سباق بين «فتح الشام» و«الحر» على توحيد الفصائل

شرعيون يمنحون اندماج المتشددين «غطاء دينيًا»... و«فتح الشام» تتنازل عن قيادته

سكان من بلدة الأتارب بريف حلب الغربي يتفقدون الدمار الذي ألحقه طيران الأسد بالمنطقة في أعقاب إلقاء قنابل فراغية أمس (غيتي)
سكان من بلدة الأتارب بريف حلب الغربي يتفقدون الدمار الذي ألحقه طيران الأسد بالمنطقة في أعقاب إلقاء قنابل فراغية أمس (غيتي)
TT

سباق بين «فتح الشام» و«الحر» على توحيد الفصائل

سكان من بلدة الأتارب بريف حلب الغربي يتفقدون الدمار الذي ألحقه طيران الأسد بالمنطقة في أعقاب إلقاء قنابل فراغية أمس (غيتي)
سكان من بلدة الأتارب بريف حلب الغربي يتفقدون الدمار الذي ألحقه طيران الأسد بالمنطقة في أعقاب إلقاء قنابل فراغية أمس (غيتي)

منحت الشخصيات الدينية في التنظيمات المتشددة في شمال سوريا، أمس، غطاء دينيًا لاتفاق وقع قبل أسبوعين، قضى باندماج أكبر الفصائل العسكرية في الشمال، تحت مسمى «الهيئة السورية الإسلامية»، قبل أن تثير الفتوى سلسلة اعتراضات، باعتبار أنها سياسية وليست دينية، بموازاة تنازل «فتح الشام» عن قيادة الكيان الجديد لزعيم «أحرار الشام».
جاء ذلك في أعقاب مبادرتين لتحقيق الاندماج في سوريا، إحداهما بقيادة «الجيش الحر» والثانية بقيادة المتشددين، رغم أنهما تهددان بزيادة الشرخ بدل أن تضعا حدا له. وفيما تسعى جبهة «فتح الشام» لجذب حركتي «أحرار الشام» و«نور الدين الزنكي» لتكونا تحت مظلتها، يحاول «الجيش الحر» إقناع «الأحرار» بالانضمام إليه لتشكيل قوة واحدة.
وظهرت الفتوى أمس لتضاعف الانقسام في صفوف الفصائل العسكرية في الشمال بالنظر إلى أن الاندماج، وفضلاً عن كونه يشرع ضرب الشمال المتحالف مع «جبهة فتح الشام» (النصرة سابقًا)، فإنه يهدد اتفاق وقف إطلاق النار الروسي – التركي.
ووقعت بعض الفصائل العسكرية في الشمال قبل أسبوعين اتفاقًا للاندماج بعد انتكاسة حلب، شمل «فتح الشام» و«أحرار الشام» وفصائل أخرى، قبل أن تنسحب بعض الفصائل منه، بعد يومين على الموافقة عليه. ولم ينفذ الاندماج الذي لاقى صدى كبيرًا في الشمال السوري، كونه جاء في سياق اتفاق أنقرة بين روسيا وتركيا على وقف إطلاق النار الذي يستثني «فتح الشام» و«داعش»، كما أنه جاء في سياق اعتراض على التعاطي مع «فتح الشام» وتحميلها مسؤولية تخريب الثورة.
والفتوى، وقعها 17 رجل دين في الشمال السوري، أصدروا بيانًا مساء السبت، أفتوا فيه بوجوب الاندماج بين الفصائل، كما طالبوا جميع فصائل المعارضة السورية بالإسراع في عملية الاندماج، معتبرين أن من يرفض الفكرة، فعليه «إثم» ما قد يترتب على «ضياع الثورة». وتشير الفتوى إلى ضرورة الإسراع في الاندماج بين فصائل «حركة أحرار الشام»، و«جبهة فتح الشام»، و«حركة نور الدين زنكي»، و«أجناد الشام»، و«الحزب الإسلامي التركستاني»، و«لواء الحق»، و«أنصار الدين». وتؤكد أن الاندماج «أصبح ضروريًا للحفاظ على ثورة الشام». وجاءت الفتوى الأخيرة في سياق تذليل تلك العقبات، ومواجهة الفتاوى القديمة التي تحرم وتمنع الاندماج مع «فتح الشام».
وقال مصدر مقرب من الشرعيين الذين وقعوا الفتوى لـ«الشرق الأوسط»، إنهم اتخذوا هذه الخطوة «لأن الرأي العام في الشمال حملهم مسؤولية عدم الاندماج كونهم لم يمنحوه غطاء شرعيًا».
* تعارض مع المصالح الإقليمية
ويتعارض الاندماج، مع المصالح الإقليمية ذات الصلة المباشرة بالملف السوري، وخصوصًا أنقرة التي توصلت مع روسيا لاتفاق وقف إطلاق نار في سوريا، وبالتالي «فإن أنقرة لا مصلحة لها بوجود أي نوع من الاندماج مع فتح الشام»، كما قال مصدر سوري مطلع لـ«الشرق الأوسط»، مشيرًا إلى أن تركيا «وجهت رسائل حول هذا الموضوع، ذلك أن أي اندماج يؤدي إلى انهيار اتفاق وقف إطلاق النار، فضلاً عن أنه سيشرّع ضرب الفصائل القريبة من أنقرة». واللافت أن هذه الفتوى «سياسية وليست بباعث ديني»، كما قال القيادي السوري المعارض الخبير بحركة التنظيمات المتشددة عبد الرحمن الحاج، معتبرًا أن «هذه الفتوى على خلاف الفتاوى التي تأتي قبل الأفعال، جاءت بعد توقيع الاتفاق بين مجموع الفصائل المذكورة للاندماج»، مشيرًا إلى أنه «في واقع الحال جاءت لسببين، الأول شعور قادة الفصائل أن هذا الاندماج رخو، والثاني أن هذا الاندماج يحتاج إلى دعم (ديني) لمواجهة الفتاوى التي انتشرت قبل أسبوعين والتي تحرم الاندماج مع فتح الشام لأن في ذلك ضررا على الثورة السورية».
وقال الحاج في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «قد تكون هناك أطراف دولية وراء هذه الفتوى»، لكن «يجب أن يكون في حسباننا أن (فتح الشام) تحاول تشكيل درع حماية لها داخل المناطق التي تسيطر عليها، وهي مناطق متداخلة مع المعارضة، وتجهز نفسها لمرحلة الصدام مع الفصائل الأخرى التي تعتبر أن هذه المرحلة ستكون وشيكة، وبالتالي وباعتبار أن هناك رأيا عاما بأن (القاعدة) ومشتقاتها لعبت دورا رئيسيا في تقليب المجتمع الدولي على الثورة السورية».
* اتفاق رخو
ورأى الحاج أن هذه الفتوى جاءت بعد تأسيس اتفاق: «وهذا مؤشر على أن الاتفاق حول اندماج هذه الفصائل هو اتفاق رخو، ويحتاج إلى شكل من أشكال الدعم الديني من أجل توكيده». ولفت إلى أن هناك مشكلة أخرى في الفتوى الأخيرة، بأن «الأشخاص الذين وقعوا، هم محسوبون على (فتح الشام) أو قريبون من الخط المتشدد في الفصائل، الأمر الذي قد يشكل عامل مزايدة، لكنه يضعف قيمة الفتوى لأنها صادرة عن المتشددين».
وأثارت الفتوى، انقسامات جديدة في صفوف الفصائل. وطال الانقسام معظم الفصائل، بينها نور الدين الزنكي و«أحرار الشام». ووصف مدير العلاقات الخارجية السياسية في حركة أحرار الشام لبيب نحاس مضمون الفتوى بأنه «انقلابات شرعية بفتاوى كهنوتية». ورأى أن «الدين ليس مطية ليقوم البعض بفرض مشاريعهم بطاغوت الكهنوتية وبالتغلب، هذه ثورة شعب مسلم ولن نسمح بخطفها أو تدميرها كما فعلوا في ساحات أخرى».
وانسحب الرفض على «جيش الإسلام»، و«صقور الشام»، و«فيلق الشام». هذا، وتبرأت حركة «نور الدين زنكي» من مشاركة أحد شرعييها حسام الأطرش في التوقيع على البيان.
وفي المقابل، أكدت «فتح الشام» التزامها بما تم الاتفاق عليه بينها وبين الفصائل المسلحة بخصوص الاندماج، وعلى رأسها «حركة أحرار الشام» و«حركة نور الدين الزنكي». كما أكدت أن الباب مفتوح لجميع الفصائل للانضمام للكيان الجديد، مشيرة إلى تنازلها عن قيادة الكيان الجديد. وقال المتحدث باسمها حسام الشافعي إنه تمت دعوة «قادة الفصائل الأخرى منهم الشيخ أبو عيسى صقور وغيره».
وأشار الشافعي إلى أنه «في الجلسة الأخيرة، تنازلت فتح الشام عن قيادة الكيان الجديد للشيخ أبو عمار العمر ووقِع الاتفاق متضمنًا بنودًا أخرى»، مؤكدًا «أن مشروعنا جامع لكل الساحة ولا يستثني أحدا».
وأعلنت في وقت سابق 10 فصائل عاملة في الشمال السوري، ومن بينها فصيل مهجَر من غوطة دمشق الغربية، عن إطلاق مبادرة لـ«جمع الكلمة وتقريب وجهات النظر بين التشكيلات العسكرية والهيئات السياسية والشرعية والمدنية بهدف الوصول إلى تكتل قوي يحقق تطلعات أبناء شعبنا للاستمرار بالدفاع عن الشعب السوري، والعمل لتحقيق أهداف ثورته المباركة».
* انقسام بين جناحي الأحرار
وقال القيادي في «جيش الإسلام» في إدلب أبو علي عبد الوهاب لـ«الشرق الأوسط» إن المبادرة باتت جاهزة وسيتم تشكيل 3 مكاتب، واحد عسكري، وآخر أمني وثالث سياسي، مؤكدا أن «التوجه هو لاندماج كامل للفصائل، بإطار مشروع ثوري وطني، خلال فترة أقصاها 3 أشهر». وأوضح عبد الوهاب أن «جبهة أحرار الشام هي كانت قد طرحت علينا هذه المبادرة قبل 15 يوما إلا أنه وحين عرضتها على (فتح الشام) ورفضتها هذه الأخيرة، تراجعت عنها». وأضاف: «اليوم هناك، الجناح المتشدد الذي يميل للاندماج مع فتح الشام، والجناح المعتدل الذي يتلاقى مشروعه مع مشروعنا الوطني».
مصادر متابعة للتطورات الأخيرة الحاصلة شمال سوريا بين فصائل معتدلة، لا تبدو متحمسة كثيرا للمبادرة التي تم الإعلان عنها، كون «هدفها الرئيسي قطع الطريق على عملية اندماج مرتقبة بين فتح الشام وأحرار الشام والزنكي، وبالتالي هي مجرد رد فعل سيقلل من فرص نجاحها»، لافتة إلى أنه «يضاف إلى ذلك غياب الأرضية المناسبة لانطلاق عمل أي كيان جديد بفعالية، وبالتحديد لأن أكبر كتلتين وهما أحرار الشام وفتح الشام، لن يكونا جزءا من هذا الكيان، أضف أنه لا يوجد غطاء سياسي دولي أو إقليمي لهذه المبادرة باعتبار أنّها تأتي في توقيت خاطئ يتم السعي خلاله لفرض هدنة على كامل الأراضي السورية». وقالت المصادر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن «إنشاء كيان عسكري جديد حاليا، قد يؤثر سلبا على المفاوضات الإقليمية والدولية الحاصلة، ما يجعل أي طرف إقليمي أو دولي غير متحمس لتبنيه».



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.