحسب سفير حضر اللقاء، شعر بعض الدبلوماسيين بأن ماتيس بدا وكأنه يصف سيناريو «الحرب العالمية الثالثة».
في بعض الأحيان، كان الجيش الأميركي يجري تدريبات بهدف إرسال رسائل للحرس الثوري الإيراني للإيحاء بجدية الولايات المتحدة. وكان يحدث أحيانًا خلال وبعد هذه المناورات أن ترصد وكالات التجسس الأميركية رد الفعل الإيراني، وأحيانًا لم يكن الإيرانيون ينتبهون للإشارة المقصودة، وكان الأميركيون يفهمون أن إيران لم تلتقط إشارتهم ومقصدهم. وفي مرات أخرى، كان الإيرانيون يظهرون رد فعل لممارسات أميركية رغم أن الأميركيون لم يقصدوا شيئًا من ورائها.
وفي هذا الصدد، قال مسؤول كبير بالبنتاغون إن «ضباب وغيوم الحرب كانت كبيرة». فوسط هذا الجو المليء بالتوتر، بدأ ماتيس في الضغط للحصول على صلاحيات لضرب الإيرانيين بقوة في حال ظهرت بوادر التحول للحرب على إيران. وكان من المحتمل أن تبدأ أول بوادر الحرب الإيرانية مع الولايات المتحدة أو إسرائيل بإلقاء إيران لألغام بحرية في مضيق هرمز، لخنق إمدادات النفط بالشرق الأوسط.
طالب ماتيس الموافقة على ضرب الزوارق الإيرانية السريعة بمجرد أن يصل لمسامع الاستخبارات الأميركية معلومات مؤكدة عن شروع إيران في وضع الألغام بالمضيق. فوفق تفكيره، الزوارق الإيرانية ستكون الهدف الأسهل عندما تكون في موانئها، وأن ضربة كهذه سوف تتسبب في شلل قدرات إيران العسكرية قبل أن تتحرك من مكانها. غير أن البيت الأبيض شعر بقلق من أن معلومات استخباراتية مغلوطة أو أن تقييمًا متسرعًا قد يشعل حربًا مع إيران من دون داعٍ. وبحسب بانيتا: «مفهوم أننا في حال قررنا خوض حرب بمضيق هرمز، يجب أن يكون للرئيس دور».
اختتم ليون بانيتا كلامه قائلاً إن القرار الأخير الذي أعقب نقاشات ساخنة نهاية عام 2011 وبداية عام 2012 كان يتجه لتبني حل وسط، بأن يتخطى أوباما البيت الأبيض بإجراءاته الحذرة والمتثاقلة، ويقرر هو بنفسه ما إذا كان سيتخذ قرارًا على وجه السرعة بشأن ضرب الزوارق الإيرانية، إذا احتاج الأمر ذلك.

خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



ترمب يهدد بفرض رسوم جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته بشأن غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب يهدد بفرض رسوم جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته بشأن غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، أنه قد يفرض رسوماً جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته القاضية بالاستيلاء على غرينلاند، علماً بأنها تتبع الدنمارك، العضو في حلف شمال الأطلسي «ناتو».

وقال ترمب، خلال اجتماع لمناقشة الملف الصحي في البيت الأبيض: «قد أفرض رسوماً على الدول إذا كانت لا تؤيد (الخطة في شأن) غرينلاند؛ لأننا نحتاج إلى غرينلاند (لأغراض) الأمن القومي»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ووصلت بعثة عسكريّة أوروبيّة، الخميس، إلى غرينلاند، غداة لقاء في واشنطن بين مسؤولين أميركيّين ودنماركيّين وغرينلانديّين، خلص إلى وجود «خلاف جوهري» حول الجزيرة الدنماركية ذات الحكم الذاتي.

وأعلنت الدنمارك، الحليف التقليدي للولايات المتحدة داخل حلف «الناتو»، أنّها تُعزز وجودها العسكري في غرينلاند، رداً على الانتقادات الأميركية لعدم إيلائها أهمية كافية للجزيرة القطبية الشمالية.

ويوم الأربعاء، هبطت طائرتان دنماركيتان تنقلان جنوداً في الجزيرة.

وعقب ذلك، أعلنت فرنسا والسويد وألمانيا والنرويج وهولندا وفنلندا وبريطانيا إرسال قوة عسكرية إلى الجزيرة، للقيام بمهمة استطلاع تندرج في سياق مناورات «الصمود القطبي» التي تُنظمها الدنمارك.

وقالت مصادر دفاعية من دول عدة إنّ هذه التعزيزات العسكرية الأوروبية المتواضعة، والتي تتمثل في 13 جندياً ألمانياً، على سبيل المثال، وجندي واحد لكل من هولندا وبريطانيا، تهدف إلى إعداد الجيوش لتدريبات مستقبلية في القطب الشمالي.

غير أن البيت الأبيض عَدَّ، الخميس، أن هذه الخطوة لن تُغيّر شيئاً في خطط ترمب. وقالت الناطقة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت: «لا أعتقد أن نشر قوات أوروبية يؤثر على عملية صنع القرار لدى الرئيس، كما أنّها لا تؤثر أبداً على هدفه المتمثل في ضم غرينلاند».


أفقدت «هارفارد» الصدارة... الصين تتصدر الجامعات عالمياً وسط تراجع أميركي

جامعة هارفارد الأميركية
جامعة هارفارد الأميركية
TT

أفقدت «هارفارد» الصدارة... الصين تتصدر الجامعات عالمياً وسط تراجع أميركي

جامعة هارفارد الأميركية
جامعة هارفارد الأميركية

حتى وقت قريب، كانت جامعة هارفارد تُعدّ أكثر جامعة بحثية إنتاجاً في العالم، وفق تصنيف عالمي يركز على النشر الأكاديمي. غير أن هذا الموقع بات مهدداً، في أحدث مؤشر على اتجاه مقلق يواجه الأوساط الأكاديمية الأميركية.

فقد تراجعت هارفارد مؤخراً إلى المركز الثالث في هذا التصنيف. والجامعات التي تتسابق صعوداً في القائمة ليست نظيرات هارفارد الأميركية، بل جامعات صينية واصلت تقدّمها بثبات في تصنيفات تركز على حجم الأبحاث المنتَجة وجودتها.

ويأتي هذا التحول في وقت أقدمت فيه إدارة الرئيس دونالد ترمب على تقليص التمويل البحثي للجامعات الأميركية التي تعتمد بدرجة كبيرة على الحكومة الفيدرالية لتمويل أنشطتها العلمية. ولم تكن سياسات ترمب سبب بداية التراجع النسبي للجامعات الأميركية، الذي بدأ قبل سنوات، لكنها قد تُسرّع وتيرته.

جامعة تشجيانغ الصينية

وقال فيل باتي، المسؤول التنفيذي للشؤون العالمية في مؤسسة «تايمز للتعليم العالي» البريطانية، وهي جهة مستقلة عن «نيويورك تايمز»، وتصدر أحد أشهر التصنيفات العالمية للجامعات: «نحن مقبلون على تحوّل كبير، أشبه بنظام عالمي جديد في هيمنة التعليم العالي والبحث العلمي».

ويرى تربويون وخبراء أن هذا التحول لا يمثل مشكلة للجامعات الأميركية فحسب، بل للولايات المتحدة ككل. وأضاف باتي: «هناك خطر استمرار هذا الاتجاه، وربما حدوث تراجع. أستخدم كلمة (تراجع) بحذر شديد. فليس الأمر أن الجامعات الأميركية أصبحت أسوأ بشكل واضح، بل إن المنافسة العالمية تحتدم، ودول أخرى تحقق تقدماً أسرع».

تبدّل جذري

ولو عدنا إلى أوائل العقد الأول من الألفية، لوجدنا أن تصنيفاً عالمياً للجامعات يعتمد على الإنتاج العلمي، مثل المقالات المنشورة في الدوريات الأكاديمية، كان سيبدو مختلفاً تماماً. آنذاك، كانت سبع جامعات أميركية ضمن العشر الأولى، تتصدرها جامعة هارفارد في المركز الأول. ولم تكن سوى جامعة صينية واحدة، هي جامعة تشجيانغ، ضمن أفضل 25 جامعة. أما اليوم، فتتربع جامعة تشجيانغ على صدارة ذلك التصنيف، المعروف باسم «تصنيفات لايدن»، الصادر عن مركز دراسات العلوم والتكنولوجيا في جامعة لايدن الهولندية. كما توجد سبع جامعات صينية أخرى ضمن المراكز العشرة الأولى.

ورغم أن هارفارد تنتج أبحاثاً أكثر بكثير مما كانت تنتجه قبل عقدين، فإنها تراجعت إلى المركز الثالث، وهي الجامعة الأميركية الوحيدة التي لا تزال قريبة من القمة. ومع ذلك، ما زالت هارفارد تحتل المركز الأول في «تصنيفات لايدن» من حيث عدد أكثر المنشورات العلمية استشهاداً.

طلاب جامعيون صينيون

ولا تكمن المشكلة في تراجع الإنتاج لدى الجامعات الأميركية الكبرى. فست جامعات أميركية بارزة كانت ضمن العشر الأولى في العقد الأول من الألفية – هي جامعة ميشيغان، وجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس (UCLA)، وجامعة جونز هوبكنز، وجامعة واشنطن في سياتل، وجامعة بنسلفانيا، وجامعة ستانفورد – تنتج اليوم أبحاثاً أكثر مما كانت تنتجه قبل عشرين عاماً، وفق بيانات «لايدن». لكن إنتاج الجامعات الصينية ازداد بوتيرة أكبر بكثير.

ووفقاً لمارك نايسل، مدير الخدمات في مركز دراسات العلوم والتكنولوجيا، فإن «تصنيفات لايدن» تعتمد على الأوراق العلمية والاستشهادات المدرجة في قاعدة بيانات «ويب أوف ساينس»، المملوكة لشركة «كلاريفيت» المتخصصة في البيانات والتحليلات. وتضم هذه القاعدة آلاف الدوريات الأكاديمية، كثير منها شديد التخصص.

وعادة لا تحظى التصنيفات العالمية للجامعات باهتمام شعبي واسع في الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن بعض الأكاديميين المخضرمين يرون بوضوح نمو الإنتاج البحثي الصيني الذي تعكسه هذه التصنيفات، ويحذرون من أن أميركا تتراجع. وقال رافائيل ريف، الرئيس السابق لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، في مقابلة «بودكاست» العام الماضي: «عدد الأوراق العلمية وجودتها الصادرة من الصين مذهلان»، مضيفاً أنها «تفوق بكثير ما نقوم به في الولايات المتحدة». وعلى النقيض، تتابع مؤسسات في دول أخرى حول العالم هذه التصنيفات باهتمام، معتبرة إياها مقياساً للتفوق الأكاديمي ولمدى تقدمها في اللحاق بالولايات المتحدة أو تجاوزها.

تصنيف بديل

وتعرض جامعة تشجيانغ تصنيفاتها بشكل بارز على موقعها الإلكتروني، وتدرج ضمن محطات تاريخها دخولها قائمة أفضل 100 جامعة عالمياً عام 2017. كما احتفت وسائل الإعلام الصينية الرسمية بصعود جامعات البلاد في التصنيفات. وبدأ مركز لايدن إصدار تصنيف بديل يعتمد على قاعدة بيانات أكاديمية مختلفة تُعرف باسم «أوبن أليكس». وتحتل هارفارد المركز الأول في هذا التصنيف أيضاً، لكن الاتجاه نفسه يظهر بوضوح: 12 جامعة صينية ضمن أفضل 13 جامعة تليها مباشرة.

وقال نايسل: «الصين تبني بالفعل قدرات بحثية هائلة». وأضاف أن الباحثين الصينيين يولون اهتماماً أكبر بالنشر في الدوريات الناطقة بالإنجليزية، التي هي أكثر قراءة واستشهاداً على مستوى العالم.

وكان الرئيس الصيني شي جينبينغ قد أشاد، في خطاب ألقاه عام 2024، بتقدم بلاده في مجالات مثل تقنيات الكم وعلوم الفضاء. وأشار إلى إنجاز حققه باحثون في معهد تيانجين للتقنيات الحيوية الصناعية، تمثل في تطوير طريقة لتصنيع «النشا» من ثاني أكسيد الكربون داخل المختبر، وهو ما قد يفضي مستقبلاً إلى صناعات تنتج الغذاء «من الهواء» دون الحاجة إلى مساحات زراعية شاسعة أو ريّ أو حصاد.

جانب من جامعة أكسفورد البريطانية (أ.ف.ب)

وتعكس أنظمة تصنيف أخرى تميل إلى وزن الإنتاج العلمي التحول ذاته لصالح المؤسسات الصينية. ففي «تصنيف الجامعات حسب الأداء الأكاديمي»، الذي يعده معهد المعلوماتية في جامعة الشرق الأوسط التقنية في أنقرة، تحتل هارفارد المرتبة الأولى عالمياً، لكن جامعة ستانفورد هي الجامعة الأميركية الأخرى الوحيدة ضمن العشر الأولى، إلى جانب أربع جامعات صينية. وفي تصنيف «نيتشر إندكس» جاءت هارفارد أولاً، وتلتها عشر جامعات صينية.

ضغوط مالية

وتواجه هارفارد وغيرها من الجامعات الأميركية الرائدة ضغوطاً جديدة نتيجة تخفيضات إدارة ترمب في المنح العلمية، إضافة إلى قيود السفر والحملة المتشددة ضد الهجرة، التي طالت طلاباً وأكاديميين دوليين. وانخفض عدد الطلاب الدوليين القادمين إلى الولايات المتحدة في أغسطس (آب) 2025 بنسبة 19 في المائة مقارنة بالعام السابق، وهو اتجاه قد يضر أكثر بمكانة الجامعات الأميركية وتصنيفاتها إذا اختارت العقول العالمية المتميزة الدراسة والعمل في أماكن أخرى.

في المقابل، ضخت الصين مليارات الدولارات في جامعاتها، وعملت بقوة على جعلها وجهة جاذبة للباحثين الأجانب. وفي الخريف، بدأت الصين منح تأشيرة خاصة لخريجي أفضل الجامعات في مجالات العلوم والتكنولوجيا، تتيح لهم السفر إلى الصين للدراسة أو ممارسة الأعمال.

وقال أليكس آشر، رئيس شركة «هاير إديوكيشن استراتيجي أسوشييتس» الاستشارية في تورونتو: «الصين تمتلك اليوم قدراً هائلاً من الأموال في التعليم العالي لم يكن متوافراً قبل 20 عاماً».

وقد جعل شي جينبينغ دوافع هذه الاستثمارات واضحة، مؤكداً أن قوة الدول على الساحة العالمية تعتمد على تفوقها العلمي. وقال في خطاب عام 2024: «الثورة العلمية والتكنولوجية متشابكة مع التنافس بين القوى العظمى». وعلى النقيض، تسعى إدارة ترمب إلى خفض مليارات الدولارات من منح البحث العلمي للجامعات الأميركية، مبررة ذلك بالرغبة في القضاء على الهدر وإعادة توجيه الأبحاث بعيداً عن قضايا التنوع وغيرها من الموضوعات التي تراها ذات طابع سياسي مفرط.

ولم ترد إدارة ترمب على طلب للتعليق على هذا التقرير. لكن المتحدثة باسم البيت الأبيض، ليز هوستن، كانت قد قالت سابقاً إن «أفضل العلوم لا يمكن أن تزدهر في مؤسسات تخلت عن الجدارة، وحرية البحث، والسعي إلى الحقيقة». وحذر قادة الجامعات الأميركية طوال عام 2025 من أن تقليص المنح البحثية الفيدرالية قد تكون له آثار مدمرة. وأنشأت جامعة هارفارد صفحة إلكترونية لحصر أنواع الأبحاث العلمية والطبية التي قد تتعطل بسبب خفض التمويل. كما أقامت الجمعية الأميركية لأساتذة الجامعات، إلى جانب حلفاء قانونيين، دعاوى قضائية للطعن في بعض هذه التخفيضات. وحذر رئيس الجمعية، تود وولفسون، من أن تقليص التمويل البحثي «سيعوق تطوير الجيل المقبل من العلماء».

وأمر قاضٍ فيدرالي الحكومة الأميركية باستئناف تمويل هارفارد، بعد أن قطعت إدارة ترمب مليارات الدولارات من التمويل البحثي في الربيع الماضي. غير أن الإدارة قالت إنها ستحد من المنح المستقبلية للجامعة. ورفض متحدث باسم هارفارد التعليق.

ولا تقتصر المخاطر على هارفارد، بل تمتد إلى المكانة العالمية لعدد كبير من الجامعات الأميركية الأخرى. فقلّة المنح الفيدرالية، أو صغر حجمها، تعني أبحاثاً أقل، وبالتالي اكتشافات أقل تُنشر في أوراق علمية، وهو ما سيؤثر على أداء هذه الجامعات في التصنيفات المستقبلية.

«أنشر أو اندثر»

وتجعل الجامعات البحثية من السعي إلى الاكتشاف وتطوير المعرفة جزءاً أساسياً من رسالتها، وغالباً ما يتعرض أعضاء هيئة التدريس لضغوط لتحقيق نتائج، تختصرها عبارة «أنشر أو اندثر». أما الجامعات التي لا تسعى إلى إنتاج كميات ضخمة من الأوراق البحثية، مثل كثير من كليات الفنون الحرة، فلا تظهر في التصنيفات المعتمدة على الإنتاج. وأوضح نايسل أن تصنيفات لايدن «لا تدّعي قول أي شيء» عن جودة التدريس في الجامعة.

وقد حققت الجامعات الأميركية أداء أفضل بكثير في أنظمة تصنيف تعتمد معايير أوسع من مجرد الإنتاج الأكاديمي، مثل السمعة والموارد المالية ومدى إقبال الطلاب على الالتحاق بها، بل أحياناً عدد الحاصلين على جوائز «نوبل» بين أعضاء هيئة التدريس.

ويرى خبراء أن هذه التصنيفات الواسعة تتغير بوتيرة أبطأ، لكنها مع ذلك تُظهر مؤشرات على تآكل الهيمنة الأميركية في التعليم العالي. ففي تصنيف «تايمز للتعليم العالي» لعام 2026، فإنه للعام العاشر على التوالي احتلت جامعة أكسفورد البريطانية المرتبة الأولى عالمياً. وضمت المراكز الخمسة الأولى الجامعات نفسها التي وردت في العام السابق: معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وجامعة برينستون، وجامعة كمبردج، ثم هارفارد بالتساوي مع ستانفورد.

جامعة شنغهاي الصينية

وشغلت الجامعات الأميركية سبعة من المراكز العشرة الأولى في تصنيف 2026، لكن في المراتب الأدنى بدأت الجامعات الأميركية تتراجع؛ إذ تراجع ترتيب 62 جامعة أميركية مقارنة بالعام السابق، في حين تقدمت 19 جامعة فقط. وقبل عشر سنوات، كانت جامعتا بكين وتسينغهوا تحتلان المركزين 42 و47 في تصنيف «تايمز للتعليم العالي»، أما اليوم فهما على مشارف العشرة الأولى؛ إذ جاءت تسينغهوا في المركز 12، وبكين في المركز 13.

هونغ كونغ حاضرة

ودخلت ست جامعات في هونغ كونغ قائمة أفضل 200 جامعة، في حين وضعت كوريا الجنوبية أربع جامعات ضمن أفضل 100 جامعة. وفي المقابل، تراجع ترتيب بعض الجامعات الأميركية المعروفة. فقد كانت جامعة ديوك في المركز 20 عام 2021، وأصبحت اليوم في المركز 28. وتراجعت جامعة إيموري من المركز 85 إلى 102 خلال الفترة نفسها. أما جامعة نوتردام، فكانت في المركز 108 قبل عشر سنوات، وأصبحت اليوم في المركز 194.

وقال آشر إن الضغوط التي قد تقلص إنتاج هارفارد البحثي، مثل خفض المنح الفيدرالية وتقليص برامج الدكتوراه، لن تنعكس فوراً في التصنيفات. وأضاف: «إذا كنت تنظر إلى عدد المقالات التي تُنشر في (نيتشر) أو (ساينس)، فهذا يعتمد على أبحاث بدأت قبل أربع أو خمس سنوات. هناك فجوة زمنية كبيرة، ولا أتوقع تأثيراً كبيراً في السنوات القليلة المقبلة».

ورغم تفوق الصين في تخصصات مثل الكيمياء وعلوم البيئة، فإن الولايات المتحدة وأوروبا لا تزالان مهيمنتين في مجالات أخرى مثل علم الأحياء العام والعلوم الطبية. كما أشارت دراسة إلى أن باحثين صينيين عززوا ترتيبهم في الاستشهادات من خلال الاستشهاد ببعضهم بمعدل أعلى مما يفعل الباحثون الغربيون.

وتعود ظاهرة تصنيفات الجامعات إلى أوائل القرن العشرين، وفق آلان روبي، الزميل البارز ومدير الانخراط العالمي في كلية الدراسات العليا للتربية بجامعة بنسلفانيا.

وقال روبي إن الطلاب يستخدمون التصنيفات للمساعدة في اتخاذ قرار التقديم، في حين يعتمد عليها الأكاديميون لتحديد أماكن العمل والبحث، كما تستخدمها بعض الحكومات في توزيع التمويل البحثي، ويستعين بها بعض أصحاب العمل كأداة سريعة لفرز أعداد كبيرة من المتقدمين للوظائف. وأضاف: «إذا كنت تحاول جذب أفضل المواهب في العالم، سواء كانوا طلاباً أو باحثين أو أساتذة، فإنك تريد امتلاك قوة الإشارة التي تقول: نحن مؤسسة عالية التصنيف». وإلى جانب البعد التسويقي، تكتسب التصنيفات أهميتها؛ لأن جودة الجامعات نفسها مهمة، بحسب بول موسغريف، أستاذ العلوم السياسية في فرع جامعة جورج تاون في الدوحة. وقال إن الربط المباشر بين الجامعات الجيدة والقوة الوطنية قد يكون صعباً «لكننا نعلم جميعاً أن تدمير الألمان لجامعاتهم في ثلاثينات القرن الماضي ألحق بهم ضرراً كبيراً على الأرجح».

* خدمة «نيويورك تايمز»

حقائق

قائمة من مركز دراسات العلوم والتكنولوجيا في جامعة لايدن الهولندية تظهر ثماني جامعات صينية ضمن الجامعات العشر الأولى

1. جامعة تشجيانغ – الصين 2. جامعة شنغهاي جياو تونغ – الصين 3. جامعة هارفارد – الولايات المتحدة 4. جامعة سيتشوان – الصين 5. جامعة وسط الجنوب – الصين 6. جامعة هواتشونغ للعلوم والتكنولوجيا – الصين 7. جامعة صن يات-سن – الصين 8. جامعة شيآن جياو تونغ – الصين 9. جامعة تسينغهوا – الصين 10. جامعة تورونتو – كندا.


أمين عام الناتو: ملتزمون بضمان حصول أوكرانيا على الدعم اللازم للدفاع عن نفسها

الأمين العام لحلف الناتو مارك روته خلال مؤتمر صحافي مشترك في زغرب بكرواتيا 12 يناير 2026 (رويترز)
الأمين العام لحلف الناتو مارك روته خلال مؤتمر صحافي مشترك في زغرب بكرواتيا 12 يناير 2026 (رويترز)
TT

أمين عام الناتو: ملتزمون بضمان حصول أوكرانيا على الدعم اللازم للدفاع عن نفسها

الأمين العام لحلف الناتو مارك روته خلال مؤتمر صحافي مشترك في زغرب بكرواتيا 12 يناير 2026 (رويترز)
الأمين العام لحلف الناتو مارك روته خلال مؤتمر صحافي مشترك في زغرب بكرواتيا 12 يناير 2026 (رويترز)

قال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته، الخميس، إن الحلف ملتزم بضمان استمرار حصول أوكرانيا على الدعم اللازم للدفاع عن نفسها.

وأضاف روته على منصة «إكس»، أنه تحدث مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي حول وضع الطاقة في أوكرانيا، وتأثير الهجمات الروسية التي قال إنها «تسبب معاناة إنسانية مروعة، بالإضافة إلى (مناقشة) الجهود المبذولة لإنهاء الحرب».

وتابع: «نحن ملتزمون بضمان استمرار حصول أوكرانيا على الدعم الحيوي اللازم للدفاع عن نفسها اليوم، وتحقيق سلام دائم في نهاية المطاف».

وفي وقت سابق اليوم، دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للتوصل إلى تسوية سلمية في أوكرانيا «بأسرع وقت ممكن»، لكنه شدد على أن روسيا ستواصل السعي لتحقيق أهدافها حتى تبدي كييف استعدادها للتوصل إلى تسوية.