معهدا «هيرتدج» و«بروغريسيف»: بين مؤيد ومعارض لتدخل الحكومة الأميركية لحل مشكلات الطاقة

معهدا «هيرتدج» و«بروغريسيف»: بين مؤيد ومعارض لتدخل الحكومة الأميركية لحل مشكلات الطاقة

ديفيد كرويتزر خبير الطاقة بواشنطن: خطة أوباما لبدائل النفط نكتة.. وهاجس الصين مقولة مؤيدي استمرار دعم الحكومة
الأحد - 23 ذو الحجة 1434 هـ - 27 أكتوبر 2013 مـ

دكتور ديفيد كرويتزر خبير الطاقة في معهد هيرتدج المحافظ في واشنطن أحد قادة النقاش وسط الخبراء الأميركيين حول مشاكل النفط. وخاصة، النقاش بين الذين يقولون: إن الحكومة يجب أن ترفع يديها عن الموضوع (وعن مواضيع اقتصادية أخرى كثيرة)، والذين لا يثقون في الشركات ومؤسسات القطاع الخاص ورجال الأعمال و«تجار المال».

ويتمثل هذا النقاش في واشنطن في معهدين: «هيرتدج» (تراث) المحافظ، و«بروغريسيف» (تقدمي).

وبينما يؤيد خبراء تقدميون وليبراليون تدخل الحكومة الأميركية، لتأمين مصادر وطرق النفط المستورد، يؤيد خبراء محافظون قدرة الشركات الأميركية على حل مشكلات الطاقة، ليس فقط داخل الولايات المتحدة ولكن أيضا في دول النفط نفسها. وأنه، إذا رفعت الحكومات أياديها، تقدر الشركات على حلها.

دكتور كرويتزر واحد من هؤلاء.

وهذه مقابلة معه في مكتبه في واشنطن رد فيها على سؤال عن سلسلة مقالات انتقد فيها الرئيس باراك أوباما بسبب سياسته لحل مشاكل الطاقة، وخاصة النفط.

وانتقدت برامج هامة يدعو لها أوباما مثل الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، ونظافة البيئة. ولكنه، في نفس الوقت، كتبت عن أهمية النفط المستورد. أليس هذا تناقضا؟

ورد كرويتزر مجيبا «يكون تناقضا إذا انتقدت بدائل النفط، وأيضا انتقدت استيراد النفط. لكني لا أنظر إلى الموضوع هذه النظرة المحددة. أنا أنظر إلى الموضوع من الصورة الكبيرة، صورة دور الحكومة في حل المشاكل الاقتصادية، نفط أو غير نفط. وأنظر إلى الست سنوات تقريبا التي قضاها أوباما في البيت الأبيض، وأرى فشل سياسته، وخاصة سياسته النفطية». وكان الحوار التالي:

* ولماذا تعارض الدعم الحكومي الذي يقدمه أوباما لتشجيع بدائل النفط، مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية؟

- لأنها تعتمد على خرافات. وما كان هذا هاما جدا، لولا أن الحكومة تصرف مليارات الدولارات عليها. وهذه هي مليارات دافع الضرائب الأميركي. وكأن الحكومة تؤذيه بملياراته.

أنا أؤمن بالنظرية الاقتصادية التي تقول: إن البائع والمشتري هما اللذان يحددان طرق وقوانين التعامل بينهما. إذا باع شخص طاقة شمسية بسعر رخيص، سيشتريها الناس. وإذا باعها بسعر أغلى من أنواع الطاقات الأخرى، سيتحول الناس إلى البدائل. وفي هذه الحالة، لا بد أن يعيد النظر في حساباته. وربما يوما ما سيقدر على كسب الناس مرة أخرى.

أنا لا أعترض على بدائل النفط. وأعتقد أنها، نظريا، حكيمة ومفيدة. لكن، لا يجب أن تتدخل الحكومة في الموضوع. وخاصة، ألا تصرف أموال دافعي الضرائب عليها.

* لكن، يقول أوباما، كما قال في خطابه عن بدائل الطاقة خلال الصيف، إن دعم الحكومة مؤقت، حتى تقف هذه الشركات الجديدة على قدميها؟

- ظللنا نسمع هذا الرأي منذ التسعينات. أنا لا أنكر أن دراسات هامة أجريت في هذا الموضوع. وأن خبراء محترمين يؤيدون الدعم الحكومي. لكن، إلى متى؟ لا أنا أعرف، ولا أحد غيري يعرف. لكني أعرف شيئا واحدا مؤكدا، وهو أن هذا الدعم يزيد ويزيد، سنة بعد سنة.

هذه نقطة. النقطة الثانية هي أن هؤلاء الخبراء يقولون: إن الدعم الحكومي يزيد فرص العمل. وبالتالي، يزيد النشاط الاقتصادي. لكن، ينسى هؤلاء أن الدعم الحكومي يأتي من ضرائب كان يمكن ألا تجمعها الحكومة. وكان يمكن أن تتركها في أيدي الشركات، والمواطنين أنفسهم، لخلق فرص العمل الحقيقية، والدائمة، والحرة.

منافسة الصين:

* إذا لم تدعم الحكومة الأميركية شركات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح الأميركية، ستنافسها منتجات خارجية. وهذا هو أوباما نفسه ينتقد سياسة الصين المتعمدة بإغراق أميركا بفيضان أجهزة رخيصة للطاقة الشمسية؟

- الصين، الصين، الصين. هذا كل ما يقول الذين يريدون استمرار دعم الحكومة. يقولون: إن حكومة الصين تدعم صناعاتها. وأنا اسأل الأسئلة الآتية: هل تدخل حكومة الصين في اقتصادها خطأ أو صواب؟ متى صارت الصين نموذجا لنا؟ هل نريد نحن أن ننافس الصين، أو أن نخاف منها؟ هذه نقطة. النقطة الثانية هي أن دولا أوروبية، مثل ألمانيا، تقدم دعما كبيرا لشركات الطاقة الشمسية والرياح. لكن، مؤخرا، خفضت حكومة ألمانيا هذا الدعم بهدف تشجيع الشركات على إعادة خططها، وتطوير عملياتها، وزيادة إبداعها.

* ألا تؤمن بنظافة البيئة؟ أليست بدائل النفط والمحروقات بدائل طبيعية نظيفة؟

- لا أعترض، بصورة عامة، على أن النفط والمحروقات تسبب زيادة ثاني أكسيد الكربون. ولا أعترض على أن هذا يزيد موجة الدفء في الكرة الأرضية. لكني لا أؤمن بأن الكرة الأرضية في طريقها إلى الغرق. هذا مثل الخوف من الصين. صرنا نخاف من ثاني أكسيد الكربون وكأننا سنستيقظ صباح يوم، ولا نكاد نتنفس، ونموت كلنا في الحال.

* إذن هل سيظل استيراد النفط من منطقة الخليج قائما في المستقبل المتوسط؟

- نعم، نعتمد نحن على النفط السعودي، وغيره، حتى نقدر على أن ننتج نفطا أرخص. حتى نهاية القرن التاسع عشر، كنا نأكل مما نزرع، ونلبس مما ننسج. ثم، مع بداية القرن العشرين، سافر مستثمرون أميركيون إلى دول أميركا اللاتينية، ووجدوا أن الناس هناك يزرعون محاصيل بتكاليف أقل. وهم ليسوا بعيدين عنا. وهكذا، بدأنا نستورد منهم الموز. حتى عرفت بعض الدول هناك بأنها «جمهوريات الموز». وحدث نفس الشيء مع السكر في جزر البحر الكاريبي، ومع التبغ في كوبا، ومع اللحوم في الأرجنتين، ومع الأناناس في البرازيل، ومع العنب في تشيلي.

لهذا، سنظل نستورد النفط السعودي لأنه أرخص من نفطنا. لكننا، كما تعرف، وخلال السنوات القليلة الماضية، زدنا إنتاجنا من النفط المحلي، وخاصة الغاز الصخري. وصارت أسعار الإنتاج المحلي تنخفض. وأنا متفائل جدا. وأؤمن بأن الإنتاج الصخري سيزيد، وأن الأسعار ستقل، وأن الاعتماد على النفط المستورد سينخفض أكثر وأكثر.

معهد «بروغريسيف»:

* ماذا ترون في فلسفة معاهد ليبرالية وتقدمية، مثل معهد «بروغريسيف»، القريب منكم هنا في واشنطن؟ التي تختلف عن فلسفتكم خاصة في موضوع النفط والطاقة؟

- أحكي لك قصة. لعشرين سنة تقريبا، درست وعملت أستاذا في جامعة جيمس ماديسون (ولاية فرجينيا). ثم انتقلت إلى هنا، إلى معهد «هيرتدج» عام 2008. في منزلنا هناك، كانت عندنا غسالة أوان في المطبخ من النوع القديم الممتاز. كانت تستغرق ساعة وربع ساعة في كل دورة غسيل. وعندما انتقلنا إلى هنا، اشترينا غسالة من النوع الجديد «النظيف» الذي يطيع قوانين وكالة حماية البيئة (إي بي إيه). لكنها تستغرق ساعتين تقريبا في كل دورة غسيل. ولأن الهدف هو توفير استهلاك الماء، توفر جالونين في كل دورة غسيل. لكنها تستغرق وقتا أطول، وبالتالي، تستهلك كهرباء أكثر.

لهذا، حسبت أنا الفرق، ووجدت أن جملة التوفير لا تزيد عن 0.1 دولار في كل دورة غسيل.

اليوم، لا توجد في الأسواق الغسالات القديمة، ولا أجهزة الحمام القديمة. والسبب هو أن وكالة حماية البيئة (إي بي إيه) تريد توفير استهلاك الماء.

ماذا فعلت؟ أمرت الشركات بصناعة تصميمات توفر الماء، لكنها تستهلك كهرباء أكثر. لكن، توفير قليل من الماء لا يوازن زيادة التكلفة، وتعقيد القوانين، وحظر الإبداع الصناعي.

هذا هو الفرق بيننا وبينهم. وأنت سألتني عن معهد «بروغريسيف».

هذا هو الفرق بين «رياليست» (واقعي) و«ايدياليست» (مثالي).

فلسفتنا هي أن المنتج والمشتري يقدران على الاتفاق على قوانين تعامل الطرفين معاملة مفيدة وعادلة.

* هل تطبق هذا على النفط؟

- نعم. لا يختلف كثير من خبراء النفط، نحن المحافظين أو غيرنا من الليبراليين والتقدميين، بأن السعوديين ظلوا ينتهجون نهجا معتدلا في سياستهم النفطية. وأعتقد أن السبب الرئيسي هو ما قلت سابقا: مراعاة مصلحة الطرفين.

يجب ألا ننسى أن سعر النفط كان ثلاثة دولارات للبرميل الواحد. ثم ارتفع إلى عشرين. ثم إلى ستين. ثم إلى مائة وخمسين. لهذا، ها نحن نريد إنتاج نفط أرخص. وها هم في منظمة أوبك يعترفون بأنهم لا يقدرون على الاستمرار في زيادة السعر. ليس فقط لأن الزيادة تنعكس على المنتجات التي يشترونها منا، ولكن، أيضا، لأن دولا كثيرة سوف تتوقف عن شراء نفطهم. في نفس الوقت، إذا توقفنا نحن عن شراء نفطهم الرخيص سيشتريه غيرنا. لهذا، يكسب صاحب النفط الأقل سعرا.

* حسنا. لكنك تستخدم عبارات متشددة في الدفاع عن رأيك. وتنتقد الرأي الآخر نقدا متطرفا أحيانا. سواء معهد «بروغريسيف»، أو الرئيس أوباما نفسه. - مؤخرا، كتبت: «قلت يا سيدي الرئيس إن تكاليف الطاقة قلت. هل هذه نكتة؟».

نعم كتبت ذلك. ونعم أسأل الآن: «هل هذه نكتة؟».

أولا: أبحث عن ماذا يكتب عنا معهد «بروغريسيف». وأنا قرأت مرة أن واحدا ربط بين نفط الصخور وعقولنا. أي أن عقولنا متحجرة مثل الصخور التي يستخرج منها النفط.

وثانيا: كتبت الآتي: أرقام وزارة الطاقة نفسها تقول: إن «الوظائف الخضراء» (التابعة لبرنامج الطاقة الخضراء الشمس والريح) ليست كثيرا. ولهذا، ليست دليلا لإثبات ما يقول الرئيس أوباما». وأنا قدمت أرقاما، منها: زيادة الوظائف كانت 10% فقط من الهدف. وشهادات التدريب منحت لناس قضوا يوما واحدا فقط في التدريب. ونصف الذين منحوا شهادات تدريب تدربوا لخمس أيام أو أقل أنا قلت إن كلام الرئيس أوباما عن هذه النقطة كان «نكتة»، وعلى الأقل، لم أقل إنها كانت «كذب».


اختيارات المحرر

فيديو