أميركا: تصدّع مع الصين وروسيا واستمرار التعاون مع أوروبا

حصاد 2016 لعلاقاتها الخارجية

أميركا: تصدّع مع الصين وروسيا واستمرار التعاون مع أوروبا
TT

أميركا: تصدّع مع الصين وروسيا واستمرار التعاون مع أوروبا

أميركا: تصدّع مع الصين وروسيا واستمرار التعاون مع أوروبا

سجل عام 2016 الذي يقترب من نهايته تقدمات وتراجعات في عدة مجالات متصلة بالعلاقات الخارجية للولايات المتحدة مع كل من جمهورية الصين الشعبية وروسيا والاتحاد الأوروبي في الشأنين، الشأن السياسي والاقتصادي، إضافة إلى قرب نهاية 8 سنوات من احتلال الديمقراطيين البيت الأبيض.

العلاقات مع الصين
شهدت بداية العام تقدمًا للعلاقات الأميركية - الصينية عبر الحوارات الثنائية المتعلقة بقضايا بحر الصين الجنوبي، والتعاون التجاري بين البلدين، وقضية الجرائم الإلكترونية، خصوصا مسألة الملكية الفكرية، إضافة إلى اتفاقيات المناخ والأمن النووي.
وقابل الرئيس الصيني شي جين بينغ الرئيس الأميركي باراك أوباما خلال سبتمبر (أيلول) الماضي، وناقش الزعيمان أبرز القضايا ذات الاهتمام المشترك. وأكد الرئيس الصيني مجددا التزام الصين باتفاقية أمن الجرائم الإلكترونية التي نوقشت العام الماضي، وهي تشمل ادعاءات بتورط الجيش الصيني في اختراقات إلكترونية لشركات أميركية وسرقة أسرار تجارية، إضافة إلى قضايا حفظ السلام وحقوق الإنسان. وأبدى الزعيمان الأميركي والصيني رضاهما بانضمامهما لاتفاقية باريس بشأن المناخ. ولكن يبدو أن نهاية السنة شهد بعض التشققات السياسية بين البلدين كان آخرها استقبال الرئيس المنتخب دونالد ترامب اتصالاً من رئيسة تايوان تهنئه فيه بفوزه بالانتخابات الرئاسية، مثيرا استياء الصينين. ويعد هذا الاتصال خرقا للبروتوكول الأميركي ويتعارض مع مبدأ «الصين الواحدة» التي التزمت الولايات المتحدة به لأكثر من أربعة عقود.

حادثة الغوّاصة
من ناحية ثانية، احتجزت الصين مؤخرًا غواصة تابعة للبحرية الأميركية كانت في بحر الصين الجنوبي، وادعت السلطات الصينية أن السبب وراء الخطوة الحفاظ على سلامة السفن الأخرى في أعقاب اعتبار الغواصة جسمًا غريبًا. وفي حين ترى الولايات المتحدة أن المياه في تلك المنطقة المتنازع عليها «مياه دولية»، وبالتالي، لها حرية التجول العادل والمسالم، وبخاصة، أن تلك الغواصة كانت لغرض البحث العلمي وعليها العلم الأميركي، تعتبر الصين الوجود العسكري الأميركي في المنطقة - بشكل عام - تعديًا على سيادة الصين وتدخلا في أزمات المنطقة. وللعلم، قامت الصين مسبقا بتكثيف حضورها العسكري في بحر الصين الجنوبي، حيث جزر سبراتلي المتنازع عليها إقليميًا، وبتسليح جميع الجزر السبعة.
هذه الحادثة أثارت موجة من الاستياء في واشنطن، حيث طالبت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) الصين بإرجاع الغواصة. ولكن حتى بعدما صرّحت الصين بموافقتها على إرجاع الغواصة إلى الولايات المتحدة، لم تهدأ التوترات بشأن الحادثة؛ إذ وصف السيناتور الجمهوري (والمرشح الرئاسي الأسبق) جون ماكين الحادثة بأنها «مخالفة كبيرة للقانون الدولي»، وأنها دليل على ضعف الولايات المتحدة، منتقدًا السياسة الخارجية الحالية التي أدت إلى تقوية دول كالصين وإيران.
والجدير بالذكر، أن هذه الحادثة وقعت بعد أيام قليلة من موقف أعرب عنه الرئيس المنتخب دونالد ترامب، أن واشنطن قد تتخلّى عن دعمها مبدأ «الصين الواحدة»، مهدّدًا بأنه في حال رفض الصين الرضوخ للمصالح الأميركية المتعلقة بالتجارة والنشاط العسكري الصيني في قضية بحر الصين الجنوبي، إضافة إلى برنامج كوريا الشمالية العسكري، ستغير واشنطن موقفها تجاه تايوان، ولقد أثار هذا الموقف استياء الصين بشكل كبير.
ويشير الخبراء إلى أن هذه الحادثة قد تكون رسالة من الصين إلى الولايات المتحدة بأن المنطقة المتنازع عليها غير مرحب فيها بالوجود الأميركي، أو قد تكون ردة فعل على تصريحات ترامب الأخيرة بشأن نية تخلي واشنطن عن مبدأ الصين الواحدة.
أما بالنسبة للعلاقات الاقتصادية، فيسعى الطرفان لتوقيع اتفاقايات ثنائية للاستثمار. ويشير الخبراء إلى أن الرئيس المنتخب ترامب سيسحب عضوية الولايات المتحدة من الشراكة العابرة للمحيط الهادئ التي من شأنها تعزيز فرص الصين بعرض عضلاتها الاقتصادية في المنطقة. وكذلك وعد بفرض رسوم جمركية عالية جدا على الواردات الصينية تصل إلى 45 في المائة بوصفها ردة فعل لما يعتبره عمليات التجارة الصينية المجحفة بحق أميركا، ما قد يؤدي إلى نشوء حرب تجارية بين البلدين.

العلاقات مع روسيا
وشهد عام 2016 تدهورا في العلاقات الأميركية الروسية، خصوصا فيما يتعلق بمواقف البلدين تجاه الأزمة السورية وتدخل روسيا في أوكرانيا، إضافة إلى الاتهامات الأخيرة المتعلقة بتدخل الروس في الانتخابات الرئاسية الأميركية؛ إذ اتهمت أجهزة الاستخبارات الأميركية مؤخرًا الروس بالتدخل في الانتخابات، وصرح الرئيس الأميركي باراك أوباما شخصيًا بأن الرئيس الروسي فلاديمر بوتين متورط في قرصنة موقع اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي، إضافة للبريد الإلكتروني للمرشحة الرئاسية الديمقراطية هيلاري كلينتون ورئيس حملتها الانتخابية جون بوديستا بهدف مساعدة ترامب للفوز بالانتخابات، محذرًا من أن الولايات المتحدة سترد بالانتقام المناسب على هذا التدخل.

الأزمة السورية
أما فيما يخص الأزمة السورية، فالعلاقات في تدهور مستمر؛ إذ انسحبت الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي من التعاون العسكري بينها وبين روسيا حيال عمليات وقف أعمال العنف؛ وذلك لرفض روسيا الالتزام بتهدئة الوضع واتهام واشنطن موسكو بدعم نظام بشار الأسد وقصف مناطق مدنيين بدلاً من مناطق تمركز إرهابيي «داعش» و«القاعدة». كذلك، اعتبر البيت الأبيض الجرائم ضد الإنسانية الأخيرة في حلب تتحمل مسؤوليتها كل من روسيا وقوات الأسد وإيران، وأن دماء الشعب السوري لطخت أيديهم.
وفي شأن آخر، أبدت روسيا استياءها من العقوبات الأميركية المفروضة عليها لتدخلها في الحرب الأوكرانية وسيطرتها بالقوة العسكرية على شبه جزيرة القرم. وهدّد مسؤولون روس الولايات المتحدة بأنها ستتحمل عواقب وخيمة إذا ما زادت العقوبات عليها ما قد يغير من موقف أميركا الدولي. كذلك قامت روسيا مؤخرًا بوقف مفعول اتفاقية تعاون بينها وبين الولايات المتحدة حول الطاقة النووية بوصف ذلك ردّة فعل على العقوبات الأميركية المفروضة عليها. ولكن، مع فوز دونالد ترامب بالرئاسة - ثم اختياره رجل الأعمال ريكس تيلرسون الرئيس التنفيذي لشرطة إكسون موبيل العملاقة للنفط (المقرب من بوتين) - يتوقع الخبراء تحسنًا في العلاقات بين البلدين.

العلاقات مع أوروبا
أخيرًا بشأن العلاقات الأميركية الأوروبية، شهد عام 2016 تعاونًا واسعًا في عدة مجالات رغم اتهام ألمانيا الولايات المتحدة قبل فترة بالتجسس على الهاتف المحمول الخاص بالمستشارة أنجيلا ميركل. ولقد اختار الرئيس أوباما ألمانيا واليونان محطتين في زيارته الأخيرة لأوروبا الشهر الماضي، والتقى المستشارة الألمانية ميركل في العاصمة الألمانية برلين مع عدة قادة أوروبيين آخرين. واتفقت الأطراف المعنية (الولايات المتحدة وشريكاتها الأوروبيات) على دعم أوكرانيا، واستمرار فرض العقوبات على روسيا ردًا على تدخلها في أوكرانيا وتعزيز تبادل المعلومات الاستخبارية لمكافحة الإرهاب، ووقعت كل الأطراف اتفاقية باريس للمناخ.
من ناحية أخرى، على الرغم من تصويت بريطانيا لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، أكدت واشنطن ولندن استمرار التعاون الوثيق والعلاقات القوية. وحاليا تتعاون الأطراف الأوروبية مع واشنطن على تعزيز العلاقات الاقتصادية ومواصلة مفاوضات الشراكة التجارية والاستثمارية العابرة للأطلسي التي تهدف إلى تعزيز التجارة وإزالة القيود بين القارتين. كذلك تعهدت الولايات المتحدة بدعم النمو الاقتصادي في اليونان ودعمها أزمة المهاجرين واللاجئين.
في المقابل، أعرب الاتحاد الأوروبي عن قلقه من مواقف الرئيس الأميركي المنتخب ترامب، وتخوف ساسة بارزون في القارة الأوروبية، صراحة، من أن يشكل فوزه - ومن ثم عهده - خطرًا على مستقبل العلاقات بين أميركا وأوروبا.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.