تسونامي رقمي يجتاح عالم القراءة والكتابة

التكنولوجيا والدعامات الرقمية تحدثان تحولات عميقة في الثقافة والمجتمع

تسونامي رقمي يجتاح عالم القراءة والكتابة
TT

تسونامي رقمي يجتاح عالم القراءة والكتابة

تسونامي رقمي يجتاح عالم القراءة والكتابة

يعد تطور التكنولوجيات والدعامات الرقمية خلال السنوات الأخيرة (التواصل عبر الشبكة، الحواسيب، الهواتف المحمولة، الهواتف الذكية، الأقراص، أجهزة قراءة الكتب الإلكترونية، المواقع...) إنجازا مبهرا؛ إذ غزت تدريجيا كل مجالات النشاط البشري. لقد أصبح الجميع معنيا بالرقمية؛ فهي قضية تشغل بال عالم الاجتماع، والفيلسوف، واللساني، والناشر وغيرهم. فالمطابع ودور النشر، مدعوة إلى إعادة النظر في أدوارها ونماذجها الاقتصادية. والكاتب معني بالتواصل مع المتخصصين في مجال الرقمية.
هل سنلج فضاء جديدا مع الرقمية؟ هل نعيش تحولا عميقا على المستويين الثقافي والاجتماعي؟ هل نعيش زمن القطيعة؟ أيجب تحديد هذه القطيعة بمصطلحات أنثربولوجية؟ أم أننا نعيش تحولا جذريا للإنسانية يرتكز على أشكال سوسيوتقنية جديدة؟ ما الذي غيرته الرقمية في علاقتنا بالهوية الشخصية وبالغير؟ وما الذي غيرته على مستوى الولوج إلى المعارف والمعلومات؟ هل تشجع صيغا جديدة للإبداع والقراءة؟ هل هي مصدر لتجديد ثقافي؟ ما الحل إذن، أمام وجهات النظر المتباينة، والتعارض بين خطاب الغنائية وخطاب الوعيد؟
وإذا كان من الصعب طبعا الإحاطة بكل الجوانب والقطاعات المعنية بهذا التسونامي الرقمي. فإننا سنحاول إضاءة الرقمية، مركزين على بعض مظاهر التحول المتعلقة بها على مستوى الكتابة والقراءة.

* محاولة للتحديد

* ترتبط الرقمية في أصلها الإيتيمولوجي (علم تأصيل الكلام) بالرقم. وقد شاع مفهوم الرقمي le numérique، بفضل تطور الإعلاميات والتواصل السمعي البصري. ويشار إلى هذه التحولات بصيغ تعبيرية مختلفة: التكنولوجيات الرقمية، المجتمع الرقمي، الزمن الرقمي.. وتتصل الرقمية بتحولات أساسية، يمكن إجمالها في الإشارات التالية:
- طريقة معالجة المعلومات بشكل متجانس.
- التطورات المرتبطة بصناعة الدارات الإلكترونية والبرانم.
- تطور علوم جديدة كالإعلاميات والسيميائيات.
- غنى التطبيقات التكنولوجية والصناعية.
لقد ترتب عن الوضعية الجديدة، تحليلات وتعليقات عدة، ومواقف متباينة ومتناقضة أحيانا، حول هذه الحالة الرقمية «الجديدة». فثمة آراء جد متحمسة تصفق لهذا الواقع الجديد، مبررة اختيارها بما تقدمه الشبكة من محاسن، على مستويات توفير البيانات، وتسهيل التبادلات، وتعزيز العلاقات وغير ذلك. ومن أنصار هذا الاتجاه، المفكر ميشال سار Michel Serres، الذي يبدي انبهاره بقدرة الأجيال الشابة (الإصبع الصغيرة) على الإبداع والاختراع.
لكن ما يثير القلق في المقابل، هو إحكام الرقمية القبضة على حياتنا؛ إذ تشيع ارتباطات وعلاقات قوية بالشاشة، عبر ظاهرة الإدمان بواسطة الإصبع، مع ما يرافقها من مخاطر. هذه، مثلا، وجهة نظر سيديريك بياجيني Cediric Biagini، التي تدعو إلى التصدي للأنساق التكنولوجية ومنطقها الفرداني، والخروج من الشرنقة الرقمية التي ارتمينا فيها.

* الرقمية وتحولات الكتابة والقراءة

* أولا: الكتابة
تؤثر الرقمية على الممارسة الثقافية، وتكرس الهوة بين النخبة التي تملك إمكانات جديدة للوصول إلى المعرفة، وبين الفئات الاجتماعية الهشة التي تمعن الرقمية في إقصائها، لتغدو الفجوة الرقمية فجوة اجتماعية. ويعيش الكتاب، ضمن هذا المنظور، خطر التهميش، الذي يهدد الإبداع الفردي وحقوق المؤلف. كيف نحمي حقوق التجديد والإبداع في ظل مقولات التعاون والتقاسم؟
ينظر إلى الرقمية في فرنسا مثلا، باعتبارها تهديدا لعالم الثقافة؛ لأنها تفتح المجال للتحميل غير المشروع والمجانية الكلية للولوج للمؤلفات. إنه خوف من رقمنة المؤلفات، ومن خطر غياب مراقبة على المعارف، وبالتالي، فقدان نهائي لمحدداتها المعتادة. إن الرقمية تحاور هذه التمثلات وردود الفعل الإيجابية والسلبية. وهي متصلة كذلك، بالأصول الجديدة للممارسات الاجتماعية، التي تسائل قانونية عدد من المعايير الثقافية المؤسسة. إنها تعيد تحديد المعارف وتحول صيغ الولوج إليها، كما تفجر التصورات التقليدية للمعلومة.
لنأخذ حالة الكتاب الذين يجابهون رقمنة المضامين، في الصيغ الجديدة للكتابة على الشاشات. فهناك أبحاث كثيرة حول تطوير سوق الكتاب والنشر، وحول متخيل الكُتّاب، وحول القراءة وسلوكات القراء. لكنَّ الأبحاث حول مواقع الكتّاب وسلوكياتهم في مواجهة السياق التكنولوجي الجديد قليلة.
وعلى الرغم من العودة إلى تهجين النصوص، والصورة، والصوت، والحوار التفاعلي مع القراء، الذي لا يهم، إلى الآن، سوى عدد محدود من الكُتّاب، نلاحظ، على الأقل، تنوعًا متناميا للممارسات. إذ بدأ الكُتّاب ينفتحون على الأدوات الرقمية التي تمنحهم قدرات هائلة للتخزين، وإمكانات لتشكيل نصوص، ومداخلَ لمواردَ على الخط، وإمكانات للتصحيح الآلي. هذا فضلا عن إمكانات هائلة للنشر والتوزيع والتفاعل مع الناشرين والقراء.
لقد مست الرقمية ثقافة الكتابة التي عرفناها منذ عقود. فهي تعيد النظر في طرقنا في التعلم والتفكير. ويشير المتخصصون في تاريخ الكتابة والقراءة، إلى أن فهم التحولات الحالية على مستوى القراءة والكتابة، بفعل الرقمية، يجب أن يندرج في رؤية طويلة المدى، من أجل تبصر الاستمرار أو القطيعة التي تحصل، مع ضرورة اعتبار مختلف تحولات الدعائم الإنسانية المؤثرة، ضرورة على المعارف وصيغ القراءة. وفي هذا الإطار يميز المؤرخون بين أربع مراحل في تاريخ صيغ التواصل:
1 - لقد كان اكتشاف الكتابة مرحلة حاسمة في تاريخ الإنسانية، حسب الأنثروبولوجي Jack Goody. إذ ساهم التحكم في الكتابة، في تطور قوي في الفكر: تطور الخط، الرولو، الورق... سمح بالحفاظ على معلومات على حامل ثابت. كما سمح بتحرير الذاكرة الفردية والجماعية، وتوزيع الكثير من المستندات، وبالتالي الرفع من إمكاناتنا الثقافية.
2 - شكلت قراءة النصوص على الرولو في القرن الثالث، المرحلة الثانية من زمن القراءة-الكتابة، انطلاقا من الكودكس (دفتر مكون من أوراق مطواة يتم الربط بينها). فالأمر يتعلق إذن بثورة ثقافية رئيسة؛ لأنه، لأول مرة، تقدم للإنسان وثيقة قابلة للتصفح والكتابة في أثناء القراءة.
لقد سمح الكودكس، بامتلاك رؤية كلية للنص والصفحة، مكوَّنا من كلمات منفصلة تغدو وحدة للتلقي. والكتاب مقسم لفصول وفقرات، بحيث يستطيع القارئ إعادة القراءة متى شاء.
3 - ترتبط هذه المرحلة، باختراع المطبعة سنة 1450 (Gutenberg)، التي خلخلت علاقتنا بالزمن والذاكرة، وفتحت تدريجيا، المجال لدمقرطة القراءة. كما أن إعادة إنتاج النصوص، أسهمت في نشر أفكار جديدة.
4 - هي المرحلة التي نعيشها اليوم، وسمتها، تزايد التواصل الإلكتروني الذي فجر علاقتنا بالمكتوب. ويرى المؤرخ Robert Darnton، أن إيقاع التغير المرتبط بالإنترنت، يقطع الأنفاس: من الكتابة إلى المخطوطة (الكودكس) 4300 سنة. من المخطوطة إلى الخط المتحرك، 1150 سنة. من الخط المتحرك إلى الإنترنت، 524 سنة. من الإنترنت إلى محركات البحث، 17 سنة. ومن محركات البحث نحو خوارزميات غوغل، 7 سنوات.
إن المرور من المنشور المطبوع إلى النص الإلكتروني، يحاول، كما أشار Roger Chartier، تثوير نماذج إنتاج النصوص وتحويلها، ومواد الحامل التقليدي المكتوب، ثم تثوير الممارسات القرائية. وهذا التحول الحاسم، وليد أثر علاقة تربط الأشياء والأجناس والاستعمالات. فالإنترنت تسمح بقراءة كل النصوص كيفما كانت، من دون نظام وتراتبية. وعالم النصوص الرقمية، عالم مقاطع منتزعة من سياقها ومتقابلة. ويمكن أن نسجل عموما، ثلاث * * خصائص ملاحظة:
* غيّر النص الإلكتروني مفهوم السياق، وبالتالي إنتاج المعنى، ما دام تماسك النصوص في الكتاب نفسه، يبدل بتجميع متحرك ومفتوح، وكتابات تستهلك على الخط.
> مادية النصوص، إذ أصبح النص أثرا لا ماديا.
> تميزت القراءة على الشاشة بمنطق الرولو (تنجز حسب مسار عمودي)، والقراءة كذلك، على الكتاب المطبوع، (محددات خاصة: صفحات فصول الخ). أما مع النص الرقمي، فينجز انطلاقا من نص مطبوع على مستويات عدة، ومن محدداته حسب اللساني Rafael Simon:
- يعطي النص الرقمي أولا، قيمة قوية لإعداد نص وإبداعه: هناك عمليات عدة ممكنة، مثل: تحرير، نقل، قص، حذف، قراءة مستمرة، تنقيح. الخ. هو نص من دون أثر مادي (الزمكان الخاص بالكتابة-غير مموقع). مُؤَلِّفه غير محدَّد. هو نص «ضال» (من دون هوية). نص يشارك فيه مؤلفون عدة. نص غير محدد وغير مكتمل، ينشر من دون توقف. هي إذن وضعية اللاثبات.
- إنه نص نصله عبر آلة. نص رقمي له علاماته وإكراهاته (برانم).
إن الكتابة الإلكترونية (متعددة الأصوات)؛ لأنها تحرر أشكال الكتابة الأصلية، وتمنح إمكانية لكتابة متحركة غير ثابتة. إنها تسمح بالحوار والمرح بفعل الدعامات الجديدة؛ إذ نستعمل أسنانا جديدة في الكتابة (رسائل، صورا وغيرها).
هل هذا النمط من الكتابة مؤشر على فقر اللغة، وبنية التركيب، وتطور النحو الإلكتروني، من دون نتائج عامة على الخط؟ علما بأن بعض اللسانيين، أكدوا أن الرسائل الإلكترونية تغني اللغة، بالسماح للمتعلمين باكتساب كفاية لسانية مزدوجة (معرفة القواعد التقليدية للكتابة والتحكم باللعب على الأسنان)، كما تسمح بالشك في الآثار الوحيدة المستفيدة من هذه الصيغ للكتابة.

* ثانيًا: الصيغ الجديدة في القراءة
* مع ازدهار الحواسيب والألواح الذكية، والكتاب الإلكتروني، تولد انزياح تدريجي في عالم الممارسة القرائية. يبدو أن الرهان مع بروز قراءة عاكسة (ردود فعل)، موروثة من النهضة، هو قراءة أكثر سرعة وتفاعلية.
يقول الباحث الروماني Alberto Manguel، في كتابه «تاريخ القراءة»: «نعرف لماذا نقرأ حتى حين لا نعرف كيف. فهل نستطيع القول بشكل واع، في الوقت نفسه، إننا انتقلنا من نص يخلق صورا إلى فعل القراءة. نقرأ لمعرفة النهاية لأجل التاريخ. نقرأ بهدف عدم الإمساك بهذه النهاية. فقط، من أجل لذة القراءة. نقرأ باهتمام عميق مثلَ صيادين في درب، متناسين ما يحيط بنا. نقرأ بذهول. نقفز على الصفحات. نقرأ بازدراء، بقبول، برفض، بغضب، بصبر، بشهية، بحنين. نقرأ بخجل لذة مفاجئة، من دون معرفة سبب هذه اللذة».
مع نهاية القرن الـ20 وانتشار الوسائط التقليدية (صحافة، إذاعة...)، وتطور الوسائط الرقمية، تحركت القراءة الدينامية المفتوحة التفاعلية، محدثة علاقة جديدة بالنصوص. ومع الإنترنت، أصبحت القراءة تتحرك مع محركات البحث والروابط التشعبية، التي تطور كفايات وقدرات معرفية جديدة. وهكذا برزت ممارسات قرائية جديدة:
- تعقدت صيغ القراءة اليوم، لأنها تستدعي مهارات واستراتيجيات تتطور طيلة حياتنا. فالتحولات مست الإنسان: علاقته بالزمن، قدراتنا على الانتباه، ولذتنا القرائية. لقد تزايدت وتيرة القراءة بفعل إكراه الحياة المعاصرة، الذي يعرقل قراءاتنا، ويفرض السرعة علينا مع تدبير كتلة من المعلومات.
لم تعد القراءة مع الإنترنت مرادفة للقراءة الإدماجية لنص أو مستند؛ لأن السياق تغير، والمحددات على الشاشة تعددت. فالسرعة فرضها تعدد الوسائط، وكثرة الوثائق على الإنترنت. كل هذا يطور قدرات دماغنا الذي لم تعد له حدود بالنسبة لسرعة بعض السيرورات المعرفية.
- تعددت كذلك قدراتنا على الانتباه الذي تعمق بعد أن كان قديما، يتبار حول موضوع واحد. فبرزت انتباهات متعددة تضاهي تعدد الشاشات والروابط. فنستقبل مثيرات عدة تجعل منا تفاعليين.
- تغيرت لذة القراءة ببروز نصوص تشعبية. فحصل التحول من القراءة الخطية إلى القراءة العمودية، ومن القراءة الإخبارية إلى القراءة السردية..، تعددت الدعامات.. كتاب، صحافة..، واغتنت الأجناس الأدبية: قصيدة تفاعلية، رواية تفاعلية.. والمحصلة، تعدد القراءات.
مع الورق، ارتبطت لذة القراءة عند الشباب بالروايات والحكايات. أما مع المدونات، فقد وجد الشباب لذاتهم القرائية في المواقع التفاعلية. هكذا برزت محددات جديدة متصلة بالتفاعل، وبالتجربة، وبالتحكم في النصوص وإبداعها. أصبحت القراءة غامرة صلبة، بأبعاد عاطفية وثقافية، خلخلت النموذج التقليدي للقراءة. وتغتني القراءة على الشاشة، بروابط تشعبية تسمح بالإبحار في صفحة الآخر، والاستفادة منها. إنها تجربة القراءة الغنية التي تسمح بممارسات جديدة. فمعرفة القراءة، تعني تعلما وفهما، انطلاقا من مستندات وشاشات تفاعلية. كما تستدعي كفايات مؤسسة على مختلف الأدوات البرانمية. ويؤكد البعض، صعوبة القراءة زمن الرقمية، بفعل كثرة الأدوات ولا ثبات المقروء، وصعوبة الانتباه والتركيز لكثرة المحددات؛ ما يؤدي إلى صعوبة بناء المعنى.
هذه بعض مظاهر التحولات التي أحدثها التسونامي الرقمي على مجالات القراءة والكتابة. وهناك جوانب أخرى متصلة بمجالات التعليم والتجارة والإعلام. ونحن مدعوون إلى فهم هذه التحولات قصد اتخاذ المواقف والتدابير التي تسمح لنا بالانخراط الإيجابي الفاعل في عالم الرقمية.



«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار
TT

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى. ليست سيرة فرد منعزل، بل سيرة تتشكّل داخل شبكة من العلاقات الأولى، حيث العاطفة لا تنفصل عن النَّسَب، والرغبة لا تنفصل عن الخوف، والذاكرة لا تنفصل عن الجسد. منذ الصفحات الأولى، لا يقدّم نبيل سليمان نفسه بوصفه شاهداً على ماضٍ مكتمل، بل بوصفه كائناً لا يزال يرى، ويختبر، كأن السيرة لا تُكتب بعد انقضاء التجربة، بل في أثناء تشكّلها من جديد.

يتجلى الأسلوب السردي هنا كأن الروائي ممسك بكرة زجاجية يشوبها الضباب، مثل الساحرات أو البصّارات، لا تزعم رؤية صافية، بل تكتفي بإيماءة مترددة: «أنا أرى... أرى». هذه الرؤية لا تُنتج صوراً حادة ولا مشاهد مغلقة، بل لقطات مغبشة، غير مكتملة، تتبدل ملامحها كلما أُديرت الكرة قليلاً. لذلك لا يستقر الزمن في «أوشام» على فصل محدد أو حالة نهائية: لم يكن شتاءً، ولا صيفاً، لا ليلاً ولا نهاراً كامليْن. الزمن هنا حالة إدراك، وليس تأريخاً وتقويماً. ما يُروى ليس ما حدث وانتهى، بل ما لا يزال يتشكّل في الذاكرة، وما لم يُحسم بعد.

من هنا تبدأ السيرة بالحب، ليس بوصفه قصة مكتملة، بل بوصفه ارتباكاً أول، نظرة من نافذة، جسداً يكتشف جسداً آخر، وخسارة مبكرة تتحوّل إلى أثر دائم. قصص الحب التي يستعيدها نبيل سليمان ليست عظيمة ولا استثنائية، بل بسيطة، مراهِقة، عارية من البلاغة. وهذه البساطة هي ما تمنحها قيمتها. أن يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته، علناً، أمام قرائه، لا ليجمّلها ولا ليسخر منها، بل ليضعها في قلب سيرته، فهو فعل مراجعة نادر. هنا يتبدى أسلوب سردي جديد، أسلوب لا يتكئ على المسافة العمرية ليعلو فوق التجربة، بل ليعيد الدخول إليها بعينها المرتبكة نفسها.

النساء في هذا الكتاب يحضرن بوصفهن نقاط تشكّل في الوعي وهي درجة أقل من شخصيات روائية واضحة متجسدة. سعاد، شفيقة، زلفى، ثم غنوة، لسن صوراً متطابقة، ولا نسخاً متكررة، بل تحولات لجرح واحد، ينتقل من الواقع إلى التخييل، ثم يعود إلى السيرة. زلفى، تحديداً، تكشف عن البنية العميقة للمشروع الروائي كله: امرأة تُفقد في الواقع، فتُستعاد في الرواية، ثم تُسترجع في السيرة بوصفها أصلاً هشّاً لكل ذلك التخييل. لا ينفي الكاتب رواياته السابقة، بل يكشف عن كيف كانت المخيلة تعمل كآلية تعويض، وكيف كانت الشخصيات تحمل آثاراً حقيقية جرى تفكيكها وإعادة تركيبها.

غير أن «أوشام» لا تقف عند الحب الفردي، بل تتسع لتصبح سيرة عائلة. الأب الدركي، التنقل الدائم، المخافر، البيوت المؤقتة، الأم التي تتحمل الفقدان والانتقال والصمت، الجد الذي ينهر، الأطفال النيام في الغرف... كل ذلك يُكتب بلغة نثرية مشبعة بالشعر، غير تجميلية، بل لإبقائه في حالته المعلّقة. استخدام الفعل المضارع في السرد ليس خياراً شكلياً، بل قرار بنيوي. لا يقول الكاتب: كان الضباب، بل يقول: يُظلمُ الضباب. بهذا التحول البسيط، يضع القارئ داخل المشهد، وليس خارجه. الذاكرة لا تُعرض بوصفها ماضياً مكتملاً، بل حادثاً يُبنى أمامنا الآن، لحظة بلحظة، كأن كاميرا تتحرك ببطء، تكشف عن الغرف، والأجساد النائمة، والأصوات المكتومة، والعلاقات كما لو أنها تحدث للمرّة الأولى.

هذا الأسلوب يبلغ ذروته في المقاطع التي تتقاطع فيها السيرة العائلية مع سيرة الكتب. في العلاقة مع الأم، لا يعود الكتاب موضوعاً ثقافياً، وإنما وسيلة حياة. فجأةً يصعُب النطقُ عليك مثل البلع، والطبيب الذي نصح بالاستئصال كالطبيب الذي حذَّر منه، ينذران بالخنق، فيما الأم تبتسم وتتحشرج وتطلب حكاية. هنا تتحول القراءة إلى فعل رعاية، إلى محاولة إنقاذ أخيرة عبر السرد.

يبدأ الكاتب من «كان يا ما كان»، لا بوصفها صيغة طفولية، بل بوصفها ما تبقَّى حين يعجز الطب. يستحضر كتباً عن الأم، من غوركي إلى غسان كنفاني، من بيرل باك إلى بريخت، ومن بودلير إلى إيزابيل الليندي، كأن الأدب كلّه يتقاطر في هذه اللحظة ليصير درعاً هشة في مواجهة الفقدان. الأم هنا ليست موضوعاً للرثاء والحنين، بل كيانٌ حيٌّ داخل اللغة، ولذلك يرفض الكاتب صيغة الموت المكتمل. يستحضر كامو وعبارته الشهيرة عن موت الأم، لا ليكرر برود شخصيته الرئيسية «ميرسو»، بل ليقلبه: أنا أردد العبارة لأنني على يقين أن حبيبتي «شفيقة بنت علي نصور لا تموت».

بهذا المعنى، تنتهي السيرة حيث بدأت: عند الحب. حب المرأة الأولى، حب الأم، حب العائلة، حب الكتب، حب الحياة بوصفها حكاية تُروى كي لا تختنق. «أوشام» لا تكتفي بأن تكون سيرة تُغلق الماضي، بل نصاً يتركه مفتوحاً، مغبشاً، قيد التشكّل. الضباب لا ينقشع، لكنه يصير مرئياً. والكرة الزجاجية لا تعطينا يقيناً، لكنها تسمح لنا بأن نرى مع الكاتب، لا بعده، وأن نشاركه اكتشاف ذاكرة لا تزال تحدث الآن.

إلى جانب هذا النسيج العائلي والوجداني، تتسع «أوشام» لتضم ذاكرة الصداقة والرفقة الثقافية، حيث يظهر الكاتب محاطاً بوجوه صنعت زمناً كاملاً من الحياة السورية. في هذا الحقل، تحضر علاقة نبيل سليمان بعمر حجو بوصفها خبرة إنسانية معيشة، علاقة تقوم على القرب اليومي، على الصوت والضحكة والحضور الجسدي، وعلى تفاصيل عابرة اكتسبت مع الزمن وزنها الرمزي. الصداقة هنا تُروى كما تُروى بقية عناصر الذاكرة: مشهد يتحرك، صورة تتكاثف ثم تخفّ، إحساس يمرّ في الجملة من دون أن يُحبس في تعريف. والأسماء السورية التي يستدعيها نبيل سليمان في «أوشام» تدخل النص بالطريقة نفسها، كجزء من نسيج عيش مشترك، من حوارات وسهرات وتقاطعات فكرية وعاطفية، كوّنت ما يشبه عائلة ثانية، عائلة اختارت نفسها عبر التجربة. هكذا تمتد السيرة من فضاء الفرد إلى فضاء الرفقة، ومن الذاكرة الخاصة إلى ذاكرة جيل، حيث تأخذ الصداقة مكانها بوصفها أحد أشكال الحب الهادئة، المستقرة، التي لا تحتاج إلى إعلان لكي تكون حاضرة.

وفي استعادة نبيل سليمان لعلاقته بحجو، تنفتح الذاكرة على طبقة سمعية شديدة الحضور، حيث تتقدّم الأغاني بوصفها لغة مشتركة بين الصديقين. الغناء الذي كان يجمعهما يمرّ كاستذكار عابر، كجزء من نسيج العيش اليومي، من السهرات، ومن لحظات الانفراج القليلة داخل زمن مثقل. عبْر حجو وذكراه، يفتح نبيل سليمان للقارئ باباً على عالمه الموسيقي، على الأغاني التي كانا يتقاسمانها، يرددانها، ويتركانها تملأ الفراغ بين الكلام والكلام. الصوت هنا هو خلفية أساس سردي، وهو أيضاً طريق للدخول إلى حساسية الكاتب، إلى طريقته في الإصغاء قبل الكتابة. الغناء يتحوّل إلى جسر؛ لا بين شخصين فقط، بل بين السرد والنبرة، بين الذاكرة والنص، كأن الموسيقى كانت أحد الوسائط التي عبَرت منها الحياة إلى الكتابة، ومنحت السيرة إيقاعها الداخلي، ذلك الإيقاع الذي سيستمر لاحقاً في الروايات، حيث تتسلل الأغنية إلى الجملة، وتعمل بوصفها ذاكرة موازية لا تقل كثافة عن الصورة والكلمة.

أنْ يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته علناً أمام قرائه لا ليجمّلها ولا ليسخر منها بل ليضعها في قلب سيرته فهو فعل مراجعة نادر

هذا الفصل من «أوشام» يقدّم الغناء بوصفه سيرة سمعية موازية للسيرة الحياتية والروائية، ويكشف عن أن الموسيقى ليست عنصراً مرافقاً في تجربة نبيل سليمان، بل إحدى آليات تشكّل الذاكرة والكتابة معاً. الغناء هنا يتحرك من المشهد الحيّ إلى النص، من سهرة حلبية مع جمال الغيطاني وأصابع أيمن الجسري، إلى غرف الفنادق في القاهرة، إلى مقهى الزوزو في جبلة، إلى البيت العائلي حيث الأب يفتح باب الغناء العراقي بوصفه طقساً يومياً، ثم إلى الرقة التي تتكثف فيها هذه السلالة السمعية، قبل أن تستقر داخل الروايات نفسها مادةً بنيوية.

ما يفعله سليمان في هذا الفصل أنه يثبّت مصدر الصوت في المكان واللحظة، ثم يتركه يهاجر إلى السرد، فيغدو الغناء إيقاعاً داخلياً للجملة، وأحياناً منطقاً كاملاً لبناء الفصول، كما في استخدامه للأهازيج والقدود والموشحات وأغاني الفرات والمدينة بوصفها مفاتيح زمنية ودلالية داخل «مدارات الشرق» وسواها. الجملة السردية تتمدّد مع التقاسيم والارتجال، ثم تنكمش لتلتقط ملاحظة حساسة عن تغيّر المزاج التاريخي للأغنية، كما في قراءته لتحوّل أداء «أهواك» من نعومة رومانسية إلى صرامة تعكس زمناً آخر، فيتحوّل الغناء إلى جهاز رصد دقيق لتحولات الحساسية الاجتماعية والسياسية من دون خطاب مباشر. الفصل يكشف أيضاً عن منطق السلالة: صوت الأب يُورَّث، ثم يُنمّى، ثم يتشابك مع أصدقاء ومثقفين عرب، ثم يُعاد إنتاجه داخل الرواية، بحيث لا يبدو الغناء مستخدماً من الخارج، بل معيشاً من الداخل. صحيح أن كثافة الأسماء والأغاني تخلق فائضاً سمعياً قد يبدو إغراقياً، لكنه فائض مقصود، يشبه سهرة طويلة لا تريد أن تنتهي، ويفرض على القارئ أن يسمع بقدر ما يقرأ. قيمة هذا الفصل أنه يفتح مدخلاً مختلفاً لقراءة مشروع نبيل سليمان الروائي من زاوية الإيقاع، والتراث السمعي بوصفه خلفية للأحداث، وأيضاً بوصفه لحماً لغوياً وآلة توقيت سردية، ويضيف إلى «أوشام» وشماً إضافياً: وشم الصوت، وشم النبرة، وشم ما يدخل من الأذن ليستقر في الجملة.

* كاتب سوري.


تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
TT

تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.

تضمّ بادية الأردن سلسلة من القصور الأموية، أكبرها قصر «المَشتى» في لواء الجيزة. سلّط العلماء المستشرقون الضوء على هذا الموقع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ونجحت بعثة ألمانية في نقل واجهته الجنوبية الضخمة إلى برلين في مطلع القرن العشرين بعدما أهداها السلطان عبد الحميد إلى حليفه ملك بروسيا غليوم الثاني، فدخلت «متحف القيصر فريديريك» في عام 1903، ثم نُقلت إلى «متحف الفن الإسلامي» في 1932. ويُعد هذا المتحف أقدم وأكبر متحف مخصّص للفن الإسلامي في أوروبا وأميركا. تحتلّ واجهة «المَشتى» الحيز الأكبر في هذا الصرح الأوروبي، وتحضر إلى جوارها مجموعة صغيرة مستقلّة من التماثيل المهشّمة شكّلت في الأصل جزءاً من أثاث هذا القصر. تشهد هذه المجموعة لتقليد نحتي أموي خاص، اتّضحت هوّيته الفنيّة بشكل جليّ من خلال مجموعات مشابهة خرجت من قصور أموية أخرى تمّ استكشافها في ثلاثينات القرن الماضي.

تُعرض تماثيل قصر «المَشتى» على منصّات مستطيلة بيضاء في ركن من أركان القاعة المخصّصة لواجهة القصر الضخمة في «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتبدو للوهلة الأولى أشبه بكتل حجرية مهشّمة على هامش هذه الواجهة المزينة بزخارف محفورة في الحجر الجيري، حافظت على معالمها بشكل شبه كامل. تبرز في هذا الركن قطعة حافظت وحدها على الجزء الأكبر من تكوينها، وتتمثّل بكتلة من حجر كلسيّ منحوت ومصقول، تجسّد أسداً رابضاً على قاعدة بيضاء، يبلغ طوله 72 سنتيمتراً، وعرضه 122 سنتيمتراً. يبدو هذا الأسد جاثياً بثبات على قائمتيه الخلفيتين المطويتين فوق قاعدة مستطيلة رقيقة مجرّدة من أي زخرفة، باسطاً قائمتيه الأماميتيّن، وتبدو معالم تكوينه واضحة وجليّة، على الرغم من ضياع الجزء الأكبر من رأسه وطرفي قائمتيه الأماميتين. سقطت عناصر ملامح الوجه، وبات من الصعب تحديدها، وتشير وضعيّته إلى رأس منتصب وملتصق بالصدر، تحيط به لبدة كثيفة تتكوّن من خصلات شعر متراصّة ومتوازية، تمتدّ وتشمل اللحية، فتشكّل معها عقداً يلتفّ حول كتلة الذقن البيضاوية.

الجسم طويل وأملس، وأعضاؤه محدّدة بشكل جليّ يحاكي المثال الواقعي، كما يشهد التجسيم الدقيق والمحكم لمفاصل البدن. يبرز هذا الأسلوب في تكوين القائمتين الخلفيتين، ويتجلّى في نتوء المخالب الناتئة التي تحدّ طرفيها. تجدر الإشارة هنا إلى وجود قطعة منحوتة صغيرة خرجت من قصر «المَشتى»، تحضر فيها هذه المخالب بشكل مماثل. ولا ندري إن كانت هذه القطعة تعود في الأصل إلى هذا التمثال، أم إلى تمثال مماثل شكّل تأليفاّ ثنائياً معه، وفقاً لتقليد فني ساد في أقاليم الإمبراطورية الساسانية. انقضت هذه الإمبراطورية مع الفتح الإسلامي لبلاد فارس، إلا أنَّ نتاجها الثَّقافي ظلَّ حياً، وطبع مجمل ميادين الفن الأموي، ويشكّل أسد «المَشتى» شاهداً من شواهد هذا التلاقح.

تقابل هذا الليث قطع منحوتة مهشّمة، يشكّل كل منها جزءاً بسيطاً من تمثال أنثوي بات من الصعب تحديد شكل تكوينه الأصلي. تُمثّل إحدى هذه القطع رأساً بقي من ملامحه محجرا العينين الواسعين، والطرف الأسفل للأنف، وشفتا الثغر المطبقتان على ابتسامة خفيّة. الوجنتان عريضتان، وتوحيان بأن هذا الوجه النضر يعود إلى امرأة تعلو رأسها كتلة من الشعر الكثيف، تبلغ مساحتها العليا ضعف مساحة الوجه. في المقابل، تكشف قطعتان منحوتتين عن صدر أنثوي ممتلئ ومكتنز. كما تكشف قطعة ثالثة عن فخذَي ساقين متلاصقتين، تتميّزان كذلك بهذا الطابع المكتنز. حافظت هذه القطعة على قماشتها المصقولة، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طولها 70 سنتيمتراً، وعرضها 50 سنتيمتراً، مما يوحي بأنها تعود لتمثال يحاكي في حجمه المثال الطبيعي. حافظت هذه الكتلة الثلاثية الأبعاد على تفاصيل تكوينها، وتُظهر هذه التفاصيل رداءً رقيقاً ينزاح عن الردفين، بقي طرفه حاضراً عند أعلى الفخذ اليسرى. تظهر على هذه الفخذ بقايا كتابة منقوشة بالخط الكوفي، تتجه من الأعلى إلى الأسفل. للأسف، لم يتمكّن أهل الاختصاص من فكّ نص هذه الكتابة، وترى إحدى القراءات الافتراضية أنها تذكر اسم صاحبة هذا التمثال.

يحتفظ متحف الآثار الأردني بقطعة مشابهة، كشفت عنها أعمال الترميم والتنظيف التي أجرتها دائرة الآثار العامة خلال عام 1962 في قصر «المشتى». صيغت هذه القطعة كذلك وفقاً للقياس الطبيعي، ويبلغ طولها 75 سنتيمتراً، وعرضها 52 سنتيمتراً، وتمثّل الحوض وأعلى الساقين. يظهر هنا الرداء الذي ينسدل على الفخذ اليمنى، كاشفاً عن الفخذ اليسرى، وتظهر ثناياه المحدّدة وفقاً للطراز اليوناني الكلاسيكي. فقد هذا التمثال ذراعيه، غير أن ما بقي من طرفيهما الأسفل يشير إلى يدين تحمل كلّ منهما أداة ما، بات من المستحيل تحديد هوّيتها.

تشهد هذه المنحوتات لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بقصير عمرة، كشف عنه العالم التشيكي ألوييس موزيل في مؤلف ضخم نُشر في جزأين عام 1907. وتأكّدت هذه الخصائص في مجال النحت مع ظهور منحوتات أنثوية مشابهة، خرجت من قصر أموي يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، خلال أعمال التنقيب التي أجرتها بعثة تابعة لدائرة الآثار البريطانية في منتصف الثلاثينات.

يتميّز هذا المثال بجسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة، كما يتميّز بوجوه تعكس هذا الطابع. يتكرّر هذا الطراز في قوالب مختلفة، تكشف دراسة هذه القوالب عن اعتماد تسريحات شعر وحلل زينية متعدّدة الأشكال، شكّلت مفردات لقاموس فني يوازي القاموس الأدبي الذي عُرف به هذا العصر الزاخر بالعطاء.


رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه
TT

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه»، وهو من تأليف الشاعر والمسرحي الإسباني فديريكو غارثيا لوركا، وترجمه عن الإسبانية المترجم والشاعر حسين نهابة.

يقول المترجم إن هذا الكتاب «هو عبارة عن مجموعة من المراسلات الشخصية التي كتبها لوركا إلى عائلته وأصدقائه من الفنانين والأدباء»، مضيفاً أن هذه الرسائل تكشف جوانب عميقة من شخصية لوركا، ولا سيما ما يتعلق بأقرب المقرّبين إليه، وما كان يتمتع به من روابط إنسانية وفنية مهمة ووثيقة.

ويسلط الكتاب الضوء، كما يضيف، «على العلاقات العائلية والصراعات الشخصية، إذ يكتب لوركا لوالديه عن رحلاته إلى الأديرة، مثل دير سانتو دومينغو دي سيلوس، واستمتاعه بالهدوء والفن المعماري، كما يعبّر في رسائله عن رغبته في الاستقلال، ولا سيما في مخاطبته لوالده، حيث يدافع بشدة عن خياره الفني، مطالباً بتركه في مدريد لمتابعة عمله الأدبي بدلاً من العودة إلى غرناطة، معتبراً أن الفن هو معركته الحقيقية.

وبعض الرسائل خُصصت لتوضيح علاقاته بالوسط الفني ومجايليه، حيث يشير الكتاب إلى العلاقة القوية التي جمعته بالفنان السوريالي سلفادور دالي، وانتظاره لزيارة دالي إلى منزله، وتخطيطه لإقامة حفلة غجرية على شرفه، فضلاً عن رسائل أخرى وجّهها إلى شخصيات بارزة مثل أدريانو ديل فايي، وأنخيل باريوس، وأدولفو سالاثار، يناقش فيها مشاريعه الموسيقية، وقصائده، وتطلعاته الفنية.

وتبين الرسائل تأمّلات لوركا في فلسفة الشعر، حيث يصف نفسه بأنه «شاب فقير، شغوف وصامت»، يحمل في داخله زنبقة مستحيلة الري، ويعبّر عن حزنه الدائم الذي يشكّل جوهر شعره، معتبراً أن الشعر هو «مملكة الكآبة». فضلاً عن تأمّلاته في الفن والواقع، إذ ناقش لوركا رسوماته الفنية، مؤكداً ضرورة ربط التجريد بالواقع، وواصفاً عملية الرسم بأنها تمنحه شعوراً بالحرية والنقاء. وبين أن الرسائل تكشف عن شغفه الكبير بالموسيقى، ولا سيما الموسيقى الشعبية الغرناطية، وتعاونه مع الموسيقي مانويل دي فايا في مشاريع فنية، من بينها «مسرح الدمى». وتطرّق لوركا أيضاً إلى تجاربه في السفر، حيث تناول رحلته الشهيرة إلى أميركا الشمالية، واصفاً حياته على متن السفينة العابرة للمحيطات، وتأثره بالأشخاص الذين التقاهم، مثل الطفل المجري الذي ألهمه إحدى قصائده.