المشهد الثقافي في مصر يفتقر إلى الحوار الموضوعي الجاد

معركة وهمية في اتحاد الكتاب وصعود لافت للمجلات الأدبية

ملتقى الشعر الرابع الذي قاطعه عدد من الشعراء ({الشرق الأوسط})
ملتقى الشعر الرابع الذي قاطعه عدد من الشعراء ({الشرق الأوسط})
TT

المشهد الثقافي في مصر يفتقر إلى الحوار الموضوعي الجاد

ملتقى الشعر الرابع الذي قاطعه عدد من الشعراء ({الشرق الأوسط})
ملتقى الشعر الرابع الذي قاطعه عدد من الشعراء ({الشرق الأوسط})

ثلاث وقائع تؤشر بقوة على طبيعة المشهد الثقافي المصري في عام 2016، فضمنيًا تشير إلى أنه مشهد يفتقر إلى الحوار الموضوعي الجاد، المبني على أسس علمية صحيحة، ويعتد بتنوع الآراء والرؤى والأفكار، من أجل الصالح الثقافي العام، كما تشير إلى اتساع مساحة تسييس القانون لتقييد حرية الإبداع والفكر الرأي والتعبير، وهو ما يعكس جهلاً بطبيعة الإبداع نفسه، ودوره في زحزحة مسلمات التخلف والجمود.
وسط هذه الغبار مرّ المشهد الثقافي بسلبيات أكثر وإيجابيات أقل، وكان لافتًا انشغال هذه المشهد، خلال هذه العام، بمعارك تُفجَّر لاعتبارات شخصية محضة، ومصالح شللية، تتمسح بالدفاع عن الثقافة في العلن، بينما تمارس في الكواليس ما هو عكس ذلك تمامًا. فعلى مدار عدة أشهر في النصف الأول من هذا العالم انشغلت الحياة الثقافية بأزمة اتحاد الكتاب، وإيجاد مبررات هشة لاستقالة نحو 20 عضوًا من مجلس إدارته المكون من 30 عضوًا، الأمر الذي وضع الاتحاد ورئيسه في حرج قانوني وأدبي بالغين، فاستقالة هذه العدد تعني ضمنيًا أن مجلس الاتحاد أصبح هو والعدم سواء، هكذا ظن المستقيلون، واتخذوا قرارا بالدعوة لعقد جمعية عمومية طارئة لانتخاب مجلس جديد، وساندهم في ذلك وزير الثقافة بالموافقة على مطلبهم، رغم أنه ليس جهة اختصاص، وظل الشد والجذب قائمًا بين كل الأطراف، إلى أن حسم القضاء الأمر مؤكدًا صحة ما اتخذه رئيس الاتحاد من قرارات بتعيين أعضاء جدد بدلاً من المستقيلين، حسبما تنص عليه لائحة الاتحاد، وأنه لا وصاية لوزير الثقافة عليه.
رغم ذلك لا يزال الاتحاد غائبًا عن نبض المشهد الثقافي، يراوح في مكانه، بروح هزيلة وإطار نمطي، سواء على مستوى منظومة الخدمة الاجتماعية لأعضائه، أو على مستوى الأنشطة والفعاليات الأدبية التي تشد هموم الكتّاب والمبدعين، بشكل كاشف ومضيء لحقيقة العلاقة بين الإبداع ومناحي الحياة في المجتمع.
هذه الإطار النمطي، مضافًا إليه مسحة كرنفالية مناسباتية سيطر أيضًا على معظم أنشطة وفعاليات وزارة الثقافة، فهي أنشطة معدومة الروح والجدوى، يدخل أغلبها في باب «سد الخانة». ما اتضح جليًا في موجة الاعتذارات لعدد كبير من الشعراء العرب والمصريين عن عدم المشاركة في فعاليات ملتقى القاهرة للشعر العربي، أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، لعدم قناعتهم بجدوى الملتقى، في ظل سيطرة مطلقة للجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة عليه، بل إن جائزته على مدار أربع ملتقيات ذهبت في دورتين منها لشاعرين أعضاء باللجنة؛ أحدهما لا يزال يترأس الملتقى، ويرى كثيرون أن هذه المسلك ينطوي على مخالفة صريحة للائحة المجلس.
في هذه المشهد الخامل يصبح الرهان قويًا على دور المجلات الثقافية والأدبية، وصُدِمَت الحياة الثقافية في النصف الأخير من هذا العام بإغلاق مجلة «المجلة» التي تصدر عن الهيئة المصرية للكتاب، أكبر ماكينة نشر رسمية، وذلك بعد نحو 4 سنوات استطاعت خلالها «المجلة» أن تلعب دورًا مهمًا في الحياة الثقافية، خصوصًا في ربوع الأقاليم، كما جذبت أصوات مبدعين عرب، وألقت الضوء على قضايا أدبية وفنية، من خلال المتابعة والتحقيق والحوار، وكانت المجلة الوحيدة الأعلى مبيعًا وانتظامًا في الصدور، واحترام العلاقة بينها وبين مَن يُسهِمون بالكتابة فيها من الكتاب والنقاد والشعراء والفنانين، على عكس كثير من مجلات الهيئة المتخصصة، التي لم يعد لها أي صدى يُذكر في الحياة الثقافية.
الحسنة الوحيدة في هذا السياق، وتُحسَب لوزارة الثقافة، هي صحيفة «القاهرة» الأسبوعية، التي أصبحت أهم منبر ثقافي، يطل منه القارئ على واقع الحياة الثقافية في مصر، والعالم من حوله. والفضل في هذا يرجع للكاتب الصحافي سيد محمود رئيس التحرير، وفريق العمل المصاحب له، برؤيته الثاقبة لمجريات الواقع الثقافي ومناطق القوة والضعف فيه، وتشابكاتها المفصلية مع الحالة المصرية على الصعيدين الخاص والعام، كذلك حرصه على انتزاع هامش حرية مرن من قبضة المؤسسة الثقافية الحكومية.
على بُعد خطوات من مجلة «القاهرة»، تأتي مجلة «الهلال» الشهرية برئاسة الكاتب الروائي سعد القرش، وقد لفتت الأنظار بملفات قوية أضاءت كثيرًا من القضايا الفكرية الشائكة مصريًا وعربيًا، بينما تنفرد مجلة «الثقافة الجديدة» الشهرية التي تصدرها هيئة قصور الثقافة برئاسة الشاعر سمير درويش، بكونها المجلة الأدبية الأهم، إن لم تكن الوحيدة، التي تعبِّر عن حراك الإبداع في مصر على مستوى النظر النقدي، وواقع الشعر والرواية والقصة. وتحرص «المجلة» على مناقشة القضايا التي تعوق حركة الإبداع وتطور المجتمع، وتقديم رؤى وحلول ووجهات نظر نقدية لها، من قبل عدد من المختصين والكتاب، وذلك في ملفات خاصة ضمن متنها.
في ظل هذا التراوح بين السلب والإيجاب، وباستثناء معارض الفن التشكيلي التي يوفر قاعات العرض لعدد كبير منها قطاع الفنون التشكيلية التابع لوزارة الثقافة، تبقى المفارقة المعضلة في هذا المشهد أن حركة الإبداع الحقيقية تنمو وتتبلور خصوصيتها بقوة وحيوية، بعيدًا عن عباءة المؤسسة الرسمية.
ويعكس هذا عدد من الإصدارات المهمة، في الشعر والرواية والقصة، معظمها صدر عن مؤسسات نشر خاصة، من أبرزها في الشعر ديوان الشاعر محمود قرني «تفضل.. هنا مبغى الشعراء» الصادر عن دار «شرقيات»، وديوان الشاعر عاطف عبد العزيز «برهان على لا شيء»، عن دار «روافد»، وديوان «أركض طاويًا العالم تحت إبطي» للشاعر الشاب محمد القليني. وفي الرواية، تتصدر المشهد رواية «حذاء فلليني» لوحيد الطويلة، الصادرة عن منشورات المتوسط، بإيطاليا، والمجموعة القصصية «عين سحرية» لمي التلمساني. وانفلت من متن المؤسسة الرسمية الخامل، بعض الإصدارات المهمة لهيئة الكتاب ودور أخرى خاصة، في مقدمتها الأعمال الشعرية الكاملة «أوراق العشب»، للشاعر الأميركي والت ويتمان، قام بترجمتها للعربية الشاعر رفعت سلام، وتقع في نحو ألف صفحة، وتُعدّ إضافة للمكتبة العربية، بجانب ترجمات سابقة قدمها سلام لريتسوس ورامبو، وبودلير. أيضًا ديوانا «أحد عشر ظلاً لحجر» للشاعر فتحي عبد السميع، و«لا يمكن الاختباء من الموتى» للشاعر أسامة بدر، وديوان «لهم ما ليس لآذار» للشاعرة رضا أحمد.
وتأتي جائزة نجيب محفوظ، التي تقدمها الجامعة الأميركية، وحصل عليها هذا العام الكاتب عادل عصمت عن روايته «لا شيء أقوى من الحب» لتمثل نقطة ضوء واحتفاء مستحق في سياق الجوائز الأدبية التي فقدت مصداقيتها لدى كثير من الكتاب والشعراء، لما يثار حولها من غبار التربيطات وعدم توافر الحيدة والنزاهة العلمية لدى لجان التحكيم، خصوصًا جوائز الدولة.
يبقى في جعبة هذا المشهد كثير من معارض الفن التشكيلي المتميزة التي تضيف لفضاء الفن بصمة خاصة، تفتح أمامه آفاقًا متجددة من التجريب والمغامرة، يأتي في مقدمة هذا المعارض معرض الفنان محمد عبلة، «على طريق الحرير» بقاعة أفق، الذي لعب فيه على وتر الحكايات المتنوعة لهذا الطريق كرافد حضاري وتجاري مهم ربط الشرق بالغرب على مدى سنوات طويلة، مستخدمًا تقنية الرسم على مسطح الماء، وأيضًا معرض الفنان عبد الوهاب عبد المحسن «ناس» بالقاعة نفسها، الذي قدم فيه تجربة شيقة جماليًا في فن البورتريه، لعب فيها على إيقاع الوجوه، بأنماطها وملامحها الإنسانية المتباينة، وكذلك معرض «فرحة» للفنانة سماء يحيى بقاعة الباب، الذي قدمت فيه مغامرة جديدة مع شخوصها وعالمها الفني، بالرسم على قماش «الخيامية».
ولم يشأْ هذا العام أن يمرّ دون دمعة حزن على كتاب وشعراء غيبهم الموت، بعد رحلة عطاء خصبة مع الإبداع، كان من أبرزهم الشاعر فاروق شوشة، صاحب البرنامج الإذاعي الشهير «لغتنا الجميلة» الحائز على جائزة النيل، أرفع جوائز الدولة في الآداب، والدكتور علي مبروك، أستاذ الفلسفة، صاحب كتب «السلطة والمقدس... جدل السياسي والثقافي في الإسلام»، ويُعدّ من أهم الكتّاب والمفكرين المصريين والعرب الذين ناقشوا التراث الإسلامي، في سياق من العقلانية والاستنارة، والفنان التشكيلي جميل شفيق، والكاتب فخري لبيب مترجم «رباعية الإسكندرية».



الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي