الصناعات الإبداعية... سبيل بريطانيا للنمو في 2017

تسهم بما يزيد عن 110 مليارات دولار في اقتصاد المملكة المتحدة

الصناعات الإبداعية... سبيل بريطانيا للنمو في 2017
TT

الصناعات الإبداعية... سبيل بريطانيا للنمو في 2017

الصناعات الإبداعية... سبيل بريطانيا للنمو في 2017

«لو كنت معلومة بسيطة، لفاخرت بالعيش في مجتمع معلومات، لكن بوصفي كائنًا مفكرًا ومُبدعًا، فأنا أتطلع إلى شيء أفضل، إننا نحتاج إلى المعلومات، لكننا نحتاج أيضًا إلى أن نكون نشطين ومهرة ومُثابرين، لاختبار هذه المعلومات، نحتاج إلى أن نكون أُصلاء في تفكيرنا، بكلمة واحدة: أن نكون مبدعين». عن جون هوكنز، مؤلف كتاب «الاقتصاد الخلاق».
منذ نحو عقد من الزمان، والصناعات الإبداعية تعتبر الجزء الأسرع نموًا في الاقتصاد البريطاني، حتى أصبحت هي العلامة التجارية الأهم لبريطانيا. وفي جميع أنحاء العالم، يعتبر «الاقتصاد الإبداعي» جزءًا مهمًا من الاقتصاد العالمي، حيث أصبح لدى الحكومات والقطاعات المختلفة إدراك متزايد لأهمية الاقتصاد الإبداعي، بوصفه مُولّدًا لفرص العمل والثروة والتواصل الثقافي.
ولطالما كانت بريطانيا رائدة في تطوير الصناعات الإبداعية، ليس فقط بوصفها محركًا للاقتصاد، ولكن أيضًا لتعزيز الاندماج الاجتماعي والتنوع الثقافي والتنمية الاجتماعية. وتُسهم الصناعات الإبداعية بما يزيد عن 90 مليار جنيه إسترليني (110.5 مليار دولار) في اقتصاد المملكة المتحدة، وفقًا لآخر إحصاءات عام 2014. وتشير الأرقام إلى أن القطاع ينمو بمعدل يقرب من ضعف معدل نمو الاقتصاد ككل في المملكة المتحدة، حيث يستطيع توليد 9.6 مليون جنيه إسترليني (نحو 12 مليون دولار) في الساعة.
تبرز أهمية الصناعات الإبداعية في بريطانيا، في وقت تزداد فيه التوقعات باستمرار اضطراب النمو الاقتصادي البريطاني خلال عام 2017. ففي العام الماضي، أصبح الاقتصاد البريطاني أكثر تداخلاً من المعتاد مع السياسة. وقرر الناخبون البريطانيون أن الفترة الطويلة من عدم اليقين بشأن الـ«بريكسيت» هي نتيجة أساسية ومنتظرة منذ الأزمة المالية العالمية 2008 – 2009، والانتعاش الضعيف منذ ذلك الوقت. أما الاضطرابات السياسية والتي لا تقتصر على بريطانيا فقط، فمن شأنها أن تشكل توقعات بشأن النمو الضعيف في عام 2017.
ويأتي متوسط التوقعات لنمو الاقتصاد البريطاني في عام 2017 عند 1.3 في المائة فقط، مقابل 2 في المائة في العام الماضي، و2.2 في المائة عام 2015. ويرجع ذلك إلى تأثير توقعات الـ«بريكسيت». ولكن هذا المتوسط يخفي مجموعة واسعة من التوقعات، أحدها يتوقع نهاية متفائلة، بتحقيق نمو بنسبة 2.7 في المائة، في حين، في نهاية متشائمة، هناك توقع بنمو نسبته 0.6 في المائة. ولكن الغالبية تتوقع تباطؤًا كبيرًا في عام 2017، مع تفاقم مخاطر الخروج من الاتحاد الأوروبي في 2019. ومستويات المعيشة في بريطانيا هي أيضًا عرضة للسقوط، وأحد أسباب التراجع هو تباطؤ النمو الاقتصادي. وهذا يعني انخفاض نمو العمالة، وربما يشهد القطاع تراجعًا واضحًا. وإضافة إلى ذلك، فإن ضعف الجنيه الإسترليني وارتفاع التضخم يؤدي إلى تآكل الأجور الحقيقية. وكذلك تتوقع مؤسسة القرار «Resolution Foundation» - وهي مؤسسة فكرية غير حزبية ومقرها لندن - أن تأتي الأرباح الحقيقية في جميع أنحاء بريطانيا، قريبة أو أقل، من الصفر في النصف الثاني من عام 2017. وكذلك فإن ارتفاع التضخم سيفاقم من تدني القيمة الاسمية لاستحقاقات الرعاية الاجتماعية.
وترتفع توقعات التضخم في أسعار المستهلك في العام الحالي إلى 2.5 في المائة، بعد أن كانت 0.7 في المائة فقط في العام الماضي. ولكن هناك مجموعة واسعة من التوقعات، حيث يرى المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية، أن التضخم سيسجل 3.5 في المائة في العام الحالي. كما أن أسعار المستهلكين قد تواجه موجة متجددة من ضعف الجنيه الإسترليني وارتفاع أسعار الفائدة طويلة الأجل، كما أن هناك أثر وصول دونالد ترامب إلى السلطة في أميركا، وهو ما يزيد من الآثار السلبية على الاقتصاد البريطاني في ظل قوة الدولار الأميركي.
ويمثل ترامب حافزًا ماليًا كبيرًا للاقتصاد الأميركي، عبر مزيج من التخفيضات الضريبية ومزيد من الإنفاق على البنية التحتية. لكنه يمثل تهديدًا أيضًا للنظام التجاري العالمي، ربما بدءًا من حرب تجارية مع الصين.
والمملكة المتحدة، باعتبارها اقتصادًا مفتوحًا، فلن تقف كمجرد متفرج، بل ستصبح مُهددة هي الأخرى بالسياسات التوسعية المرتقبة في الولايات المتحدة الأميركية. وليس ترامب التحدي الوحيد أمام المملكة المتحدة، فهي أيضًا عرضة ليس فقط لنتائج مفاوضات الـ«بريكسيت»، ولكن لعدة أحداث أخرى داخل الاتحاد الأوروبي، أبرزها الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي قد تؤدي بمارين لوبان، زعيم الجبهة الوطنية، إلى السلطة، فضلاً عن آفاق السياسة الإيطالية غير المؤكدة. وتلك جميعها مخاطر جيوسياسية تؤثر على الاقتصاد البريطاني في 2017.
ولسوء الحظ، فإن الشكوك حول الـ«بريكست»، والتحولات في البيئة السياسية العالمية ستصيب الاقتصاد البريطاني - الذي تظهر عليه بالفعل علامات ضعف كبيرة - في عام 2017. فالمملكة المتحدة تعاني من عجز هائل في الحساب الجاري، ومن المتوقع أن يصل إلى 5.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2016، وفقًا لبيانات مكتب المساءلة عن الموازنة، ومن المتوقع أن يصل صافي دين القطاع العام إلى 90 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2017 - 2018. ولا يزال نمو الإنتاجية ضعيفًا بشكل رهيب. وأخيرًا، لا يزال الاستثمار في الأعمال التجارية ضعيفًا جدًا، ومتوقع أن يتجه إلى الإنتاج السلبي.
من الواضح أن الصناعات الإبداعية في بريطانيا ستكون هي سبيل الخروج من العثرة المتوقعة للاقتصاد في العام الحالي. ذلك لأن الصناعات الإبداعية تنمو بشكل أسرع من أي قطاع أعمال آخر في معظم المملكة المتحدة، مع 47 مجموعة مختلفة منتشرة في جميع أنحاء البلاد. ولا تزال لندن مسؤولة عن 40 في المائة من جميع وظائف الصناعات الإبداعية وثلث الشركات الإبداعية، وهناك كتل أصغر تزدهر في جميع أنحاء البلاد، وفقًا لتقرير جغرافيا الإبداع في المملكة المتحدة.
كما يقول التقرير، الذي يتضمن خريطة 47 «مجموعة خلاقة» في البلاد: «على الرغم من أنه من المعروف أن الصناعات الإبداعية هي محرك النمو في مدن مثل لندن وبريستول، ومانشستر، وأدنبره، وكارديف، وأن كفاءتها تقل على نطاق واسع في أجزاء أخرى من المملكة المتحدة، فإن الخريطة تؤكد أن المجموعات الإبداعية لها حضور بارز في لندن والجنوب الشرقي (والتي تُكوّن معًا نحو ثلث المجموعات المحددة). ولكن تم العثور أيضًا على أكثر من 5 مجموعات في شمال إنجلترا، واسكوتلندا وويلز وآيرلندا الشمالية، وجميعها مجموعات صناعية متميزة جدًا. وشهدت أكثر من ثلثي هذه المناطق نموًا أسرع في الصناعات الإبداعية عن قطاعات العمل العام».
وتسهم الصناعات الإبداعية في المملكة المتحدة بنحو 90 مليار جنيه إسترليني تقريبًا من الناتج المحلي الإجمالي. فهي تشكل واحدة من بين 11 وظيفة، وهذا معدل يرتفع بسرعة أكبر من قطاعات أخرى من الاقتصاد. وهذه الوظائف هي أيضًا من بين الأقل احتمالاً أن تتم خسارتها في ظل التطور التكنولوجي والتحول إلى مرحلة «التشغيل الآلي». فكثير من الشركات التجارية في بريطانيا، تمثل نماذج من الإبداع وريادة الأعمال، كذلك فالعلاقة بين الثقافة والتكنولوجيا والعلوم قوية ومتنامية جدًا في بريطانيا. وارتفع عدد الوظائف في الصناعات الإبداعية بنحو 20 في المائة منذ 2011 إلى 1.9 مليون وظيفة حاليًا، وفق بيانات وزارة الثقافة والإعلام والرياضة.
يأتي اهتمام بريطانيا بالصناعات الإبداعية تماشيًا مع استراتيجية النمو الجديدة، التي تناولتها قمة الـ20 في شنغهاي، في سبتمبر (أيلول) الماضي، والتي تقوم بالأساس على تعزيز التحول الاقتصادي، والاستفادة من إمكانات النمو في القطاعات الناشئة، مثل اقتصاد الإنترنت، والاقتصاد الأزرق - وهو نوع من الاقتصاد يؤكد على حماية الإدارة المستدامة للموارد المائية - والاقتصاد الأخضر. وتطوير مفهوم اقتصاد الإنترنت سيكون لخلق بيئة مواتية لتمكين الفئات الضعيفة والمحرومة، وبخاصة النساء والشباب والمعوقين والفقراء، من التنمية.
وتقوم استراتيجية بريطانيا لتطوير قطاع الصناعات الإبداعية على 4 محاور؛ وهي: الاستثمار المشترك بين القطاع العام والخاص لتطوير أعمالهم الإبداعية المستدامة، والابتكار من أجل توسيع الاقتصاد في جميع مجالات الأعمال التجارية بما فيها القطاع العام، وزيادة الشمولية وخلق فرصة للأشكال الإبداعية الناشئة والاعتراف بقيمة التداولات المحلية والشراكات القائمة، وكذلك فتح مسارات تكنولوجية مبتكرة جديدة إلى الأسواق العالمية.
فالابتكار هو العنصر الرئيسي للنمو الاقتصادي، وأصبحت الحكومات بحاجة فعلية إلى تسهيل مزيد من التعاون الدولي وتشجيع نشر المعرفة عبر الحدود، للحفاظ على النجاح في الابتكار، حسبما يقول تقرير مؤشر الابتكار العالمي. ويشير تقرير صادر عن جامعة «كورنيل» و«إنسياد»، والمنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو)، إلى أن تدفقات المعرفة عبر الحدود تمكّن الابتكار - من خلال شبكات الابتكار العالمية - بأن يعود النفع بصورة أكبر على الاقتصاد العالمي؛ لأنها ستؤدي إلى زيادة الاستثمار في الصناعات السابقة التي لا ترتبط بالابتكار، وإضافة إلى ذلك، فإنه يسمح بمزيد من الاستثمارات عبر الحدود.
والتدفق الحر للبيانات هو، في حد ذاته، سائق كبير للابتكار؛ لأنه يتيح تبادل الأفكار والمعلومات ونشر المعرفة، وكذلك التعاون بين الأفراد والشركات. وتؤثر تدفقات البيانات عبر الحدود بشكل حاد على قدرة الشركات على القيام بالأعمال التجارية على الصعيد الدولي، فهي تخفض التكاليف المتعلقة في مجالي التجارة والمعاملات، وكذلك التكاليف التشغيلية الأخرى المتعلقة بتنفيذ المشروعات. ويقدّر تقرير، صدر مؤخرًا عن لجنة التجارة الدولية الأميركية، أن الإنترنت يقلل من تكاليف التجارة بنسبة 26 في المائة في المتوسط. إضافة إلى ذلك، فإن الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تستخدم الإنترنت للتجارة عبر منصات عالمية لديها قدرة للبقاء على قيد الحياة ومواصلة أعمالها بشكل جيد ومُربح، يصل لنحو 54 في المائة، وهي نسبة أعلى بـ30 في المائة من تلك الشركات التي تعمل بالطرق التقليدية.
وهناك عدد من الآثار الاقتصادية الأخرى الناتجة عن اعتماد الاقتصادات على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، تأتي في مقدمتها المساهمة في نمو الناتج المحلي الإجمالي. فالنتائج من مختلف بلدان العالم تؤكد الأثر الإيجابي لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات على النمو؛ على سبيل المثال، يُسهم نمو قطاع التكنولوجيا بنحو 10 في المائة في تحقيق زيادة بنسبة 1.4 في المائة في نمو الناتج المحلي الإجمالي في الأسواق الناشئة، وفي الصين، يمكن أن تصل هذه النسبة إلى 2.5 في المائة.
باختصار، تكمن استراتيجية بريطانيا الجديدة في تحقيق النمو بطريقة مستدامة ومبتكرة وأكثر تخصصًا، وتشجيع المرونة التي تحتاجها أي دولة للوصول إلى اقتصاد ناجح في القرن الـ21. وإضافة إلى النسب المئوية والنمو المرتفع المتولد من الصناعات الإبداعية، تعود أهمية تلك الصناعات إلى دورها المتوقع في إحداث موجة صاعدة للمعرفة الاقتصادية، وكونها قائدة للصناعات والخدمات الأخرى، عبر تزويدها بالمحتوى الرقمي الذي يُترجم مباشرة إلى ميزة تنافسية وطاقة إبداع لقطاعات الاقتصاد الأخرى، وكذلك عبر احتضان رأس المال الإبداعي والعاملين الإبداعيين عمومًا.



تراجع أرباح «وودسايد إنرجي» للطاقة في 2025 نتيجة تراجع أسعار النفط

منشأة غاز تابعة لشركة «وودسايد إنرجي» للنفط والغاز الأسترالية (الموقع الإلكتروني لـ«وودسايد إنرجي»)
منشأة غاز تابعة لشركة «وودسايد إنرجي» للنفط والغاز الأسترالية (الموقع الإلكتروني لـ«وودسايد إنرجي»)
TT

تراجع أرباح «وودسايد إنرجي» للطاقة في 2025 نتيجة تراجع أسعار النفط

منشأة غاز تابعة لشركة «وودسايد إنرجي» للنفط والغاز الأسترالية (الموقع الإلكتروني لـ«وودسايد إنرجي»)
منشأة غاز تابعة لشركة «وودسايد إنرجي» للنفط والغاز الأسترالية (الموقع الإلكتروني لـ«وودسايد إنرجي»)

أعلنت شركة «وودسايد إنرجي غروب» الأسترالية للنفط والغاز الطبيعي، الثلاثاء، انخفاض صافي أرباحها في السنة المالية 2025، بنسبة 24 في المائة، رغم تسجيل الشركة زيادة في الإنتاج، ولكن تراجع أسعار النفط محا أثرها.

ولم تسجل الأرباح قبل حساب الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك -وهي مؤشر رئيسي للأرباح- أي تغيير عن العام السابق، وسط ضعف في الإيرادات التشغيلية.

في الوقت نفسه، رفعت الشركة توزيعات الأرباح للربع الأخير من العام الماضي، في حين خفضت توزيعات الأرباح السنوية.

وفي أستراليا، ارتفع سهم الشركة بنحو 2.8 في المائة، ليصل إلى 27.87 دولار أسترالي.

وعلى مدار العام، انخفض صافي الربح بنسبة 24 في المائة إلى 2.72 مليار دولار، بما يعادل 143 سنتاً للسهم في العام الماضي، مقابل 3.57 مليار دولار، بما يعادل 189 سنتاً للسهم خلال العام السابق.

في الوقت نفسه، بلغت الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك خلال العام الماضي 9.277 مليار دولار، مقابل 9.276 مليار دولار في 2024.

وانخفضت الإيرادات التشغيلية بنسبة 1 في المائة، لتصل إلى 12.98 مليار دولار في 2025، مقابل 13.18 مليار دولار في العام السابق. وأشارت الشركة إلى أن الإنتاج القياسي الذي حققته عوَّض انخفاض الأسعار.

وأعلنت «وودسايد» عن وصول إنتاجها خلال العام الماضي إلى 198.8 مليون برميل نفط مكافئ، مقابل 193.9 مليون برميل نفط مكافئ في العام السابق.

وباستثناء تأثير التعديلات الدورية التي تعكس الترتيبات المنظمة لمشروع «ويتستون» للغاز الطبيعي المسال، زاد حجم مبيعات «وود سايد» بنسبة 4 في المائة، ليصل إلى 212.2 مليون برميل نفط مكافئ خلال العام الماضي، مقابل 193.9 مليون برميل في العام السابق.

وفي الوقت نفسه، تراجع متوسط سعر النفط بالنسبة للشركة خلال العام الماضي بنسبة 5 في المائة إلى 60.2 دولار للبرميل، مقابل 63.4 دولار للبرميل في 2024.


أزمة ثقة تلاحق الأسواق الإندونيسية وتزيد قلق المستثمرين

أشخاص يجلسون بالقرب من لوحة إلكترونية تعرض مؤشرات سوق الأسهم في بورصة إندونيسيا (رويترز)
أشخاص يجلسون بالقرب من لوحة إلكترونية تعرض مؤشرات سوق الأسهم في بورصة إندونيسيا (رويترز)
TT

أزمة ثقة تلاحق الأسواق الإندونيسية وتزيد قلق المستثمرين

أشخاص يجلسون بالقرب من لوحة إلكترونية تعرض مؤشرات سوق الأسهم في بورصة إندونيسيا (رويترز)
أشخاص يجلسون بالقرب من لوحة إلكترونية تعرض مؤشرات سوق الأسهم في بورصة إندونيسيا (رويترز)

تواجه السلطات في إندونيسيا تحدياً كبيراً بسبب فقدان الثقة المتزايد بأسواقها المالية، فالتدخلات الأخيرة لم تهدّئ الأسواق كما كان متوقعاً، بل زادت قلق المستثمرين بشأن استقرار الاقتصاد.

وبقيت عملة أكبر اقتصاد في جنوب شرق آسيا، الروبية، قرب أدنى مستوياتها القياسية منذ أن اختار الرئيس برابوو سوبينتو ابن شقيقه نائباً لمحافظ البنك المركزي الشهر الماضي.

ولم ينجح هذا التعيين والوعود بالإصلاح في أعقاب خفض وكالة «موديز» للتصنيف الائتماني السيادي وانتقادات مزود المؤشرات «إم إس سي آي» بشأن تداول الأسهم في إقناع المستثمرين.

وقد تعافى المؤشر الرئيسي للأسهم من أدنى مستوياته، لكنه انخفض بأكثر من 3 في المائة في عام 2026، ليصبح أسوأ مؤشر أداء في المنطقة.

وكان الطلب في مزاد الديون الحكومية الأسبوع الماضي ضعيفاً، ويشير إلى ما هو على المحك: إذا لم تحصل الحكومة على دعم المستثمرين فسيتعين عليها دفع المزيد لتمويل جدول إنفاق طموح لتعزيز النمو، الذي يضغط بالفعل على مالية الدولة.

وقال المستشار في شركة «أورميت كيلولا نوسانتارا» في جاكرتا، فوزان لوثسا: «السياسة المؤقتة لا تحمي السوق، بل تجعل السوق من المستحيل تسعيرها. أكبر خطر هو نمط من السياسات التفاعلية والمتغيرة باستمرار».

الأسواق لا تطلب سياسات تحفيز النمو

وكان المستثمرون الأجانب متوجسين من برابوو حتى قبل فوزه بالمنصب في عام 2024، بناءً على برنامجه الانتخابي القائم على توسيع الدور الحكومي، بخطط إنفاق تشمل الوجبات المدرسية والإسكان.

وقد عمّق سلوك إدارته تحت ضغط السوق هذا الحذر ليصبح شكاً علنياً، وضغط على العملة التي شهدت انخفاضاً بنحو 7 في المائة منذ انتخابه.

شخص يمر بجانب نافذة زجاجية تعكس لوحة إلكترونية تعرض مؤشرات سوق الأسهم في بورصة إندونيسيا (رويترز)

وفي الشهر الماضي، وبعد تحذير «إم إس سي آي» من أن السوق معرضة لتخفيض تصنيفها إلى الأسواق الحدودية، استقال خمسة مسؤولين رفيعي المستوى من البورصة والهيئات التنظيمية في فترة بعد الظهر نفسها.

واقترحت البدائل المؤقتة إصلاحات لتحرير سوق الصرف وقواعد الإفصاح عن ملكية الأسهم لاستعادة ثقة «إم إس سي آي»، وقد لاقت قبولاً جيداً، خصوصاً من المستثمرين المدعومين من الدولة مثل «دانانتارا» وصناديق التقاعد الكبرى.

لكن سرعة وطريقة هذه الوعود -إلى جانب فرض غرامات مفاجئة على عدد قليل من المتهمين بتلاعب الأسهم- زادتا القلق بشأن التغييرات المفاجئة في المستقبل، وما إذا كانت الإصلاحات ستنجح. كما تجاهلت الإدارة بشكل قاطع انتقادات «موديز» بشأن عدم القدرة على التنبؤ، وبدلاً من ذلك ركزت على هدف رفع النمو الاقتصادي السنوي من نحو 5 في المائة إلى 8 في المائة بحلول 2029.

وقال رئيس مركز الاقتصاد الكلي والمالية في معهد تطوير الاقتصاد والمالية في إندونيسيا، محمد رضال تافيكوراهمان: «الأسواق لا تطلب سياسات تحفيز النمو على المدى القصير، ما تحتاج إليه هو القدرة على التنبؤ حتى يمكن حساب المخاطر. الإثباتات على التعافي ليست تصريحات سياسية، بل سجل الأداء: ربعان إلى ثلاثة أرباع بلا مفاجآت تنظيمية».

سوق السندات تحدد الاتجاه

يشكل مستوى العملة وتكلفة الدين السيادي مؤشراً رئيسياً على هذا السجل. كلاهما تحت ضغط، ويمكن أن يتغير بسرعة كبيرة إذا تراجعت الثقة، مع تداعيات مباشرة على تكلفة رأس المال والأداء الاقتصادي.

ويبلغ عائد سند الحكومة الإندونيسية لأجل 10 سنوات 6.458 في المائة، مسجلاً ارتفاعاً بمقدار 34 نقطة أساس هذا العام، في حين تُسجل الروبية 16.825 مقابل الدولار، متخلفة عن نظيراتها، وقد تصل إلى مستويات غير مسبوقة إذا تجاوزت 17.000.

وقال رئيس قسم البحوث في «كوريا إنفسمنت» و«سيكيوريتاس إندونيسيا»، محمد وافي: «إذا باع المستثمرون الأجانب الدين السيادي بشكل مكثف وقفزت العوائد، فستزداد الضغوط على الروبية. سوق الأسهم ما هي إلا مشتقة من الاستقرار الكلي، وإذا أصبحت سوق السندات مضطربة، فسيتعرض سوق الأسهم لضغوط أعمق بالتأكيد».

ولم تقتنع السوق بالأساس المنطقي وراء برنامج برابوو لتقديم وجبات مجانية بقيمة 20 مليار دولار، الذي يُنظر إليه على أنه يخاطر بعقود من السيطرة على العجز، وقلق من قرارات أخرى مثل خفض حصص التعدين أو مصادرة الأراضي وتعليق تصاريح الشركات.

وقالت رئيسة قسم الاقتصاد الكلي العالمي في «معهد أموندي للاستثمار»، أليزيا بيراردي: «ما يهم الأسواق أكثر هو السلوك المرصود: الاتصالات، وإطار السياسات، والإجراءات الملموسة».

وأضافت بيراردي أنه إذا أشارت القيادة إلى سياسات تركز على تمويل المالية العامة، أو تتسامح مع التضخم المرتفع، أو تستخدم البنك المركزي بشكل متكرر لتخفيف العمليات المالية، فإن «التصورات ستتصلب، وارتفاع مخاطر الخصم سيكون حتمياً».

من المؤكد أن ارتفاع العوائد المعتدل لا يشير إلى أزمة وقد يجذب رؤوس الأموال، إلا أن رأس المال الأجنبي يغادر السوق، والمستثمرون يرون أن قرارات الحكومة تزيد المخاطر.

وقال مدير صندوق الدخل الثابت في «مارلبورو»، جيمس آثي: «أشعر أن كل خطوة من هذه الخطوات هي جرح صغير يمكن أن يتراكم ليصبح شيئاً أكبر. ما شهدناه مؤخراً يجعلني أظل متحفظاً لفترة أطول، لأنه من الصعب تسعيره».


«ستاندرد آند بورز»: الدول الأفريقية تتجه نحو المقرضين متعددي الأطراف

شعار وكالة «ستاندرد آند بورز غلوبال» يظهر على مكاتبها في الحي المالي بمدينة نيويورك (رويترز)
شعار وكالة «ستاندرد آند بورز غلوبال» يظهر على مكاتبها في الحي المالي بمدينة نيويورك (رويترز)
TT

«ستاندرد آند بورز»: الدول الأفريقية تتجه نحو المقرضين متعددي الأطراف

شعار وكالة «ستاندرد آند بورز غلوبال» يظهر على مكاتبها في الحي المالي بمدينة نيويورك (رويترز)
شعار وكالة «ستاندرد آند بورز غلوبال» يظهر على مكاتبها في الحي المالي بمدينة نيويورك (رويترز)

قالت سميرة منساه، رئيسة قسم «التصنيفات الوطنية والتحليلات لأفريقيا» في وكالة «ستاندرد آند بورز» للتصنيفات العالمية، يوم الاثنين، إن الحكومات الأفريقية ستعتمد بشكل متنامٍ على المقرضين متعددي الأطراف، وإنها ستواصل تعزيز زخم الإصلاحات خلال عام 2026، رغم استمرار ارتفاع مخاطر أزمة الديون في أنحاء القارة.

وأضافت: «حتى الآن، ووفقاً لـ(صندوق النقد الدولي)، فإن هناك أكثر من 20 دولة تواجه مخاطر عالية لأزمة الديون، أو نقاط ضعف حادة»، وفق «رويترز».

وأشارت منساه إلى أن القدرة على الصمود أمام الصدمات الخارجية تظل أمراً بالغ الأهمية، نظراً إلى أن الاقتراض عبر سندات الـ«يوروبوند» يكون عادةً بالدولار. وقد شهدت إصدارات السندات في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى أقوى بداية لها على الإطلاق هذا العام، حيث أسهم انخفاض تكاليف الاقتراض في زيادة المبيعات بنحو 6 مليارات دولار من دول مثل بنين وكينيا وساحل العاج، ومن المتوقع المزيد من الإصدارات، بما في ذلك أول إصدار لسندات جمهورية الكونغو الديمقراطية.

وأفادت وكالة التصنيف الائتماني بأن 7 من الترقيات السيادية في أفريقيا خلال العام الماضي كانت مدفوعة بشكل رئيسي بتحسن آفاق النمو وزخم الإصلاحات، فيما اتخذت «الوكالة» أيضاً إجراءات سلبية عند تدهور مؤشرات الائتمان نتيجة الصدمات والنكسات السياسية.

وفي تقرير صدر الأسبوع الماضي، ذكرت «ستاندرد آند بورز» أن تغييرات التوقعات كانت «تميل قليلاً نحو السلبية»، متأثرة بشكل كبير بالسنغال وموزمبيق ومدغشقر، بينما سجلت جنوب أفريقيا جانباً إيجابياً. وأبرزت منساه نيجيريا بوصفها نموذجاً ناجحاً للإصلاحات.

وحصلت جنوب أفريقيا على تصنيف «بي بي» مع نظرة مستقبلية إيجابية، ونيجيريا على تصنيف «بي-» مع نظرة مستقبلية إيجابية، وموزمبيق على تصنيف «سي سي سي+» مع نظرة مستقبلية سلبية، بينما وُضع تصنيف السنغال «سي سي سي+» تحت «المراقبة الائتمانية»؛ مما يعكس مخاوف من احتمال تعثرها عن السداد.

وقالت منساه: «نيجيريا تتعافى»، رغم استمرار البلاد في مواجهة تكاليف خدمة الدين المرتفعة.

وأضافت أن الدول قد تتجه في المستقبل إلى تغيير أساليب جمع الأموال لتقليل اعتمادها على سوق سندات اليورو المتقلبة.

وتابعت: «تتطلع الدول الأفريقية بشكل متصاعد إلى دعم بنوك التنمية متعددة الأطراف»، مشيرة إلى أن هذه البنوك، ذات التصنيف الائتماني العالي، قادرة على حشد رؤوس الأموال بعوائد أعلى جاذبية، ومن ثم إقراضها الدول الأفريقية.

كما أشارت «الوكالة» إلى إمكانية تعزيز قدرات هذه البنوك متعددة الأطراف. وأوضحت أن التغييرات الأخيرة في معايير تصنيف مؤسسات الإقراض متعددة الأطراف قد تقلل من كثافة رأس المال المطلوبة للإقراض لبعض الدول ذات التصنيف الائتماني المنخفض التي تتمتع بسجلات سداد قوية، مما يُتيح إمكانية الحصول على قروض سيادية جديدة بقيمة تتراوح بين 600 و800 مليار دولار عالمياً، أو ما بين 90 و120 مليار دولار إضافية لأفريقيا وفق افتراض تناسبي بسيط.

ومع ذلك، فستواصل الحكومات اختبار الأسواق حيثما أمكن. وقدّرت «ستاندرد آند بورز» أن متوسط تكلفة تمويل إصدارات السندات السيادية الأفريقية انخفض بنحو 100 نقطة أساس بين عامي 2024 و2025 ليصل إلى 7.7 في المائة، إلا إن هذا المتوسط المنخفض يُخفي سوقاً انتقائية يواجه فيها بعض المقترضين تكاليف مرتفعة.