انتقدت بريطانيا ضمنًا وزير الخارجية الأميركي جون كيري؛ لوصفه الحكومة الإسرائيلية بأنها الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل، وذلك في خطوة اعتبرها مراقبون تهدف إلى تقريب المسافات أكثر بين رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي والرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب. وأعربت الخارجية الأميركية عن «صدمتها» تجاه هذه التصريحات.
وبعدما تسبب الرئيس الأميركي باراك أوباما في أزمة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو برفضه استخدام حق النقض «الفيتو» ضد قرار بمجلس الأمن الدولي يطالب إسرائيل بالكف عن بناء المستوطنات، أثار انتقاد كيري لإسرائيل علنا استياء بعض الحلفاء، مثل بريطانيا، كما نقلت وكالة «رويترز».
وفي واحدة من أكثر المواجهات حدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل منذ عقود، قال كيري، في خطاب، إن إسرائيل تعرّض آمال السلام في الشرق الأوسط للخطر ببنائها المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية.
ورغم تصويت بريطانيا لصالح القرار بالأمم المتحدة واعتبارها المستوطنات في الأراضي المحتلة غير قانونية، فإن متحدثا باسم ماي قال إنه من الواضح أن المستوطنات ليست المشكلة الوحيدة في الصراع.
ووجّه المتحدث تأنيبا حادا غير معتاد لأكبر دبلوماسي أميركي، قائلا إن إسرائيل «تعاملت لفترة طويلة مع خطر الإرهاب»، وإن التركيز على المستوطنات فحسب ليس هو السبيل الأمثل لتحقيق السلام بين اليهود والعرب. ومن دون الإشارة مباشرة إلى تصريحات كيري، يبدو أن هذا الموقف البريطاني انتقاد لخطاب وزير الخارجية الأميركي. وأشارت لندن على نحو خاص إلى وصف كيري لحكومة نتنياهو الائتلافية بأنها «الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل، ولها أجندة يحركها أكثر عناصرها تشددا».
وردا على سؤال عن خطاب كيري الذي استمر 70 دقيقة، قال المتحدث باسم ماي: «لا نعتقد أن طريقة التفاوض من أجل السلام هي التركيز على قضية واحدة فقط... ولا نعتقد أنه من الملائم مهاجمة تشكيلة حكومة منتخبة ديمقراطيا لحليف».
من جهتها، قالت وزارة الخارجية الأميركية، إنها صدمت بالتصريحات الصادرة عن مكتب ماي، وإن تصريحات كيري تتماشى مع سياسة بريطانيا نفسها، وشكرت ألمانيا وفرنسا وكندا والأردن ومصر وتركيا والسعودية وقطر والإمارات على دعمها.
ترامب وماي
تعتز بريطانيا منذ وقت طويل بـ«علاقتها الخاصة» بالولايات المتحدة، بوصفها إحدى ركائز سياستها الخارجية، لكن ماي واجهت صعوبات لبناء علاقات مع فريق ترامب الانتقالي.
وبعد انتخابه، تحدث ترامب إلى تسعة من زعماء العالم قبل أن يتحدث إلى ماي، كما أثار الرئيس المنتخب الدهشة في لندن عندما اقترح أن يصبح السياسي البريطاني نايجل فاراج، المؤيد للخروج من الاتحاد الأوروبي، سفيرا لبلاده في واشنطن.
لكن بانتقادها كيري صراحة قبل أسابيع من تركه منصبه، فإن ماي تجعل السياسة البريطانية أقرب من ترامب، بالمقارنة مع حلفاء بلادها الأوروبيين كألمانيا وفرنسا. وشجب ترامب معاملة إدارة أوباما لإسرائيل، ووعد بتغيير النهج عندما يؤدي اليمين الدستورية في 20 يناير (كانون الثاني).
وكتب ترامب في سلسلة تغريدات الأربعاء: «لا يمكننا استمرار السماح لإسرائيل بأن تعامل بمثل هذا الازدراء الكامل وعدم الاحترام... اعتادوا أن يكون لهم صديق قوي في الولايات المتحدة، ولكن الأمر لم يعد كذلك». وأضاف: «كوني قوية يا إسرائيل، فالعشرون من يناير يقترب بسرعة».
من جهته، عبّر وزير الخارجية الألماني، فرانك فالتر شتاينماير، عن تأييده خطاب كيري. وتستضيف فرنسا مؤتمرا عن الشرق الأوسط في باريس الشهر المقبل. وذكرت هيئة الإذاعة الأسترالية أن البلاد نأت بنفسها عن موقف أوباما من إسرائيل. بينما قال الرئيس الفلسطيني محمود عباس إنه مقتنع بأن من الممكن تحقيق السلام مع إسرائيل، لكنه طالبها بوقف بناء المستوطنات قبل استئناف المحادثات.
إسرائيل
أما نتنياهو، فانتقد خطاب كيري بشدة، وفي بيان صدر بعد وقت قصير من إلقاء الخطاب، اتهم نتنياهو كيري بالانحياز، وقال إن إسرائيل ليست بحاجة لمحاضرات من الزعماء الأجانب، مضيفا أنه يتطلع للعمل مع ترامب، وتابع في رده أن كيري «تطرق بشدة إلى المستوطنات، ولم يذكر جذور الصراع، وهي معارضة الفلسطينيين قيام دولة يهودية في إطار أي حدود».
وفي إسرائيل صب خطاب كيري في مصلحة الحركة القومية الدينية التي تنتمي إلى أقصى اليمين في إسرائيل، بقيادة نفتالي بينيت وزير التعليم، وهو عضو في حكومة نتنياهو لكنه ينتقد رئيس الوزراء بشدة ويحاول الاستعداد ليكون في وضع يسمح له بأن يكون زعيما محتملا في المستقبل.
ويريد حزب البيت اليهودي، بزعامة بينيت، ضمّ أجزاء كبيرة من الضفة الغربية ويجاهر بمعارضة إقامة دولة فلسطينية، ويدافع عن بناء مزيد من المستوطنات وإضفاء الشرعية على مواقع استيطانية تعتبرها الحكومة الإسرائيلية نفسها غير قانونية.
وقال بينيت بعد خطاب كيري: «خلفت سياسة إدارة أوباما الشرق الأوسط مشتعلا. تم الدفع بالديمقراطية الحرة الوحيدة تحت عجلات الحافلة، وهي إسرائيل».





