العراق عاجز عن استيعاب جرحى معارك الموصل

ممثل منظمة الصحة العالمية في بغداد: الأسوأ لم يأت بعد

العراق عاجز عن استيعاب جرحى معارك الموصل
TT

العراق عاجز عن استيعاب جرحى معارك الموصل

العراق عاجز عن استيعاب جرحى معارك الموصل

يكرر الطبيب وفريق عمله في مركز لعلاج الصدمات بالقرب من الموصل طقسًا واحدًا عشرات المرات، خلال اليوم، وهو تشخيص الإصابة، ومحاولة السيطرة على الوضع، وانتظار مجيء سيارة إسعاف على أمل في أن يصمد المريض طوال الطريق حتى يصل إلى منشأة طبية مجهزة تجهيزًا أفضل وهو أمر قد يستغرق ساعتين بالسيارة.
تعرض أكثر المرضى لإطلاق نيران من قبل قناصة تابعين لتنظيم داعش، أو أصيبوا في قصف على منازلهم، ولا يتمكن جميعهم من الصمود والبقاء على قيد الحياة. ويعد المركز الطبي المؤقت جزءا من شبكة، يسابق العاملون في مجال الصحة بها، سواء من العراقيين أو الأجانب، الزمن حتى يصبح موجودًا، ومجهزًا بطاقم العمل والأدوات من أجل مواكبة الموجة الهائلة من الإصابات الحرجة. يعاني الأطباء في كثير من المؤسسات الطبية في أنحاء الموصل، من بينها عيادات ميدانية يديرها الجيش، ومراكز علاج متنقلة، كثيرًا مع تزايد الحالات في ظل استمرار العملية العسكرية ضد تنظيم داعش.
ومع تعمق القوات العراقية بشكل أكبر في الأحياء المزدحمة، يحتاج أكثر من ثلث المدنيين الفارين إلى رعاية خاصة بالصدمات، وتعد هذه النسبة أكبر كثيرًا مما شهد الخبراء الدوليون في مجال الصحة في صراعات أخرى. وقال ألطاف موساني، ممثل منظمة الصحة العالمية في العراق، إن الأسوأ لم يأت بعد، حيث لا تزال المناطق، التي بها أكبر كثافة سكانية في الموصل، في أيدي المسلحين. وتنسق منظمة الصحة العالمية، مع هيئات الصحة العراقية، الخدمة الطبية لسكان الموصل، ونحو مائة ألف نازح، يسكن أكثر من نصفهم في مخيمات قريبة. وقامت المنظمات الدولية، ومنها منظمة الصحة العالمية، بتدريب الأطباء على الرعاية الخاصة بالصدمات، ووفرت أدوات جراحة، إضافة إلى عشرات من العيادات المتنقلة.
وقال أحمد الدوبرداني، مسؤول رفيع المستوى في محافظة نينوى، التي تقع بها مدينة الموصل، إن المسؤولين، الذين يعملون تحت إدارة الحكومة العراقية، وحكومة إقليم كردستان، يبذلون جهدًا طوال أشهر من أجل توفير فرق عمل من الأطباء، ومعدات وأدوات طبية، بالقرب من الموصل قدر الإمكان. مع ذلك أقرّ أنه منذ بداية العملية العسكرية فاقت الاحتياجات قدرات المسؤولين وما يمكنهم تقديمه. وأوضح قائلا: «هذه عملية عسكرية ضخمة، ومعدل إصابات المدنيين والعسكريين، وخصوصا المدنيين، كبير جدًا على نحو غير متوقع».
يقول العاملون في المجال الطبي إن المرضى، الذين يعانون من مشكلات صحية عادية، مثل أمراض القلب، أو السكري، أو على وشك الولادة، يعانون أيضًا للحصول على الرعاية الطبية اللازمة في المدينة، التي مزقتها الحرب، والمنطقة المحيطة بها. وتعمل مجموعات الصحة على إقامة منشآت أفضل في المخيمات، وإقامة منشآت في المناطق التي تم إخلاؤها مؤخرًا، أو إعادة تأهيلها، وذلك من أجل جعل وقت الانتقال إلى المستشفيات التي تقدم الخدمات الطبية أقصر.
وتستطيع مراكز طبية متقدمة قريبة إحداث فرق كبير للمرضى، مثل الذين تلقوا علاجًا على أيدي أرشد خالد محمد، الطبيب الوحيد الموجود في نقطة التعامل مع الصدمات في حي كوكجلي. عندما تم قصف منزل محمد، انتقل مع أسرته إلى مبنى وراء العيادة، وهو الآن يعتني بالمرضى عندما يكونون بحاجة إلى ذلك. وقال: «أنا وحدي مع فريق العمل، ومطلوب ليلا ونهارًا».
بمجرد تحديد حاجة المريض إلى العلاج، يتم نقله بسيارة الإسعاف إلى أقرب منشأة طبية تعمل، وكثيرًا ما تكون مستشفى من الاثنين المختصين في علاج الصدمات، وهما في مدينة أربيل على بعد أكثر من 50 ميلا. عندما يصل المرضى إلى حدود العراق الشمالية، التي يسيطر عليها العرب، يتم نقلهم إلى سيارة إسعاف كردية، مما يزيد مدة الرحلة. وفي حال كان هناك ازدحام أمام نقاط التفتيش، تستغرق الرحلة إلى أربيل نحو ساعتين. كذلك هناك نقص في عدد الأطباء والممرضين في محافظة نينوى نظرًا لنزوح كثيرين منهم بسبب القتال، أو لأنهم عالقون وراء خطوط «داعش» على حد قول خبراء.
وانتقد بعض المسؤولين العراقيين مقدمي الرعاية الصحية لعدم إقامة منشآت حول مدينة الموصل قبل ذلك. وقال فارس البريفكاني، اختصاصي أشعة من نينوى وعضو لجنة الصحة في البرلمان العراقي، إن الحكومة لم تقم بالتنسيق جيدًا مع السلطات المحلية استعدادًا للموقف. على الجانب الآخر، قال مسؤولون في الإغاثة إنهم لا يملكون الموارد اللازمة للتخطيط للتعامل مع حالات على هذا النطاق الواسع. وحتى أفضل المستشفيات المجهزة للتعامل مع حالات الصدمة، التي تقع بالقرب من الموصل، تعاني لمواكبة الإصابات الخطيرة المتلاحقة.
منذ بدء العملية العسكرية، عالج مركز إدارة الطوارئ، الذي يحتوي على 65 سريرا، في أربيل أكثر من 650 مريضا أكثرهم كانوا في حالات حرجة وخطيرة. ويعاني المستشفى من نقص كبير في عقاقير محددة، مع خفض رواتب عدد كبير من الأطباء في خضم أزمة اقتصادية محلية، على حد قول، بيشتوان باغوك، إداري في المستشفى. وفي قسم النساء تروي السيدة شريعة شريف ذات الـ69 عاما كيف أصيبت في قصف لمنزلها. وكُسرت ساق شريعة كسرًا مضاعفًا، لكنها ظلت عالقة في منزلها بسبب اشتداد حدة القتال، ولم تتمكن من تلقي العلاج اللازم، إلى أن قامت السلطات العراقية بإجلائها بعد ذلك بثلاثة أيام.
يقول سكان الموصل إن تنظيم داعش، الذي استولى على المدينة في يونيو (حزيران) 2014، ترك المستشفيات مفتوحة، لكن كانت تلك المنشآت الطبية تفتقر في كثير من الأحوال إلى العقاقير والعاملين. وأصدر تنظيم داعش أوامر للموظفين العاملين لدى الدولة بالعمل، وهدد بإعدام أي طبيب يهرب من المدينة، لكن مع ذلك غادر بعضهم المدينة، أو لم يبارحوا منازلهم.
أنجبت صابرين فواض حمادي، البالغة من العمر 19 عامًا، طفلها الأول في الموصل بعد وصول المسلحين إلى المدينة بفترة قصيرة، وعندما أوشكت على إنجاب طفلها الثاني خلال فصل الخريف الحالي، قررت هي وأسرتها مغادرة حي البكر، الذي تعرض لقصف مكثف بعد استعادة القوات العراقية له خلال الشهر الماضي. وأصبحت حمادي الآن واحدة من بين عشرات الآلاف من الأفراد المقيمين في مخيم الخازر شرق الموصل، الذي تعجّ فيه المنشآت الطبية الفقيرة بالأشخاص المحتاجين إلى رعاية صحية.
وفي محاولة للتعامل مع احتياجات الأم الصحية في المخيمات، وفي المناطق المحررة مؤخرًا، نشر صندوق الأمم التابع للأمم المتحدة في العراق غرف ولادة متنقلة داخل شاحنات. وتعمل أربع غرف منها، ومزودة بماء ساخن، ومصدر كهرباء، وأسرة للولادة والإفاقة. وصعدت حمادي درج الوحدة المتنقلة في مخيم الخازر بصعوبة؛ وفي الداخل فحصتها ندى خليل إبراهيم، وكانت حمادي في حالة وضع، لكنها لم تكن مستعدة لذلك؛ فرغم أن الوحدة المتنقلة مجهزة لاستقبال حالات الولادة الطبيعية مثل حالة حمادي، فإنه ينبغي نقلها إلى أربيل لعدم وجود أطباء يعملون خلال فترة المساء، وهو موعد الولادة المتوقع. وأخبرتها الطبيبة عندما فاجأها انقباض آخر: «استنشقي نفسًا». وفي حين كانوا في انتظار سيارة الإسعاف، قالت والدة حمادي، التي هربت من حمام الدماء في الموصل هي الأخرى، إنها سوف تسمي الطفل «مسعود»؛ تعبيرًا عن حظهم السعيد الذي ساعدهم في العثور على مخرج.
* خدمة «واشنطن بوست» خاص بـ«الشرق الأوسط»



تحركات مصرية لاحتواء الأزمة الإنسانية المتفاقمة في غزة

إحدى الفعاليات التي نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» الشهر الماضي (صفحة اللجنة على «فيسبوك»)
إحدى الفعاليات التي نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» الشهر الماضي (صفحة اللجنة على «فيسبوك»)
TT

تحركات مصرية لاحتواء الأزمة الإنسانية المتفاقمة في غزة

إحدى الفعاليات التي نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» الشهر الماضي (صفحة اللجنة على «فيسبوك»)
إحدى الفعاليات التي نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» الشهر الماضي (صفحة اللجنة على «فيسبوك»)

كثّفت «اللجنة المصرية في قطاع غزة» من تحركاتها مع تردي الأوضاع الإنسانية، وتوالي الشكاوى من شح الغذاء والسلع الرئيسية في ظل تضييق إسرائيلي مستمر على دخول المساعدات وتراجع التمويل الإغاثي الدولي.

وأكدت «اللجنة المصرية»، في بيان لها، السبت، أن «القيادة المصرية وجهت بضخ كميات كبيرة من الدقيق إلى قطاع غزة لتعزيز الإمدادات ودعم المخابز والعمل على حل أزمة الدقيق والخبز التي يعاني منها أبناء شعبنا الفلسطيني، وذلك ابتداءً من الأحد، وبشكل يومي في إطار الجهود المصرية المتواصلة لدعم أهلنا في القطاع وتخفيف معاناتهم».

وكانت اللجنة قد أكدت، مساء الجمعة، أنها بدأت بتسيير شاحنات محمّلة بكميات من الطحين إلى قطاع غزة بهدف دعم المخابز وتعزيز قدرتها على مواصلة العمل والمساهمة في توفير الخبز للمواطنين بأسعار مناسبة.

وأشار المتحدث باسم اللجنة، محمد منصور، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المخابز عادت للعمل في القطاع، السبت، بعد ثلاثة أيام من توقف عدد كبير منها، وهو ما كان مثار قلق الكثير من العائلات الفلسطينية التي باتت تتساءل عما إذا كانت الأزمة مقدمة لعودة المجاعة مرة أخرى، مشيراً إلى أن «اللجنة المصرية» بالتعاون مع المنظمات الإنسانية العاملة في القطاع ساهمت في عودة عمل 20 مخبزاً، واختفت الطوابير التي كانت معتادة أمامها مع توفير كميات إضافية من الدقيق.

وأضاف «أن مصر استجابت سريعاً لنداءات الفلسطينيين خلال الأيام الماضية، وقامت بإدخال قوافل تحمل على متنها عشرات الآلاف من أطنان الدقيق التي تدفقت خلال الساعات الماضية»، مشيراً إلى أن القاهرة «مستمرة في تقديم الدعم اللازم بما يضمن تحسين الأوضاع الإنسانية».

وأشارت فضائية «القاهرة الإخبارية»، في تقرير لها، مساء الجمعة، إلى أن «اللجنة المصرية» بالشراكة مع مؤسسة «المطبخ المركزي العالمي»، توزع عشرات الآلاف من أرغفة الخبز يومياً على الأسر الفلسطينية في شمال القطاع ووسطه وجنوبه، بما يسهم في تخفيف جانب من الأعباء اليومية عن السكان.

حملة توعوية نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» هذا الشهر للتوعية من مرض سرطان الثدي (صفحة اللجنة المصرية على «فيسبوك»)

ويعاني قطاع غزة من أزمة جراء النقص الحاد في مادة الطحين وارتفاع أسعار الخبز. وحذرت وزارة التنمية الاجتماعية في القطاع «من تداعيات إنسانية كارثية، في أعقاب التوقف القسري لعدد كبير من المخابز، بسبب نقص الدقيق والمواد التشغيلية اللازمة لاستمرار عملها».

وأكدت الوزارة «أن منع دخول شحنات الطحين والإمدادات الغذائية يهدد بتقويض قدرة الأسر النازحة والأشد فقراً على الحصول على الخبز، الذي يشكل أحد أهم مصادر الغذاء اليومية لكثير من العائلات».

وأشارت «اللجنة المصرية» إلى أنها «تواصل جهودها الحثيثة للتخفيف من معاناة المواطنين والوقوف إلى جانب العائلات الفلسطينية في هذه الظروف الصعبة، بما يحد من تداعيات الأزمة ويمنع استغلال حاجة المواطنين ورفع الأسعار بصورة غير مبررة».

وأوضح محمد منصور في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن اللجنة «تعمل على قدم وساق للاستعداد لفصل الشتاء وتعمل بشكل يومي على تركيب 3 آلاف خيمة مجهزة لاستقبال العائلات الأكثر احتياجاً، بخاصة من هم بالقرب من الخط الأصفر»، والذين تعرضت خيامهم للتلف ويقيمون في خيام مهترئة ومراكز إيواء غير مؤهلة، وأكد أن الحملة تنظم «حملة شتاء دافئ عبر تقديم الخيام وتجهيزها وتقديم المساعدات الصحية والغذائية».

وتتفاقم أزمة الغذاء في قطاع غزة مع تقليص المساعدات بسبب تراجع التمويل الدولي، وسط استمرار القيود الإسرائيلية رغم اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

ففي 19 أكتوبر الحالي، أعلن «برنامج الأغذية العالمي» تقليص مساعداته الغذائية، ما أدى إلى انخفاض عدد المستفيدين بنحو نصف مليون شخص.

وعلى المستوى السياسي، شدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه نظيره الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، «على أهمية مواصلة الجهود المبذولة للتنفيذ الكامل لخطة الرئيس الأميركي ترمب الشاملة للسلام في قطاع غزة».

كما حذر من خطورة الممارسات الإسرائيلية في الضفة الغربية، بما في ذلك التوسع الاستيطاني ومحاولات فرض الأمر الواقع، مشيراً إلى تداعياته السلبية على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما طالب وزراء خارجية كل من السعودية ومصر وتركيا وباكستان، خلال اجتماعهم الجمعة في إسطنبول، بضرورة استمرار تدفق المساعدات الإنسانية وإعادة إعمار غزة دون انقطاع، مؤكدين أن الشعب الفلسطيني يعاني من كارثة إنسانية مستمرة تتطلب تدخلاً دولياً فورياً.


جبهات تعز تستعصي على الحوثيين رغم القصف والحصار

أعمدة الدخان تتصاعد من موقع تعرض للقصف خلال معارك الجيش اليمني ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)
أعمدة الدخان تتصاعد من موقع تعرض للقصف خلال معارك الجيش اليمني ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)
TT

جبهات تعز تستعصي على الحوثيين رغم القصف والحصار

أعمدة الدخان تتصاعد من موقع تعرض للقصف خلال معارك الجيش اليمني ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)
أعمدة الدخان تتصاعد من موقع تعرض للقصف خلال معارك الجيش اليمني ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)

تصطدم هجمات الجماعة الحوثية على جبهات مدينة تعز اليمنية بمقاومة شرسة رغم القصف والحصار والتعزيزات المتواصلة، في وقت تكثف فيه القوات الحكومية هجماتها المضادة وتوسع الطائرات الحربية ضرباتها على مواقع الجماعة في ريف المحافظة وأطراف المدينة المحاصرة، بالتزامن مع إحباط هجمات حوثية في جبهة كهبوب المطلة على مضيق باب المندب، والتصدي لمحاولة تمدد الجماعة في مديرية المقاطرة باتجاه لحج جنوباً.

وتحاول الجماعة الحوثية المدعومة من إيران، التي سيطرت على أجزاء واسعة من ريف تعز، توسيع مكاسبها الميدانية والضغط على المدينة المحاصرة، بينما تواجه مقاومة من القوات الحكومية والمقاومة الشعبية، مع امتداد الاشتباكات إلى جبهات الأقروض والشقب وكحلان، وتصاعد المواجهات في مناطق المقاطرة بمحافظة لحج، حيث تسعى الجماعة إلى التقدم نحو مناطق جديدة جنوباً.

وفي أحدث التطورات، استهدفت القوات الحكومية مركز قيادة وسيطرة ودبابتين داخل فندق سوفتيل المهجور في تعز، وفق ما أعلنه المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، الذي قال إن الحوثيين اتخذوا المبنى منطلقاً لاستهداف المدنيين في المدينة، وإن الضربة استهدفت تعطيل هذا النشاط وحماية السكان.

مقاتل في الجيش اليمني يصوّب سلاحه الرشاش خلال معارك ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)

وعلى الجبهة الجنوبية لمدينة تعز، أفادت القوات الحكومية بتحقيق تقدم في جبهة الأقروض، وتنفيذ هجمات مضادة على مواقع الحوثيين، بالتزامن مع اشتباكات متقطعة في الشقب وكحلان بمديريتي صبر والمسراخ، وسط أنباء عن دفع الجماعة بتعزيزات بشرية نحو خطوط التماس.

وفي الجبهة الغربية، أفادت مصادر يمنية محلية بمقتل القيادي الحوثي محمد قيران، المعروف بكنية «أبو هاشم»، مع سبعة من مرافقيه، خلال مواجهات الجمعة. كما أُعلن مقتل القيادي محمد إسماعيل الدرب، الذي قالت مصادر عسكرية إنه كان يشرف على العمليات الرامية إلى اجتياح تعز، مع عدد من مرافقيه في جبهة الأقروض.

وامتدت الضربات الجوية إلى مناطق عدة في ريف المحافظة، بينها مديرية الشمايتين، حيث استهدفت مقاتلات مواقع للحوثيين في برج المنة ووادي الفجر وبرح الحداد وجبل جربب. وأفادت مصادر ميدانية بمقتل عشرة مسلحين على الأقل وإصابة آخرين، إلى جانب تدمير أسلحة ثقيلة ومعدات عسكرية.

قوات ألوية العمالقة الجنوبية تتصدى لهجمات حوثية في جبهة باب المندب (إعلام عسكري)

وفي جبهة كهبوب، تمكنت قوات العمالقة الجنوبية وقوات درع الوطن من صد هجمات حوثية، وفق بيانات عسكرية. وقالت قوات درع الوطن إن اللواء السابع في الفرقة الأولى تصدى لهجوم استمر نحو 30 ساعة، وحافظ على مواقعه وأفشل محاولة التقدم، فيما تحدثت قوات العمالقة عن اشتباكات عنيفة انتهت بتراجع المهاجمين وتكبيدهم خسائر بشرية ومادية.

وتكتسب هذه الجبهة أهميتها من موقعها الاستراتيجي قرب مضيق باب المندب، حيث يتقاطع القتال البري مع المخاوف المتعلقة بأمن الممرات البحرية. وفي المقاطرة بمحافظة لحج، تحدثت إفادات ميدانية عن كمين مسلح في منطقة هيجة العبد، أوقع عشرات الحوثيين بين قتيل وجريح، وأوقف محاولة للتقدم والسيطرة على مناطق جديدة.

صواريخ منفلتة

بالتوازي مع القتال البري، تضع القوات الحكومية اليمنية القدرات الصاروخية الحوثية في صلب روايتها للتطورات الأخيرة. وقال النزيلي إن الجيش رصد خلال الأيام الماضية حالات فشل في إطلاق صواريخ باليستية، أو انحرافها وسقوطها في مناطق مأهولة، محذراً من مخاطرها على المدنيين، فضلاً عن تهديد الملاحة والتجارة الدوليتين.

واستشهد الناطق العسكري بصاروخ قال إن الحوثيين أطلقوه من منطقة عيال صياد في مديرية نهم، الجمعة، قبل أن يسقط على منزل المواطن محمد أحمد القشعة أثناء اجتماع أفراد أسرته، ما أدى، حسب روايته، إلى مقتل جميع الموجودين داخله وتضرر منزل مجاور. وأضاف أن حوادث مماثلة وقعت في صنعاء وتعز وإب وصعدة.

مقاتل في القوات الحكومية اليمنية يشير بيده خلال معارك ضد الحوثيين غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)

وعزا النزيلي تراجع أداء المنظومات الصاروخية، وفق تقدير الجيش، إلى ضربات استهدفت خلال الأسابيع الماضية مخازن الصواريخ ومنصات إطلاقها، بالتزامن مع عمليات جوية للتحالف استهدفت أهدافاً عسكرية في صعدة، قال إنها أسفرت عن تحييد خبراء وقيادات متخصصة في تشغيل الصواريخ وإطلاقها. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من هذه الحصيلة أو من تقديرات الجيش بشأن حجم التراجع في القدرات الصاروخية.

مئات الضربات

في مؤشر آخر على اتساع العمليات، أعلنت القوات المسلحة تنفيذ 1392 عملية استهداف خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية التي شملها بيانها، ترافقت مع غارات جوية وهجمات أرضية وضربات نيرانية على امتداد الجبهات. وقالت إن العمليات طالت تجمعات وتعزيزات ومصادر نيران وتحصينات وآليات عسكرية، وإنها أدت، وفق الحصر الميداني الأولي، إلى تحييد نحو 620 عنصراً وتدمير أو إعطاب نحو 190 آلية ومدرعة ووسيلة نقل، إضافة إلى أسلحة ثقيلة ومتوسطة.

مقاتلون من قوات الحكومة اليمنية على ظهر شاحنة خلال المعارك ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)

وتشمل الحصيلة، حسب البيان، العمليات التي نفذتها القوات ضمن عملية «فجر اليمن»، التي تقول القوات الحكومية إنها تستهدف إضعاف القدرات القتالية للحوثيين وتعطيل خطوط إمدادهم. كما أعلن الجيش دخول منظومات نوعية جديدة إلى الخدمة لدى قواته الجوية، من دون تقديم تفاصيل إضافية عن طبيعتها.

وفي جبهتي مأرب والجوف، أفادت مصادر ميدانية بمقتل محمد يحيى الديلمي، الذي وصفته بأنه قائد ما تسمى «مجاميع كتائب الحسين»، مع عشرة من عناصر مجموعته، خلال المعارك على الجبهة الرابطة بين المحافظتين. كما تحدثت المصادر عن مقتل محمد الحوثي، المعروف باسم «زين العابدين»، والمسؤول عن التدريب فيما تسمى «ألوية الأنصار»، خلال معارك الجوف في وقت سابق.


حصيلة دامية للاعتداءات الحوثية على المدنيين في تعز

دخان يتصاعد من أحد أحياء مدينة تعز إثر قصف حوثي (أ.ب)
دخان يتصاعد من أحد أحياء مدينة تعز إثر قصف حوثي (أ.ب)
TT

حصيلة دامية للاعتداءات الحوثية على المدنيين في تعز

دخان يتصاعد من أحد أحياء مدينة تعز إثر قصف حوثي (أ.ب)
دخان يتصاعد من أحد أحياء مدينة تعز إثر قصف حوثي (أ.ب)

تواجه محافظة تعز اليمنية تصعيداً عسكرياً حوثياً متواصلاً يفاقم معاناة سكانها، مع استمرار القصف على الأحياء والقرى السكنية، وتشديد القيود على حركة المدنيين ووصول الإمدادات الأساسية، وسط تقارير حقوقية توثق مقتل مئات المدنيين وإصابة آخرين، واختطاف مئات الأشخاص، وتضرر مئات المنازل والمركبات.

ووثقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات 1891 جريمة وانتهاكاً قالت إن جماعة الحوثيين ارتكبتها بحق المدنيين والأعيان المدنية في المحافظة، خلال الفترة من الأول من سبتمبر (أيلول) حتى 22 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، في تقرير حمل عنوان «تعز... الاجتياح الدامي والقتل الممنهج».

جاءت هذه الحصيلة بالتزامن مع رصد الشبكة 21 جريمة وانتهاكاً إضافياً خلال 24 ساعة، إلى جانب إطلاق نحو 213 مقذوفاً على مناطق سكنية.

سكان يسيرون وسط حطام منازلهم عقب هجوم صاروخي حوثي على تعز (أ.ب)

وحسب التقرير الممتد على 52 يوماً، أسفرت الانتهاكات عن مقتل 212 مدنياً، بينهم 38 طفلاً، من ضمنهم سبعة رُضّع، و27 امرأة، وإصابة 319 مدنياً، بينهم 29 طفلاً و46 امرأة. كما وثَّق 23 حالة تصفية ميدانية، وخمس مجازر جماعية، و314 حالة اختطاف وإخفاء قسري، بينها 14 طفلاً احتُجزوا رهائن للضغط على ذويهم، إضافةً إلى مداهمة 516 منزلاً بحثاً عن أشخاص يُشتبه في ارتباطهم بالقوات الحكومية.

أضرار واسعة

تشير الأرقام التي أوردتها الشبكة الحقوقية إلى اتساع نطاق الأضرار التي طالت الممتلكات المدنية؛ إذ تضرر 356 منزلاً جراء القصف، بينها 98 منزلاً دُمرت كلياً، وفُجرت ثلاثة منازل أخرى، فيما لحقت أضرار بـ131 مركبة مدنية، ونُهبت 36 مركبة ووسيلة نقل خاصة بالمواطنين.

وفي أحدث الوقائع التي وثقتها الشبكة، قُتل طفلان وأصيب ثلاثة مدنيين، بينهم امرأتان، كما اختُطف أربعة أشخاص ونُقلوا إلى جهات مجهولة، وتعرضت ثلاثة منازل للمداهمة والنهب، وتضررت سبعة منازل، بينها منزلان دُمرا كلياً. ومن بين القتلى الطفل عمار ياسر الشريحي، الذي قالت الشبكة إن الحوثيين اختطفوه من منزله في قرية الأكمة بمنطقة صبر، قبل العثور عليه مقتولاً.

سكان في مدينة تعز يرددون بعد صلاة الجمعة هتافات ضد الحوثيين (رويترز)

وامتد القصف والقنص، وفق التقرير، إلى قرى كحلان والشقب، وحي المطار القديم، ومناطق الضباب وميهال ونجد قسيم. وفي قرية كحلان بمديرية صبر الموادم، أصابت قذائف هاون منزلين، وألحقت أضراراً بمحتوياتهما، ونفقت ماشية، دون تسجيل إصابات بين أفراد إحدى الأسر المستهدفة.

استهداف شامل

لا تقتصر التداعيات على الخسائر البشرية والدمار؛ إذ قالت الشبكة إن الحوثيين أطلقوا نحو 9876 مقذوفاً خلال الفترة التي يغطيها تقريرها، وشددوا الحصار على المحافظة منذ الثالث من سبتمبر، واستحدثوا 26 نقطة وحاجز تفتيش خارج إطار القانون. كما أشارت إلى تفجير عبّارة في طريق هيجة العبد وقطع الطريق الرئيسي الرابط بين تعز ومحافظة لحج وصولاً إلى عدن.

واتهم التقرير الجماعة بعرقلة دخول الغذاء والدواء والوقود وأسطوانات الأكسجين ومياه الشرب، وعرقلة قوافل الإغاثة والإمدادات التجارية، بما فيها أدوية الأمراض المزمنة ولقاحات الأطفال. وحذرت الشبكة من أن منع الوقود اللازم لتشغيل مولدات المستشفيات ومراكز علاج السرطان وغسيل الكلى يهدد حياة المرضى، في وقت قالت فيه إن التصعيد تسبب في نزوح نحو 280 ألف شخص من المحافظة.

عربة إسعاف في تعز تعرضت لهجوم حوثي (أ.ف.ب)

ووثقت الشبكة أيضاً تحويل خمس مدارس؛ أربع حكومية وأخرى أهلية، إلى غرف عمليات ومخازن أسلحة وسجون، إلى جانب استهداف ثلاث سيارات إسعاف وثلاثة مرافق صحية ومستشفيات، ومقتل خمسة من أفراد الطواقم الطبية، وفق التقرير.

وفي جانب آخر، قالت الشبكة إن الحوثيين استقطبوا شباناً من فئة المهمشين في منطقة السامقة بمديرية المعافر، لإلحاقهم بدورات ثقافية وتدريبية تمهيداً لإرسالهم إلى جبهات القتال جنوبي المحافظة، محذرةً من تجنيد الأطفال واستغلال الفئات الأكثر هشاشة.

وطالبت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات بإعلان تعز مدينة منكوبة، ووقف القصف ورفع الحصار وفتح الطرق وضمان وصول المساعدات، فيما دعت مؤسسة تمكين المرأة اليمنية إلى حماية النساء والأطفال والطواقم الطبية، وإجراء تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.