العراق عاجز عن استيعاب جرحى معارك الموصل

ممثل منظمة الصحة العالمية في بغداد: الأسوأ لم يأت بعد

العراق عاجز عن استيعاب جرحى معارك الموصل
TT

العراق عاجز عن استيعاب جرحى معارك الموصل

العراق عاجز عن استيعاب جرحى معارك الموصل

يكرر الطبيب وفريق عمله في مركز لعلاج الصدمات بالقرب من الموصل طقسًا واحدًا عشرات المرات، خلال اليوم، وهو تشخيص الإصابة، ومحاولة السيطرة على الوضع، وانتظار مجيء سيارة إسعاف على أمل في أن يصمد المريض طوال الطريق حتى يصل إلى منشأة طبية مجهزة تجهيزًا أفضل وهو أمر قد يستغرق ساعتين بالسيارة.
تعرض أكثر المرضى لإطلاق نيران من قبل قناصة تابعين لتنظيم داعش، أو أصيبوا في قصف على منازلهم، ولا يتمكن جميعهم من الصمود والبقاء على قيد الحياة. ويعد المركز الطبي المؤقت جزءا من شبكة، يسابق العاملون في مجال الصحة بها، سواء من العراقيين أو الأجانب، الزمن حتى يصبح موجودًا، ومجهزًا بطاقم العمل والأدوات من أجل مواكبة الموجة الهائلة من الإصابات الحرجة. يعاني الأطباء في كثير من المؤسسات الطبية في أنحاء الموصل، من بينها عيادات ميدانية يديرها الجيش، ومراكز علاج متنقلة، كثيرًا مع تزايد الحالات في ظل استمرار العملية العسكرية ضد تنظيم داعش.
ومع تعمق القوات العراقية بشكل أكبر في الأحياء المزدحمة، يحتاج أكثر من ثلث المدنيين الفارين إلى رعاية خاصة بالصدمات، وتعد هذه النسبة أكبر كثيرًا مما شهد الخبراء الدوليون في مجال الصحة في صراعات أخرى. وقال ألطاف موساني، ممثل منظمة الصحة العالمية في العراق، إن الأسوأ لم يأت بعد، حيث لا تزال المناطق، التي بها أكبر كثافة سكانية في الموصل، في أيدي المسلحين. وتنسق منظمة الصحة العالمية، مع هيئات الصحة العراقية، الخدمة الطبية لسكان الموصل، ونحو مائة ألف نازح، يسكن أكثر من نصفهم في مخيمات قريبة. وقامت المنظمات الدولية، ومنها منظمة الصحة العالمية، بتدريب الأطباء على الرعاية الخاصة بالصدمات، ووفرت أدوات جراحة، إضافة إلى عشرات من العيادات المتنقلة.
وقال أحمد الدوبرداني، مسؤول رفيع المستوى في محافظة نينوى، التي تقع بها مدينة الموصل، إن المسؤولين، الذين يعملون تحت إدارة الحكومة العراقية، وحكومة إقليم كردستان، يبذلون جهدًا طوال أشهر من أجل توفير فرق عمل من الأطباء، ومعدات وأدوات طبية، بالقرب من الموصل قدر الإمكان. مع ذلك أقرّ أنه منذ بداية العملية العسكرية فاقت الاحتياجات قدرات المسؤولين وما يمكنهم تقديمه. وأوضح قائلا: «هذه عملية عسكرية ضخمة، ومعدل إصابات المدنيين والعسكريين، وخصوصا المدنيين، كبير جدًا على نحو غير متوقع».
يقول العاملون في المجال الطبي إن المرضى، الذين يعانون من مشكلات صحية عادية، مثل أمراض القلب، أو السكري، أو على وشك الولادة، يعانون أيضًا للحصول على الرعاية الطبية اللازمة في المدينة، التي مزقتها الحرب، والمنطقة المحيطة بها. وتعمل مجموعات الصحة على إقامة منشآت أفضل في المخيمات، وإقامة منشآت في المناطق التي تم إخلاؤها مؤخرًا، أو إعادة تأهيلها، وذلك من أجل جعل وقت الانتقال إلى المستشفيات التي تقدم الخدمات الطبية أقصر.
وتستطيع مراكز طبية متقدمة قريبة إحداث فرق كبير للمرضى، مثل الذين تلقوا علاجًا على أيدي أرشد خالد محمد، الطبيب الوحيد الموجود في نقطة التعامل مع الصدمات في حي كوكجلي. عندما تم قصف منزل محمد، انتقل مع أسرته إلى مبنى وراء العيادة، وهو الآن يعتني بالمرضى عندما يكونون بحاجة إلى ذلك. وقال: «أنا وحدي مع فريق العمل، ومطلوب ليلا ونهارًا».
بمجرد تحديد حاجة المريض إلى العلاج، يتم نقله بسيارة الإسعاف إلى أقرب منشأة طبية تعمل، وكثيرًا ما تكون مستشفى من الاثنين المختصين في علاج الصدمات، وهما في مدينة أربيل على بعد أكثر من 50 ميلا. عندما يصل المرضى إلى حدود العراق الشمالية، التي يسيطر عليها العرب، يتم نقلهم إلى سيارة إسعاف كردية، مما يزيد مدة الرحلة. وفي حال كان هناك ازدحام أمام نقاط التفتيش، تستغرق الرحلة إلى أربيل نحو ساعتين. كذلك هناك نقص في عدد الأطباء والممرضين في محافظة نينوى نظرًا لنزوح كثيرين منهم بسبب القتال، أو لأنهم عالقون وراء خطوط «داعش» على حد قول خبراء.
وانتقد بعض المسؤولين العراقيين مقدمي الرعاية الصحية لعدم إقامة منشآت حول مدينة الموصل قبل ذلك. وقال فارس البريفكاني، اختصاصي أشعة من نينوى وعضو لجنة الصحة في البرلمان العراقي، إن الحكومة لم تقم بالتنسيق جيدًا مع السلطات المحلية استعدادًا للموقف. على الجانب الآخر، قال مسؤولون في الإغاثة إنهم لا يملكون الموارد اللازمة للتخطيط للتعامل مع حالات على هذا النطاق الواسع. وحتى أفضل المستشفيات المجهزة للتعامل مع حالات الصدمة، التي تقع بالقرب من الموصل، تعاني لمواكبة الإصابات الخطيرة المتلاحقة.
منذ بدء العملية العسكرية، عالج مركز إدارة الطوارئ، الذي يحتوي على 65 سريرا، في أربيل أكثر من 650 مريضا أكثرهم كانوا في حالات حرجة وخطيرة. ويعاني المستشفى من نقص كبير في عقاقير محددة، مع خفض رواتب عدد كبير من الأطباء في خضم أزمة اقتصادية محلية، على حد قول، بيشتوان باغوك، إداري في المستشفى. وفي قسم النساء تروي السيدة شريعة شريف ذات الـ69 عاما كيف أصيبت في قصف لمنزلها. وكُسرت ساق شريعة كسرًا مضاعفًا، لكنها ظلت عالقة في منزلها بسبب اشتداد حدة القتال، ولم تتمكن من تلقي العلاج اللازم، إلى أن قامت السلطات العراقية بإجلائها بعد ذلك بثلاثة أيام.
يقول سكان الموصل إن تنظيم داعش، الذي استولى على المدينة في يونيو (حزيران) 2014، ترك المستشفيات مفتوحة، لكن كانت تلك المنشآت الطبية تفتقر في كثير من الأحوال إلى العقاقير والعاملين. وأصدر تنظيم داعش أوامر للموظفين العاملين لدى الدولة بالعمل، وهدد بإعدام أي طبيب يهرب من المدينة، لكن مع ذلك غادر بعضهم المدينة، أو لم يبارحوا منازلهم.
أنجبت صابرين فواض حمادي، البالغة من العمر 19 عامًا، طفلها الأول في الموصل بعد وصول المسلحين إلى المدينة بفترة قصيرة، وعندما أوشكت على إنجاب طفلها الثاني خلال فصل الخريف الحالي، قررت هي وأسرتها مغادرة حي البكر، الذي تعرض لقصف مكثف بعد استعادة القوات العراقية له خلال الشهر الماضي. وأصبحت حمادي الآن واحدة من بين عشرات الآلاف من الأفراد المقيمين في مخيم الخازر شرق الموصل، الذي تعجّ فيه المنشآت الطبية الفقيرة بالأشخاص المحتاجين إلى رعاية صحية.
وفي محاولة للتعامل مع احتياجات الأم الصحية في المخيمات، وفي المناطق المحررة مؤخرًا، نشر صندوق الأمم التابع للأمم المتحدة في العراق غرف ولادة متنقلة داخل شاحنات. وتعمل أربع غرف منها، ومزودة بماء ساخن، ومصدر كهرباء، وأسرة للولادة والإفاقة. وصعدت حمادي درج الوحدة المتنقلة في مخيم الخازر بصعوبة؛ وفي الداخل فحصتها ندى خليل إبراهيم، وكانت حمادي في حالة وضع، لكنها لم تكن مستعدة لذلك؛ فرغم أن الوحدة المتنقلة مجهزة لاستقبال حالات الولادة الطبيعية مثل حالة حمادي، فإنه ينبغي نقلها إلى أربيل لعدم وجود أطباء يعملون خلال فترة المساء، وهو موعد الولادة المتوقع. وأخبرتها الطبيبة عندما فاجأها انقباض آخر: «استنشقي نفسًا». وفي حين كانوا في انتظار سيارة الإسعاف، قالت والدة حمادي، التي هربت من حمام الدماء في الموصل هي الأخرى، إنها سوف تسمي الطفل «مسعود»؛ تعبيرًا عن حظهم السعيد الذي ساعدهم في العثور على مخرج.
* خدمة «واشنطن بوست» خاص بـ«الشرق الأوسط»



تأكيد مصري - إماراتي على مواصلة التنسيق لتجنب التصعيد بالمنطقة

محادثات مصرية - إماراتية الأحد تناولت المستجدات الإقليمية (الرئاسة المصرية)
محادثات مصرية - إماراتية الأحد تناولت المستجدات الإقليمية (الرئاسة المصرية)
TT

تأكيد مصري - إماراتي على مواصلة التنسيق لتجنب التصعيد بالمنطقة

محادثات مصرية - إماراتية الأحد تناولت المستجدات الإقليمية (الرئاسة المصرية)
محادثات مصرية - إماراتية الأحد تناولت المستجدات الإقليمية (الرئاسة المصرية)

أكدت مصر والإمارات على «ضرورة التنسيق المشترك لتجنب المزيد من التصعيد في المنطقة»، وشدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد، على ضرورة «مواصلة التشاور بشأن مختلف القضايا».

واستقبل السيسي، نظيره الإماراتي، الأحد، في مدينة العلمين الجديدة بالساحل الشمالي. وحسب إفادة الرئاسة المصرية «تناولت محادثات الرئيسين العلاقات الثنائية»، إلى جانب «المستجدات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، والجهود المبذولة لتجنب المزيد من التصعيد».

وأكد الرئيسان على «ضرورة مواصلة التشاور والتنسيق والعمل المشترك، بشأن مختلف القضايا في ظل التحديات القائمة التي تشهدها المنطقة».

وتدين مصر بشكل متكرر الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج. ودانت الأحد الاعتداءات التي استهدفت الإمارات وقطر والكويت والبحرين والأردن وسلطنة عمان، وقالت في بيان لوزارة الخارجية إن «هذه الهجمات تشكل انتهاكاً صارخاً لسيادة الدول العربية، وتصعيداً خطيراً يهدد أمن واستقرار المنطقة». ودعت إلى «الوقف الفوري لكافة الأعمال العسكرية، وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية».

وشدد السيسي خلال اللقاء على أن «الشيخ محمد بن زايد ودولة الإمارات يحظيان بمكانة خاصة لدى مصر وشعبها، في ضوء العلاقات التاريخية والمتشعبة بين البلدين». فيما أعرب الرئيس الإماراتي عن «امتنانه وتقديره الكبير لحفاوة الاستقبال»، وأكد على متانة «ما يجمع قيادتي وشعبي البلدين من علاقات وروابط أخوية وتاريخية».

وتأتي «محادثات العلمين» بين رئيسي مصر والإمارات في وقت تشهد المنطقة حالةً من عدم الاستقرار، وفق عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير يوسف الشرقاوي، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن «استمرارية التنسيق والتشاور بين القاهرة وأبوظبي، إحدى أهم القنوات المهمة للتهدئة في الإقليم، ومواجهة تحديات الأمن القومي العربي».

ويرى الشرقاوي أن استمرار استهداف دول الخليج «يستدعي استمرار التشاور والتنسيق المتواصل لتثبيت وقف إطلاق النار، والوصول لاتفاق نهائي لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران».

ويشير إلى أن «من بين الجهود التي تستهدفها مصر، استكمال استحقاقات اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وضمان إدخال المساعدات الإنسانية للفلسطينيين في القطاع».

إلى جانب الأوضاع الإقليمية، تأتي «قمة العلمين» لدعم التعاون الثنائي بين مصر والإمارات، حسب الشرقاوي، الذي أشار إلى أن «هناك استثمارات مشتركة بين القاهرة وأبو ظبي، خصوصاً في منطقة الساحل الشمالي، ومن بينها مشروع رأس الحكمة»، ويلفت إلى أن «مصر تعوّل على تعزيز هذه الاستثمارات».

وارتفعت قيمة الاستثمارات الإماراتية في مصر لتسجل 38.9 مليار دولار خلال 2023 - 2024 مقابل 3 مليارات دولار خلال 2022 - 2023، وفقاً لإحصاءات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء» في مصر.

ووقعت مصر اتفاقاً لتطوير وتنمية مدينة «رأس الحكمة» على ساحل البحر المتوسط بشراكة إماراتية في فبراير (شباط) 2024، بـ«استثمارات قُدرت بنحو 150 مليار دولار خلال مدة المشروع».


مصر تدعم وحدة الصومال بتحالفات أفريقية ومساعدات لوجستية وعسكرية

الرئيس المصري مع نظيره الصومالي خلال لقاء سابق في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري مع نظيره الصومالي خلال لقاء سابق في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تدعم وحدة الصومال بتحالفات أفريقية ومساعدات لوجستية وعسكرية

الرئيس المصري مع نظيره الصومالي خلال لقاء سابق في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري مع نظيره الصومالي خلال لقاء سابق في القاهرة (الرئاسة المصرية)

في الوقت الذي جددت مصر «رفضها الكامل لأي محاولات من شأنها المساس بوحدة الأراضي الصومالية، بما في ذلك أي اعتراف بما يسمى بإقليم (أرض الصومال)»، أكد متخصصون أن القاهرة تواصل اتخاذ خطوات عملية للحفاظ على وحدة الصومال أهمها تقديم المساعدات اللوجستية لتطوير القدرات وتشكيل تحالفات أفريقية إلى جانب الدعم العسكري.

وأكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في اتصال هاتفي مع نظيره الصومالي عبد السلام عبدي علي، السبت، دعم مصر الكامل لجمهورية الصومال الفيدرالية ومؤسساتها الوطنية، مشدداً على «الحرص على أمن واستقرار الصومال»، وجدد موقف بلاده الثابت الداعم لوحدة الصومال وسيادته وسلامة أراضيه.

وليست هذه المرة الأولى التي ترفض فيها مصر أي محاولات انفصالية في الأراضي الصومالية، فمنذ أعلنت إسرائيل «الاعتراف بإقليم صومالي لاند»، في 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، تتوالى التحركات والاتصالات المصرية الرافضة للخطوة الإسرائيلية.

رئيس «وحدة أبحاث شؤون أفريقيا» التابعة لمجلس الوزراء المصري، الدكتور رأفت محمود، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «مصر اتخذت مسارات مختلفة للحفاظ على وحدة الصومال ومنع انفصال إقليم أرض الصومال، تمثل المسار الأول في دعم قدرات الحكومة الفيدرالية، حيث قدمت دعماً فنياً تمثل في تدريب الكوادر الصومالية بمصر في قطاعات الصحة والكهرباء والقضاء وغيرها».

وعلى المستوى الأمني، وقعت مصر مع الصومال «بروتوكول التعاون العسكري والأمني» في أغسطس (آب) 2024، من أجل دعم قدرات الكوادر الصومالية، «وتعزيز دور المؤسسات الوطنية في حفظ الأمن والاستقرار، ومكافحة التنظيمات الإرهابية والمتطرفة، وتمكين الدولة الصومالية من بسط سيادتها وسيطرتها على كامل التراب الوطني»، وفقاً لمحمود.

وأضاف أنه «في يناير (كانون الثاني) 2025 تم التوقيع على «الإعلان السياسي المشترك لترفيع العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، إضافة إلى عدد من مذكرات التفاهم... كما قامت مصر بإهداء شحنات عسكرية للجيش الصومالي».

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد وجه في مناسبات مختلفة رسائل تحذيرية متكررة بشأن الصومال وأمن البحر الأحمر، وذلك بعد اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي والمساعي لوضع قدم بمدخل البحر الأحمر.

وزاد التقارب بين مصر والصومال تحديداً في عام 2024 على خلفية توقيع إثيوبيا اتفاقاً أولياً مع إقليم (أرض الصومال) الانفصالي تحصل بموجبه أديس أبابا على حق انتفاع بأراضٍ ساحلية في ميناء بربرة مقابل الاعتراف المحتمل باستقلاله عن الصومال، ووصفت حكومة مقديشو الاتفاق بأنه اعتداء على سيادتها، وقالت آنذاك إنها ستعرقله بكل الوسائل الضرورية.

وفي أغسطس من عام 2024 وصلت طائرتان عسكريتان مصريتان محملتان بالأسلحة والمعدات العسكرية إلى الأراضي الصومالية، مما دفع إثيوبيا وقتها إلى إصدار بيان حاد اللهجة، يتهم جارتها مقديشو «بزعزعة الاستقرار في المنطقة».

وفي الشهر ذاته وقعت مصر ونيجيريا مذكرة تفاهم لتعميق التعاون في مجال الصناعات الدفاعية، وهو ما فسره مراقبون بأنه يأتي ضمن تحركات مصرية لاستعادة دورها في القارة السمراء.

مصر تشارك بقوات في بعثة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال (أ.ف.ب)

ويشير رأفت محمود إلى مسار آخر تمثل في التعاون مع حلفاء بمنطقة القرن الأفريقي يتضررون كذلك من انفصال (أرض الصومال) والتدخلات الإثيوبية الإسرائيلية في الشأن الصومالي، قائلاً: «تعاونت مصر مع إريتريا وجيبوتي وترسخ ذلك في قمة أسمرة التي انعقدت في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2024 ونتج عنها نقلة نوعية في العلاقات والتنسيق بين الدول الثلاث».

وأرجع مثل هذه التحالفات إلى «التأثيرات السلبية للاعتراف الإسرائيلي بالإقليم الانفصالي سوف تنعكس على دول القرن الأفريقي، حيث تترتب على الخطوة الإسرائيلية، زيادة الأطماع الإقليمية نحو ساحل أرض الصومال المطل على البحر الأحمر مما يزيد من حدة التنافس الدولي والإقليمي على القرن الأفريقي ذي الأهمية الاستراتيجية لمصر والدول التي تتحالف معها».

الباحث المتخصص في شؤون منطقة القرن الأفريقي محمد تورشين، قال إنه «مع الرفض المتكرر والمباشر من جانب القاهرة لفكرة انفصال (صومالي لاند) فإن مصر قامت بخطوات على أرض الواقع تعزز من وحدة الصومال، منها تعزيز العلاقات الثنائية مع حكومة مقديشو المركزية، فضلاً عن تعزيز الشراكات العسكرية والاقتصادية سواء مع الصومال أو دول أفريقية أخرى».

وأوضح تورشين لـ«الشرق الأوسط» أن «مصر تظل الداعم الأهم والرئيسي للحكومة الصومالية في المحافل الدولية والإقليمية، وهذا ما يدفع الكثير من الدول إلى دعم موقف مقديشو وفقاً لمقتضيات القانون الدولي، فضلاً عن المشاركة المستمرة والمهمة من جانب مصر بقوات وعتاد في بعثة الاتحاد الأفريقي لحفظ السلام بالصومال».

وفي نهاية ديسمبر 2024 أعلنت مصر أنها ستساهم بقوات في بعثة حفظ السلام التابعة لـ«الاتحاد الأفريقي» في الصومال. وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي وقتها، إن هذه الخطوة تأتي «بناء على طلب الحكومة الصومالية، وبناء أيضاً على ترحيب من مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي».


الحكومة اليمنية تتمسك بسيادتها وترفض فرض رحلات إيرانية

وفد حوثي نقلته طائرة إيرانية من صنعاء إلى طهران دون إذن الشرعية اليمنية (إكس)
وفد حوثي نقلته طائرة إيرانية من صنعاء إلى طهران دون إذن الشرعية اليمنية (إكس)
TT

الحكومة اليمنية تتمسك بسيادتها وترفض فرض رحلات إيرانية

وفد حوثي نقلته طائرة إيرانية من صنعاء إلى طهران دون إذن الشرعية اليمنية (إكس)
وفد حوثي نقلته طائرة إيرانية من صنعاء إلى طهران دون إذن الشرعية اليمنية (إكس)

جددت الحكومة اليمنية موقفها الرافض أي محاولات لتشغيل رحلات جوية إيرانية إلى مطار صنعاء خارج الأطر القانونية والسيادية، مؤكدة أن إدارة الحركة الجوية يجب أن تكون عبر المؤسسات الرسمية المعترف بها دولياً، وفي إطار القوانين الوطنية والاتفاقيات المنظمة للطيران المدني، وذلك بالتزامن مع كشفها عن خطة كانت قد أعدتها لاستئناف وتوسيع الرحلات التجارية عبر الناقل الوطني قبل أن تُفاجأ بمحاولات فرض واقع جديد يخالف تلك الترتيبات.

وأكدت وزارة النقل، في بيان، أن تشغيل أي رحلات دولية من وإلى مطار صنعاء ينبغي أن يكون حصراً عبر الجهات المختصة في الدولة، وبما يتوافق مع قواعد «منظمة الطيران المدني الدولي»، عادّةً أن أي ترتيبات خارج هذا الإطار تمثل انتهاكاً للسيادة اليمنية ومخالفة صريحة للقوانين والاتفاقيات الدولية.

وقالت الوزارة إن القيادة السياسية، ممثلة في مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، وبدعم من السعودية، تواصل جهودها لضمان استمرار الرحلات الجوية عبر مطار صنعاء لخدمة جميع اليمنيين، والعمل على إزالة العراقيل التي تعترض حركة الطيران المدني، متهمة الحوثيين بفرض قيود عطلت هذا المسار.

طائرة يمنية في مطار عدن حاول الحوثيون تدميرها لاستهداف أعضاء الحكومة اليمنية (إعلام حكومي)

ورأت الوزارة أن الإجراءات التي اتخذتها الجماعة خلال السنوات الماضية لم تستهدف فقط حرية تنقل المواطنين، بل طالت أيضاً شركة «الخطوط الجوية اليمنية» بصفتها الناقل الوطني، عبر سلسلة من الإجراءات التي عطلت نشاطها وأضعفت قدراتها التشغيلية؛ الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على المرضى والطلاب والمسافرين.

وكشفت وزارة النقل اليمنية عن أنها كانت قد استكملت، قبل أيام من إعلان الحوثيين عن ترتيبات لتشغيل رحلات إيرانية، إعداد خطة متكاملة لاستئناف الرحلات بين صنعاء والعاصمة الأردنية عمّان، إلى جانب التوسع نحو وجهات أخرى بعد استكمال التصاريح اللازمة.

وعدّت أن هذه الخطة كانت تستهدف توسيع خيارات السفر أمام المواطنين وفق الأطر القانونية، إلا إنها اصطدمت بمحاولات وصفتها بـ«فرض واقع يخالف القانون الدولي ويقوض الجهود الرامية إلى استعادة انتظام حركة الطيران المدني».

تعسف حوثي

واستعرضت وزارة النقل اليمنية ما قالت إنها سلسلة من الإجراءات التي تعرض لها الناقل الوطني منذ إعادة تشغيل مطار صنعاء عقب الهدنة الأممية عام 2022، مشيرة إلى تجميد أرصدة الشركة دون مبررات قانونية، واحتجاز 4 من طائراتها، بينها طائرة من طراز «إيرباصA330» و3 طائرات من طراز «إيرباصA320»، قبل أن تتعرض 4 طائرات أخرى للتدمير خلال قصف إسرائيل مطار صنعاء.

وحملت وزارة النقل اليمنية الحوثيين المسؤولية الكاملة عن الخسائر التي تكبدتها الشركة الوطنية، وما ترتب عليها من أضرار لحقت بالمسافرين وبقطاع النقل الجوي في البلاد.

طائرة إيرانية في مطار صنعاء (متداولة - إكس)

وفي ختام بيانها، دعت وزارة النقل الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المختصة بالطيران المدني إلى تحمل مسؤولياتها، والضغط من أجل حماية الناقل الوطني اليمني، وضمان إدارة مطار صنعاء وفق القوانين الدولية، مؤكدة أن الحكومة ستواصل دعم شركة «الخطوط الجوية اليمنية» والعمل على توسيع شبكة رحلاتها، وأنها لن تسمح بتحويل الطيران المدني وسيلةً للابتزاز السياسي أو الإضرار بمصالح المواطنين.

مشروع عسكري

في السياق نفسه، قال وزير الإعلام اليمني، معمر الإرياني، إن رفض الحوثيين تشغيل رحلات «الخطوط الجوية اليمنية»، وتمسكهم بإحلال شركة «ماهان» الإيرانية، يكشف عن أن «هدف الجماعة لا يرتبط بتخفيف معاناة المسافرين، وإنما بإعادة فتح الجسر الجوي مع إيران لخدمة مشروعها العسكري».

وأوضح الإرياني أن الحكومة قدمت جميع التسهيلات الكفيلة باستمرار الرحلات الإنسانية عبر الناقل الوطني، بما يحفظ حق اليمنيين في السفر والعلاج، مع الالتزام الكامل بإجراءات السلامة والأنظمة الدولية، «إلا إن الحوثيين رفضوا هذه الخيارات وأصروا على تشغيل الطيران الإيراني».

إسرائيل دمرت آخر طائرة مدنية يشغلها الحوثيون من مطار صنعاء (أ.ب)

وأضاف أن هذا الموقف يؤكد، وفق تعبيره، أن «الاعتبارات الإنسانية ليست الدافع الحقيقي للجماعة، وإنما السعي إلى إعادة تشغيل خطوط جوية تخدم أهدافاً عسكرية وأمنية».

وأشار الوزير إلى أن التجربة السابقة عقب سيطرة الحوثيين على صنعاء لا تزال حاضرة، «عندما أُعلن عن تشغيل 14 رحلة أسبوعياً بين صنعاء وطهران، رغم غياب المبررات المدنية أو التجارية التي تستدعي هذا العدد من الرحلات».

وقال إن ذلك أثار منذ البداية تساؤلات بشأن طبيعة الاستخدام الحقيقي لتلك الرحلات، قبل أن تتحدث تقارير لاحقة عن استخدامها في نقل مستشارين وخبراء عسكريين ومعدات مرتبطة بتطوير القدرات العسكرية للحوثيين.

تحذير من إعادة السيناريو

واتهم الإرياني الحوثيين بمحاولة إعادة السيناريو ذاته، عادّاً أن رفضهم تشغيل رحلات «الخطوط الجوية اليمنية» يعود إلى «التزام الشركة إجراءات التفتيش وقوائم المسافرين ومتطلبات الأمن والسلامة المعمول بها دولياً، وهي إجراءات تمنع استخدام الطيران المدني في أنشطة غير مشروعة»، وفق قوله.

كما أشار إلى أن شركة «ماهان» الإيرانية تخضع لعقوبات أميركية ودولية بسبب اتهامات تتعلق بدعم «فيلق القدس» ونقل معدات ومقاتلين إلى مناطق نزاع، عادّاً أن الإصرار على تشغيلها يثير مخاوف بشأن طبيعة الأهداف التي تقف وراء هذه الخطوة.

وأضاف أن الحوثيين يواصلون، في الوقت ذاته، «الترويج لوجود حصار على مطار صنعاء، بينما يرفضون البدائل التي تتيح للمواطنين السفر عبر الناقل الوطني»، وهو ما عدّه دليلاً على أن «أولويتهم ليست تسهيل حركة المدنيين، وإنما استعادة مسار الدعم الإيراني».

وجدد الوزير دعوته المجتمع الدولي إلى التعامل مع الوقائع على الأرض، وعدم الاكتفاء بالشعارات، مشدداً على أن «تمسك الحوثيين بطيران خاضع للعقوبات، مقابل رفض تشغيل (الخطوط الجوية اليمنية)، يعكس استمرار ارتباط الجماعة بالمشروع الإيراني، ويحول مطار صنعاء من منفذ مدني لخدمة اليمنيين إلى منصة تخدم أجندات عسكرية وإقليمية» وفق تعبيره.