من التاريخ: «المسألة الشرقية» ونهاية الدولة العثمانية

من التاريخ: «المسألة الشرقية» ونهاية الدولة العثمانية

السبت - 18 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 17 ديسمبر 2016 مـ

كتبت الإمبراطورة النمساوية الشهيرة ماريا تيريزا: «... إن تقسيم الدولة العثمانية سيكون من أخطر المشاريع الأوروبية، وسيكون له عواقبه الوخيمة... فماذا سنكسب من التوسع حتى ولو إلى حدود القسطنطينية سوى العواقب السلبية... أنا لن أسمح أبدًا بتفتيت الإمبراطورية التركية وأتمنى ألا يشهد أحفادي من بعدى طردها من أوروبا».
هذه الجملة لخّصت ما يمكن وصفه بـ«المسألة الشرقية» المقصود بها أوضاع الدولة العثمانية في السياسة الأوروبية بعد اضمحلال قوتها وبداية معاناتها من التحلل السياسي والعسكري التدريجي خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر مع زيادة أطماع الدولة المختلفة في ممتلكاتها في وسط وشرق أوروبا.
لقد انطفأت شعلة الإمبراطورية - كما تابعنا في الأسبوع الماضي - ولم تعد قادرة على مواجهة القوى الأوروبية المنافسة كما كانت قبل قرنين من الزمان إبان السلاطين العظام من أمثال محمد «الفاتح» و«سليمان القانوني» وغيرهما، إذ باتت فريسة للدول الأوروبية المختلفة الطامعة في أراضيها، ولكن للسياسة الدولية أحكامها بطبيعة الحال، ولم تسمح هذه حقًا بتفتيت كيان الدولة لأسباب تتعلق بالتوازنات الداخلية للنظام الأوروبي.
واقع الأمر أن الدولة العثمانية كانت تمتلك أراضي في القارة الأوروبية ولديها تماسها مع الدولة النمساوية وفرنسا وروسيا، فضلاً عن سيطرتها على مضيقي الدردنيل والبوسفور وبحر مرمرة الذي يربطهما، وهو الطريق الرابط بين البحرين الأسود والمتوسط. كل هذه الأصول السياسية والاستراتيجية جعلتها دولة مهمة في النظام الأوروبي، حتى وإن لم يكن لديها القدرة على الدخول في منظومة توازنات القوى كلاعب قوي مؤثر كما كان حالها في القرنين الخامس عشر والسادس عشر. ذلك أن التوازنات السياسية أصبحت تحتم على القوى الأوروبية العاقلة السعي لاحتواء سقوط العملاق العثماني كي لا تصبح ممتلكاته عرضة للصراعات الأوروبية ومن ثم اندلاع الحروب المختلفة بين القوى الكبرى بعدما استتب الأمن النسبي في القارة بعد اتفاقية «صلح وستفاليا» عام 1648. بكلام آخر، الفراغ السياسي صار الشبح الذي تخشاه كل القوى الأوروبية، ومن ثم اتفقت فيما بينها على الإبقاء على الدولة العثمانية درءًا للصراعات المختلفة. واستمرت هذه السياسة حتى سقوط الإمبراطورية العثمانية رسميًا بعد الحرب العالمية الأولى وإلغاء الخلافة الإسلامية.
من ناحية أخرى، برز هناك عنصر جديد عارض هذه المعادلة السياسية الأوروبية، تمامًا، رافضًا أن يكون طرفًا في أي تسوية تحدث بين الدولة العثمانية والدول الأوروبية هو... المارد الروسي.
هذا المارد الجديد بدأ يظهر في المعادلة السياسية بقوة على أيدي القيصر بطرس الأكبر... الرجل الذي انتشل روسيا من التخلف وأطلق عملية تحديث واسعة النطاق. وكان القيصر الطموح يحلم بإنشاء جيش قوي يسانده أسطول أقوى يستطيع من خلاله مد نفوذ روسيا في ثوبها السياسي والعسكري الجديد.
هذا الطموح جعل الصدام بين الروس والعثمانيين حتميًا، لا سيما، لكسر سيطرة العثمانيين على البحر الأسود وفتح المجال أمام الأسطول الروسي للتحرك هناك إضافة إلى فتح الممرات التركية (مضيقَي الدردنيل والبوسفور) أمام عبور التجارة الروسية. وهذا ما دفع بطرس الأكبر للتحرش بالدولة العثمانية حتى استطاع أن يحتل مدينة أزوف على البحر الأسود. والجدير بالذكر، أن بطرس الأكبر أو من جاءوا بعده لم يعترفوا بدور الدولة العثمانية السياسي في أوروبا، بل حكم السياسة الخارجية الروسية تجاه العثمانيين عنصران أساسيان: الأول، استباحة أراضيها في شرق أوروبا، والثاني رغبة الروس في فرض حمايتهم على المجتمعات الأرثوذكسية في أراضي الدولة العثمانية بحجة أن الكنيسة الروسية هي امتداد لكنيسة القسطنطينية (الفنار)، ويلاحظ هنا وجود ارتباط وثيق بين العنصرين.
إزاء هذه السياسة الروسية اضطرت الدول الأوروبية المختلفة إلى العمل على دعم العثمانيين في وجه التوسّع الروسي والوقوف ضد أي عمل روسي للاستيلاء على الأراضي العثمانية، ليس حبًا في الأستانة بل رغبةً بوقف التوسّع الروسي وحفظ التوازن في شرق أوروبا، لأن دول أوروبا الغربية ما كانت مرحّبة بمد النفوذ الروسي للبلقان وشرق أوروبا.
ومن ثم، منذ مطلع القرن الثامن عشر بدأت «المسألة الشرقية» تأخذ أبعادها في السياسة الأوروبية، وذلك على الرغم من أن الدولة العثمانية لم تكن بشكل رسمي جزءًا من المنظومة السياسية الأوروبية، بل كانت كذلك فقط من الناحية العملية. وحتى رغم امتلاك الدولة العثمانية أراضي واسعة في أوروبا، لم ينظر للدولة في أي وقت من الأوقات على اعتبارها جزءًا من التركيبة الثقافية الأوروبية لأسباب تتعلق بالدين واللغة، وهو الأمر انعكس في إبقائها خارج المنظومة التعاهدية الأوروبية. وفعلاً، لم تشارك الأستانة في أي اتفاقيات دولية جماعية على الإطلاق إلا في معاهدة باريس عام 1856، التي أنهت حرب القرم بهزيمة روسيا على أيدي التحالف الفرنسي البريطاني العثماني. وكانت (كما وصفها بعض المؤرخين) «إحدى رجليها في أوروبا استراتيجيًا بينما رجلها الأخرى كانت خارج السور الأوروبي».
لقد استمرت «المسألة الشرقية» بأشكالها المختلفة على مدار القرن الثامن عشر، وسعت روسيا تدريجيًا لابتلاع أراضي الدولة العثمانية (لا سيما في البلقان)، بينما سعى العثمانيون لتقليص خسائرهم. وعلى الرغم من توصلهم إلى صيغة تعايش مع النمسا وفرنسا بمقتضي اتفاقيتي كارلوويتز Karlowitz وباسارويتز Passarowitz، فإن الجبهة الطويلة مع الروس ظلت تستنزفهم. ومن ثم، استطاعت روسيا بعد معارك متقطعة أن تفرض على العثمانيين عام 1774 اتفاقية كوتشوك كينارجي - أو «النافورة الصغيرة» - التي فرضت روسيا على الدولة العثمانية بمقتضاها السماح لسفنها بالمرور عبر المضيقين التركيين إضافة إلى تقديمها تنازلات في البحر الأسود والأراضي المحيطة به. ويقال أيضًا إن روسيا أخذت تعهدًا من الدولة العثمانية بالسماح لها بأن تكون راعية لأمور المجتمعات الأرثوذكسية في أراضيها، ولو أن بعض المصادر التاريخية الحديثة تشير إلى أن نصوص الاتفاقية لم تتضمن هذا الشرط، ولكن في كل الأحوال فإن روسيا لم تنتظر موافقة «الباب العالي» (أي السلطان) على هذا البعد الديني، لأن لعبته من الناحية العملية دون انتظار موافقة الدولة العثمانية.
بعد الثورة الفرنسية، بدأت «المسألة الشرقية» تأخذ أبعادًا مختلفة، إذ جاءت الحملة الفرنسية على مصر والشام لتغير موازين القوى الأوروبية، ومعها الاتفاق الضمني بالإبقاء على أراضي الدولة العثمانية.
لقد أدى هذا التغير إلى سرعة التدخل البريطاني من أجل إلحاق الهزيمة بالحملة الفرنسية وطردها من مصر على أيدي البريطانيين بعد إخفاق العثمانيين في هذه الخطوة نتيجة لضعفهم العسكري. وحتى بعد جلاء الحملة الفرنسية، لم تحترم فرنسا الثورية هذا التوجه، خصوصًا بعدما اتفق القيصر الروسي الإسكندر مع نابليون بونابرت على تقسيم أراضي الدولة العثمانية بمقتضى معاهدة تيلزيت عام 1807، لكن الصراع الفرنسي الروسي أدى إلى الإبقاء على الدولة العثمانية. ومع أن العثمانيين لم يُدعوا للمشاركة في مؤتمر فيينا الشهير عام 1814، ظلت أراضيهم بمنأى عن أي مطمع أوروبي استنادًا إلى المعادلة الأوروبية السابقة، وهكذا ظلت دولتهم جزءًا من التوازن السياسي الأوروبي دون أن تكون لاعبًا رسميًا فيه.
واستطاعت الدولة العثمانية على مدار القرن التاسع عشر أن تحافظ على بقائها السياسي في أوروبا وداخليًا، بفعل سعي الدول الأوروبية (باستثناء روسيا) إلى الإبقاء عليها. وفي كل مرة تسعى روسيا للنيل من الدولة العثمانية فإن التحالفات الأوروبية كانت تساندها. بل الأغرب من ذلك أنه عندما تعرّضت الدولة العثمانية لأكبر خطر وجودي على بقائها بسبب الدولة المصرية الفتية في عهد محمد علي باشا، فإن روسيا اتحدت مع الدول الأوروبية لهزيمة مصر في معركة نوارين (نافارينو) البحرية عام 1827، بسبب التوازنات الخاصة باستقلال اليونان، بينما تآمرت أوروبا على مصر في 1840 لضرب جيشها بعدما وصل لقرابة أربعين فرسخًا من الباب العالي وفرضت معاهدة لندن بالقوة العسكرية لتحجيم مصر بعدما كانت تستعد لإرث الدولة العثمانية.
والشيء نفسه تكرّر في حرب القرم (1853 - 1856)، إذ ظلت الدولة العثمانية تتنفس سياسيًا بفضل التوازن الأوروبي. وحتى مع إطلاق وصف «رجل أوروبا المريض» عليها فإن الساسة الأوروبيين ظلوا على موقفهم حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى ودخول «الباب العالي» حليفًا لألمانيا. وهذا التورط في الحرب العالمية الأولى أنهى الدولة العثمانية عمليًا كإمبراطورية، وأعادها إلى الدولة التركية التي ولدت في عهد عثمان وأبنه أورخان في القرن الثالث عشر، وذلك بعدما سيطر مصطفى كمال «أتاتورك» على مقاليد الأمور وأوقف الغزو الأوروبي لبلاده وحماها من الاحتلال. ومن ثم ألغى «الخلافة» العثمانية وأعلن الجمهورية عام 1924.
حقيقة الأمر أن الدولة العثمانية في ثوب «المسألة الشرقية» تمثل في جوهرها معضلة سياسية قلما يجود التاريخ السياسي والعسكري الدولي بمثلها. فهذه الدولة لعبت دورها السياسي في توازن القوى الأوروبي وهي تحتضر سياسيًا على مدار ما يقرب من قرنين من الزمان أنهت نفسها بنفسها لسوء اختيارها حليفها في الحرب العالمية الأولى. إن الدول غالبًا ما تحيى بقوتها العسكرية وتماسكها السياسي أمام الأطماع الدولية خاصة في الحقبة الزمنية محل الدراسة، ولكن الدول الأخرى أبقت على الدولة العثمانية في المسرح الأوروبي (باستثناء روسيا) لوهنها وضعفها.
لقد صمد «رجل أوروبا المريض» أمام الخطر الداخلي والخارجي على حد سواء ليس لقوته بل لضعفه، وتقديري أن الدولة العثمانية تمثل الاستثناء الذي يثبت القاعدة السياسية وليس العكس.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة