لورانس رايت: أنا معارض وناقد منذ الصغر

مؤلف كتاب «البروج المشيدة» يتحدث لـ {الشرق الأوسط} عن السادات و«القاعدة»

رايت وخلفه صورة لابن لادن الذي كتب عنه كثيراً
رايت وخلفه صورة لابن لادن الذي كتب عنه كثيراً
TT

لورانس رايت: أنا معارض وناقد منذ الصغر

رايت وخلفه صورة لابن لادن الذي كتب عنه كثيراً
رايت وخلفه صورة لابن لادن الذي كتب عنه كثيراً

قبل لقائي الصحافي الأميركي لورانس رايت بوقت قصير اتصلت بي الشابة كريستين، إحدى المسؤولات عن مسرحيته الجديدة «كامب ديفيد» التي ستعرض قريبا في العاصمة الأميركية واشنطن. بصوت محرج سألت: «هل يمكن تأجيل اللقاء لأيام قليلة؟ لاري مضطر الآن لإعادة كتابة بعض أجزاء المسرحية».
لم يفاجئني سبب التأجيل لمعرفتي أن المؤلف الذي يحضر البروفات ويتحدث مع أبطال العمل بشكل متواصل، يعيد باستمرار كتابة النص.. رددت عليها بعد أن ابتلعت طعم الخيبة الذي يترافق عادة مع إلغاء المواعيد المهمة: «حسنا، يمكنني تأجيلها. لكن هل صحيح أنه أعاد كتابة المسرحية أكثر من 24 مرة؟!». أجابت بصوت منشرح خلا تماما من النبرة الاعتذارية التي عبرت عنها قبل ثوانٍ: «هذا رقم قديم.. لقد أعاد كتابتها أكثر من 30 مرة حتى الآن!».
رغبة الإتقان الشديدة ليست غريبة على رايت أو «لاري»، كما يناديه المقربون منه. صحافي المجلة العريقة «النيويوركر» ومؤلف الكتاب المعروف عن تنظيم القاعدة «البروج المشيدة» اعتاد العمل الشاق الذي يمتد شهورا وحتى سنوات. في واحدة من إعادات الكتابة المتواصلة هذه، التقط رايت نسخة من المسرحية وعاد بها بعد ساعة بشكل أفضل مما كانت عليه. المخرج المندهش من الجودة والسرعة وجد ردا سريعا من الكاتب: «أنا صحافي أعيش طوال الوقت على الخطوط النهائية للنشر!».
قابلت رايت بعدها بأيام خلف كواليس المسرحية.. أشاهده يقطع الممرات القصيرة.. وقع خطواته السريعة والخفيفة لا تكاد تسمع إلى أن وقف إلى جانبي.
يضع النظارة الأنيقة المتوقعة من رجل فوق الستين مصمم على الحفاظ على وسامته ولمعان عقله. يرتدي جاكيت أسود طويلا، ويرسم ابتسامة ذكية تشي بأنه يعرف مسبقا جميع الأسئلة التي سوف أطرحها عليه. وجهه المتعب يكشف بوضوح عن أنه لم ينم جيدا منذ أيام.. «أهلا، شكرا لقدومك». لاحظت أنه ينطق اسمي بالطريقة الصائبة وليس «مادوه» أو «مامادووه» كما يتلعثم غالبية الأميركيين الذين ألتقيهم وهم يتورطون بنطق هذا الاسم الغريب عليهم.
بالطبع سينطقه بطريقة سليمة. فـ«لاري» يتحدث بعض العربية ويعرف العالم العربي منذ وقت طويل.. البداية كانت بالمصادفة البحتة. كان لاري الشاب من المعارضين بشدة لحرب فيتنام منذ البداية، ولم يكن يريد أن يرتبط بها بأي شكل من الأشكال.. «أنا معارض وناقد منذ الصغر»، هكذا يصف نفسه. ولكن الحكومة الأميركية قررت أن تجند الشباب إجباريا وتبعث بهم إلى جبهات القتال هناك، ولكن المتمرد الصغير لم يرغب أن يكون جنديا مطيعا في حرب لم يكن مؤمنا بها. للممانعين مثله خيارات قليلة، أحدها هو العمل في مؤسسات أميركية خارج الولايات المتحدة ولوقت طويل نسبيا، وبمرتب قليل.
وجد هذا الخيار مناسبا.. في نيويورك قرر أن يعبر الشارع إلى مبنى الأمم المتحدة للبحث عن عمل من هذا النوع.. لم يعثر، ولكن قيل له هناك إن الكثير من المؤسسات الأميركية في الخارج قد تقبله لديها.
قدم طلبه وجاء الرد على الفور. قال له الشخص المسؤول عن استقبال الطلبات: «هل تستطيع أن تسافر الليلة إلى القاهرة لتعلم اللغة الإنجليزية لطلاب الجامعة الأميركية؟.. «الليلة؟» تفاجأ رايت بسرعة قبول الطلب وفكرة السفر السريع لعامين لمكان لم يزره ولم يعرف عنه أي شيء قبل ذلك بما فيها اللغة التي يتكلم بها أهلها. وأكمل معترضا: «لا لا أستطيع الليلة السفر». رد عليه المسؤول: «وماذا عن الغد؟!»، «الغد؟! نعم، نعم، لا بأس بالغد؟!»، هكذا وافق سريعا.
ذهب لزيارة صديقته في مدينة بوسطن التي أصبحت فيما بعد زوجته ليخبرها برحلته الطويلة ومن مطار جي إف آي كيندي في نيويورك اتصل بوالديه ليعلن لهما أنه ذاهب للقاهرة ولن يرياه إلا بعد عامين. في صباح اليوم التالي من وصوله للقاهرة ذهب إلى عمله الجديد. يقول رايت إن أول سؤال طرحه على الطلاب المسلطة نظراتهم عليه: «أي أحد في هذا الفصل يتحدث اللغة الإنجليزية؟!» ليجاوبه أحد الطلاب الصغار: «نعم، أنت!»، يضحك رايت على هذه القصة في كل مرة يرويها. لا تزال الابتسامة على وجهه.. «لقد أحببت هؤلاء الطلاب كثيرا. ساعدوني لأدخل بسهولة للثقافة المصرية». المواقف الطريفة لا تزال، حتى بعد أكثر من ثلاثين عاما، تعيد إنتاج الذكريات الجميلة في مخيلته. كانت تلك البدايات لتعلق الكاتب بمدينة القاهرة ومصر والعالم العربي والإسلامي بشكل أوسع. هذا التعلق المبكر اتخذ منعطفا آخر بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) التي أصابته بالصدمة والاضطراب ربما أكثر من أي أحد آخر. يقول: «شعرت بالصدمة العنيفة. أحسست أن الثقافة التي أحبها هاجمت الثقافة الأخرى التي أحبها وأعيش بها». ويضيف بنبرة جادة: «تنامى لدي إحساس يقول إنني أكثر من أي أحد آخر عليه أن يكتب عن أحداث سبتمبر من أجل نفسه قبل الآخرين. شعرت بأنني أقوم بمهمة. إذا لم أقم بها أنا، فمن سيقوم بها إذن؟». هذا الإحساس الغريب بالمهمة والواجب دفعه ليكتب كتابه الشهير «البروج المشيدة» الذي حقق له الكثير من الشهرة وضمن له جائزة بولتيرز. يصمت رايت للحظات فيما يبدو أنه يغوص في الماضي البعيد. يلف يده على خلف عنقه، ويضيف: «لو لم أعبر ذلك الشارع إلى الأمم المتحدة بحثا عن عمل في الخارج. كان من المستحيل أن أكتب (البروج المشيدة)».
الشاب الناقم على حكومته بلده في ذلك الوقت وقع سريعا في حب القاهرة والناس هناك. كان ذلك في عام 1969. يتذكر: «القاهرة كانت مختلفة في ذلك الوقت. أحببت أم كلثوم وحضرت لها نصف حفلة. نصف حفلة لأنني تقاسمت التذكرة مع صديقي. اتفقنا على أن أحضر في البداية وأخرج ويأتي هو مكاني. وعبد الحليم، نعم، كم أحببت عبد الحليم».
سياسيا، كانت القاهرة تغلي بشدة. حضر رايت آخر عام من حياة الرئيس جمال عبد الناصر، وشهد الصدمة الشعبية التي أعقبت رحيله. ولكن الرئيس الذي يلعب أحد أبرز شخصيات مسرحيته الجديدة هو الرئيس الراحل أنور السادات. في هذه المسرحية يركز على المحادثات السرية التي تمت خلال محادثات «كامب ديفيد». يقول: «كنت هناك عندما أصبح السادات رئيسا. كان الجميع يعتقد أنه كان رجلا ضعيفا ولن يستمر طويلا. سيبقى لوقت قصير حتى يأتي رئيس آخر قوي مكانه. ولكن السادات قلب الموازين. أثبت أنه الرئيس القوي». يقول رايت، إن مسرحيته التي تعتمد على محادثات «كامب ديفيد» للسلام التي استمرت ثلاثة عشرة يوما بين الرئيس السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن والرئيس الأميركي جيمي كارتر تهدف إلى التأكيد أن السلام ممكن حتى من قبل شخصيات مليئة بالعيوب كالشخصيات التي أنجزت الاتفاقية التاريخية.
المسرحية لا تتطرق فقط إلى المساومات والمناقشات الصاخبة التي كادت تفشل المعاهدة في اللحظات الأخيرة، ولكنها أيضا تسعى لكسر القشرة الخارجية للشخصيات الرئيسة، ومن ثم الغوص في نوازعها الداخلية العميقة.
سألته: «لنتحدث عن كتابك البروج المشيدة».. كيف اخترت هذا العنوان المعبر؟
- استمددت العنوان من الآية القرآنية «أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة»، التي جاءت في رسالة بن لادن لمحمد عطا. «البروج المشيدة» يقصد بها الهدف، وهما برجا التجارة في نيويورك. استخدمها بن لادن كشفرة ملغزة تطلب من عطا أن يمضي في خطته المرسومة. يرسم ابتسامة على شفتيه ويكمل: «كنت سأسميه (سيدرككم الموت)»، ولكن من يقرأ العنوان سيعتقد أن الكتاب يتحدث عن فك لغز إحدى الجرائم الغامضة». كتاب رايت الشهير هذا يعد بين الكتب الأبرز التي كشفت عن الوجه الحقيقي لتنظيم القاعدة.
التقى رايت مئات الشخصيات في محاولة منه ليدخل إلى عقل التنظيم المظلم. بعد أن قرأ كتابه أحد الصحافيين الكبار، علق قائلا: «كتاب رايت هذا يجعل منا مجموعة من الهواة». في هذا الكتاب خصص الكثير من الصفحات لشخصية زعيم القاعدة بن لادن. يتمتم رايت وكأنه يتحدث لنفسه: «أحيانا أتساءل لماذا فعل بن لادن ما فعله. عاش حياة رغيدة وهانئة ولم يتعرض للسجن والتعذيب كما حدث للظواهري مثلا».
يؤكد مؤلف الكتاب أن «القاعدة» خسرت الكثير بعد مقتل بن لادن. شخصيته كانت تستقطب الكثير من الشبان المتطرفين من كل مكان. بعد مقتله ضعف الرابط الآيديولوجي الذي كان يربط الجماعات المختلفة بعضها البعض.
في عام 1998 ألف رايت فيلما بعنوان «الحصار» من بطولة بروس ويليس ودينزل واشنطن. بدا كـ«نبوؤة غريبة ومزعجة ومثيرة للاشمئزاز لأحداث 11 سبتمبر»، كما يقول في إحدى المقابلات. مشاهد الفيلم شديدة الشبه بما حدث في يوم هجمات سبتمبر. التفجيرات الانتحارية، الدخان المتصاعد، الوجوه المكسوة بالسخام، الأعين الفزعة، والإحساس بنهاية العالم، كل هذه المشاهد حدثت في الفيلم قبل أن تحدث في الواقع. هذا الفيلم كان أحد الدوافع التي جعلته يتعين بأن عليه أن يكتب «البروج المشيدة» ومن ثم فيلمه الوثائقي «رحلتي إلى القاعدة» الذي يظهر فيه متنقلا بين مدن مختلفة وهو يمسك بقلمه ودفتره الصغير، وعيناه المحتارتان تبحثان عن إجابات وتفسيرات. ولكن هناك سببا شخصيا أعمق يدفعه باستمرار للمزيد من الكشف والبحث، وهو العامل الديني الذي يغريه للتقدم أكثر وأكثر. لا يتعلق ذلك بكتاباته عن العالم الإسلامي والقاعدة فقط، ولكنه كتب الكثير عن الطوائف الدينية في الولايات المتحدة مثل الآميش والمرمون، وأخيرا طائفة الساينتولوجي. في الصغر كان رايت متدينا، ولكنه فقد إيمانه في سنوات المراهقة. يحاول رايت أن يشرح هذه النزعة: «لدي رغبة قوية للكتابة عن الدين والقضايا والشخصيات الدينية. الكثير من الصحافيين في أميركا لا يرغبون الكتابة عن الدين لاعتقادهم أنه قضية شخصية ويجب ألا تمس. ولكن الإيمان الديني أقوى بكثير من الإيمان السياسي. قد تكون للشخص عقيدة سياسية، ولكنها لن تؤثر على سلوكه وميوله، ولكن الإيمان الديني سيتدخل في كل جانب من حياة الفرد المؤمن ويتحكم فيه بشكل كامل، وبالتالي سيؤثر بقوة على المجتمع بأكمله».
في العام الماضي نشر رايت كتابه الجديد «Going Clear» عن طائفة الساينتولوجي التي بدأت بالخمسينات وأسسها كاتب القصص رون هوبارد. هذه الطائفة التي اكتسبت شهرتها بسبب قدرتها على استقطاب الكثير من نجوم هوليوود مثل توم كروز وجون ترافولتا وآخرين. يقول رايت أن الكنيسة الساينتولوجية عرفت أن الأميركيين يقدسون المشاهير لذا لا يوجد هناك وسيلة أخرى لجذبهم إليها أفضل من إقناع مشاهير السينما لاعتناق عقيدتها. بدد رايت الأوهام عن سيرة مؤسس الكنيسة رون هوبارد التي تختلط فيها الأوهام بالحقائق. في الحرب العالمية الثانية خدم هوبارد في البحرية الأميركية وزعم أنه أصيب بالعرج وبعمى بصري جزئي. يكتب هوبارد في أحد مؤلفاته عن حالته بعد تلك المرحلة: «واجهت مستقبلا معدوما. هجرت العائلة والأصدقاء. الشخص المعاق وعديم الحيلة الذي كنته». يدعي هوبارد أنه تمكن من معالجه نفسه بنفسه من دون تدخل طبي. ما قام به أصبح جوهر دينه الجديد. استخدام العقل الخلاق لتبديد أوهام الضعف والخوف التي تسكن العقل الاسترجاعي. قدم هوبارد الذي يبدو في غالبة صوره التي تلقط بعناية وهو ينظر بشموخ اكتشافاته «العلمية» للمنظمة الأميركية لعلوم النفس التي رفضت نظرياته واعتبرتها مجرد خزعبلات لا تستند إلى حقائق علمية متينة. هذا الرفض غرس الكراهية في قلب هورباد تجاه كل ما يتعلق بعلم النفس: نظرياته، أساليبه العلاجية، عقاقيره وأطباؤه. كتب مرة واصفا المعالجين النفسيين بأنهم «سيعذبون ويقتلون أي شخص لو كانت لديهم القوة لفعل ذلك». هذه الكراهية أصبحت ركيزة أساسية في عقيدة الساينتولوجي التي لا تعترف بالطب النفسي وعلاجاته وتعده شرا محضا. يضع البعض علامات النفور على وجوههم عندما يتحدثون عن الساينتولوجي. يقول رايت: «لكنني أردت أن أكشف عن أسرارها وأفهم لماذا توسع نشاطها وتزايدت كنائسها وتمكنت من اجتذاب الكثيرين لها». ليقوم بذلك قام رايت بإجراء مقابلات مطولة مع المؤلف والمخرج السينمائي بول هاغيس، مخرج الفيلم الشهير «كراش» الحائز على جائزة الأوسكار. هاغيس أعلن قبل سنوات عن انشقاقه عن الكنيسة بعد أن قضى عقودا طويلة في خدمتها أوصلته إلى المراتب العليا في تسلسلها الهرمي.
يقول رايت إنه اختار هاغيس لسبب محدد.. «إنه شخص خلاق جدا. أذكى مني وأكثر مهارة وإبداعا. لماذا إذن انضم لطائفة الساينتولوجي؟ هذا يعني أن أكثر الناس ذكاء قد ينجذبون لها. وهذا ما أردت أن أنبه القارئ له. هاغيس تمرد على الكنيسة بسبب الأسرار الغريبة التي بدأت تتسرب للعلن من بين أسوار القلعة المصمتة. من أكثر هذه الأسرار إثارة للامتعاض هي، كما كشف عنها رايت في كتابه، تعرض عدد كبير من أعضاء الكنيسة للضرب والتعنيف النفسي من قبل قائد الكنسية الحالي ديفيد ميسكافج الذي خلف هوبارد بعد رحيله في عام 1986. رفعت الكنيسة الكثير من القضايا على رايت ولكنها لم تربح أي واحد منها. يحاولون إنهاكك عاطفيا».
في مقابلات رايت مع هاغيس يكشف عن الأسباب الخفية التي جعلته ينضم لطائفة الساينتولوجي.
من خلال شخصية هاغيس استطاع رايت أن يدخل القارئ في رحلة طويلة إلى العوالم الغريبة والسرية للكنيسة. هذا هو أسلوبه الذي يفرقه عن غيره. دائم البحث عن شخصيات مثيرة يسافر معها في رحلة طويلة ينقل فيها القارئ إلى أعماق تحقيقاته وقصصه الصحافية.
يوصف رايت بأنه يعتمد على أنفه في البحث عن القصص الصحافية الفريدة.. الجري وراء الروائح المشهية يقذف الصحافي وحيدا في العراء معتمدا على نفسه فقط في المضي في طريق طويل ومضنٍ قد ينتهي إلى لا شيء. في كتابه «البروج المشيدة» التقى أكثر من 600 شخص ليضع يده على جوهر المشكلة (في كتابه عن الساينتولوجي التقى أكثر من 200 شخص). وعلى الرغم من تواضعه فإنه غير قادر على إخفاء بريق الفخر والرضا عن النفس المنعكس على عينيه المرهقتين. يقول لي: «أعاني من ذاكرة سيئة، لذا أجمع أكبر قدر ممكن المعلومات وأدونها في دفتر ملاحظات وأقوم بتصنيفها. أنا مثل الرسام الذي يريد أن يجمع أكبر قدر من الألوان حتى يرسم لوحته بأفضل صورة ممكنة».
كيف يمكن للصحافي أن يحافظ على حياده في التحقيق الصحافي حتى لو كان يتحاور مع شخصيات ارتكبت جرائم مروعة ضد آلاف الأبرياء كما فعل تنظيم القاعدة. في فيلمه الوثائقي «رحلتي إلى القاعدة» يعبر رايت عن هذه المعضلة على طريقته المفضلة وهي «رسم المشاهد التي تعلق في ذاكرة القارئ» كما يقول. كان يلتقي مجموعة من المتشددين المتعاطفين مع تنظيم القاعدة في ببرمنغهام. قبلها بأيام قبضت «القاعدة» في العراق على مواطنة أميركية مارغريت أتت لمساعدة الجرحى وهددت بقتلها. توسلت مرارا في التلفزيونات طلبا للمساعدة. اتفق المتعاطفون على أنه يجب قتلها.. «كانت جاسوسة» صاح أحدهم. هز البقية رؤوسهم بالموافقة من دون أي إحساس بوخز الضمير. شعر رايت بخطورة هذه الرؤوس المتيقنة التي تكتفي فقط بهز رؤوسها من دون أن تفكر بنفسها. ولكن في الحقيقة لم يقل كلمة واحدة لسبب واحد: كان صحافيا يبحث فقط عن المعلومة في أكثر الأماكن خطورة.
تعلق رايت بالقراءة والكتابة بدأ منذ الصغر. أمه التي كانت تدفن وجهها دائما بين دفتي كتاب كانت هي محرضه الأساسي.. «كانت هي السبب الذي جعلني أحب الكتابة. ربما كانت هذه الطريقة الوحيدة لجذب انتباهها». ينشرح وجهه: «كانت تأخذني معها للمكتبات كل الوقت. كنت تحب مجلة (النيويوركر) كثيرا. كما كنت سعيدا لأنها كانت على قيد الحياة عندما أصبحت كاتبا في المجلة».
تطرق كريستين على الباب معلنة عن نهاية الوقت. قلت في نفسي: الآن حان وقت دفع مكافأة موافقتي على تأجيل الحوار. أتت المكافأة سريعة. رد رايت: «امنحينا بعض الوقت. بادرته بالسؤال الأخير الذي قلته له بطريقة بدا جليا أنها آلية ومخطط لها. أنت محب للموسيقى وعضو في إحدى الفرق الموسيقية. هل هذا النشاط بمثابة علاج لك من الكتابة عن (القاعدة) والشرق الأوسط المضطرب دائما؟»، «لا لا، الحقيقة أنا أبحث هذه الأيام عن أورغ موسيقي عربي. أريد أن أتعلم عزف الموسيقى العربية»، قال ذلك وهو يرسم في الهواء شكل هذه الآلة الموسيقية التي يريد العزف عليها.



الإذاعة... حكاية صمود في مواجهة ثورة الاستماع الرقمي

جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)
جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)
TT

الإذاعة... حكاية صمود في مواجهة ثورة الاستماع الرقمي

جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)
جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)

ثمة ظاهرة لافتة في تاريخ وسائل الإعلام، فمنذ أن أطلّ التلفزيون برأسه منتصف القرن الماضي، راح الناس يتنبّأون بنهاية الإذاعة. ثم جاء «الإنترنت» فجدّدوا النبوءة. واليوم، مع انتشار «البودكاست» وهيمنة منصات البثّ الرقمي، تعود الأسئلة ذاتها بصياغات جديدة: هل بلغ هذا «الوسيط» المولود في مطلع القرن العشرين نهايته الطبيعية؟ أم أن ما نشهده ليس سوى تحوّل جذري في شكل وسيط أثبت، على مدى عقود، قدرةً استثنائية على البقاء والتكيّف؟

«البودكاست» منافس يغيّر قواعد اللعبة

في الواقع، لا تستقيم قراءة المشهد الإعلامي الراهن من دون الاعتراف بأن «البودكاست» غيّر شيئاً جوهرياً في طبيعة العلاقة بين المستمع والمحتوى الصوتي.

الإذاعة التقليدية تفرض على مستمعها إيقاعها الخاص: توقيتاً محدداً، وترتيباً لا يملك تغييره، وبرنامجاً لم يشارك في اختياره. أما «البودكاست» فيقلب هذه المعادلة رأساً على عقب؛ إذ لا يمنح المستمع محتوىً جديداً فحسب، بل يمنحه أيضاً سلطةً لم يعرفها من قبل، هي سلطة أن يقرّر ماذا يسمع، ومتى يسمع، وأين يتوقّف وأين يستأنف.

إنه تحوّل في طبيعة العلاقة ذاتها بين الصوت ومن يستقبله. ولقد كشفت الأرقام عن حجم هذا التحوّل بوضوح. إذ بلغت نسبة الفرنسيين الذين يستمعون إلى «البودكاست» 42 في المائة في عام 2024، مقارنةً بـ22 في المائة فحسب في عام 2019؛ وهو ما يعني أن جيلاً كاملاً أعاد تشكيل علاقته بالصوت خارج الأثير التقليدي. وفي هذا الاتجاه، تُفسّر بيانات مؤسسة «ميديامتري» الفرنسية هذا الانزياح بجلاء: إذ تراجعت نسبة الاستماع التراكمية للإذاعة إلى 67 في المائة في خريف عام 2024، مقارنةً بما يزيد على 70 في المائة قبل عقد من الزمن.

في كندا أيضاً، يكشف المشهد الكندي عن الصورة ذاتها؛ إذ يُخصّص المستمع الكندي اليوم ما معدّله 11 ساعة أسبوعياً للإذاعة التقليدية، مقابل معدل 17 قبل عشر سنوات. ويُعزى هذا التراجع جزئياً، وفق المصادر والمتابعين، إلى انتشار ظاهرة «العمل عن بُعد» الأمر الذي قلّص ساعات التنقّل بالسيارة، ذلك المكان الذي ظلّ تاريخياً «الحاضنة» الأكبر للاستماع الإذاعي.

الإذاعة لم تمُت ... لكنها تتحوّل

في الواقع، إن فحص الأرقام الإجمالية بعيداً عن ضجيج التوقعات يكشف عن صورة أقلّ دراميةً مما تُصوّره مراثي «الرقمنة». وبمناسبة «اليوم العالمي للإذاعة»، أصدر «التحالف العالمي للإذاعات» بيانات تؤكد أن هذا «الوسيط» الإعلامي لا يزال يصل إلى ما يقارب الـ90 في المائة من السكان في الأسواق الكبرى، محتلاً بذا المرتبة الأولى بين وسائل الإعلام الصوتية من حيث الثقة الجماهيرية.

وعلى الصعيد الفرنسي، لا يزال ما بين 37 و38 مليون مستمع يومي يعتمدون على الإذاعة بأشكالها المختلفة، في حين تُبيّن بيانات هيئة «أركوم» الحكومية لعام 2025 أن أكثر من نصف الفرنسيين ممن تجاوزوا الخامسة والثلاثين لا يزالون أوفياء للإذاعة المباشرة بصفة يومية. أما دولياً، فقد سجّلت مجموعات البثّ الإذاعي الكبرى في بريطانيا أرقاماً قياسية بنهاية عام 2024، فلقد تجاوز خلالها معدل المستمعين الأسبوعيين 29 مليون مستمع في المرة السادسة على التوالي.

من جانب آخر، رصدت مؤسسة «إس بي إم» الفرنسية للدراسات الرقمية أكثر من ثلاثة مليارات استماع للإذاعات الرقمية عام 2025، وهذا رقم لا يعكس حالة انهيار بل حالة انتقال؛ ذلك أن الناس لم يُقلعوا عن متابعة الإذاعة، بل باتوا يستمعون إليها عبر «الهاتف الذكي» والسماعة اللاسلكية والمكبّر المنزلي.

وفي السياق عينه، لعلّ نموذج إذاعة «نوفا» الفرنسية يُلخّص هذا التحوّل أبلغ تلخيص. فهذه المحطة التي ظلّت طويلاً إذاعةً تتابعها «أقلية» ثقافية، ضاعفت نسبة جمهورها أربع مرات في غضون سنتين فقط، لتبلغ مطلع عام 2026 مليوناً و595 ألف مستمع يومي.

والسرّ هنا لا يكمن في الإنفاق الإعلاني، بل في أشياء أبسط وأعمق هي: الهوية التحريرية الواضحة، والصوت المميّز، والوفاء لجمهور يشعر أن المحطة تخاطبه تحديداً لا سواه.

ما لا يستطيع «البودكاست» تعويضه

وبالفعل، تمتلك الإذاعة وظائف هيكلية تعجز المنصّات الرقمية عن تقليدها بالكامل:

أولاها المباشرة الآنية؛ فحين تندلع أزمة أو تقع أي فاجعة، تبقى الإذاعة الوسيلة الأسرع والأكثر مصداقيةً في إيصال الخبر دون تأخير الإنتاج أو تصفية الخوارزميات.

وثانيتها اللحظة الجمعية؛ إذ تصنع الإذاعة وقتاً مشتركاً بين ملايين المستمعين في اللحظة ذاتها، وهي تجربة نادرة في بيئة رقمية تميل بطبيعتها إلى التفتيت والتخصيص المتطرّف.

وثالثتها الثقة؛ إذ تحتلّ الإذاعة المرتبة الأولى في ثقة المواطنين الأوروبيين بفارق معدله 18 نقطة مئوية عن أقرب منافسيها؛ إذ يثق بها قرابة 56 في المائة من الأوروبيين، وهذه نسبة لا تبلغها أي منصة رقمية.

في هذا السياق، يرى إيف ديل فرات، الرئيس التنفيذي لمعهد «سي إس آ» الفرنسي، أن «الصوت الذي ينبعث من المحطة يمتلك قدرةً فريدة على التوحيد في حين تتآكل وسائل الإعلام التقليدية، وتُفتّت المنصّات الرقمية انتباه الجماهير في تسلسلات فردية... فالإذاعة وسيط مرافقة بامتياز، يُتيح للمستمع أن يكون في مكانين دفعة واحدة».

أفق المستقبل

على صعيد موازٍ، تكشف الدراسات المتخصصة لعام 2025 عن أن الإذاعات و«البودكاست» والبثّ الرقمي لا يخوضون حرباً، بل يسيرون في مسارات متقاطعة تُفضي إلى ما بات يُعرف بـ«العلامة الصوتية». ومعها لم تعد المحطة مجرد جهاز بثّ، بل أصبحت كياناً صوتياً متكاملاً يبثّ مباشرةً وينتج «بودكاست» ويُنشئ أرشيفاً يُعاد استهلاكه.

ذلك أن الإذاعات الرقمية تُسجّل مليارات الاستماعات سنوياً، و«البودكاست» يُسجّل مئات الملايين من التنزيلات، والاثنان ينموان معاً من دون أن ينفي أحدهما الآخر.

بل إن الإذاعة التي ستبقى هي تلك التي تفهم أن قيمتها ليست في التقنية التي تبثّ بها، بل في الصوت البشري الحيّ الذي تُقدّمه، وفي الثقة التي بنيت وتراكمت عبر أجيال. وهكذا، يمكن القول إنه ليس من الخطأ الإقرار بأن الإذاعة لم تمُت، بل هي تتعلّم، ببطء وحذر، كيف تكون وسيطاً لعصر لم تولد فيه.

90 % من سكان الأرض لا يزالون يستمعون إلى الإذاعات


هل يغيِّر نمط استهلاك الأخبار طريقة عمل الإعلام؟

جانب من حفل إطلاق تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 (موقع معهد رويترز لدراسات الصحافة)
جانب من حفل إطلاق تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 (موقع معهد رويترز لدراسات الصحافة)
TT

هل يغيِّر نمط استهلاك الأخبار طريقة عمل الإعلام؟

جانب من حفل إطلاق تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 (موقع معهد رويترز لدراسات الصحافة)
جانب من حفل إطلاق تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 (موقع معهد رويترز لدراسات الصحافة)

أثار تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 تساؤلات بشأن إمكانية تغيير طريقة عمل المؤسسات الإعلامية استجابةً لتغير نمط استهلاك الجمهور للأخبار. وفي حين رأى خبراء أن «الفترة المقبلة ستشهد نمواً في الاعتماد على الفيديو في تقديم الأخبار»، فإنهم شددوا على أن «ذلك لا يعني التخلي عن الإعلام المكتوب».

حسب التقرير الذي أصدره «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، الأسبوع الماضي، فإنه «للمرة الأولى على مدار 15 سنة من إعداد التقرير، يظهر اعتماد غالبية الجمهور على مشاهدة مقاطع الفيديو الإخبارية عبر الإنترنت في جميع الدول التي رصدها التقرير وعددها 48 دولة».

وأوضح أن «77 في المائة من الجمهور عالمياً يستهلكون الفيديوهات الإخبارية على الإنترنت أسبوعياً، ليتجاوز عدد من يشاهدون نشرات الأخبار التلفزيونية في نحو 45 دولة»، في حين تظل «ألمانيا والدنمارك وهولندا هي الدول الثلاث الوحيدة التي تتقدم فيها الأخبار التلفزيونية أو تتساوى مع مقاطع الفيديو على الإنترنت».

محمود غزيل، الصحافي اللبناني، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، صرح لـ«الشرق الأوسط» بأن «تبنّي إنتاج الفيديوهات أثَّر بشكل عميق ومتسارع في طريقة عمل الإعلام»، مشيراً في هذا الصدد إلى «صعود المنصات الإخبارية الجديدة في العالم العربي، حيث باتت الفيديوهات تشكِّل العصب الأساس للعمل الإعلامي، بينما النصوص المكتوبة لا يعوَّل على انتشارها بشكل واسع بين المستخدمين على منصات التواصل».

وأردف غزيل أن «نسبة الـ77 في المائة في تقرير معهد رويترز ليست مجرد إحصائية عابرة، بل دلالة على استهلاك الفيديوهات والمقاطع المصورة، تبين أن التحقيقات المطولة المكتوبة لم تعد تحظى بنفس التأثير على المستخدمين»، قبل ان يضيف: «ولمن ما زالت التحقيقات مهمة، إلا أن تأثيرها أقل بكثير من الفيديوهات».

غزيل تابع أيضاً أن «التأثير الأكبر لمثل هذا التغير في نمط الاستهلاك سيكون في عملية اكتشاف المواد وتوزيعها، بحيث أن الدخول إلى المواقع الإلكترونية المباشرة للمؤسسات لن يكون بنفس أهمية طريقة عرض وتقديم الفيديوهات على منصات التواصل، سواء كان ذلك عبر (تيك توك) أو الريلز أو (يوتيوب)». وفي رأيه «يتوجب على المؤسسات الإعلامية أن تتأقلم مع متطلبات المنصات والتحديثات المستمرة في خوارزمية الانتشار، مما يعني التركيز على إنتاج المحتوى الأصلي حسب كل منصة، وليس مجرد إعادة نشر نفس المادة المصورة لكل المنصات... وأن هذا يعني على سبيل المثال، التركيز على المادة الجاذبة والترجمة والنص على الشاشة للفيديوهات القصيرة، في حين يتم التركيز على المحتوى الطويل والمسهب بالشرح لمنصة (يوتيوب)».

وأكد الخبير اللبناني أنه «ينبغي على وسائل الإعلام الحديثة أن تتقرب من المقابلات الشخصية الأكثر دفئاً والتركيز على محتوى وراء الكواليس أو محتوى البث المباشر».

في المقابل، قال غزيل إن تغير نمط الاستهلاك «لا يعني بالضرورة التخلي عن الطرق التقليدية في معالجة المحتوى؛ بل تطويرها وتأقلمها وتكاملها مع المتطلبات الحديثة... وبالتالي، فالنصوص والمواد المكتوبة تبقى أساسية، للعمق أو التوثيق وأرشفة المواد أو التحقيقات المعقدة؛ ولكنها لن تكون الطريقة الرئيسية للوصول إلى القراء والمتابعين». ولفت في هذا الصدد إلى «تجارب لمؤسسات عربية تكتب تقارير طويلة غنية بالمعلومات، ولكن تدعمها بفيديوهات قصيرة ممتعة تُنشر على المنصات». واختتم كلامه بتأكيد أنه «حال أصرت الوسيلة على الطريقة التقليدية فقط، من نص طويل أو تقرير إخباري مثل التلفزيون، ستواجه الوسيلة الإعلامية تآكلاً مستمراً في شريحة الجمهور المستهدف، أما من يستثمر في فيديو مع الحفاظ على الجودة الصحافية، فسيجد فرصاً جديدة للوصول والتأثير، خصوصاً بين الشباب».

من جهة ثانية، أشار تقرير «معهد رويترز» إلى أن «المؤسسات الإخبارية التقليدية تشهد تراجعاً في مشاهدة الفيديو على مواقعها وتطبيقاتها». وفي رأي الصحافي المصري معتز نادي، المتخصص في الإعلام الرقمي، فإن «تصاعد استهلاك الأخبار عبر الفيديو سيؤثر في طريقة عمل الإعلام تأثيراً عميقاً، لأن الفيديو أصبح بوابة رئيسة يصل منها الجمهور إلى الخبر، خصوصاً عبر المنصات الاجتماعية التي أصبحت المصدر الأكثر استخداماً للأخبار عالمياً بنسبة 54 في المائة».

وقال نادي لـ«الشرق الأوسط» إن «غرف الأخبار ستتوجه بكل جدية إلى التفكير بالصورة والصوت والإيقاع منذ بداية التغطية التي تقدمها لمتابعيها... وأن نشر خبر مكتوب فقط لم يعد كافياً، فالفيديو سيصبح هو بطل الحكاية لغرف الأخبار، والتحدي في طريقة تقديمه لجمهور المتابعين بشكل واضح وسريع يناسب إيقاع الخوارزميات وعالم الريلز».

أيضاً ذكر نادي أن الفترة المقبلة «ستشهد زيادة في أهمية الفيديو التفسيري القصير، والمراسل القادر على الشرح أمام الكاميرا، والبث المباشر، والرسوم البصرية التي تبسّط الملفات المعقدة، وأن ثمة تجارب لمنصات حديثة تدخل المشهد حالياً يُترك تقييمها للزمن والجمهور لقياس مدى نجاحها».

في الوقت نفسه أكد الصحافي المصري أن تغير نمط الاستهلاك «لا يعني التخلي عن الأشكال التقليدية». وأضاف: «المقال والتحقيق والتقرير التلفزيوني الطويل وغيرها ستظل ضرورية لتقديم السياق، والكشف عن التفاصيل، وتوثيق المعلومات... وبينما سيصبح الفيديو مدخل القصة، تبقى المادة الأصلية مرجعاً للفهم الأعمق، فالتوثيق المكتوب لا غنى عنه وسط فوران المحتوى الرقمي في (زحام) المنصات بما لها أو عليها». واختتم مشدداً على ضرورة «ألا تعمد المؤسسة الإعلامية إلى مطاردة الفيديو من أجل المشاهدات فقط، دون اهتمام بجودة المحتوى... إذ لا بد من تقديم محتوى مهني دون التذرع بحجة الجمهور ونوعياته الجديدة من (زد) و(ألفا). فالنجاح المهني هو تقديم فيديو سريع وجذاب، من دون اختزال الوقائع أو خلط الخبر بالرأي أو التضحية بالدقة من أجل الانتشار ودغدغة مشاعر المتابعين».


مالك مكتبي: سأكمل مشواري تحت شعار «عش أفضل وفكّر أكبر»

شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
TT

مالك مكتبي: سأكمل مشواري تحت شعار «عش أفضل وفكّر أكبر»

شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)

منذ بداياته، اختار الإعلامي اللبناني مالك مكتبي خطاً مهنياً مختلفاً، فغاص في القضايا الاجتماعية والإنسانية حتى العمق. وحاور الكبار، والصغار، وكشف من خلال لقاءاته قصصاً تختلط فيها الأفراح بالآلام.

مالك اشتهر ببرنامجه التلفزيوني «أحمر بالخط العريض» على شاشة «المؤسسة اللبنانية للإرسال» (LBCI)، حيث خاض رحلات إنسانية بحثاً عن الحقيقة. وسعى إلى سبر أغوار ضيوفه، وفهم خبايا تجاربهم، كما لعب في محطات كثيرة دوراً في لمّ شمل عائلات فرّقتها الظروف، مقدّماً نموذجاً للإعلام الهادف والرصين الذي يضع الإنسان في مقدمة اهتماماته.

منذ سنوات عدة، وجد مالك مكتبي نفسه، كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، عند مفترق طرق. فالإعلام المرئي بات يواجه تحدّيات كبيرة في ظل انتشار واسع لوسائل التواصل الاجتماعي، وشعر بأن عليه مواكبة عصر مختلف تماماً عن ذلك الذي عرفه قبل عقدين.

من هنا انطلق في رحلة جديدة عبر منصّته الرقمية، فأطلق بودكاست «إحكي مالك»، والذي تحوّل إلى سلسلة حوارات يستضيف فيها شخصيّات عربية تروي قصص نجاحها، وتجاربها الحياتية. ثم تفرّعت منه عناوين أخرى، من بينها «احكي قصتي»، لتوسّع دائرة المحتوى الذي يقدّمه.

وأخيراً حقق نجاحاً لافتاً انعكس في عدد متابعيه الذين تجاوزوا 25 مليون شخصٍ عبر حساباته الإلكترونية المختلفة. فمنذ مطلع عام 2026 يقدّم سلسلة «إحكي طب» التي يستضيف فيها نخبة من الأطباء اللبنانيين، والعرب، متناولاً أحدث المقاربات الطبية، وأساليب العلاج، والوقاية. ومن خلال منشوراته على «إنستغرام» و«فيسبوك» -وغيرهما من المنصات- يبدو واضحاً مدى تأثره بالمحتوى الذي يقدّمه في هذه الحلقات. حتى إن متابعيه أطلقوا عليه لقب «دكتور مالك»، نظراً إلى إلمامه الواسع بالمواضيع الصحية، وقدرته على تبسيطها، ونقلها إلى الجمهور بأسلوب سلس، ومفهوم.

البودكاست ظاهرة إيجابية

يعدّ مالك مكتبي البودكاست ظاهرة إيجابية «لأنه يوفّر للجيل الشاب مساحة للانشغال بمحتوى مفيد، بدلاً من الانغماس في أمور قد تقوده إلى مسارات غير بناءة».

ويضيف في لقاء مع «الشرق الأوسط» قائلاً: «بعد سنوات طويلة من العمل وجدت نفسي أقف عند مفترق طرق. كنت أبحث عمّا أستكمل به مسيرتي بالشكل الذي يليق بها، فرأيت في البودكاست فرصة تعيد نبض الشغف المهني إلى حياتي. أنا اعتبرته وسيلة فعالة لإيصال محتوى مفيد إلى الناس. وكان لا بد من إيجاد فكرة بسيطة وعملية يستوعبها الجمهور بسهولة، لأن التحدّي الأكبر بالنسبة إليّ يكمن في قدرة المستمع أو المشاهد على استيعاب ما أقدّمه له».

يشير مالك مكتبي إلى أن فكرة التوجّه نحو المحتوى الطبي والعلمي راودته منذ سنوات. ويشرح: «كنت أتابع برامج تتناول هذه المواضيع، لكنها لم تقنعني يوماً، لأنها لم تترك أثراً حقيقياً لديّ، وغالباً ما كان محتواها سطحياً. لذا ترددت في خوض هذا المجال. لكنني بعد اطلاعي على عدد كبير من الدراسات العلمية اكتشفت أن الكثير من المعلومات المهمة لا تصل إلى الجمهور العربي. وعندها سألت نفسي: لماذا لا تصل إلينا نتائج الأبحاث الصادرة عن جامعات عالمية مرموقة، مثل هارفارد وغيرها؟ عندها أدخلت خبرتي الإعلامية على الخط، وقرّرت أن أتحمّل مسؤولية نقل هذه المعرفة، وأكون بمثابة جسر تواصل بين هذه الدراسات وعالمنا العربي».

يتابع مكتبي اليوم نحو 25 مليون شخص عبر منصاته الرقمية (مالك مكتبي)

قصص الحياة هي هدفي

وعندما سألت «الشرق الأوسط» مكتبي عما إذا كان الإعلام هو الذي قاده إلى هذا المكان أم أنه يسعى إلى أخذ الإعلام نحو وجهة جديدة؟»، أجاب: «طوال سنوات عملي كان هدفي الاستماع إلى قصص الناس، والمساهمة في إلهامهم، وإضاءة جوانب من حياتهم، ثم أنقل هذه القصص بأسلوبي الإعلامي لتترك أثراً في الآخرين. ففي النهاية نحن في الوطن العربي نتشابه أكثر مما نختلف. ولا يوجد ما هو أثمن من الصحة وجودة الحياة كهدف نسعى إليه جميعاً. من هنا جاء المحتوى الطبي ليجمع الناس تحت سقف واحد».

النجاح الإعلامي لا يأتي من الفراغ

افتتح مالك مكتبي حلقات «إحكي طب» مع الدكتور حسين درويش، الطبيب المتخصص بجراحة الأعصاب، وتطرّق في الحوار إلى مواضيع دقيقة تتعلق بصحة الدماغ. وهنا يعلّق مكتبي شارحاً: «بالفعل هذه الحلقة الافتتاحية حققت نجاحاً لافتاً، ما منحني دافعاً قوياً للاستمرار في مشروعي. لكن النجاح لا يأتي من فراغ، بل يتطلّب جهداً كبيراً، وعمل فريق متكامل. فإعداد حلقة واحدة يستغرق مني نحو ست ساعات. وأيضاً يدرك الأطباء اليوم أن الكثير مما كانوا يحاولون إيصاله لم يكن يصل بالشكل الصحيح، بسبب غياب الإعداد المناسب لطرح هذه المواضيع».

ويتابع أنه بعد حلقة الدكتور درويش توالت الحلقات مع أطباء متخصّصين في مجالات متعددة، بينهم أطباء قلب، وسموم إكلينيكية، وطب الأسرة، وخبراء في الطب التكاملي، والوظيفي. وحسب قوله: «تمكّن البرنامج من كسر العديد من المحرّمات الطبية، وكشف ما وصفه باللغة السرّية لأجسادنا، بما يساهم في تقليل المعاناة مع الأمراض، والحدّ من مخاطرها. كما تناول مواضيع مثل القلق، وإمكانية النوم خلال دقائق معدودة، ليحقق ما نسمّيه (ضربة المعلم) في تبسيط العلوم الطبية، وتقديمها بأسلوب جذاب، وسهل».

المثابرة مفتاح النجاح

من ناحية ثانية يذكر مكتبي أنه انسحب تدريجياً من الشاشة التقليدية، بحثاً عن محتوىً عربي يصل إلى جمهور أوسع في المنطقة، وبعيداً عن القيود المحلية. ويستطرد: «كنت أريد أن يصل صوتي إلى الجميع من دون استثناء»، قبل أن يعترف بأنه مرّ بفترات من الإحباط، والانكسار، وصلت حدّ فقدان الأمل.

ومن ثم يقول: «طرحت على نفسي علامات استفهام كثيرة، لكن الشغف لم يتوقّف. مهنتي علمتني رفض الاستسلام، فانطلقت في حوارات خارج لبنان، وبالأخص في المملكة العربية السعودية، ودول الخليج. صحيح أنني اقتربت من الاستسلام، لكنني انتفضت عليه بفضل الشغف، لأن المثابرة هي مفتاح النجاح».

هذا، وخلال حواراته مع الأطباء اكتشف مكتبي تفاصيل حياتية صغيرة قد تضرّ بالإنسان، أو تحسّن صحته بشكل كبير. إذ ينبّه: «هناك خمس مناطق تعرف بـ(الزرقاء) في العالم يتمتع سكانها بنمط حياة صحي مميّز. وبعد البحث في أسباب ذلك تبيّن أن الرابط الأساسي بينهم هو علاقتهم الوثيقة مع الطبيعة. لهذا أفكر جدّياً بالانتقال إلى إحدى هذه المناطق لأخوض تجربة العيش فيها. وربما تكون جزيرة إيكاريا في اليونان الأقرب جغرافياً إليّ، حيث يُلاحظ ارتفاع نسبة المعمّرين هناك».

نمط الحياة الصحي هذا يُعزى إلى النظام الغذائي المتوسطي الغني بالخضار، والأعشاب البرّية، والأسماك الطازجة، وزيت الزيتون، إضافة إلى النشاط البدني المستمر، والهدوء النفسي. ومن ثم يؤكد مكتبي على أهمية الرياضة، مشيراً إلى أن بناء العضلات لا يقل أهمية عن صحة أي عضو آخر في الجسم. ويلفت إلى أن الوحدة قد توازي ضرر تدخين 15 سيجارة، وحتى الجينات تتأثر بنمط الحياة، والغذاء. ولذا يشدّد على أهمية التنفس السليم في التخلص من التوتر، وضرورة الابتعاد عن السكر، لما له من تأثير سلبي على جودة الحياة، والصحة.

وعمّا إذا كان برنامجه «إحكي طب» ينبع من خوفه من التقدم في العمر، جاء رده: «لا أخاف التقدم في السن، لكن أمراض الشيخوخة تثير قلقي. لذلك أبحث عن نمط حياة يحميني من أمراض مثل ألزهايمر. لست مثالياً في أسلوب حياتي، لكنني أحاول تغيير الكثير من العادات، خصوصاً السلبية منها».

عش أفضل وفكّر أكبر

وبالفعل يتّخذ مكتبي شعاراً ثابتاً في حياته ينطلق منه في مشاريعه الإعلامية، والإنسانية: «عش أفضل وفكّر أكبر». ويضيف: «سأواصل طريقي بهذا الشعار حتى إشعار آخر، لأن ما أحارب من أجله يستحق هذا النوع من التفكير. أخطط لمشاريع إنسانية جديدة ترتكز على قصص حياة غير مألوفة، وأعتقد أن القصة المقبلة ستكون من أجمل ما التقيته في مسيرتي».

مكتبي: البودكاست ظاهرة إيجابية لأنه يوفّر للجيل الشاب مساحة للانشغال بمحتوى مفيد