تسونامي رقمي يجتاح عالم القراءة والكتابة

التكنولوجيا والدعامات الرقمية تحدثان تحولات عميقة في الثقافة والمجتمع

تسونامي رقمي يجتاح عالم القراءة والكتابة
TT

تسونامي رقمي يجتاح عالم القراءة والكتابة

تسونامي رقمي يجتاح عالم القراءة والكتابة

يعد تطور التكنولوجيات والدعامات الرقمية خلال السنوات الأخيرة (التواصل عبر الشبكة، الحواسيب، الهواتف المحمولة، الهواتف الذكية، الأقراص، أجهزة قراءة الكتب الإلكترونية، المواقع...) إنجازا مبهرا؛ إذ غزت تدريجيا كل مجالات النشاط البشري. لقد أصبح الجميع معنيا بالرقمية؛ فهي قضية تشغل بال عالم الاجتماع، والفيلسوف، واللساني، والناشر وغيرهم. فالمطابع ودور النشر، مدعوة إلى إعادة النظر في أدوارها ونماذجها الاقتصادية. والكاتب معني بالتواصل مع المتخصصين في مجال الرقمية.
هل سنلج فضاء جديدا مع الرقمية؟ هل نعيش تحولا عميقا على المستويين الثقافي والاجتماعي؟ هل نعيش زمن القطيعة؟ أيجب تحديد هذه القطيعة بمصطلحات أنثربولوجية؟ أم أننا نعيش تحولا جذريا للإنسانية يرتكز على أشكال سوسيوتقنية جديدة؟ ما الذي غيرته الرقمية في علاقتنا بالهوية الشخصية وبالغير؟ وما الذي غيرته على مستوى الولوج إلى المعارف والمعلومات؟ هل تشجع صيغا جديدة للإبداع والقراءة؟ هل هي مصدر لتجديد ثقافي؟ ما الحل إذن، أمام وجهات النظر المتباينة، والتعارض بين خطاب الغنائية وخطاب الوعيد؟
وإذا كان من الصعب طبعا الإحاطة بكل الجوانب والقطاعات المعنية بهذا التسونامي الرقمي. فإننا سنحاول إضاءة الرقمية، مركزين على بعض مظاهر التحول المتعلقة بها على مستوى الكتابة والقراءة.

* محاولة للتحديد

* ترتبط الرقمية في أصلها الإيتيمولوجي (علم تأصيل الكلام) بالرقم. وقد شاع مفهوم الرقمي le numérique، بفضل تطور الإعلاميات والتواصل السمعي البصري. ويشار إلى هذه التحولات بصيغ تعبيرية مختلفة: التكنولوجيات الرقمية، المجتمع الرقمي، الزمن الرقمي.. وتتصل الرقمية بتحولات أساسية، يمكن إجمالها في الإشارات التالية:
- طريقة معالجة المعلومات بشكل متجانس.
- التطورات المرتبطة بصناعة الدارات الإلكترونية والبرانم.
- تطور علوم جديدة كالإعلاميات والسيميائيات.
- غنى التطبيقات التكنولوجية والصناعية.
لقد ترتب عن الوضعية الجديدة، تحليلات وتعليقات عدة، ومواقف متباينة ومتناقضة أحيانا، حول هذه الحالة الرقمية «الجديدة». فثمة آراء جد متحمسة تصفق لهذا الواقع الجديد، مبررة اختيارها بما تقدمه الشبكة من محاسن، على مستويات توفير البيانات، وتسهيل التبادلات، وتعزيز العلاقات وغير ذلك. ومن أنصار هذا الاتجاه، المفكر ميشال سار Michel Serres، الذي يبدي انبهاره بقدرة الأجيال الشابة (الإصبع الصغيرة) على الإبداع والاختراع.
لكن ما يثير القلق في المقابل، هو إحكام الرقمية القبضة على حياتنا؛ إذ تشيع ارتباطات وعلاقات قوية بالشاشة، عبر ظاهرة الإدمان بواسطة الإصبع، مع ما يرافقها من مخاطر. هذه، مثلا، وجهة نظر سيديريك بياجيني Cediric Biagini، التي تدعو إلى التصدي للأنساق التكنولوجية ومنطقها الفرداني، والخروج من الشرنقة الرقمية التي ارتمينا فيها.

* الرقمية وتحولات الكتابة والقراءة

* أولا: الكتابة
تؤثر الرقمية على الممارسة الثقافية، وتكرس الهوة بين النخبة التي تملك إمكانات جديدة للوصول إلى المعرفة، وبين الفئات الاجتماعية الهشة التي تمعن الرقمية في إقصائها، لتغدو الفجوة الرقمية فجوة اجتماعية. ويعيش الكتاب، ضمن هذا المنظور، خطر التهميش، الذي يهدد الإبداع الفردي وحقوق المؤلف. كيف نحمي حقوق التجديد والإبداع في ظل مقولات التعاون والتقاسم؟
ينظر إلى الرقمية في فرنسا مثلا، باعتبارها تهديدا لعالم الثقافة؛ لأنها تفتح المجال للتحميل غير المشروع والمجانية الكلية للولوج للمؤلفات. إنه خوف من رقمنة المؤلفات، ومن خطر غياب مراقبة على المعارف، وبالتالي، فقدان نهائي لمحدداتها المعتادة. إن الرقمية تحاور هذه التمثلات وردود الفعل الإيجابية والسلبية. وهي متصلة كذلك، بالأصول الجديدة للممارسات الاجتماعية، التي تسائل قانونية عدد من المعايير الثقافية المؤسسة. إنها تعيد تحديد المعارف وتحول صيغ الولوج إليها، كما تفجر التصورات التقليدية للمعلومة.
لنأخذ حالة الكتاب الذين يجابهون رقمنة المضامين، في الصيغ الجديدة للكتابة على الشاشات. فهناك أبحاث كثيرة حول تطوير سوق الكتاب والنشر، وحول متخيل الكُتّاب، وحول القراءة وسلوكات القراء. لكنَّ الأبحاث حول مواقع الكتّاب وسلوكياتهم في مواجهة السياق التكنولوجي الجديد قليلة.
وعلى الرغم من العودة إلى تهجين النصوص، والصورة، والصوت، والحوار التفاعلي مع القراء، الذي لا يهم، إلى الآن، سوى عدد محدود من الكُتّاب، نلاحظ، على الأقل، تنوعًا متناميا للممارسات. إذ بدأ الكُتّاب ينفتحون على الأدوات الرقمية التي تمنحهم قدرات هائلة للتخزين، وإمكانات لتشكيل نصوص، ومداخلَ لمواردَ على الخط، وإمكانات للتصحيح الآلي. هذا فضلا عن إمكانات هائلة للنشر والتوزيع والتفاعل مع الناشرين والقراء.
لقد مست الرقمية ثقافة الكتابة التي عرفناها منذ عقود. فهي تعيد النظر في طرقنا في التعلم والتفكير. ويشير المتخصصون في تاريخ الكتابة والقراءة، إلى أن فهم التحولات الحالية على مستوى القراءة والكتابة، بفعل الرقمية، يجب أن يندرج في رؤية طويلة المدى، من أجل تبصر الاستمرار أو القطيعة التي تحصل، مع ضرورة اعتبار مختلف تحولات الدعائم الإنسانية المؤثرة، ضرورة على المعارف وصيغ القراءة. وفي هذا الإطار يميز المؤرخون بين أربع مراحل في تاريخ صيغ التواصل:
1 - لقد كان اكتشاف الكتابة مرحلة حاسمة في تاريخ الإنسانية، حسب الأنثروبولوجي Jack Goody. إذ ساهم التحكم في الكتابة، في تطور قوي في الفكر: تطور الخط، الرولو، الورق... سمح بالحفاظ على معلومات على حامل ثابت. كما سمح بتحرير الذاكرة الفردية والجماعية، وتوزيع الكثير من المستندات، وبالتالي الرفع من إمكاناتنا الثقافية.
2 - شكلت قراءة النصوص على الرولو في القرن الثالث، المرحلة الثانية من زمن القراءة-الكتابة، انطلاقا من الكودكس (دفتر مكون من أوراق مطواة يتم الربط بينها). فالأمر يتعلق إذن بثورة ثقافية رئيسة؛ لأنه، لأول مرة، تقدم للإنسان وثيقة قابلة للتصفح والكتابة في أثناء القراءة.
لقد سمح الكودكس، بامتلاك رؤية كلية للنص والصفحة، مكوَّنا من كلمات منفصلة تغدو وحدة للتلقي. والكتاب مقسم لفصول وفقرات، بحيث يستطيع القارئ إعادة القراءة متى شاء.
3 - ترتبط هذه المرحلة، باختراع المطبعة سنة 1450 (Gutenberg)، التي خلخلت علاقتنا بالزمن والذاكرة، وفتحت تدريجيا، المجال لدمقرطة القراءة. كما أن إعادة إنتاج النصوص، أسهمت في نشر أفكار جديدة.
4 - هي المرحلة التي نعيشها اليوم، وسمتها، تزايد التواصل الإلكتروني الذي فجر علاقتنا بالمكتوب. ويرى المؤرخ Robert Darnton، أن إيقاع التغير المرتبط بالإنترنت، يقطع الأنفاس: من الكتابة إلى المخطوطة (الكودكس) 4300 سنة. من المخطوطة إلى الخط المتحرك، 1150 سنة. من الخط المتحرك إلى الإنترنت، 524 سنة. من الإنترنت إلى محركات البحث، 17 سنة. ومن محركات البحث نحو خوارزميات غوغل، 7 سنوات.
إن المرور من المنشور المطبوع إلى النص الإلكتروني، يحاول، كما أشار Roger Chartier، تثوير نماذج إنتاج النصوص وتحويلها، ومواد الحامل التقليدي المكتوب، ثم تثوير الممارسات القرائية. وهذا التحول الحاسم، وليد أثر علاقة تربط الأشياء والأجناس والاستعمالات. فالإنترنت تسمح بقراءة كل النصوص كيفما كانت، من دون نظام وتراتبية. وعالم النصوص الرقمية، عالم مقاطع منتزعة من سياقها ومتقابلة. ويمكن أن نسجل عموما، ثلاث * * خصائص ملاحظة:
* غيّر النص الإلكتروني مفهوم السياق، وبالتالي إنتاج المعنى، ما دام تماسك النصوص في الكتاب نفسه، يبدل بتجميع متحرك ومفتوح، وكتابات تستهلك على الخط.
> مادية النصوص، إذ أصبح النص أثرا لا ماديا.
> تميزت القراءة على الشاشة بمنطق الرولو (تنجز حسب مسار عمودي)، والقراءة كذلك، على الكتاب المطبوع، (محددات خاصة: صفحات فصول الخ). أما مع النص الرقمي، فينجز انطلاقا من نص مطبوع على مستويات عدة، ومن محدداته حسب اللساني Rafael Simon:
- يعطي النص الرقمي أولا، قيمة قوية لإعداد نص وإبداعه: هناك عمليات عدة ممكنة، مثل: تحرير، نقل، قص، حذف، قراءة مستمرة، تنقيح. الخ. هو نص من دون أثر مادي (الزمكان الخاص بالكتابة-غير مموقع). مُؤَلِّفه غير محدَّد. هو نص «ضال» (من دون هوية). نص يشارك فيه مؤلفون عدة. نص غير محدد وغير مكتمل، ينشر من دون توقف. هي إذن وضعية اللاثبات.
- إنه نص نصله عبر آلة. نص رقمي له علاماته وإكراهاته (برانم).
إن الكتابة الإلكترونية (متعددة الأصوات)؛ لأنها تحرر أشكال الكتابة الأصلية، وتمنح إمكانية لكتابة متحركة غير ثابتة. إنها تسمح بالحوار والمرح بفعل الدعامات الجديدة؛ إذ نستعمل أسنانا جديدة في الكتابة (رسائل، صورا وغيرها).
هل هذا النمط من الكتابة مؤشر على فقر اللغة، وبنية التركيب، وتطور النحو الإلكتروني، من دون نتائج عامة على الخط؟ علما بأن بعض اللسانيين، أكدوا أن الرسائل الإلكترونية تغني اللغة، بالسماح للمتعلمين باكتساب كفاية لسانية مزدوجة (معرفة القواعد التقليدية للكتابة والتحكم باللعب على الأسنان)، كما تسمح بالشك في الآثار الوحيدة المستفيدة من هذه الصيغ للكتابة.

* ثانيًا: الصيغ الجديدة في القراءة
* مع ازدهار الحواسيب والألواح الذكية، والكتاب الإلكتروني، تولد انزياح تدريجي في عالم الممارسة القرائية. يبدو أن الرهان مع بروز قراءة عاكسة (ردود فعل)، موروثة من النهضة، هو قراءة أكثر سرعة وتفاعلية.
يقول الباحث الروماني Alberto Manguel، في كتابه «تاريخ القراءة»: «نعرف لماذا نقرأ حتى حين لا نعرف كيف. فهل نستطيع القول بشكل واع، في الوقت نفسه، إننا انتقلنا من نص يخلق صورا إلى فعل القراءة. نقرأ لمعرفة النهاية لأجل التاريخ. نقرأ بهدف عدم الإمساك بهذه النهاية. فقط، من أجل لذة القراءة. نقرأ باهتمام عميق مثلَ صيادين في درب، متناسين ما يحيط بنا. نقرأ بذهول. نقفز على الصفحات. نقرأ بازدراء، بقبول، برفض، بغضب، بصبر، بشهية، بحنين. نقرأ بخجل لذة مفاجئة، من دون معرفة سبب هذه اللذة».
مع نهاية القرن الـ20 وانتشار الوسائط التقليدية (صحافة، إذاعة...)، وتطور الوسائط الرقمية، تحركت القراءة الدينامية المفتوحة التفاعلية، محدثة علاقة جديدة بالنصوص. ومع الإنترنت، أصبحت القراءة تتحرك مع محركات البحث والروابط التشعبية، التي تطور كفايات وقدرات معرفية جديدة. وهكذا برزت ممارسات قرائية جديدة:
- تعقدت صيغ القراءة اليوم، لأنها تستدعي مهارات واستراتيجيات تتطور طيلة حياتنا. فالتحولات مست الإنسان: علاقته بالزمن، قدراتنا على الانتباه، ولذتنا القرائية. لقد تزايدت وتيرة القراءة بفعل إكراه الحياة المعاصرة، الذي يعرقل قراءاتنا، ويفرض السرعة علينا مع تدبير كتلة من المعلومات.
لم تعد القراءة مع الإنترنت مرادفة للقراءة الإدماجية لنص أو مستند؛ لأن السياق تغير، والمحددات على الشاشة تعددت. فالسرعة فرضها تعدد الوسائط، وكثرة الوثائق على الإنترنت. كل هذا يطور قدرات دماغنا الذي لم تعد له حدود بالنسبة لسرعة بعض السيرورات المعرفية.
- تعددت كذلك قدراتنا على الانتباه الذي تعمق بعد أن كان قديما، يتبار حول موضوع واحد. فبرزت انتباهات متعددة تضاهي تعدد الشاشات والروابط. فنستقبل مثيرات عدة تجعل منا تفاعليين.
- تغيرت لذة القراءة ببروز نصوص تشعبية. فحصل التحول من القراءة الخطية إلى القراءة العمودية، ومن القراءة الإخبارية إلى القراءة السردية..، تعددت الدعامات.. كتاب، صحافة..، واغتنت الأجناس الأدبية: قصيدة تفاعلية، رواية تفاعلية.. والمحصلة، تعدد القراءات.
مع الورق، ارتبطت لذة القراءة عند الشباب بالروايات والحكايات. أما مع المدونات، فقد وجد الشباب لذاتهم القرائية في المواقع التفاعلية. هكذا برزت محددات جديدة متصلة بالتفاعل، وبالتجربة، وبالتحكم في النصوص وإبداعها. أصبحت القراءة غامرة صلبة، بأبعاد عاطفية وثقافية، خلخلت النموذج التقليدي للقراءة. وتغتني القراءة على الشاشة، بروابط تشعبية تسمح بالإبحار في صفحة الآخر، والاستفادة منها. إنها تجربة القراءة الغنية التي تسمح بممارسات جديدة. فمعرفة القراءة، تعني تعلما وفهما، انطلاقا من مستندات وشاشات تفاعلية. كما تستدعي كفايات مؤسسة على مختلف الأدوات البرانمية. ويؤكد البعض، صعوبة القراءة زمن الرقمية، بفعل كثرة الأدوات ولا ثبات المقروء، وصعوبة الانتباه والتركيز لكثرة المحددات؛ ما يؤدي إلى صعوبة بناء المعنى.
هذه بعض مظاهر التحولات التي أحدثها التسونامي الرقمي على مجالات القراءة والكتابة. وهناك جوانب أخرى متصلة بمجالات التعليم والتجارة والإعلام. ونحن مدعوون إلى فهم هذه التحولات قصد اتخاذ المواقف والتدابير التي تسمح لنا بالانخراط الإيجابي الفاعل في عالم الرقمية.



في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
TT

في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)

تتبع مجلة «القافلة» السعودية، التي تصدرها شركة أرامكو، في عددها الجديد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)، مسيرة الفكر الإنساني وتطوره من تاريخ «السُّلم»، العنصر المعماري ذي الدلالات والرموز الثقافية، وصولاً إلى تساؤلات العصر الحديث عن التنوع الثقافي وضمان عدالتها.

العدالة الثقافية

في قضية العدد، تتناول «القافلة» مفهوم «العدالة الثقافية» بوصفها أساساً لتطور المجتمع ولضمان وصول الثقافة إلى الجميع، بتتبع نشأة هذا المفهوم وتوسّعه عالميّاً مشمولاً بالتنوع والتمثيل الرقمي، وحقوق الثقافات المختلفة.

يرى الدكتور محمود الضبع أن القوة الناعمة ترتبط بالعدالة الثقافية، مؤكداً أن الثقافة موردٌ إنتاجي واستراتيجي يستلزم سياسات داعمة، في حين يتناول الدكتور عبد الواحد الحميد التحديات المرتبطة بالتفاوت الجغرافي والاجتماعي في المملكة، مبرزاً الحاجة إلى دعم موجّه يضمن شمول الثقافة للجميع.

الخوف من الكتب

في قسم «أدب وفنون»، تتتبّع ندى حطيط تاريخ الخوف من الكتب من حيث إنها «سمٌّ وترياق»، مُسلّطةً الضوء على قدرتها على تغيير الوعي، انطلاقاً من الفلسفة القديمة إلى الرقابة الحديثة. ويقرأ الدكتور سعيد يقطين تحولات مفهوم «الالتزام الأدبي» منتقداً استنساخ المفاهيم الغربية. كما يبرز الدكتور مسفر القحطاني أهمية تأسيس المعهد الملكي للإنثروبولوجيا الذي سيشكل نقلةً معرفية لدراسة الإنسان السعودي وفهم الهوية الثقافية بعمق، في حين يرصد الكاتب عبد الرحمن السليمان سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي، ويقدم الدكتور سعيد بنكراد رؤيته للثقافة، التي هي ترويض للطبيعة وبناء رمزي للإنسان؛ مُشكِّلةً بذلك الهوية والسلوك والمعنى.

يتناول العدد الجديد من «القافلة» سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي

الثقوب السوداء

في قسم «علوم»، يتناول الدكتور نضال قسوم تطوّر فهمنا للثقوب السوداء ابتداءً من مجرد طرحها فرضيةً فيزيائية إلى تصويرها المباشر منذ عام 2019م. ويناقش الدكتور عبد الهادي الهباد اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه، الحالة الناتجة عن تفاعل عوامل بيولوجية وبيئية متعددة، مؤكداً تأثير أنماط الحياة الرقمية الحديثة في تشكيل الانتباه. وفي زاوية «مجهر»، تتناول الدكتورة ندى الأحمدي ظاهرة انخفاض سن البلوغ لدى الفتيات عالميّاً.

أسرار الحدس

في قسم «آفاق»، تناقش الدكتورة سماهر الضامن «الحدس» بوصفه معرفةً لاواعية متجسدة، وتستعرض تحوّله في عصر التقنيات العصبية وما بعد الإنسانية. وتشرح آلاء الحاجي دور الفن في العلاج لتنظيم المشاعر حين تعجز اللغة عن التعبير عن الصدمات. كما يتناول ناصر الرباط الحديقة الإسلامية التي شكّلت استجابة بيئية للندرة، بينما يأخذنا أشرف فقيه في زاوية «عين وعدسة» إلى آيسلندا، الجزيرة البركانية التي تجمع بين الجليد والنار.

السُّلم... ارتقاء معماري

يختتم العدد بملف خاص عن «السُّلم»، يستعرض تاريخه بوصفه عنصراً معماريّاً تطور من أشكال طبيعية بدائية إلى رموز دينية واجتماعية وجمالية عبر العصور. كما يناقش دلالاته الثقافية والرمزية في اللغة، والفنون، والسينما، حيث تمثل الصعود والهبوط والتحولات النفسية والوجودية، مبرزاً دوره الحضري بوصفه فضاءً للتفاعل الاجتماعي والثقافي.

وفي قراءةٍ للمشهد الثقافي، يسلّط العدد 716 الضوء على إشكالية التلقي الفني وتحوّل العمل الفني إلى صناعةٍ خاضعة لذائقة الجمهور وفق تحليل الدكتور علي زعلة. كما يحتفي العدد بجماليات اللحظات العابرة، من خلال استعراض تجربة الفنان كميل حوّا في زاوية «ضوء»، ويتطرق كذلك لبرنامج «العلم + أدب» الرامي لإعادة صياغة المفاهيم العلمية ضمن قوالب إنسانية مؤثرة، ليضع بين يدي القارئ مزيجاً فريداً يوازن بين التأمل الفكري العميق ومتعة استكشاف الحياة وتنوعها.


نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
TT

نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)

ازدهر النحت التصويري في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى، فاتّخذ طابعاً خاصاً يجمع بين التقاليد الهلنستية والطرز الفارسية في قوالب مبتكرة، شكّلت أسلوباً محلياً خاصاً، تجلّى في شواهد عدّة خرجت من مواقع أثرية، أبرزها تدمر، المدينة التي ازدهرت في تلك الأزمنة، وبدت فيها أشبه بميناء الصحراء، وبوابة المرور بين إمبراطوريتين عدوّتين تتقاسمان الشرق. ظلّ هذا التقليد الفني حياً في عهد الدولة الأموية، وأسبغ طابعه على الكثير من الحلل، زيّنت القصور التي شيّدها خلفاء هذه الدولة وسط صحاري بلاد الشام، ومنها قصر الحير الغربي الذي بناه هشام بن عبد الملك في عام 727، في ناحية من البادية السورية، تقع على بعد نحو 60 كيلومتراً جنوب غربي مدينة تدمر.

ذكر ياقوت الحموي تدمر في «معجم البلدان» خلال العهد الأخير من العصر العباسي، وكتب في تعريفه بها: «مدينة قديمة مشهورة في برية الشام»، «زعم قوم أنها مما بَنته الجن لسليمان - عليه السلام -، ونعم الشاهد على ذلك، قول الذبياني:

إلا سليمان إذ قال الإلهُ له

قُم في البرية فاحْدُدْها عن الفَنَد

وجَيش الجن إني قد أمرتُهُمُ

يَبنون تدمر بِالصُّفّاحِ والعَمَدِ».

نقل ياقوت هذين البيتين، وأضاف معلّقاً: «وأهل تدمر يزعمون أن ذلك البناء قبل سليمان بن داود - عليه السلام - بأكثر مما بيننا وبين سليمان، ولكن الناس إذا رأوا بناءً عجيباً جهلوا بانيه أضافوه إلى سليمان وإلى الجن». والكلام هنا في الواقع يعود للجاحظ في «الحيوان»، ونصّه: «ولكنّكم إذا رأيتمْ بنياناً عجيباً، وجهلتم موضع الحِيلة فيه، أضفْتُموه إلى الجنّ، ولم تعانوه بالفكر».

ذكر القزويني كذلك هذه المدينة في «آثار البلاد وأخبار العباد»، وقال إن «أبنيتها من أعجب الأبنية، موضوعة على العمد الرخام»، ونقل شعر النابغة الذبياني فيها، وأضاف: «وبها تصاوير كثيرة، منها صورة جاريتين من حجارة نمق الصانع في تصويرهما». يشير هذا الحديث بشكل جليّ إلى نحت حجري يمثّل امرأتين، «مرّ بهما أوس بن ثعلبة» الذي عاش في زمن معاوية، وقال في وصفهما:

فتاتَي أهل تدمر خبّراني

ألمّا تسأما طول المقام

قيامكما على غير الحشايا

على حبلٍ أصمّ من الرّخام

فكم قد مرّ من عدد اللّيالي

لعصركما وعام بعد عام

وإنّكما على مرّ اللّيالي

لأبقى من فروع ابني شمام».

في العصر الحديث، أعاد المختصون كتابة تاريخ تدمر، وحدّدوا موقعها في الحقبة الرومانية التي شهدت نموها وأفولها. افتتن علماء الآثار بمعالم هذه المدينة، وأخرجوا من الظلمة إلى النور قبورها الجماعية والفردية الكثيرة، وعمدوا إلى دراستها بشكل دقيق. جعلت تدمر من مقابرها هياكل تعلن حلول الحياة الأبدية، هذه الحياة «الأخرى» حيث تعيش النفس في عالم الخلود. تجلَّى هذا الطابع في عشرات التماثيل التي أُخرجت من أطلال تدمر، وأغلبها تماثيل جنائزية اعتمدت في الأصل كشواهد للقبور التي صُنعت لأجلها.

تمثّل هذه المجسّمات المنحوتة قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها. يغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر. نتلمّس هنا النسق الهلنستي السوري، حيث ينصهر النمط الروماني بطراز محليّ يُعيد قولبته بشكل جديد. تجمع الثياب بين التقاليد الرومانية والفارسية، وتزيّنها ثنايا وحلل تتحوّل إلى شبكات من الزخارف المتجانسة. في الألواح الفردية كما في الألواح الجماعية، تتعاقب القامات في توازٍ وتماثل، وتسود الوضعية المواجهة للوجه على التأليف. تتجلّى الصورة العائلية في مشهد يُعرف بـ«الوليمة الجنائزية»، وفيه يحضر الرجل ممدّداً، رافعاً بيده اليمنى كأساً، بينما تجلس امرأته من خلفه على اليسار، في قياس تناسبي رمزي يعتمد تصغير حجمها. تعود الوجوه إلى أناس رحلوا عن هذه الدنيا، لكن اللافت هنا غياب وجوه المسنّين، فالفن لا ينقل الواقع، بل يجرّده ويقدّسه.

تتضاءل قامة الجسد أمام اتساع كتلة الوجه. يخرج التصوير عن القواعد الكلاسيكية بتجسيمها الواقعي الفردي، ويتبنّى صيغة توحيدية جامعة. نرى امرأةً واحدة، رجلاً واحداً، وطفلاً واحداً. يتكرّر الوجه الواحد، ويرافقه اسم صاحبه مع كلمة «نفشة» الأرامية، التي معناها «نفس». الوجه هنا إشارة النفس والروح، ينتصب فوق القبر مجرّداً من ترابيّته، شاخص العينين، محدّقاً فيما يُرى وما لا يُقال.

تمثّل هذه المنحوتات قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها ويغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر

يبرز هذا النسق في الكثير من النقوش النحتية التي خرجت من قصر الحير الغربي، وأشهرها قطعتان عُرضتا في معارض عالمية خُصصت للميراث السوري. تعود هاتان القطعتان في الأصل إلى واجهة القصر، وتشكّلان عنصرين من عناصر حللها التصويرية. تتمثل أكبر هاتين القطعتين بنصب يبدو أشبه بتمثال وصل بشكل جزئي للأسف، ويصوّر قامة ممدّدة، تجاورها في الخلف قامة جالسة. يبلغ طول هذا النصب 86 سنتيمتراً، وعرضه 98 سنتيمتراً، ويتبنّى بشكل واضح نموذج «الوليمة الجنائزية». فقد الرجل الممدّد صدره ورأسه، وبقيت منه ساقاه الملتحفتان بثنايا ردائه الطويل، ويده اليسرى المستريحة على ركبته. كذلك، فقدت رفيقته رأسها، وظهرت قامتها بردائها التقليدي، مع حزام معقود تحت صدرها البارز.

تتمثّل القطعة الثانية بنصب أنثوي نصفي، يبلغ طوله 43 سنتيمتراً، وعرضه 38 سنتيمتراً، وفيه تحضر امرأة متوجة، تحمل بيدها اليسرى طيراً سقط رأسه، وتقبض بيدها اليمنى على طرف ضفيرة تنسدل من شعرها على طرف صدرها. الوجه تدمري بامتياز، وعيناه لوزتان كبيرتان، يتوسّط كلّ منهما ثقب دائري يمثّل البؤبؤ. خصل الشعر متجانسة في شقين عموديين، تكسوهما مساحات أفقية مرصوصة كأسنان المشط. يكلّل الرأس تاج دائري يحدّه شريط تعلوه مساحات بيضاوية، تفصل بينها في الوسط مساحة مثلّثة. تختفي الأذنان تحت خصل الشعر، ولا يظهر منهما إلا الطرف الأسفل، ومنه تتدلّى حلقة بيضاوية كبيرة. الثوب بسيط ومجرّد، ويحدّ أعلاه شريط يلتف حول الكتفين كعقد.

يحضر هذا النموذج في قطعة نحتية أخرى من القصر تمثّل قامة أنثوية نصفية ضاعت ملامح وجهها بشكل كامل للأسف. يظهر الصدر الناتئ هنا تحت رداء تزيّنه شبكة من الثنايا المتوجة هندسياً، في صياغة مبتكرة تُسبغ على هذا التأليف التقليدي طابعاً خاصاً. هنا وهناك، يحضر النسق التدمري بقوّة في قوالب مبتكرة، تشهد لاستمرارية الميراث الفني الأموي وتجدّده في ظلّ الحكم الأموي.


التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل
TT

التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل

كثيراً ما يُطرح السؤال: لماذا هيغل؟ لا بأس سأجيب إجابة غير مستعارة. نقرأ هيغل لأننا حين ننظر فيما كتب لا نجد فيلسوفاً منشغلاً بالمفاهيم المجردة وحدها، بل عقلاً حاول أن يفهم حركة الحضارات نفسها، وأن يقرأ التاريخ بوصفه مساراً يتكشف فيه الوعي الإنساني. هكذا ينبغي أن نفهم فلسفته، إنها تفلسف على الحضارات. ولأن مشروعه لا ينظر إلى الشعوب والأحداث بوصفها وقائع متفرقة، بل بوصفها تعبيرات عن روح العالم وهي تعيد فهم ذاتها عبر الزمان.

حين نقترب من مشروع هيغل، نكتشف أننا لا نقف أمام فيلسوف يشتغل داخل حدود النسق المجرد، بل أمام عقل جعل التاريخ الإنساني كله موضوعاً للتفكير. لم يكن همه أن يضع مفاهيم في فراغ، بل أن يقرأ العالم بوصفه نصاً عقلياً، وأن يرى في تاريخ الشعوب مساراً يتكشف فيه العقل ويتطوّر. من هنا نفهم أن التفلسف عنده لم يكن على الأفكار وحدها، بل على الحضارات بوصفها تجليات حية للفكر.

لكن هذا التعبير، «مساراً يتكشف فيه العقل»، يحتاج إلى توضيح. فالمقصود أن العقل لا يظهر دفعة واحدة، بل يتجلى عبر التاريخ. الطفل يظن في البداية أن الحرية تعني أن يفعل ما يريد، ثم يكتشف أنها ترتبط بالنظام وبحقوق الآخرين. وما يحدث للفرد يحدث أيضاً للحضارات. ففي العصور القديمة كان الحاكم وحده يُنظر إليه بوصفه حراً، ثم توسع هذا التصور تدريجياً حتى صار العالم الحديث يتحدث عن حرية الإنسان من حيث المبدأ. هذا التدرج هو ما يعنيه هيغل بانكشاف العقل داخل التاريخ.

ومن هنا تصبح الحضارة وعياً يتحرك، لا مجرد واقع يتراكم. ليست الحضارة أبنية وتقنيات فقط، بل الطريقة التي تفهم بها روح العالم نفسها وهي تعيش الزمان. ما نراه من نظم ومؤسسات ليس إلا السطح، أما العمق فهو هذا الوعي الذي يتشكل ويتغير ويعيد تفسير ذاته. الحضارة ليست ما نملكه، وإنما ما نعيه. وليست ما نرثه. إنها ما نعيد صياغته باستمرار.

العالم عند هيغل ليس فوضى من الوقائع، بل بنية قابلة للفهم. ما يبدو عرضياً أو متناقضاً يمكن إدراجه داخل منطق أوسع. لذلك يصبح التاريخ أشبه بكتاب مكتوب بالأحداث والحضارات لا بالكلمات. مهمة الفيلسوف ليست اختراع المعنى، بل قراءة هذا الترابط الداخلي، أي بيان كيف تنتج مرحلة عن أخرى، وكيف تتطور أشكال وعينا عبر الزمان.

من هنا يتغير معنى الفلسفة نفسها. فهي لم تعد انسحاباً من العالم، بل وعي به. التاريخ لا يعود مادة خارجية، بل يصبح ميدان تحقق الفكر. والحضارة ليست إطاراً زمنياً فقط، إنما طريقة يعيش بها الإنسان حريته ويفهم بها ذاته. ولهذا تعامل هيغل مع الفكر والفن والدين والدولة بوصفها تعبيرات متعددة لروح واحدة تحاول أن تقول نفسها بأشكال مختلفة.

الحضارة في هذا التصور ليست خطاً مستقيماً، بل مسار يتعثر ويتقدم. كل مرحلة تاريخية هي إجابة مؤقتة عن سؤال دائم، من نحن؟ لكنها لا تلغي ما قبلها، بل تتجاوزه وهي تحمله داخلها. غير أن هذا التجاوز لا يحدث بهدوء، لأن روح الحضارة لا تتحرك إلا عبر التذبذب. كل شكل حضاري يحمل تناقضاً داخلياً، وهذا التناقض ليس عيباً. إنه القوة التي تدفعه إلى التحول.

لهذا يرى هيغل أن الحضارة التي تبحث عن الاستقرار الكامل وتخاف من التصدع تدخل غالباً في حالة جمود. فالوعي لا ينمو إلا حين يواجه حدوده. ومن هنا تأخذ لحظات الصراع معنى أكثر تعقيداً، إذ لا تكون مجرد انهيار، بل اختبار يكشف إن كانت الحضارة لا تزال حية وقادرة على الفعل.

وتصبح الدولة لحظة حاسمة في هذا المسار، لأنها الشكل الذي تحاول فيه روح العالم أن تنظّم نفسها عقلانياً. الدولة ليست مجرد جهاز إداري، بل تعبير عن فهم الحضارة للحرية، وعن قدرتها على التوازن بين الفرد والجماعة. الدولة الحية ليست التي تفرض النظام فقط، بل التي تعبّر عن وعي متجدد قادر على التكيف مع التحولات دون أن يفقد نفسه.

ومن هنا يعيد هيغل ترتيب علاقتنا بالحضارات. فهي ليست كيانات مغلقة، بل لحظات في مسار متصل. الحضارة اليونانية تمثل لحظة إدراك الإنسان ذاته داخل المدينة، والرومانية تجسد تجريد القانون، والعالم الحديث يكشف ذاتية الحرية وتنظيمها. ليست هذه مجرد أوصاف تاريخية، بل مراحل في وعي الروح بذاتها. لكن هذا التصور يقود أيضاً إلى مشكلة الحضارة التاريخية، حين يتحول الماضي إلى سلطة عليا. يعيش المجتمع داخل سردياته القديمة، ويقيس بها الحاضر، فينفصل تدريجياً عن الواقع. لا يرى نفسه كما هو، بل كما يحب أن يكون. يصنع بطولات وهمية، ويضخم صورته، لأنه يشعر في داخله بخلل لا يريد مواجهته.

وهذا الانفصال لا يظهر دائماً بصورة مباشرة، بل يتسلل إلى اللغة اليومية، وإلى طريقة تفسير الأحداث، وإلى الميل لتعليق الإخفاق على الخارج. الحضارة التاريخية تتحدث كثيراً عن الماضي، لأنها لا تملك ما تقوله عن الحاضر. تملك خطاباً واسعاً، لكنها تفقد القدرة على الفعل.

في المقابل، الحضارة الحية لا تنكر ماضيها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل معه بوصفه تجربة، لا معياراً نهائياً. وتنظر إلى المستقبل باعتباره إمكاناً مفتوحاً، لا تكراراً لما كان. ولهذا تكون أكثر قدرة على التغيير، لأنها لا تخاف من إعادة تعريف نفسها، ولا ترى في المراجعة ضعفاً، فهي شرط الاستمرار.

التفلسف على الحضارات في النهاية هو النظر إليها كحركة مستمرة لروح العالم. الحضارة ليست حقيقة جاهزة، بل مشروع مفتوح. وما بين أمة تخلق معنى جديداً، وأمة تكرر معنى قديماً، يتحدد موقع كل حضارة في التاريخ. هناك من يعيش الزمان بوصفه إمكاناً، وهناك من يعيشه بوصفه حنيناً. وبين الإمكان والحنين يتقرر مصير الحضارات.