جولات الاقتراع الرئاسي في لبنان تنطلق اليوم

جعجع المترشح الوحيد حتى الآن وتوقع أسماء جديدة في حال التسوية

جولات الاقتراع الرئاسي في لبنان تنطلق اليوم
TT

جولات الاقتراع الرئاسي في لبنان تنطلق اليوم

جولات الاقتراع الرئاسي في لبنان تنطلق اليوم

يتوجه نواب لبنان إلى البرلمان اليوم من دون الاقتناع بقدرتهم أو رغبتهم في انتخاب رئيس جديد للبلاد مع اقتراب ولاية الرئيس الحالي ميشال سليمان من الانتهاء في 25 مايو (أيار) المقبل، وذلك بعدما عجزت القيادات السياسية عن الوصول إلى مرشح توافقي، وتوافقها في المقابل على عدم وصول «مرشح معركة».
ودعا الرئيس اللبناني، المنتهية ولايته، المجلس النيابي والقوى السياسية الممثلة فيه إلى «إتمام الاستحقاق الرئاسي»، عبر «تأمين النصاب القانوني واختيار من هو الأصلح والأنسب والأجدر لقيادة البلاد وتحقيق الخير العام، في مرحلة أقل ما يقال فيها إنها توجب منسوبا استثنائيا من الوحدة والتآزر وتغليب المصلحة الوطنية العليا على أي مصلحة خارجية أو فئوية أو خاصة». وأعرب سليمان عن توقعاته أن يكون البرلمان «على قدر المسؤولية الوطنية الملقاة على عاتقه»، وذلك بانتخاب «رئيس جديد يستحقه اللبنانيون، قبل 25 مايو 2014».
وتوقع مصدر لبناني حصول نصاب للجلسة، وإجراء الجولة الأولى من الانتخاب التي لن يحصل فيها أي من المرشحين، على الغالبية اللازمة (الثلثان)، فترفع الجلسة إلى موعد آخر يكون فيها انتخاب رئيس الجمهورية بالأكثرية العادية، أي نصف الحضور زائدا واحدا.
وإذا كان المرشح الأول - رسميا - للرئاسة، هو رئيس «القوات اللبنانية» سمير جعجع، فإن هناك الكثير من المرشحين، بينهم من هو جاد، وبينهم من هو مرشح مناورة. وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط» إن إجراء الانتخابات وفق الظروف الحالية سوف يؤدي إلى فوز جعجع في الدورة الأولى بأكثرية الأصوات، من دون حصوله على الأغلبية اللازمة، بينما سيكون الأمر مختلفا في الدورة الثانية. وأشار المصدر إلى أن حلفاء جعجع، وتحديدا تيار «المستقبل»، الذي يرأسه الرئيس الأسبق للحكومة سعد الحريري، سيصوتون لصالح جعجع، وكذلك حلفاء آخرين في قوى «14 آذار» كـ«الكتائب» والمسيحيين المستقلين، لكن التزام بعض هؤلاء سيقتصر على الجولة الأولى، مما يبقي الأمور مفتوحة في الدورة الثانية، خصوصا مع وجود ضغط على بعض نواب مدينة طرابلس لئلا يصوتوا لجعجع احتجاجا بعد اتهامه باغتيال ابن المدينة الرئيس الأسبق للحكومة رشيد كرامي، وهي إحدى القضايا التي أدين بها جعجع وأدخلته إلى السجن 11 سنة بعد خلافه مع النظام السوري في التسعينات.
ويرى المصدر أن جعجع فاز بمجرد ترشيحه بثلاثة أمور أساسية، هي: كسر «الحرم» المفروض عليه من قبل حزب الله، كما أنه حجز لنفسه موقعا أساسيا بوصفه ناخبا في الدورة الثانية إذا ما فشل في الحصول على الأكثرية المطلوبة.
أما المرشح الثاني - غير المعلن - فهو النائب ميشال عون، الذي يحظى بدعم معظم قوى «8 آذار» تقليديا، لكن أشيع أخيرا أنه فتح كوة حوار مع تيار «المستقبل» قد تمهد له الطريق ليصبح رئيسا. لكن هذا السيناريو ممكن فقط في حال حصول «تسوية كبرى» تتضمن ضمن ما تتضمنه حسم الخلاف مع حزب الله وعودة الحريري إلى رئاسة الحكومة، مما يفتح المجال أمام تهدئة سياسية واسعة. غير أن العقبة الأساسية أمام عون تبقى حالة «عدم الثقة» مع الأطراف الأخرى، وقربه الواضح من حزب الله رغم حواره مع «المستقبل» ولقائه الأخير مع الحريري سرا في روما. ويقول المصدر الذي رفض ذكر اسمه، إن أي تسوية حول عون، لا يمكن إلا أن تكون تسوية لها أبعاد إقليمية ودولية.
من ناحية ثانية، يحتفظ حزب الكتائب لنفسه بحق مرشحه، الرئيس الأسبق للجمهورية أمين الجميل، الذي لم يخف حزبه نيته الترشح للرئاسة، لكنه اصطدم بترشح جعجع واصطفاف تيار «المستقبل» خلفه، فأيد جعجع، محتفظا لنفسه بحق الترشح في الدورة الثانية لاقتناعه بإمكانية حصول توافق عليه، خصوصا أن الحزب أبقى قنوات الحوار مفتوحة مع الأطراف الأخرى، وتحديدا مع حزب الله، حيث زار نوابه مواقع تفجيرات انتحارية حصلت في ضاحية بيروت الجنوبية تضامنا مع الحزب.
كذلك، لدى «14 آذار» مرشح ثالث هو النائب والوزير بطرس حرب، الذي أعلن بدوره تأييده لجعجع. وحرب هو أحد المرشحين الدائمين للرئاسة، لكنه لم يقترب منها يوما. وكان أقرب اجتماع عليه في الانتخابات السابقة، حيث تبنت قوى «14 آذار» ترشيح النائب السابق نسيب لحود، قبل حصول توافق على الرئيس الحالي ميشال سليمان.
وفي المقابل، هناك لقوى «8 آذار»، مرشح آخر تقليدي، هو النائب سليمان فرنجية، الذي يتمتع بعلاقة صداقة مع الرئيس السوري بشار الأسد وبتحالف متين مع حزب الله، غير أن فرنجية يحصر ترشيحه بانعدام فرص عون، مكررا في أكثر من مناسبة أنه مع ترشيح عون إذا كانت لديه الفرصة.
أما خارج التكتلين الأكبر، فهناك ترشيح النائب هنري حلو، من قبل النائب وليد جنبلاط، وهو ترشيح ينظر إليه البعض على أنه «مناورة» من جنبلاط لتفادي تأييد أي من المرشحين المعلنين، غير أن حلو أكد لـ«الشرق الأوسط» أن ترشيحه جدي، رغم اعترافه بضعف الفرص حاليا. وهنري حلو، هو نجل النائب والوزير السابق بيار حلو المعروف باعتداله. علما بأن حلو رفض قبول ترؤس حكومة يشكلها الرئيس أمين الجميل قبل انتهاء ولايته وتعذر انتخاب رئيس جديد في عام 1989.
ويقال إن ترشيح حلو هو للتغطية على مرشح آخر مفضل لجنبلاط، ولرئيس مجلس النواب نبيه بري، هو الوزير السابق جان عبيد، المعروف بعلاقاته المحلية والدولية الواسعة. وعبيد عين وزيرا عدة مرات في عهد الوصاية السورية، غير أنه ابتعد عن الأضواء بعد جفاء سوري حياله لمخالفته. وقد طالت عبيد حملة شائعات أخيرا حول علاقته بالنظام السوري، ربطها البعض بمحاولة لـ«حرق اسمه». وقد توعد عبيد، في بيان أصدره، مطلقيها بالملاحقة القضائية، معلنا أن الحملة باتت معلومة لديه بـ«الأسماء والممولين والمعدين والمبالغ المدفوعة للنشر في لبنان والخارج»، مؤكدا أنه «ومن دون زهد مصطنع ليس مرشحا للجمهورية في ظل التنافس القائم اليوم».
ومن خارج الطاقم السياسي المعروف، يبرز اسمان من طبقة الموظفين، لكن انتخابهما يحتاج إلى تعديل الدستور، أولهما قائد الجيش العماد جان قهوجي، الذي يطرحه البعض مرشحا توافقيا، لكن البعض يعارض وصوله، رفضا لتكريس عرف وصول قائد الجيش إلى الرئاسة، وهذه الحال كانت مع الرئيسين الأسبقين إميل لحود وميشال سليمان.
أما المرشح الثاني، فهو حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي طرح اسمه غير مرة استنادا إلى نجاحه في تثبيت سعر صرف الليرة والوضع النقدي منذ وصوله إلى منصبه قبل نحو 20 سنة. غير أن اسمه سحب من التداول أيضا بسبب حاجته - كما قهوجي - إلى تعديل للدستور الذي ينص على أن الموظفين لا يمكن انتخابهم إلا إذا استقالوا قبل ستة أشهر من تاريخ الانتخابات.

صندوق اقتراع فارغ على منضدة في البرلمان اللبناني عشية انطلاق سباق الانتخابات الرئاسية المقرر اليوم (أ.ف.ب)



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.