الإعلام الروسي لايرى كارثة إنسانية في حلب

الإعلام الروسي لايرى كارثة إنسانية في حلب

تغطيته انحازت إلى الرأي العام الرسمي
الاثنين - 20 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 19 ديسمبر 2016 مـ

لا يتوقف الإعلام الروسي عن توجيه اتهامات لوسائل الإعلام الغربية والعالمية المؤيدة لقضية الشعب السوري العادلة، وكلما ركز ذلك الإعلام على الجرائم التي يرتكبها النظام وداعموه وحلفاؤه في سوريا، وبصورة خاصة في شرق حلب في الآونة الأخيرة، يسارع الإعلام الروسي والمتحدثون الإعلاميون من الوزارات الرسمية إلى وصف تلك الأنباء بأنها فبركات وكذب. وفي ظل إحكام السلطات قبضتها على وسائل الإعلام في روسيا، فإن الموقف الرسمي وتصريحات كبار المسؤولين الروس تكون مهيمنة على التغطيات الإعلامية لتطورات الوضع في سوريا، ومن حولها، سياسيًا وعسكريًا، بينما تغيب بصورة شبه مطلقة أي وجهات نظر مغايرة، أو تغطيات لا تتماشى مع الموقف الرسمي. وتغطية الوضع في شرق حلب لم يكن حالة استثنائية ضمن هذا المشهد الإعلامي.
وبينما كان المجتمع الدولي من الكارثة الإنسانية التي تعيشها الأحياء الشرقية في مدينة حلب، ومع تزايد مستوى وحدة الانتقادات الدولية لروسيا والنظام جراء ممارساتهم التي تسببت بتلك الكارثة، رأت وكالة الأنباء الروسية الرسمية الحكومية «روسيا سيغودنيا» أنه لا يوجد أي ضحايا بين المدنيين في شرق حلب، وأن الحديث عن جثث على الطرقات والشوارع في ذلك الجزء من المدينة عار عن الصحة. ونقلت الوكالة عن العقيد سيرغي رودسكوي مدير دائرة العمليات في قيادة الأركان الروسية، قوله إن «الغرب يعد لحملة إعلامية جديدة، ويتحدث مسؤولون غربيون حول مزاعم بسقوط ضحايا بين المدنيين أثناء تحرير شرق حلب»، حسب قوله، زاعمًا أن ذلك الكلام «كذب فاضح»، وليؤكد صحة كلامه يقول إن «ضباطًا من المركز الروسي في حميميم وموظفين من الصليب الأحمر دخلوا مع القوات الحكومية إلى الأحياء المحررة من شرق المدينة، ولم يكن هناك أي جثث».
إلا أن تصريحات كريستا أرمسترونغ المتحدثة باسم الصليب الأحمر الدولي تكشف عن جزء من الحقيقة، وهي حقيقة تناقض ما يحاول المسؤولون الروس تقديمه على أنه «الحقيقة».
وكانت أرمسترونغ قد قالت مع بداية عملية إجلاء المدنيين من حلب إن الصليب الأحمر عثر في أول عملية إجلاء على 11 جثة يتوقع أنها لمرضى لقوا حتفهم لعدم توفر العلاج، أو أنهم قتلوا خلال المواجهات المسلحة. وإذ يحاول الصليب الأحمر عدم إطلاق تصريحات تؤثر على عمله الإنساني، أكد نشطاء من مناطق شرق حلب وجود عشرات الجثث في الشوارع، غالبيتهم سقطوا نتيجة القصف الكثيف.
من جهتها، نقلت القناة التلفزيونية الروسية «الأولى» حديثًا لأيغور كوناشينكوف، المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع الروسية، نفى فيه وجود 250 ألف مدني في حلب، زاعمًا أنه لا يوجد في الأحياء الشرقية سوى المسلحين الذين يحتجزون المدنيين رهائن ودروعًا بشرية، فضلاً عن منظمات مثل «الخوذة البيضاء»، حسب قوله. وتتابع «روسيا سيغودنيا» نقل تصريحات كوناشينكوف، التي زعم فيها أن المجموعات المسلحة تحتجز أكثر من 100 ألف مدني دروعًا بشرية، مؤكدًا أن «المدنيين خرجوا في أول فرصة باتجاه المناطق الخاضعة لسيطرة القوات الحكومية وحصلوا على المساعدة والغذاء».
وكانت قنوات التلفزة الروسية قد ركزت في مجاراة للموقف الرسمي على «العائدين إلى حضن الوطن» وكيف يقدم لهم نظام الأسد «كل الدعم اللازم». في هذا السياق، عرضت قناة «روسيا 24» أكثر من تقرير من حلب، يتحدث فيها (التقارير) مدنيون خرجوا من الأحياء الشرقية، ويروون حكايات عبر عدسات الكاميرات الروسية وهم وسط قوات النظام. وتتجاهل تلك التقارير حقيقة أن هؤلاء المدنيين كانوا أمام خيارين أحلاهما مر؛ إما البقاء والموت نتيجة القصف العنيف والهجمة الشرسة من جانب النظام والمجموعات الطائفية الإيرانية الحاقدة، أو الخروج «والارتماء بحضن النظام».
وضمن ظروف يدركون تمامًا أن أي كلمة في غير محلها سيدفعون ثمنها حياتهم وهم في «حضن الوطن»، يتحدث المدنيون للقناة الروسية ويقدمون شهادات ترضي تلك القناة، فيروي بعضهم كيف حصل على «الحنان والدفء» من قوات النظام، ويروي آخر أن «الإرهابيين» كانوا يطلقون النار على المدنيين وينفذون إعدامات بحق كل من يحاول الخروج من المدينة، وما إلى ذلك.
وكان واضحًا في إعداد تلك التقارير أنها موجهة لمشاعر الرأي العام المحلي، لتأكيد الموقف الرسمي بأن «المعارضة المعتدلة كذبة، وهم بالحقيقة جماعات إرهابية»، وأن «النظام السوري رؤوف بالمواطنين وإنساني». وفي مقدمة واحد من تلك التقارير يقول المذيع: «بألبسة ممزقة دون أي أشياء أخرى خرجوا. لم يكن لديهم وقت لجمع حاجاتهم. تمكن الجيش السوري من إبعاد المسلحين عن معبر هنانو الإنساني. وأدرك الناس أن الفرصة قد لا تتكرر، فهربوا. فقدت فاطمة عينها، وتم قطع أصابعها. هذا ما فعله المتوحشون الذي يطلقون عليهم في الغرب معارضة معتدلة».
وبعد هذه المقدمة التي لا يمكن أن يبقى أي إنسان أمامها دون انفعالات وتعاطف وغضب على «المعتدلين»، تتحدث فاطمة وتقول: «لم أتناول أي طعام منذ 3 أيام. شكرًا للجيش السوري وروسيا أن جحيمنا قد انتهى. كان المسلحون يضربوننا بالعصي، منعونا من الاقتراب من الممرات الإنسانية. لقد سرق مقاتلو (أحرار الشام) ابنتي. لا أدري أين هي». هذا ما قالته فاطمة وهي في «حضن النظام» ويعرف كل سوري أي كلام يضطر المرء لقوله، تأليفًا أو إملاءات، وهو في «حضن» ذلك النظام.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة