تسونامي رقمي يجتاح عالم القراءة والكتابة

التكنولوجيا والدعامات الرقمية تحدثان تحولات عميقة في الثقافة والمجتمع

تسونامي رقمي يجتاح عالم القراءة والكتابة
TT

تسونامي رقمي يجتاح عالم القراءة والكتابة

تسونامي رقمي يجتاح عالم القراءة والكتابة

يعد تطور التكنولوجيات والدعامات الرقمية خلال السنوات الأخيرة (التواصل عبر الشبكة، الحواسيب، الهواتف المحمولة، الهواتف الذكية، الأقراص، أجهزة قراءة الكتب الإلكترونية، المواقع...) إنجازا مبهرا؛ إذ غزت تدريجيا كل مجالات النشاط البشري. لقد أصبح الجميع معنيا بالرقمية؛ فهي قضية تشغل بال عالم الاجتماع، والفيلسوف، واللساني، والناشر وغيرهم. فالمطابع ودور النشر، مدعوة إلى إعادة النظر في أدوارها ونماذجها الاقتصادية. والكاتب معني بالتواصل مع المتخصصين في مجال الرقمية.
هل سنلج فضاء جديدا مع الرقمية؟ هل نعيش تحولا عميقا على المستويين الثقافي والاجتماعي؟ هل نعيش زمن القطيعة؟ أيجب تحديد هذه القطيعة بمصطلحات أنثربولوجية؟ أم أننا نعيش تحولا جذريا للإنسانية يرتكز على أشكال سوسيوتقنية جديدة؟ ما الذي غيرته الرقمية في علاقتنا بالهوية الشخصية وبالغير؟ وما الذي غيرته على مستوى الولوج إلى المعارف والمعلومات؟ هل تشجع صيغا جديدة للإبداع والقراءة؟ هل هي مصدر لتجديد ثقافي؟ ما الحل إذن، أمام وجهات النظر المتباينة، والتعارض بين خطاب الغنائية وخطاب الوعيد؟
وإذا كان من الصعب طبعا الإحاطة بكل الجوانب والقطاعات المعنية بهذا التسونامي الرقمي. فإننا سنحاول إضاءة الرقمية، مركزين على بعض مظاهر التحول المتعلقة بها على مستوى الكتابة والقراءة.

* محاولة للتحديد

* ترتبط الرقمية في أصلها الإيتيمولوجي (علم تأصيل الكلام) بالرقم. وقد شاع مفهوم الرقمي le numérique، بفضل تطور الإعلاميات والتواصل السمعي البصري. ويشار إلى هذه التحولات بصيغ تعبيرية مختلفة: التكنولوجيات الرقمية، المجتمع الرقمي، الزمن الرقمي.. وتتصل الرقمية بتحولات أساسية، يمكن إجمالها في الإشارات التالية:
- طريقة معالجة المعلومات بشكل متجانس.
- التطورات المرتبطة بصناعة الدارات الإلكترونية والبرانم.
- تطور علوم جديدة كالإعلاميات والسيميائيات.
- غنى التطبيقات التكنولوجية والصناعية.
لقد ترتب عن الوضعية الجديدة، تحليلات وتعليقات عدة، ومواقف متباينة ومتناقضة أحيانا، حول هذه الحالة الرقمية «الجديدة». فثمة آراء جد متحمسة تصفق لهذا الواقع الجديد، مبررة اختيارها بما تقدمه الشبكة من محاسن، على مستويات توفير البيانات، وتسهيل التبادلات، وتعزيز العلاقات وغير ذلك. ومن أنصار هذا الاتجاه، المفكر ميشال سار Michel Serres، الذي يبدي انبهاره بقدرة الأجيال الشابة (الإصبع الصغيرة) على الإبداع والاختراع.
لكن ما يثير القلق في المقابل، هو إحكام الرقمية القبضة على حياتنا؛ إذ تشيع ارتباطات وعلاقات قوية بالشاشة، عبر ظاهرة الإدمان بواسطة الإصبع، مع ما يرافقها من مخاطر. هذه، مثلا، وجهة نظر سيديريك بياجيني Cediric Biagini، التي تدعو إلى التصدي للأنساق التكنولوجية ومنطقها الفرداني، والخروج من الشرنقة الرقمية التي ارتمينا فيها.

* الرقمية وتحولات الكتابة والقراءة

* أولا: الكتابة
تؤثر الرقمية على الممارسة الثقافية، وتكرس الهوة بين النخبة التي تملك إمكانات جديدة للوصول إلى المعرفة، وبين الفئات الاجتماعية الهشة التي تمعن الرقمية في إقصائها، لتغدو الفجوة الرقمية فجوة اجتماعية. ويعيش الكتاب، ضمن هذا المنظور، خطر التهميش، الذي يهدد الإبداع الفردي وحقوق المؤلف. كيف نحمي حقوق التجديد والإبداع في ظل مقولات التعاون والتقاسم؟
ينظر إلى الرقمية في فرنسا مثلا، باعتبارها تهديدا لعالم الثقافة؛ لأنها تفتح المجال للتحميل غير المشروع والمجانية الكلية للولوج للمؤلفات. إنه خوف من رقمنة المؤلفات، ومن خطر غياب مراقبة على المعارف، وبالتالي، فقدان نهائي لمحدداتها المعتادة. إن الرقمية تحاور هذه التمثلات وردود الفعل الإيجابية والسلبية. وهي متصلة كذلك، بالأصول الجديدة للممارسات الاجتماعية، التي تسائل قانونية عدد من المعايير الثقافية المؤسسة. إنها تعيد تحديد المعارف وتحول صيغ الولوج إليها، كما تفجر التصورات التقليدية للمعلومة.
لنأخذ حالة الكتاب الذين يجابهون رقمنة المضامين، في الصيغ الجديدة للكتابة على الشاشات. فهناك أبحاث كثيرة حول تطوير سوق الكتاب والنشر، وحول متخيل الكُتّاب، وحول القراءة وسلوكات القراء. لكنَّ الأبحاث حول مواقع الكتّاب وسلوكياتهم في مواجهة السياق التكنولوجي الجديد قليلة.
وعلى الرغم من العودة إلى تهجين النصوص، والصورة، والصوت، والحوار التفاعلي مع القراء، الذي لا يهم، إلى الآن، سوى عدد محدود من الكُتّاب، نلاحظ، على الأقل، تنوعًا متناميا للممارسات. إذ بدأ الكُتّاب ينفتحون على الأدوات الرقمية التي تمنحهم قدرات هائلة للتخزين، وإمكانات لتشكيل نصوص، ومداخلَ لمواردَ على الخط، وإمكانات للتصحيح الآلي. هذا فضلا عن إمكانات هائلة للنشر والتوزيع والتفاعل مع الناشرين والقراء.
لقد مست الرقمية ثقافة الكتابة التي عرفناها منذ عقود. فهي تعيد النظر في طرقنا في التعلم والتفكير. ويشير المتخصصون في تاريخ الكتابة والقراءة، إلى أن فهم التحولات الحالية على مستوى القراءة والكتابة، بفعل الرقمية، يجب أن يندرج في رؤية طويلة المدى، من أجل تبصر الاستمرار أو القطيعة التي تحصل، مع ضرورة اعتبار مختلف تحولات الدعائم الإنسانية المؤثرة، ضرورة على المعارف وصيغ القراءة. وفي هذا الإطار يميز المؤرخون بين أربع مراحل في تاريخ صيغ التواصل:
1 - لقد كان اكتشاف الكتابة مرحلة حاسمة في تاريخ الإنسانية، حسب الأنثروبولوجي Jack Goody. إذ ساهم التحكم في الكتابة، في تطور قوي في الفكر: تطور الخط، الرولو، الورق... سمح بالحفاظ على معلومات على حامل ثابت. كما سمح بتحرير الذاكرة الفردية والجماعية، وتوزيع الكثير من المستندات، وبالتالي الرفع من إمكاناتنا الثقافية.
2 - شكلت قراءة النصوص على الرولو في القرن الثالث، المرحلة الثانية من زمن القراءة-الكتابة، انطلاقا من الكودكس (دفتر مكون من أوراق مطواة يتم الربط بينها). فالأمر يتعلق إذن بثورة ثقافية رئيسة؛ لأنه، لأول مرة، تقدم للإنسان وثيقة قابلة للتصفح والكتابة في أثناء القراءة.
لقد سمح الكودكس، بامتلاك رؤية كلية للنص والصفحة، مكوَّنا من كلمات منفصلة تغدو وحدة للتلقي. والكتاب مقسم لفصول وفقرات، بحيث يستطيع القارئ إعادة القراءة متى شاء.
3 - ترتبط هذه المرحلة، باختراع المطبعة سنة 1450 (Gutenberg)، التي خلخلت علاقتنا بالزمن والذاكرة، وفتحت تدريجيا، المجال لدمقرطة القراءة. كما أن إعادة إنتاج النصوص، أسهمت في نشر أفكار جديدة.
4 - هي المرحلة التي نعيشها اليوم، وسمتها، تزايد التواصل الإلكتروني الذي فجر علاقتنا بالمكتوب. ويرى المؤرخ Robert Darnton، أن إيقاع التغير المرتبط بالإنترنت، يقطع الأنفاس: من الكتابة إلى المخطوطة (الكودكس) 4300 سنة. من المخطوطة إلى الخط المتحرك، 1150 سنة. من الخط المتحرك إلى الإنترنت، 524 سنة. من الإنترنت إلى محركات البحث، 17 سنة. ومن محركات البحث نحو خوارزميات غوغل، 7 سنوات.
إن المرور من المنشور المطبوع إلى النص الإلكتروني، يحاول، كما أشار Roger Chartier، تثوير نماذج إنتاج النصوص وتحويلها، ومواد الحامل التقليدي المكتوب، ثم تثوير الممارسات القرائية. وهذا التحول الحاسم، وليد أثر علاقة تربط الأشياء والأجناس والاستعمالات. فالإنترنت تسمح بقراءة كل النصوص كيفما كانت، من دون نظام وتراتبية. وعالم النصوص الرقمية، عالم مقاطع منتزعة من سياقها ومتقابلة. ويمكن أن نسجل عموما، ثلاث * * خصائص ملاحظة:
* غيّر النص الإلكتروني مفهوم السياق، وبالتالي إنتاج المعنى، ما دام تماسك النصوص في الكتاب نفسه، يبدل بتجميع متحرك ومفتوح، وكتابات تستهلك على الخط.
> مادية النصوص، إذ أصبح النص أثرا لا ماديا.
> تميزت القراءة على الشاشة بمنطق الرولو (تنجز حسب مسار عمودي)، والقراءة كذلك، على الكتاب المطبوع، (محددات خاصة: صفحات فصول الخ). أما مع النص الرقمي، فينجز انطلاقا من نص مطبوع على مستويات عدة، ومن محدداته حسب اللساني Rafael Simon:
- يعطي النص الرقمي أولا، قيمة قوية لإعداد نص وإبداعه: هناك عمليات عدة ممكنة، مثل: تحرير، نقل، قص، حذف، قراءة مستمرة، تنقيح. الخ. هو نص من دون أثر مادي (الزمكان الخاص بالكتابة-غير مموقع). مُؤَلِّفه غير محدَّد. هو نص «ضال» (من دون هوية). نص يشارك فيه مؤلفون عدة. نص غير محدد وغير مكتمل، ينشر من دون توقف. هي إذن وضعية اللاثبات.
- إنه نص نصله عبر آلة. نص رقمي له علاماته وإكراهاته (برانم).
إن الكتابة الإلكترونية (متعددة الأصوات)؛ لأنها تحرر أشكال الكتابة الأصلية، وتمنح إمكانية لكتابة متحركة غير ثابتة. إنها تسمح بالحوار والمرح بفعل الدعامات الجديدة؛ إذ نستعمل أسنانا جديدة في الكتابة (رسائل، صورا وغيرها).
هل هذا النمط من الكتابة مؤشر على فقر اللغة، وبنية التركيب، وتطور النحو الإلكتروني، من دون نتائج عامة على الخط؟ علما بأن بعض اللسانيين، أكدوا أن الرسائل الإلكترونية تغني اللغة، بالسماح للمتعلمين باكتساب كفاية لسانية مزدوجة (معرفة القواعد التقليدية للكتابة والتحكم باللعب على الأسنان)، كما تسمح بالشك في الآثار الوحيدة المستفيدة من هذه الصيغ للكتابة.

* ثانيًا: الصيغ الجديدة في القراءة
* مع ازدهار الحواسيب والألواح الذكية، والكتاب الإلكتروني، تولد انزياح تدريجي في عالم الممارسة القرائية. يبدو أن الرهان مع بروز قراءة عاكسة (ردود فعل)، موروثة من النهضة، هو قراءة أكثر سرعة وتفاعلية.
يقول الباحث الروماني Alberto Manguel، في كتابه «تاريخ القراءة»: «نعرف لماذا نقرأ حتى حين لا نعرف كيف. فهل نستطيع القول بشكل واع، في الوقت نفسه، إننا انتقلنا من نص يخلق صورا إلى فعل القراءة. نقرأ لمعرفة النهاية لأجل التاريخ. نقرأ بهدف عدم الإمساك بهذه النهاية. فقط، من أجل لذة القراءة. نقرأ باهتمام عميق مثلَ صيادين في درب، متناسين ما يحيط بنا. نقرأ بذهول. نقفز على الصفحات. نقرأ بازدراء، بقبول، برفض، بغضب، بصبر، بشهية، بحنين. نقرأ بخجل لذة مفاجئة، من دون معرفة سبب هذه اللذة».
مع نهاية القرن الـ20 وانتشار الوسائط التقليدية (صحافة، إذاعة...)، وتطور الوسائط الرقمية، تحركت القراءة الدينامية المفتوحة التفاعلية، محدثة علاقة جديدة بالنصوص. ومع الإنترنت، أصبحت القراءة تتحرك مع محركات البحث والروابط التشعبية، التي تطور كفايات وقدرات معرفية جديدة. وهكذا برزت ممارسات قرائية جديدة:
- تعقدت صيغ القراءة اليوم، لأنها تستدعي مهارات واستراتيجيات تتطور طيلة حياتنا. فالتحولات مست الإنسان: علاقته بالزمن، قدراتنا على الانتباه، ولذتنا القرائية. لقد تزايدت وتيرة القراءة بفعل إكراه الحياة المعاصرة، الذي يعرقل قراءاتنا، ويفرض السرعة علينا مع تدبير كتلة من المعلومات.
لم تعد القراءة مع الإنترنت مرادفة للقراءة الإدماجية لنص أو مستند؛ لأن السياق تغير، والمحددات على الشاشة تعددت. فالسرعة فرضها تعدد الوسائط، وكثرة الوثائق على الإنترنت. كل هذا يطور قدرات دماغنا الذي لم تعد له حدود بالنسبة لسرعة بعض السيرورات المعرفية.
- تعددت كذلك قدراتنا على الانتباه الذي تعمق بعد أن كان قديما، يتبار حول موضوع واحد. فبرزت انتباهات متعددة تضاهي تعدد الشاشات والروابط. فنستقبل مثيرات عدة تجعل منا تفاعليين.
- تغيرت لذة القراءة ببروز نصوص تشعبية. فحصل التحول من القراءة الخطية إلى القراءة العمودية، ومن القراءة الإخبارية إلى القراءة السردية..، تعددت الدعامات.. كتاب، صحافة..، واغتنت الأجناس الأدبية: قصيدة تفاعلية، رواية تفاعلية.. والمحصلة، تعدد القراءات.
مع الورق، ارتبطت لذة القراءة عند الشباب بالروايات والحكايات. أما مع المدونات، فقد وجد الشباب لذاتهم القرائية في المواقع التفاعلية. هكذا برزت محددات جديدة متصلة بالتفاعل، وبالتجربة، وبالتحكم في النصوص وإبداعها. أصبحت القراءة غامرة صلبة، بأبعاد عاطفية وثقافية، خلخلت النموذج التقليدي للقراءة. وتغتني القراءة على الشاشة، بروابط تشعبية تسمح بالإبحار في صفحة الآخر، والاستفادة منها. إنها تجربة القراءة الغنية التي تسمح بممارسات جديدة. فمعرفة القراءة، تعني تعلما وفهما، انطلاقا من مستندات وشاشات تفاعلية. كما تستدعي كفايات مؤسسة على مختلف الأدوات البرانمية. ويؤكد البعض، صعوبة القراءة زمن الرقمية، بفعل كثرة الأدوات ولا ثبات المقروء، وصعوبة الانتباه والتركيز لكثرة المحددات؛ ما يؤدي إلى صعوبة بناء المعنى.
هذه بعض مظاهر التحولات التي أحدثها التسونامي الرقمي على مجالات القراءة والكتابة. وهناك جوانب أخرى متصلة بمجالات التعليم والتجارة والإعلام. ونحن مدعوون إلى فهم هذه التحولات قصد اتخاذ المواقف والتدابير التي تسمح لنا بالانخراط الإيجابي الفاعل في عالم الرقمية.



الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي