المطبخ الإسباني وتأثره بالعرب

يرتكز على الزيت والتوابل

المطبخ الإسباني وتأثره بالعرب
TT

المطبخ الإسباني وتأثره بالعرب

المطبخ الإسباني وتأثره بالعرب

يختلف المطبخ الإسباني بين منطقة وأخرى، ويخضع في معظمه للتقاليد المحلية والمناخ السائد والمحاصيل المتاحة والمراحل التاريخية التي مرّت عليه منذ العصر الروماني وحتى الحقبة العربية الأندلسية. وهي أيضًا قريبة من المغرب وتتأثر أيضًا بالمطبخ المغربي الذي لا تفصله عن إسبانيا سوى ثمانية أميال عبر مضيق جبل طارق.
ويستمد المطبخ الإسباني عناصر مكوناته من تاريخ مركب نالت فيه إسبانيا بعضًا من الغزوات والفتوحات وقامت هي أيضًا فيما بعد بكثير من الغزوات، خصوصًا للعالم الجديد والقارة اللاتينية. وبدأت الحضارة في شبه القارة الإيبيرية في القرن السابع قبل الميلاد بمجتمعات بسيطة نشأت من قبائل كانت تعيش على الصيد. وبدأت مجتمعات جنوب إسبانيا في التجارة مع سفن الفينيقيين والإغريق، واستفادوا منهم في تطوير أساليب جديدة للزراعة، والحصول على محاصيل مفيدة مثل الكروم والزيتون. ولم يضف الرومان إلى ذلك في فترة حكمهم لإسبانيا سوى زراعة الفطر الذي ما زال يزرع في أنحاء شمال إسبانيا إلى اليوم.
في العصور الوسطى كان الفتح العربي لإسبانيا عن طريق مضيق جبل طارق وقدم العرب إلى أهل إسبانيا كثيرًا من أنواع الأطعمة التي لم تكن أوروبا تعرفها ومن مصادر بعيدة وصلت إلى بلاد فارس والهند. ولذلك يعد المطبخ الأندلسي هو الأكثر ثراء بين جميع المناطق الإسبانية حيث قدم له العرب الأرز والصرغم وقصب السكر والسبانخ والباذنجان والبطيخ والليمون والخوخ والبرتقال واللوز. وما زالت الأطباق الحديثة تحمل جذور المطبخ العربي فيها.
من العوامل الأخرى التي أثَّرت على المطبخ الإسباني كان اكتشاف أميركا في عام 1492، حيث وصلت إلى إسبانيا محاصيل جديدة مثل الطماطم والخيار والبطاطس والذرة والفلفل الأخضر والبابريكا والفانيليا والكاكاو. واكتشف الإسبان صناعة الشوكولاته من الكاكاو، كما صدروا بدورهم كثيرًا من المحاصيل إلى العالم الجديد، من بينها الأرز والكروم والزيتون وكثير من الحبوب الأخرى.
ويهتم الإسبان بوجبة منتصف اليوم التي تسمى «لا كوميدا»، ويتم تناولها على مدى ساعتين يتخللهما حديث على الطاولة يستمر أحيانًا حتى الرابعة عصرًا. وفي المطاعم يتم تقديم كثير من الوجبات المتنوعة التي تنتهي بتقديم بعض الفاكهة والحلويات. أما في المنازل فيقتصر الأمر على شوربة أو سلاطة إلى جانب وجبة من اللحم أو السمك والمعكرونة أو الأرز ثم الفاكهة أو الجبن. وتقدم السلاطة الخضراء مع معظم الوجبات الإسبانية.
ومن العادات العربية التي اكتسبها الإسبان بدأ الوجبات بالخبز الذي يصاحبه زيت الزيتون والخل والجبن بدلا من الزبد. كما يدخل الأرز في أشهر وجبة إسبانية على الإطلاق وهي وجبة «باييا» المكونة من الأرز والأحياء البحرية وأحيانًا الدجاج والسجق والأرانب. ويقال إن الاسم العربي لهذه الوجبة هو «البقية» وهي جمع مكونات الطعام من اليوم السابق وطبخها معًا في صحن كبير على نار هادئة مع الأرز. وتشتهر هذه الوجبة في كثير من مناطق إسبانيا مثل الأندلس.
ويعتمد الإسبان على كثير من الخضراوات التي حضرت من أميركا بعد اكتشافها وخصوصا البطاطس والطماطم والكوسة والفلفل الأخضر. وجمعت إسبانيا بين هذه المكونات الجديدة وبين مطبخ البحر المتوسط التقليدي الذي يعتمد على زيت الزيتون والبصل والثوم والباذنجان والخرشوف والخص والفطر. وأنتجت إسبانيا بعض الوجبات الخاصة بها مثل وجبة «كوسيدا»، التي تحتوي على الخضراوات والبقول واللحوم أو الدجاج، وهي تنتشر في كل أنحاء إسبانيا. كما تنتشر أيضًا شوربة «غازباتشو» المكونة من الطماطم وبعض الخضراوات والمكونات الأخرى المطحونة، وهي شوربة تؤكل باردة.
وتشتهر إسبانيا أيضًا بالعديد من الفواكه التي تؤكل طازجة أو مجففة، ومن أشهر أنواع الفواكه في إسبانيا التين والتمر والتفاح والكروم والبرتقال والفراولة والكريز. كما يتم تناول المكسرات بأنواعها بعد تسخينها في الفرن، وهي أيضًا أدخل ضمن مكونات بعض الوجبات والحلويات.
ويعتبر المناخ الإسباني المشمس الدافئ مثاليا لنمو أشجار الزيتون والتي يتم استخراج زيت الزيتون منها، وتنتج إسبانيا أنواعًا جيدة من هذا الزيت، ويستخدم في الطبخ وفي الإضافة إلى أنواع السلاطة. ويؤكل الزيتون المحفوظ أحيانًا كفاتح شهية قبل الوجبات ويقدم في المطاعم مع الخبز وزيت الزيتون قبل تقديم الوجبة الرئيسية.
وتعتمد إسبانيا في مطبخها على المأكولات البحرية مستفيدة من أطول ساحل بحري بين دول أوروبا وأسطول بحري يجوب البحر المتوسط والمحيط الأطلسي وخليج البيسكاي للصيد على مدار الساعة. وتشتهر إسبانيا خصوصًا في المدن الساحلية بأكلات السمك الطازج الذي يؤكل مشويا أو مقليا مع الخبز والسلاطة. وتقدم المطاعم صيفا السردين مشويا على الفحم خصوصا في مدن إقليم الأندلس.
ويعتمد المطبخ الإسباني أيضًا على البقول مثل الحمص والفاصوليا البيضاء والعدس. وهي تستخدم في إعداد أطباق مختلفة من الشوربة أو البقول المطبوخة بالطماطم. وتضاف حبوب العدس إلى السلاطة أحيانا، كما تستخدم الفاصوليا الخضراء والبسلة في كثير من الأطباق من الباييا إلى أطباق الفرن.
وينتشر تناول اللحوم بأنواعها في مختلف أنحاء إسبانيا وهي تؤكل بعد إعدادها بالطرق التقليدية مثل التجفيف والتدخين والحفظ في شكل سجق بالثوم يسمى شوريتزو. ويدخل الدجاج في كثير من الوجبات التي تتكون من صلصة الطماطم والأرز أو البطاطس مع الدجاج. كما تشتهر إسبانيا بالعجة الإسبانية المصنوعة من البيض والبطاطس.
وتنتج إسبانيا كثيرًا من أنواع الجبن وهي تؤكل أحيانًا في وجبات خفيفة تسمى «تاباس» مع الخبز والزيتون وزيت الزيتون. ويفضل البعض تناول الجبن بعد الوجبات بدلاً من الحلوى أو الفواكه.
ويظهر تأثير الحقبة العربية في حكم الأندلس في التوابل التي ما زال الإسبان يستخدمونها في مطبخهم إلى اليوم، ومن أهم هذه التوابل الزعفران الذي يدخل لإكساب الأرز لونا ذهبيا ونكهة مميزة. ويستخدم الإسبان الشطة والثوم والبقدونس والفلفل والخل وعصير الليمون. وكل هذه التوابل تستخدم لتعزيز نكهة وطعم الوجبات وليس لإخفاء طبيعة طعمها، ومعظمها عربي الأصل.
ويبدأ اليوم في العادة بإفطار خفيف يتكون أحيانا من القهوة والشوروس، وهي شرائح مقلية تغمس في الشوكولاته. ولكن وجبة منتصف اليوم تتكون من ثلاثة أطباق وهي الوجبة الرئيسية في اليوم، وتبدأ في الثانية ظهرًا. ويتناول الإسبان وجبة العشاء في وقت متأخر لا يقل عن العاشرة مساء وهي وجبة كاملة تتكون من الأسماك وبعض الفاكهة. وبين الوجبات يشتهر الإسبان بتناول مزات خفيفة تسمى «تاباس».
وللإسبان وجباتهم السريعة أيضًا، ومنها الشوروس والعجة الإسبانية وساندويتشات اللحم، ولكن في السنوات الأخيرة انتشرت مطاعم الوجبات السريعة الأميركية. ولكن الوجبات السريعة لم تؤثر على انتشار المأكولات الإسبانية خصوصًا «التاباس».
من العادات الإسبانية الغريبة تناول 12 حبة من العنب في ليلة رأس السنة من أجل جلب الحظ في السنة الجديدة. ويتناول الإسبان وجبة دسمة في ليلة رأس السنة ويحتفلون حتى ساعات الصباح الأولى.

اختلاف المطبخ الإسباني باختلاف الأقاليم

> تبقى وجبات وعادات كل إقليم مختلفة عن الأقاليم الإسبانية الأخرى. وهذه لمحات عن المطبخ الإسباني في بعض المناطق الإسبانية:
< الأندلس: ينقسم المطبخ الأندلسي إلى قسمين: ريفي وساحلي، وكلاهما يعتمد على زيت الزيتون. والطبق الأندلسي الذي حقق شهرة واسعة هو طبق شوربة غازباتشو، وتتكون من شوربة طماطم يتم تناولها باردة. ويدخل الزيتون والجبن والخبز ضمن المقبلات. ويتناول أهل الأندلس كثيرًا من الأسماك المطهية بأساليب متنوعة.
< اراغون: وهي منطقة تقع عن سفوح جبال البيرانيس وتشتهر برعي الماشية، ولذلك فإن أهم أطباق مطبخ اراغون لحم الغنم المشوي الذي يقدم مملحًا بالفلفل والثوم. وتقدم الأسماك أيضًا مشوية بالزيت والثوم. وتنتج المنطقة أيضًا كثيرًا من اللحوم المحفوظة وأنواع الجبن وتدخل الخضراوات والفاكهة الطازجة التي تزرع محليًا ضمن التنوع الغذائي السائد في المنطقة.
< إقليم الباسك: ويعتمد مطبخ الباسك على اللحوم والأسماك، خصوصًا سمك الباكالاو المقلي في الزيت والثوم. وتلعب الطيور دورًا مهمًا في الوجبات، خصوصًا الإوز والدجاج. كما يعتمد مطبخ الباسك أيضًا على الحبوب بأنواعها وعلى الزيتون والتين.
< جزر الكناري: تختلف جزر الكناري عن إسبانيا في موقعها الجغرافي في المحيط الأطلسي وتجارتها التاريخية مع العالم الجديد التي جعلت منها بوتقة لمختلف أنواع الأغذية وأساليب الطبخ. وهي تعتمد على الأسماك بصفة رئيسية، كما تعد البطاطس من الأغذية السائدة في هذه الجزر. ويضم مطبخ الكناري كثيرًا من أنواع الجبن والخضراوات والفواكه. ويُسهِم موقع الجزر المداري في زراعة كثيرٍ من محاصيل المناطق الحارة مثل الموز والمانغو والأفوكادو، وجميعها تدخل ضمن النظام الغذائي المحلي. ويدخل ضمن مكونات المطبخ المحلي أيضًا صلصات من أصل برتغالي تسمى «موخو» تستخدم بنكهات مختلفة في الطبخ وتضاف إلى اللحوم. وهناك كثير من أنواع الحلويات المحلية التي لا توجد في أي منطقة أخرى في إسبانيا.



«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
TT

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)

في قلب جدة التاريخية، وعلى مقربة من سوق السمك، يقف مطعم البصلي للأسماك شاهداً على حكاية لم تبدأ مشروعاً تجارياً، بل حياة يومية تشكّلت حول البحر، وانتقلت من الأب إلى الأبناء، جيلاً بعد جيل.

قبل نحو سبعة وسبعين عاماً، أسّس والد عائلة البصلي مطعماً صغيراً لا يتجاوز طوله مترين ونصف المتر، في منطقة كانت تعيش على إيقاع الصيد والتجارة. لم يكن الاسم مخططاً له، بل خرج من تفاصيل المكان: سوق السمك، وحبة بصلة، واسم «البصلي» الذي التصق بالموقع قبل أن يصبح علامة يعرفها أهل جدة وزوارها.

كبر المطعم، لكن روحه بقيت كما هي. ومع مرور السنوات، تحوّل من مساحة ضيقة إلى عنوان ثابت في ذاكرة المدينة، في حين ظلّ البحر حاضراً في كل طبق يُقدَّم.

تعلُّم بالممارسة... لا بالوصفات

انتقلت المهنة داخل العائلة عبر الحضور اليومي في المكان، لا عبر وصفات مكتوبة أو تعليمات جاهزة. نبيل حامد، الذي تسلّم إدارة المطعم منذ أكثر من عشرين عاماً، تعلّم المهنة كما عاشها من سبقوه: من اختيار السمك في السوق، إلى تنظيفه، وطريقة طهيه، وتبديل الزيت، وحتى ترتيب الأطباق. كانت الخبرة تُبنى خطوة بخطوة، وتتراكم مع الوقت.

يقول إن الوصفات بقيت كما هي، وإن الاسم لم يتغير؛ لأن الزبائن يأتون بحثاً عن «طعم زمان»، الطعم الذي لم تحكمه موضة، ولم يتبدّل مع تغيّر الأذواق.

مرّ المطعم بمحطات دقيقة، خصوصاً مع التحوّل الذي شهدته جدة التاريخية، وانتقالها من منطقة تجارية إلى فضاء تراثي وثقافي وسياحي مسجل في قائمة «يونيسكو» للتراث العالمي. في تلك المرحلة، كان التحدي الأساسي هو كيفية الاستمرار من دون فقدان العلاقة بالمكان أو بالناس الذين اعتادوا عليه. ومع تزايد الإقبال وامتداد طوابير الانتظار، تبلورت قناعة بأن المطعم أصبح جزءاً من تجربة جدة التاريخية نفسها.

مطعم محلي ومحطة سياحية

ومع هذا الحضور المتراكم، لم يعد مطعم البصلي وجهة لأهالي جدة أو زوارها من داخل المملكة فقط، بل أصبح جزءاً من خريطة السياحة في المدينة، ومحطة تُدرج ضمن برامج زيارة جدة التاريخية. فكما تُزار الأسواق القديمة والمعالم، بات المطعم حاضراً في خطط كثير من القادمين إلى الحي.

الترانزيت الذي لم يكتفِ بالانتظار

ضمن هذا السياق، يروي نبيل حامد قصة مسافر بريطاني من أصول هندية، كان يمر عبر مطار جدة في رحلة ترانزيت لا تتجاوز خمس ساعات. سمع عن «البصلي» قبل وصوله، فقرّر أن يخرج من المطار، يتجه مباشرة إلى جدة التاريخية، يتناول وجبته، ثم يعود ليكمل رحلته.

قال لي: «عندي ساعتان فقط، وجئت خصيصاً لأجرب المطعم»، يذكرها كواقعة تعبّر عن تحوّل المكان إلى وجهة يُقصد لها، حتى في الرحلات العابرة.

اعتراف عالمي جاء بصمت

هذا الحضور لم يكن محلياً فقط. ففي عام 2025، نال مطعم البصلي جائزة أفضل مطعم سمك من مجلة Time Out العالمية، بعد زيارات متكررة قام بها فريق التقييم من دون تعريف مسبق، وفق آلية تعتمد على التجربة الفعلية والتصويت.

وبالنسبة للعائلة، جاءت الجائزة تتويجاً لمسار طويل حافظ فيه المطعم على طعمه وهويته، من دون أن يسعى إلى الشهرة.

جائزة تايم آوت العالمية التي حصل عليها مطعم البصلي لعام 2025 (الشرق الأوسط)

قديم وجديد... بلا قطيعة

اليوم، يعمل «البصلي» بصيغتين: مطعم قديم حافظ على شكله وروحه، وتجربة أحدث استوعبت الإقبال المتزايد. لم يكن التوسع رغبة في الانتشار، بقدر ما كان محاولة لتخفيف الضغط عن المكان الأصلي، مع الإصرار على أن يبقى الطعم واحداً.

نسبة كبيرة من الزبائن اليوم من خارج السعودية، إلى جانب عائلات جدة التي تؤكد، في كل زيارة، أن النكهة لم تتغير. بعضهم يقطع عشرات الكيلومترات، بل يزور المطعم مرات عدة في الأسبوع؛ بحثاً عن مذاق لا يجده في مكان آخر.

مأكولات بحرية يقدمها مطعم البصلي باهتمام دقيق بالتفاصيل (الشرق الأوسط)

السمك... التفاصيل تصنع الفارق

حين يُسأل نبيل حامد عن سر الاستمرارية، لا يتحدث عن التسويق، بل عن التفاصيل: نوعية السمك، نظافته، طريقة التعامل معه منذ خروجه من البحر وحتى وصوله إلى الطبق. ويؤكد أن الحضور اليومي في المطعم، ومتابعة الفريق، وسماع الملاحظات، كلها جزء من فلسفة العمل.

تحضير السمك الطازج داخل مطعم البصلي (الشرق الأوسط)

الماضي... أساس المستقبل

لا يرى «البصلي» المستقبل بعيداً عن الماضي. فالطعم الذي بقي لعقود هو ما منح المطعم شرعيته اليوم، وهو ما يدفعه للتفكير في أي خطوة قادمة بحذر، من دون أن يفقد المكان جذوره.

في مطعم البصلي، لا يُقدَّم السمك بوصفه وجبة فقط، بل بوصفه حكاية عائلة، وذاكرة مدينة، ودليلاً على أن بعض الأماكن تصبح جزءاً من السياحة... لأنها بقيت صادقة مع نفسها.


«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر
TT

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

في قلب حي مصر الجديدة بالقاهرة، الذي يجمع بين العراقة والرقي، يقع واحد من أهم المطاعم العائلية ذات التاريخ الطويل، هو مطعم Le Chantilly «لو شانتييه» الذي يقدم أطباقاً سويسرية ببعض اللمسات الأوروبية المتنوعة.

فيه يمكنك أن تستمتع بمذاقات مختلفة، يجمع بينها المطبخ السويسري الذي يتمتع بتاريخ يعكس التنوع اللغوي والثقافي والجغرافي لسويسرا.

ولا تقتصر خصوصية «لو شانتييه» على هذا الثراء في النكهات والمكونات، لكنه يُعد كذلك وجهة لاستعادة ذكريات رواده، واستدعاء لحظات دافئة من الماضي، فالمطعم الذي أُنشئ في نهاية عشرينات القرن الماضي يُعد من معالم الحي الهادئ.

داخل المطعم تلتقي بزبائن من مختلف الأعمار والفئات، بعضهم من كبار السن الذين اعتادوا تناول الإفطار من قائمة المعجنات والمخبوزات الموجودة في السلة، برائحتها المميزة، وأبرزها الباتيه و«لاوجن كرواسون» بالسالمون المدخن والجبن الأبيض، أو «حلومي بريس» التي تجمع بين خبز الشيباتا، والروكا، والريحان، والطماطم، والجبن الحلومي.

في «لو شانتييه» قد يفضل البعض اختيار أحد أنواع الكيك الذي يشتهر المكان بتقديمه ساخناً في الصباح، مثل «ماربل كيك»، أو «بسكويت كيك» أو «إنجلش كيك» بالـ«دراي فروت»، فضلاً عن الباتيه والكرواسون بالجبن أو سادة، وذلك مع القهوة في الصباح الباكر في منطقة «الأوبن إريا» الملحق بها تراس؛ ليستمتعوا بالشمس مع قراءة الصحف المتوفرة يومياً فيها باللغات الفرنسية، والإنجليزية، والعربية.

وينتظرهم كذلك الـcold cuts بأنواعها، مثل «كروك شانتييه» وهو خبز التوست الأسمر أو الأبيض باللحم الرومي المدخن مع الطماطم والفلفل وغراتين بالجبن مع البطاطس والسلطة الخضراء بالذرة، فضلاً عن ساندوتشات اللحم المدخن بصوص الفلفل، والتركي بالزعتر.

تقول مديرة المطعم السيدة جميلة لـ«الشرق الأوسط»: «(لو شانتييه) من أقدم المطاعم، بل الأماكن الموجودة على الإطلاق في حي مصر الجديدة، وهو وجهة لأبناء العائلات العريقة التي لا يزال معظمهم يعرف بعضهم الآخر». وتتابع: «حتى هؤلاء الذين هاجروا منذ عشرات السنوات فإنهم حين يعودون لزيارة مصر يأتون إلينا لطلب نفس الأطباق القديمة التي كانوا يطلبونها قبل؛ فقد حافظ المطعم على (كلاسيكيته) وأصالته وجودة الطعام بشهادة الضيوف».

دفء الأجواء

وتتابع بابتسامة: «بعض الزوار كانوا صغاراً إلى حد أنهم كانوا يشبون ليختاروا طلباتهم المفضلة من ثلاجة عرض الحلويات المخصصة (للتيك آواي)، الآن صاروا يصطحبون أحفادهم».

غالباً ما تعكس مطاعم المطبخ السويسري ثقافة جبال الألب الهادئة والدافئة؛ ولعل ذلك ما يفسر لنا بقاء هذا المطعم في وجدان أبناء حي مصر الجديدة؛ حيث يتميز بأجواء الترحاب والدفء المنزلي، مع عناصر ديكور ريفية مثل الأثاث الخشبي والمدافئ والأعمال الفنية المستوحاة من الجبال، وفي ظل هذه الأجواء الهادئة والمريحة يتناول رواد الطعام أطباقهم على مهل، كما لو كانوا في المنزل.

تنوع الأطباق

يقدم Le Chantilly قوائم متنوعة من الطعام، ما بين الإفطار والغداء والعشاء مع مجموعة واسعة من الجبن، بما في ذلك «فوندو الجبن السويسري».

ومن أشهر أطباقه شرائح الفيليه المشوية التي تقدم بطريقة «جنيفواز» بزبدة «الكافيه دي باري»، وتقدم مع السلطة المكونة من الخس بالمستردة، والخضراوات السوتيه والبطاطس. وكذلك يقدم طبق «فيل إسكالوب» مشوي بصوص المشروم الكريمي، مع «الجرين نودلز»، و«سكالوب بتلو» محشو بالجبن واللحم البقري المدخن.

ولعشاق البطاطس بنكهاتها المختلفة، فإن «لو شانتييه» هو وجهتهم؛ حيث تُعد مكوناً منتشراً بكثرة في المطبخ السويسري، وتُستخدم بشكل خاص في طبق «روشتي»، وهو طبق شعبي يُؤكل في جميع أنحاء سويسرا، لكنك يمكنك الاستمتاع به في القاهرة داخل هذا المطعم مع شرائح البتلو بصوص المشروم الكريمي، التي تقدم مع بطاطس «روشتي» أو شرائط المكرونة الخضراء.

أما محبو الدجاج فتنتظرهم قائمة طويلة، منها «جريلد تشيكن بريست»، «تشيكن ستروغانوف»، صدور الدجاج المحشوة بالجبن واللحم البقري المدخن، «جريلد تشيكن» التي يعلوها جبن الموتزاريلا الذائبة، وتقدم مع نودلز بالزبدة والخضراوات، إضافة إلى أنواع الحساء المختلفة.

السيدة جميلة (إدارة المطعم)

«السلمون ستيك»، «جريلد» أو «فريد فيش فيليه» مع صوص الليمون، «جريلد سلمون فيليه» مع صوص الشبت الكريمي، «ريد سي شريمب»، هي أطباق تنتظر عشاق المأكولات البحرية في المطعم.

والرائع أن المطبخ يتيح لك المزج بين اللحوم والدجاج أو الأسماك في طبق واحد، في تجربة طعام مختلفة، على سبيل المثال يمكنك اختيار طبق «بيف ميداليون» مع صوص الفلفل مع «التشيكن كوردون بلو»، أو الدجاج المشوي مع صوص المشروم الكريمي، أو «جريلد بيف فيليه» يعلوه الجمبري «البترفلاي» والـ«هيرب بتر صوص».

«الطعام الصحي»

يجد محبو «الطعام الصحي» ترحيباً داخل المطعم أيضاً عبر قائمة من السلطات المميزة ذات النكهات المتنوعة والدريسنج الشهي، ومنها «فيجي حلومي تشيز سالاد» وتتكون من جرجير، خضار مشوي، جبنة حلومي مشوية يعلوها الريحان، تقدم مع «الفيردي دريسنج».

وأيضاً، «كينوا سالاد» وتتكون من ميكس خس، كينوا، الطماطم الشيري، خيار، مكعبات البصل، نعناع وفاكهة الموسم، والإيطاليان دريسنج، أو «شيف سالاد»، وهو طبق غني من السلطات مع شرائح الدجاج والجبن واللحم البارد بصوص «ثاوزند آيلاند».

أما إذا كنت من هواة سلطات «السي فود» فينتظرك «سلمون كراب سالاد» ويتكون من «سلمون مدخن» يقدم على شرائح الكابوريا المتبلة بصوص ميكس الخس، الجزر والـ«ريد بينز»، أو «سويت كورن» تقدم مع «مايو ليمون دريسنج».

ويعيش المطعم مع المصريين في كل مناسباتهم السعيدة مثل الكريسماس من خلال تقديم أفخر أنواع الشوكولاتة والحلوى التي تتخذ أشكال بابا نويل وعربة الغزالة وغير ذلك، كما يقدم الكنافة والقطائف في رمضان، والكعك والبسكويت في عيد الفطر، وفق جميلة.

وتلفت: «يركز المطعم على الضيافة وتجربة تناول طعام مختلفة معاً، منذ اللحظة الأولى يفتح لك باب المحل عامل بأسلوب خاص يسوده التهذيب، وكذلك الجرسونات أيضاً».

وبالرغم من أن «لو شانتييه» مطعم عتيق، فإنه على العكس من المطاعم المماثلة يسمح بتوصيل الأطباق إلى المنازل، بل إنه من مطاعم الـ«كاترينج» حيث يرحب بتقديم الطعام للمناسبات والتجمعات الكبيرة مثل الحفلات، والمؤتمرات، وغيرهما. وذلك في مختلف أنحاء مصر «من الإسكندرية (شمال مصر) إلى أسوان (جنوبها)».


«خوفو» الأول في الشرق الأوسط... و«كورو» الأفضل في السعودية

فريق العمل في مطعم "خوفو" الفائز بالمرتبة الاولى (الشرق الاوسط)
فريق العمل في مطعم "خوفو" الفائز بالمرتبة الاولى (الشرق الاوسط)
TT

«خوفو» الأول في الشرق الأوسط... و«كورو» الأفضل في السعودية

فريق العمل في مطعم "خوفو" الفائز بالمرتبة الاولى (الشرق الاوسط)
فريق العمل في مطعم "خوفو" الفائز بالمرتبة الاولى (الشرق الاوسط)

فاز «خوفو»، الواقع بمنطقة الجيزة في مصر، بجائزة أفضل مطعم في مصر ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتمَّ إعلان هذا الفوز خلال حفل «أفضل 50 مطعماً في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» السنوي، برعاية «سان بيلليغرينو وأكوا بانا».

وتُوِّج بالفوز مطعم «Khufu’s»، الذي يترأس مطبخه الشيف المصري مصطفى سيف، الذي عبَّر عن سعادته العارمة بعد إعلان هذا الفوز المستحق.

وفي مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط» قال الشيف مصطفى سيف إنه سعيد جداً بهذا الفوز؛ لأنه استطاع من خلاله وضع المطبخ المصري، ولأول مرة، على خريطة الطعام العالمية، خصوصاً أنها المرة الأولى التي يتبوأ فيها مطعم مصري المرتبة الأولى في حفل جوائز على هذا القدر من الأهمية.

الشيف طارق علم الدين من مطعم "بايروت" (الشرق الاوسط)

ووصف سيف مطبخه وطعامه بأنه يحتفي بنكهات وطقوس وادي النيل، مع إضافة لمساته العصرية، وإعادة صياغته بطريقة تناسب ذائقة الأجانب والسياح وأهل البلد، على حد سواء.

ويعكس صعود «Khufu’s» اللافت إلى المرتبة الأولى قدرته الاستثنائية على إعادة ابتكار الأطباق المصرية بأسلوب راقٍ ومُتقن، مع عناية دقيقة باختيار أجود المكوّنات وصياغة سردٍ معاصر يستمدّ وحيه من التراث المصري.

وقال الشيف مصطفى إن موقع المطعم على مقربة من الأهرامات، يحتِّم على الأطباق أن تكون مناسبةً للجميع لأن المنطقة سياحية جداً، وأضاف: «أستخدم في أطباقي المنتجات المصرية المحلية، ولكني قمت باستبدال بعض المكونات الثقيلة مثل السمن ليحل محلها زيت الزيتون؛ لأجعل الطعام خفيفاً على المعدة من دون التغيير الجذري بالوصفات التاريخية المصرية الأصيلة».

الفائزون من المملكة العربية السعودية (الشرق الأوسط)

«خوفو» يجمع في أجوائه بين فن الطهي المصري الحديث وإحدى أشهر الوجهات في العالم. ومن هذا الموقع الاستثنائي، يقدّم «Khufu’s» تجربةً تُجسِّد الملامح المعاصرة للمطبخ المصري.

تَصدُّر «خوفو» المرتبة الأولى كان مفاجأةً حقيقيةً للحضور وللشيف مصطفى نفسه، فهذه هي المرّة الأولى التي يتصدَّر فيها مطعم من مصر هذه القائمة المرموقة، إذ تعكس فلسفة الطهي التي يتّبعها، والمُستلهَمة من عمق الثقافة المصرية والغنية بتقاليدها، والمُنفَّذة برؤية عصرية متقنة، أرقى ما يمكن أن تقدِّمه المنطقة العربية للعالم. تُبرز قائمة هذا العام اتّساع أفق الإبداع في مجال الطهي ضمن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع صعود لافت لوجهاتٍ تشهد زخماً متجدّداً، من السعودية والقاهرة ومراكش إلى عمّان وبيروت.

هذا العام سجَّلت مصر إنجازاً لافتاً، فإلى جانب تصدُّر «خوفو» المرتبة الأولى، جاء مطعم «Reif Kushiyaki Cairo» في المرتبة الـ20، مسجِّلاً قفزةً كبيرةً من العام الماضي، بالاضافة إلى «Kazoku»، و«Zooba»، و«Sachi Cairo»، ما يعكس تقدُّم مصر المستمرّ بوصفها وجهةً بارزةً لتجارب الطعام.

ضمت القائمة 16 اسماً جديداً هذا العام، إلى جانب مطاعم فائزة من 14 مدينة مختلفة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وحصد مطعم «Beihouse» في بيروت جائزة «Highest New Entry Awards»، بعد ظهوره الأوّل بالقائمة في المرتبة الخامسة.

مجموعة من الطهاة الفائزة بجوائز مختلفة (الشرق الاوسط)

وتتابع المملكة العربية السعودية مسيرتها التصاعدية في مشهد الطهي الإقليمي، مع حضور قوي لعدد من مطاعمها على القائمة. فقد حصد مطعم «Kuuru» جائزة «أفضل مطعم في المملكة العربية السعودية لعام 2026»، بينما حافظ كلّ من «Marble» على المرتبة 12 وجاء «Myazu» في المرتبة الـ45. أما لبنان، فيؤكّد من جديد صلابته وإرثه العريق في مجال الطهي من خلال مطاعم «Beihouse»، و«أم شريف»، و«بوكو»، ما يرسّخ مكانة بيروت مرجعاً أساسياً في المطبخ الشامي.

كذلك، يواصل المغرب تألّقه هذا العام، حيث تركت مدينة مراكش أثراً بارزاً عبر مطعم «La Grande Table Marocaine» الحائز جائزة «Art of Hospitality Award 2026». وفي الأردن، سجّلت العاصمة عمّان حضوراً لافتاً على القائمة من خلال مطاعم «Alee،» و«شمس البلد» و«دارا دايننغ باي سارة عقل»، في انعكاسٍ واضحٍ لمسار المدينة المتصاعد في مشهد المطبخ المعاصر.

وتُستكمل القائمة بدخول عدد من الأسماء الجديدة البارزة من الكويت، والبحرين، وتونس وقطر، من بينها «مطبخي» و«Cantina»، و«Lyra» من المنامة، إلى جانب «Le Golfe» من المرسى، و«Idam» من الدوحة، ما يُبرز تنوّع أساليب الطهي في مختلف أنحاء المنطقة.

ونالت الشيف سارة عقل جائزة «MENA's Best Female Chef Award»، كما فاز كلّ من عمر ووسيم أورفلي شيف الحلويات التنفيذي وشيف تطوير الحلويات في مطعم «Orfali Bros»، بجائزة «MENA’s Best Pastry».

نالت سلام دقام، الشيف ومؤسِّسة مطعمَي «سفرة مريم» و«بيت مريم» جائزة «Sevenrooms Icon Award». وفاز مطعم «Farmers» في المغرب بجائزة الاستدامة.

سلّطت نسخة هذا العام من الجوائز الضوء أيضاً على 3 جوائز خاصة. فقد نالت منى حداد، مؤسِّسة شركة «Baraka Destinations»، جائزة «Champions of Change Award»، تكريماً لمقاربتها الريادية والمجتمعية في قطاعَي الضيافة والسياحة في الأردن. فيما حصد «Middle Child» جائزة «One To Watch Award»، احتفاءً بروحه المجتمعية الدافئة وما يحمله من إمكانات واعدة في السنوات المقبلة.

عملية التصويت

تتولّى أكاديمية (أفضل 50 مطعما) وضع قائمة الترشيحات، وهي مجموعة مؤلفة من 250 خبيراً في قطاع المطاعم من 19 دولة في المنطقة، تم اختيارهم بفضل خبراتهم المهنية في مطاعم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. تنقسم ألاكاديمية إلى 5 مناطق: الخليج العربي، والمملكة العربية السعودية، والمشرق، وشمال أفريقيا (شرق) وشمال أفريقيا (غرب). ولكلّ منطقة لجنة خاصة يترأسها رئيس مجلس إدارة يُسمى «رئيس الأكاديمية (Academy Chair)»، إلى جانب مؤلفين، ونقّاد، وطهاة، وأصحاب مطاعم وذوّاقة رفيعي المستوى. يصوّت كل عضو لما يصل إلى 10 مطاعم لقائمة عام 2026، شرط أن يكون ما لا يقل عن 4 منها خارج البلد الذي يوجد فيه. ولكي يتم إدراج المطعم في القائمة، يجب أن يحصل على أصوات من أكثر من دولة واحدة داخل المنطقة. ولن يكون للجهات الراعية للفعالية أي تأثير على عملية التصويت.