أنقرة: على إيران الضغط على النظام وميليشياتها لوقف الخروقات

إردوغان: ترتيبات جديدة لإنهاء عملية الباب... وواشنطن ضد أي مساس بالأكراد

مواطن سوري يحمل حطباً للتدفئة في احد شوارع مدينة دوما المحاصرة بمحافظة ريف دمشق (أ.ف.ب)
مواطن سوري يحمل حطباً للتدفئة في احد شوارع مدينة دوما المحاصرة بمحافظة ريف دمشق (أ.ف.ب)
TT

أنقرة: على إيران الضغط على النظام وميليشياتها لوقف الخروقات

مواطن سوري يحمل حطباً للتدفئة في احد شوارع مدينة دوما المحاصرة بمحافظة ريف دمشق (أ.ف.ب)
مواطن سوري يحمل حطباً للتدفئة في احد شوارع مدينة دوما المحاصرة بمحافظة ريف دمشق (أ.ف.ب)

طالبت أنقرة إيران بالضغط على ميليشياتها والنظام السوري لوقف انتهاك اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بتفاهم تركي – روسي، محذرة من أن استمرار الخروقات قد يؤدي إلى تأخير انعقاد مفاوضات الحل السياسي المقررة في العاصمة الكازاخية آستانة. من ناحية أخرى، وبينما أعرب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان عن تفاؤله بالجهود المبذولة مع موسكو حيال سوريا، نقلت وكالة أنباء الأناضول التركية الرسمية فيما يخص الوضع الميداني حول مدينة الباب في محافظة حلب، أن واشنطن عرضت تقديم الدعم لتركيا في عملياتها على جبهة الباب لكنها اشترطت عدم التعرض لحزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي السوري الكردي.
وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، أعلن أمس، الأربعاء، أن مفاوضات آستانة ستبدأ يوم 23 يناير (كانون الثاني) الحالي في حال التزمت الأطراف المتحاربة في سوريا باتفاق وقف إطلاق النار، لافتا إلى أن مسؤولين من روسيا سيزورون تركيا يومي 9 و10 يناير الحالي لمناقشة إطار عمل مباحثات إحلال السلام في سوريا المقرر إجراؤها في العاصمة الكازاخية. ووفق مصادر دبلوماسية، فمن المتوقع أن يلتقي المسؤولون الروس ونظراؤهم الأتراك فصائل ممثلي المعارضة السورية التي كانت قد وافقت على الانضمام إلى عملية آستانة، لكنها عادت وأعلنت لاحقًا تجميد الاتصالات حول هذه المفاوضات بسبب خروق النظام والميليشيات الموالية له في وادي بردى وبعض المناطق الأخرى. وتسعى أنقرة وموسكو حاليًا إلى أن تفرغ المعارضة السورية من تشكيل وفدها إلى آستانة بحلول الموعد المحدد لذلك وهو 16 يناير الحالي.
جاويش أوغلو قال في مقابلة مع وكالة أنباء «الأناضول» بثتها قنوات التلفزيون التركية أمس: «نرى خروقًا لاتفاق وقف إطلاق النار في سوريا، وعناصر (حزب الله) اللبناني والميليشيات الشيعية وقوات النظام السوري هم من يقومون بها. وعلى إيران إظهار ثقلها والضغط على الميليشيات الشيعية والنظام السوري»، مضيفًا أنه يتوجب عليها (أي إيران) «القيام بواجباتها في سوريا لكونها إحدى الدول الضامنة لاتفاق وقف إطلاق النار».
جدير بالذكر أنه على الرغم من دعم روسيا الرئيس السوري بشار الأسد، ودعم تركيا فصائل من المعارضة، فإنهما توسطتا في التوصل إلى وقف لإطلاق النار الشامل في سوريا من المفترض في حال الالتزام به أن يؤدي إلى مفاوضات اقترحتها روسيا في عاصمة جمهورية كازاخستان بآسيا الوسطى في محاولة للتوصل لحل للنزاع المستمر في سوريا منذ عام 2011. ولقد شهدت الهدنة، التي وصفت بالهشة، التي دخلت حيز التنفيذ الخميس الماضي، انتهاكات عدة أعلنت المعارضة السورية أن مصدرها «قوات النظام والميليشيات الإيرانية» التي استهدفت - على وجه الخصوص - منطقة وادي بردى في محافظة ريف دمشق، كما أعلنت عن تجميد الاتصالات فيما بينها بشأن مفاوضات آستانة المزمعة.
ومن ناحية ثانية، حول مشاركة أكراد سوريا في مفاوضات آستانة، قال وزير الخارجية التركي: «أبلغنا الجانب الروسي بوجوب عدم مشاركة حزب الاتحاد الديمقراطي السوري وميليشيا وحدات حماية الشعب الكردية في مفاوضات آستانة، والروس أعربوا عن تفهمهم الأمر». وللعلم، يتوجه جاويش أوغلو اليوم الخميس إلى نيويورك للقاء الأمين العام الجديد للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الذي بدأ مهامه رسميا مع بداية العام الحالي. وقالت مصادر دبلوماسية في الخارجية التركية إنّ جاويش أوغلو سيتناول مع غوتيريش آخر المستجدات في منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما الملف السوري، والعالم. وكان الوزير التركي قد تناول في اتصال هاتفي مساء الثلاثاء مع نظيره الفرنسي جان مارك إيرولت وقف إطلاق النار في سوريا والمفاوضات المنتظرة في آستانة.
في السياق نفسه، قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، في خطاب له بالقصر الرئاسي في أنقرة أمس الأربعاء، إن «هناك تطورات تبعث على الأمل في الجهود التي نبذلها مع روسيا من أجل التوصل إلى وقف إطلاق نار دائم في سوريا، تتبعه محاولة الوصول إلى حل سياسي عبر التفاوض... إننا نتمنى أن تنجح هذه العملية وأن تنتهي معاناة إخوتنا السوريين في أقرب وقت ممكن». وكان إردوغان قد تلقى اتصالاً هاتفيًا من الرئيس الأميركي باراك أوباما ليل الثلاثاء - الأربعاء للتعزية بضحايا العمليات الإرهابية الأخيرة في تركيا، ورحب أوباما خلال المكالمة بالجهود التي تبذلها تركيا مع الأطراف الفاعلة في المنطقة بشأن توسيع نطاق وقف إطلاق النار في عموم سوريا وبدء مفاوضات سياسية بين النظام والمعارضة. وذكرت مصادر في الرئاسة التركية أن أوباما ثمّن الجهود التركية بخصوص وقف إطلاق النار بسوريا.
وفي سياق مواز، أعلن إردوغان أن هناك ترتيبات جديدة تعمل عليها تركيا ستنهي خلال فترة قصيرة عملية تحرير مدينة الباب بشمال سوريا، التي تحاصرها قوات من «الجيش السوري الحر» مدعومة من القوات التركية لتحريرها من قبضة تنظيم داعش الإرهابي في إطار عملية «درع الفرات» التي أطلقتها تركيا في شمال سوريا في 24 أغسطس (آب) الماضي. وقال الرئيس التركي، أمس، إن قوات «درع الفرات» ستتجه بعد الباب إلى منبج، وإن تركيا عازمة على مواصلة حربها ضد الإرهاب، واتخاذ كل التدابير اللازمة بما في ذلك زيادة عدد القوات التركية الموجودة في سوريا والعراق. وأكد إردوغان أن تركيا عازمة أيضًا على تطهير كل المناطق التي تتمركز فيها عناصر التنظيمات الإرهابية في شمال سوريا، وعلى رأسها منبج. ومعلوم أنه يوجد في منبج نحو مائتي من عناصر ميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية سبق أن طالبت تركيا واشنطن مرارًا بإخراجهم إلى شرق نهر الفرات. وحول هذا الموضوع خاصة، قال وزير الخارجية جاويش أوغلو إن الرئيس أوباما أبلغ الرئيس إردوغان خلال الاتصال الهاتفي بينهما ليل الثلاثاء - الأربعاء أن واشنطن «تشاطر أنقرة رأيها» بشأن وجوب انسحاب الميليشيا الكردية من منبج (في ريف محافظة حلب الشمالي الشرقي) إلى شرق نهر الفرات. وعلق جاويش أوغلو قائلا: «الولايات المتحدة شريك مهم بالنسبة لنا، ولدينا تعاون معها في جمع المجالات، لكن هناك حقيقة واقعة الآن وهي أننا نعاني من أزمة ثقة معها».
ومن جانبه، عبر وزير الدفاع التركي، فكري إيشيك، عن أمله مجددا في أن يقدم التحالف الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة الدعم الجوي اللازم لتركيا في عملية «درع الفرات» شمال سوريا. واعتبر الوزير التركي، أمس الأربعاء، أن عدم تقديم دول التحالف، خصوصًا الدول حلفاء تركيا في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، الدعم لقوات الجيش السوري الحر التي تتشارك مع الجيش التركي في «درع الفرات» أمر يثير التساؤلات. ولفت إلى أن بعض الدول من تلك التي شكلت التحالف الدولي لمكافحة «داعش» «لا تقدم الدعم المرجو لعمليات الجيش السوري الحر، في الوقت الذي تعد مدينة الباب مرحلة مهمة في مكافحته».
وحول موضوع متصل، نقلت وكالة أنباء «الأناضول» عن مسؤول في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، لم تحدده بالاسم، استعداد بلاده للتعاون مع تركيا في عملياتها التي تقودها ضد «داعش» في مدينة الباب السورية «ولكن بشروط». وأوضحت الوكالة أن واشنطن عرضت تقديم الدعم لتركيا في عملياتها في محيط مدينة الباب، ولكن حسب المسؤول الأميركي، اشترطت «عدم التعرض لحزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي السوري (الكردي)». ومما يستحق الإشارة، أن رئاسة هيئة الأركان العامة للجيش التركي أعلنت مقتل 6 من عناصر «داعش» في اشتباكات ضمن عملية «درع الفرات»، وتدمير 104 أهداف تابعة للتنظيم الإرهابي في قصف مدفعي وجوي بمحيط الباب.



تحركات جديدة لـ«حماس» والوسطاء لكسر جمود «اتفاق غزة»

جرافة تقوم بإزالة المياه من شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين في خان يونس (أ.ف.ب)
جرافة تقوم بإزالة المياه من شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين في خان يونس (أ.ف.ب)
TT

تحركات جديدة لـ«حماس» والوسطاء لكسر جمود «اتفاق غزة»

جرافة تقوم بإزالة المياه من شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين في خان يونس (أ.ف.ب)
جرافة تقوم بإزالة المياه من شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين في خان يونس (أ.ف.ب)

حراك جديد يشهده مسار مفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، يقوده الوسطاء بعد اجتماعات في القاهرة لتنفيذ بنوده المتعثرة مع زيادة حدة الجمود منذ اندلاع حرب إيران.

الاجتماعات التي سوف تتجدد الأيام المقبلة في القاهرة، تهدف، بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، لكسر جمود اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتحقيق تقدم في القضايا العالقة مثل عمل «لجنة التكنوقراط»، فضلاً عن إحراج إسرائيل وعدم السماح لها بتكريس الأمر الواقع.

وأشارت فضائية «القاهرة الإخبارية»، السبت، عن مصادر لم تسمها، إلى أن «القاهرة استضافت خلال اليومين الماضيين، مباحثات بمشاركة الوسطاء والممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ميلادينوف، لاستكمال جهود وقف إطلاق النار في غزة».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع الممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ميلادينوف في 1 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وأكدت المصادر أن «أجواء إيجابية سادت المفاوضات مع إبداء جميع الأطراف الالتزام بالعمل على تنفيذ كل بنود خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن غزة»، لكنها أوضحت أن «حماس» تتمسك بتنفيذ كل مخرجات قمة شرم الشيخ وخطة الرئيس ترمب بشأن غزة.

وأضافت المصادر أن «حركة (حماس) والفصائل الفلسطينية أكدت جديتها لاستكمال خطوات تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار بغزة بكل مراحله، وهناك توافق بين جميع الأطراف على استكمال المحادثات في القاهرة، خلال الأسبوع المقبل».

وجاءت تلك التأكيدات غداة حديث «حماس»، في بيان، الجمعة، أن وفدها التقى مسؤولين مصريين وممثلين عن الفصائل الفلسطينية، كما عقد لقاء مع الممثل السامي لمجلس السلام نيكولاي ميلادنوف، بحضور وسطاء من مصر وقطر وتركيا، مؤكدة ضرورة استكمال تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق بجميع بنودها.

وأعرب وفد «حماس»، عن التزام الحركة والفصائل الفلسطينية باتفاق وقف إطلاق النار بكافة مراحله، مشيراً إلى أنه تلقى دعوة لاستكمال المحادثات في القاهرة خلال الأيام المقبلة.

ويرى أستاذ العلوم السياسية المحلل السياسي في الشأنين الفلسطيني - الإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أن القاهرة حريصة على أن يبقى ملف اتفاق غزة قائماً بما لا يسمح لإسرائيل بتكريس الأمر الواقع واستمرار سيطرتها على القطاع في ظل استمرار حرب إيران، وبالتالي يحاول الوسطاء كسر جمود الاتفاق، واستمرار المحادثات حول القضايا العالقة بينها بدء لجنة التكنوقراط عملها.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن «حماس» تدرك أن إسرائيل لن تنفذ المرحلة الثانية لأسباب عديدة، بينها التملص من الالتزامات والاستحقاقات عليها، وتريد أن تلقى بالكرة في الملعب الإسرائيلي من أجل إحراجه أمام العالم، وتقول إنها جاهزة لتنفيذ كل الاتفاق، بما يسمح بتفكيك الجمود الحالي.

فلسطينيون نازحون يتجمعون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

وكان مصدر فلسطيني مقرب من «حماس» والفصائل الفلسطينية أكد لـ«الشرق الأوسط»، الجمعة، أن وفد «حماس» برئاسة خليل الحية التقى ملادينوف، وناقش معه الإطار المطروح، وما يتضمنه من ملف السلاح، بخلاف ملف دمج الموظفين في جهاز الشرطة والمؤسسات، لافتاً إلى «أن مطالب الحركة كانت خلال اللقاءات بالقاهرة واضحة، وتتمثل في انسحاب الاحتلال، ووصول قوات الاستقرار وتشكيل الشرطة، قبل الحديث عن أي تنفيذات في ملف السلاح، باعتبار أن أي شيء مخالف يعدّ مجازفة، ويفضي لفراغ أمني كبير».

وبحثت الحركة أيضاً مع الفصائل بالقاهرة ملف السلاح، والكل أجمع على أهمية تهيئة الأمور بوصول «قوات الاستقرار» وتشكيل الشرطة، بخلاف مناقشة ملف تمكين «لجنة التكنوقراط» من عملها. وأكدت «حماس» أن إسرائيل ترفض مرورها، والمشكلة لديها، وفق المصدر، الذي لفت إلى أن ردّ «حماس» النهائي لا يزال محل دراسة.

ويُعدّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ملادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام دولية وإقليمية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح».

وتقول إسرائيل إنها لن توافق على الانسحاب من غزة، ما لم يُنزع سلاح «حماس» أولاً.

ويرى نزال أن ملادينوف لا يتفاوض وإنما ينقل رسائل، لافتاً إلى أن الجميع على أعتاب باب المرحلة الثانية، لكن لن يفتح إلا بعد إنهاء حرب إيران، وحالياً ما يتم هو تجهيز لكل الملفات لبَدْئها على الفور بعد انتهاء الأزمة الدولية.

ويعتقد فهمي أن الاجتماعات المقبلة سوف تشهد ترتيبات لتحقيق إنجاز على الأرض، لا سيما في ملف عمل «لجنة التكنوقراط».


تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
TT

تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)

تزايدت التحذيرات الدولية من تأثر اليمن بتداعيات التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، في وقت يعاني فيه بالفعل من واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، وتراجع العمل الإنساني في أجزاء واسعة من البلاد، ما قد يدفع إلى مرحلة جديدة من التدهور الاقتصادي والإنساني.

وتعكس التطورات الاقتصادية الناجمة عن العمليات العسكرية الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة ومصادر الطاقة، المخاوف المتزايدة من تأثير التوترات الإقليمية على الوضع الداخلي في اليمن، وتزيد من الضغوط على ملايين السكان الذين يعيشون أصلاً في ظروف معيشية شديدة الهشاشة.

وتشهد مدينة عدن حالة قلق بين الأهالي تظهر في تزايد الطوابير أمام محطات الوقود والغاز المنزلي، بعد سريان مخاوف من نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، ما دفع شركة النفط اليمنية إلى التأكيد على انتظام تموين كل المحطات الحكومية والخاصة بالوقود، والتحذير من الشائعات التي اتهمت جهات، لم تسمّها، بالوقوف خلفها لإثارة الفوضى.

وعلى الرغم من ثبات أسعار الوقود وتوفره، فإن مصادر محلية نقلت لـ«الشرق الأوسط»، وجود ملامح أزمة بالغاز المنزلي بدأت في الظهور من خلال تراجع المعروض منه بسبب الإقبال والزحام المتزايدين على شرائه وتخزينه، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعاره في منافذ بيع جديدة غير خاضعة للرقابة، يخشى السكان من أن تكون مقدمة لسوق سوداء.

طوابير السيارات أمام محطات الوقود في عدن قبل 5 أعوام (أ.ف.ب)

ويرى عبد الواحد العوبلي، الباحث الاقتصادي اليمني، أن تكلفة أسعار الوقود هي أكثر ما يلحق الضرر بالاقتصاد اليمني ومستوى المعيشة، وفي حال استمرار المواجهات العسكرية الحالية وتداعياتها، فإن هذه التكلفة ستزيد من الأعباء على السكان والمغتربين.

وقال العوبلي لـ«الشرق الأوسط»، إن تكلفة استيراد الوقود قبل 3 أعوام كانت تصل إلى 3 مليارات ونصف مليار دولار، وإذا استمرت الأزمة الحالية، فستكون هناك زيادة تقدر بمليار دولار، سواء في مناطق سيطرة الحكومة أو مناطق سيطرة الحوثيين، وهو ما سيدفع إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات، ويجبر المغتربين على مضاعفة تحويلاتهم إلى أقاربهم.

وحذر تقرير حديث صادر عن منظمة «ACAPS» المعنية بتنسيق وتحليل بيانات الطوارئ الإنسانية، من احتمال حدوث تصعيد خطر في اليمن على خلفية تطورات الصراع الإقليمي.

احتياجات متزايدة

بيّن التقرير الصادر في أول أيام الشهر الحالي، أن اليمن يعدّ من أكثر الدول عرضة للتأثر بالتوترات الإقليمية، خصوصاً مع احتمالية انخراط الجماعة الحوثية في النزاع بشكل يؤدي إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية داخل البلاد، وزيادة الضغوط على الأوضاع الاقتصادية والإنسانية المتدهورة، وانعدام الأمن الغذائي، وتعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الطاقة.

سكان عدن أظهروا قلقاً من عودة أزمات الوقود برغم التطمينات الحكومية (شركة النفط اليمنية)

ونبه إلى أن ذلك سينعكس مباشرة على حياة السكان، في ظل اعتماد البلاد بدرجة كبيرة على الواردات، والهشاشة الاقتصادية المزمنة.

ولمّح إلى أن التصعيد العسكري قد يعطل طرق التجارة ويزيد من تكاليف النقل والإمدادات، ويدفع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات أعلى، ويعمّق مستويات الفقر والجوع.

وحدّد 3 سيناريوهات محتملة للتطورات، تبدأ بانتهاء سريع للصراع الإقليمي مع بقاء تداعياته الاقتصادية، إلى جانب استمرار تعقيد المشهد العسكري الداخلي، وصولاً إلى سيناريو تصعيد واسع النطاق، وهو السيناريو الذي وصفه التقرير بأنه الأخطر على اليمن، حيث قد يؤدي إلى انهيار إضافي في الخدمات الأساسية واتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية بشكل كبير.

ولا تقتصر التحديات على الغذاء فقط؛ إذ حذرت منظمة «الصحة العالمية»، بدورها، من أزمة متفاقمة في القطاع الصحي، حيث يواجه عدد من المستشفيات نقصاً في الأكسجين الطبي، مع استمرار أنشطتها لتقييم احتياجات المرافق الصحية، والسعي لإنشاء محطات أكسجين وتطوير شبكات داخلية لنقله مباشرة إلى غرف المرضى، ومحاولة تفادي انهيار بعض الخدمات الطبية الحيوية.

سلاسل الإمداد إلى اليمن معرضة للخطر جراء تداعيات التصعيد العسكري الإقليمي (أرشيفية - رويترز)

كما حذّر مجلس الأمن الدولي من تدهور متسارع في الأوضاع الإنسانية في اليمن، مع استمرار الجمود السياسي وتراجع التمويل الدولي، في وقت يواجه فيه ملايين السكان ظروفاً معيشية قاسية. وزادت السيول الأخيرة من تعقيد المشهد بعد تضرر آلاف الأسر، ما دفع وكالات أممية لتقديم مساعدات طارئة لنحو 12 ألف متضرر.

انتظار التدخل الدولي

في ضوء هذه التحذيرات، جدّد برنامج الغذاء العالمي التذكير بأن اختطاف الجماعة الحوثية موظفيه، واستيلاءها على مكاتبه وأصوله، أدى إلى تراجع كبير في نطاق العمليات الإنسانية بالمناطق الخاضعة لسيطرتها خلال العام الماضي.

وأورد البرنامج في تقرير سنوي، أن بيئة العمل الإنساني أصبحت مليئة بالعقبات السياسية والأمنية، وأن احتجاز موظفي الوكالات الأممية، تسبب في تعليق كامل للأنشطة الإنسانية في تلك المناطق.

قوة أمنية حوثية أمام بوابة مقر الأمم المتحدة في صنعاء (رويترز)

واختطفت الجماعة الحوثية عشرات الموظفين المحليين العاملين في المنظمات الدولية، متسببة في عرقلة وصول المساعدات الغذائية إلى الأسر الأكثر ضعفاً، وإضعاف قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة في بلد يعتمد ملايين سكانه على المساعدات للبقاء.

وينبه إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشأن الإنساني، إلى أن برنامج الغذاء العالمي سبق وأعلن، قبل عامين، توقف أنشطته الخاصة بتوزيع الأغذية في مناطق سيطرة الحوثيين، متوقعاً استمرار بعض الأنشطة في مناطق سيطرة الحكومة، بالحدود الدنيا بسبب نقص التمويل.

ويذهب القرشي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن تراجع العمليات الإنسانية وتقلص التمويل الدولي قد يدفع الأزمة إلى مستويات أكثر خطورة، خصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين التي تضم الحجم الأكبر من المحتاجين، متوقعاً أن يكون أكثر من 23 مليون يمني لا يعرفون ما سيأكلونه في اليوم التالي.

انخراط الحوثيين في الصراع الإقليمي تهدد بزيادة تدهور معيشة اليمنيين (رويترز)

ووصف القرشي تخلي المجتمع الدولي عن اليمنيين، بأنه «وضع غير مقبول إنسانياً»، داعياً الحكومة والداعمين إلى إنجاز خطوات اقتصادية بالاعتماد على الموارد ومواجهة الفساد.

ومن كل ذلك، تبدو الأزمة الإنسانية في اليمن مرشحة لمزيد من التدهور، ما لم تتخذ خطوات دولية عاجلة لتخفيف الضغوط الاقتصادية وتعزيز العمل الإنساني، لإنهاء واحدة من أطول الأزمات الإنسانية في العالم.


صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
TT

صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)

في خطوة تعكس تحسن الأداء المؤسسي في اليمن وعودة الانخراط الدولي، أقرّ مجلس إدارة صندوق النقد الدولي نتائج مشاورات المادة الرابعة مع الحكومة الشرعية بعد توقف استمر أكثر من 11 عاماً، في تطور يعدّ مؤشراً مهماً على استعادة قنوات التعاون مع المؤسسات المالية الدولية وتعزيز الثقة بالمسار الإصلاحي الذي تتبناه الحكومة.

وأكد الصندوق في بيانه أن استئناف هذه المشاورات يعكس تحسن القدرات المؤسسية وإنتاج البيانات الاقتصادية، مشيداً بالجهود التي بذلتها السلطات اليمنية لتحقيق حد أدنى من الاستقرار الاقتصادي، رغم الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

وأشار الصندوق إلى أن الاقتصاد بدأ يُظهر بوادر تعافٍ تدريجي بعد الركود العميق الذي أعقب توقف صادرات النفط في عام 2022، مع تباطؤ وتيرة الانكماش وتراجع الضغوط المالية والخارجية.

وعلى الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، حذّر الصندوق من أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط قد تؤثر سلباً على الاقتصاد اليمني خلال العام الحالي، في ظل هشاشة الأوضاع الاقتصادية واعتماد البلاد على الواردات، ما يجعلها عرضة لتقلبات أسعار الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

وفد من البنك الدولي يشهد تدشين مشروع للمياه في عدن (إعلام حكومي)

وشدد بيان صندوق النقد على أهمية التزام الحكومة اليمنية بتعبئة الإيرادات وتعزيز الحوكمة المالية، باعتبارهما عنصرين أساسيين لضمان استمرارية تقديم الخدمات العامة الأساسية.

كما أشار إلى أن اعتماد سعر صرف قائم على السوق، إلى جانب إصلاحات قطاع الطاقة وتحسين بيئة الأعمال، تمثل ركائز رئيسية لدعم التعافي الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.

وأكد البيان أن استمرار الحوار مع الدائنين وتأمين التمويل الخارجي سيسهمان في تخفيف حدة الأزمة الاقتصادية، خصوصاً في ظل التحديات الإنسانية الحادة التي يواجهها اليمن. كما توقع أن يؤدي إعطاء الأولوية للإنفاق الأساسي إلى ضغوط مؤقتة على الميزان المالي، إلا أنه سيساعد في حماية الفئات الأكثر هشاشة.

من جانبها، رحّبت الحكومة اليمنية بإقرار نتائج المشاورات، معتبرةً أن هذه الخطوة تمثل تقديراً دولياً للإجراءات التي اتخذتها لتعزيز الانضباط المالي والشفافية ومكافحة الفساد، رغم تداعيات الحرب وتوقف صادرات النفط نتيجة الهجمات التي تنفذها الجماعة الحوثية.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة في مختلف القطاعات، والعمل بالتنسيق مع الشركاء الدوليين لتخفيف المعاناة الإنسانية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، مشيرةً إلى إقرار الموازنة العامة لعام 2026 ضمن جهود إعادة تفعيل مؤسسات الدولة.

تحديات مستمرة

على الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال التحديات التي تواجه الاقتصاد اليمني كبيرة ومعقدة، في ظل استمرار الحرب والانقسام المؤسسي وضعف الموارد المالية. وأكد صندوق النقد أن المخاطر المحيطة بالآفاق المستقبلية تظل مرتفعة، خصوصاً في ظل التطورات الإقليمية وتأثيراتها المحتملة على الاقتصاد العالمي.

وأشار إلى أن التضخم، وتذبذب أسعار الصرف، وارتفاع تكاليف الواردات، تمثل عوامل ضغط رئيسية على الاقتصاد اليمني، ما يتطلب تبني سياسات احترازية متوازنة للحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي. كما شدد على أهمية تعزيز الإيرادات غير النفطية، وتوسيع قاعدة الصادرات، خصوصاً في القطاع الزراعي.

وفي هذا السياق، توقع الصندوق أن يبدأ الاقتصاد اليمني في استعادة زخمه تدريجياً اعتباراً من عام 2027، مدفوعاً بتراجع معدلات التضخم وتحسن الدخول الحقيقية وتخفيف السياسات المالية التقشفية، إضافة إلى نمو التحويلات المالية والصادرات غير النفطية.

سياسات مرنة

أكد محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أن استئناف مشاورات المادة الرابعة يمثل عودة مهمة للتفاعل المؤسسي مع المجتمع الدولي، ويفتح آفاقاً جديدة للحصول على الدعم الفني والمالي.

وأوضح أن السياسات المالية والنقدية التي تم تبنيها خلال الفترة الماضية أسهمت في الحد من تدهور الأوضاع الاقتصادية وتهيئة أرضية أولية للتعافي، مشدداً على أن المرحلة الحالية تتطلب استمرار تبني سياسات واقعية ومتدرجة تأخذ في الاعتبار التحديات القائمة.

جانب من اجتماع وفد دولي في عدن مع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني (إعلام حكومي)

وأشار إلى أن البنك المركزي يواصل تنفيذ سياسات نقدية منضبطة ومرنة في آنٍ واحد، تهدف إلى الحفاظ على استقرار سعر الصرف والحد من التضخم، وضمان توفر السلع الأساسية، بالتنسيق مع الجهات الحكومية والشركاء الدوليين.

كما لفت إلى أن التطورات الإقليمية، خصوصاً تلك المتعلقة بأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، تمثل تحدياً إضافياً يتطلب استجابة سريعة وسياسات متوازنة لتقليل آثارها على الاقتصاد الوطني.

وشدد محافظ البنك المركزي اليمني على أن تحقيق الاستقرار الاقتصادي المستدام يظل مرهوناً بتضافر الجهود الوطنية والدعم الدولي، إضافة إلى إنهاء الحرب واستعادة مؤسسات الدولة، بما يمهد الطريق أمام مرحلة جديدة من التعافي والتنمية.