باولو جنتيلوني الزعيم الدمث اسمًا وفعلاً

رئيس الوزراء الجديد «أرستقراطي» عاقل يخوض في مستنقع السياسة الإيطالية

باولو جنتيلوني الزعيم الدمث اسمًا وفعلاً
TT

باولو جنتيلوني الزعيم الدمث اسمًا وفعلاً

باولو جنتيلوني الزعيم الدمث اسمًا وفعلاً

ألقى باولو جنتيلوني، رئيس الوزراء الإيطالي الجديد، بيان حكومته في المجلس النيابي قبل أيام لنيل الثقة في قاعة خلت من غالبية قوى المعارضة التي انسحبت بذريعة أن «هذه الحكومة الضعيفة لا تستحق حتى التصويت ضدها!». واستغرق البيان ثلث ساعة جرى خلالها الهمس بين الحاضرين من مؤيدي الحكومة، وكأنه تعبير عن مللهم، لأن النتيجة مضمونة لصالحه.
وصل باولو جنتيلوني (واسم «جنتيلوني» يعني اللطيف أو الدمث بالإيطالية) إلى منصبه الجديد نتيجة فشل سلفه ماتيو رينزي في إقناع 60 في المائة من الناخبين الإيطاليين بتبني إصلاحاته الدستورية التي تعطي رئيس الوزراء مزيدا من الصلاحيات، وتبدل تركيبة مجلس الشيوخ، وتتبنى قانونا جديدا للانتخابات.
غير أن الحكومة الجديدة تُعتبر نسخة طبق الأصل عن الحكومة المستقيلة باستثناء بعض التفاصيل مثل تحويل آنجيلينو الفانو من وزير للداخلية إلى وزير للخارجية، مع الإبقاء على وزيرة الإصلاح الدستوري ماريا ايلينا بوسكي التي جهزت مسودة الإصلاحات الفاشلة في الاستفتاء، وكذلك بقاء رينزي زعيما للحزب الديمقراطي الحاكم يحرك الأمور من وراء الستار.
جيوفاني، أورسينا أستاذ السياسة الإيطالية في جامعة لويس بروما، قال معلقًا: «لقد حشر رينزي نفسه قبل الاستفتاء على الإصلاحات، فحوّله إلى استفتاء على أدائه لذا خسر بنسبة كبيرة». وأردف: «على الحكومة الآن أن تسترجع أصوات الناخبين الذين ابتعدوا عن تأييد الحزب الديمقراطي ليدعموا (حركة 5 نجوم) المعارضة للحكومة وللاتحاد الأوروبي التي يقودها الممثل الهزلي ذو اللسان السليط بيبي غريللو».
على أي حال، فإن اختيار جنتيلوني ليترأس الحكومة الجديدة، بعدما كان قد شغل منصب وزير الخارجية في الحكومة السابقة لمدة سنتين، يعني فعليًا استمرار سياسة يسار الوسط المتبعة في عهد ماتيو رينزي حتى موعد إجراء الانتخابات النيابية المقبلة المقررة عام 2017، قبل انتهاء المدة القانونية للمجلس النيابي الحالي عام 2018.

أرستقراطي دمث وعاقل
ليس لدى باولو جنتيلوني، في واقع الأمر، طموحات سياسية شخصية. فهو رجل يتحدّر من عائلة نبيلة عريقة درس العلوم السياسية في جامعة روما لا سابيينسا المرموقة في العاصمة الإيطالية. ويتميّز، وفق متابعي مسيرته الشخصية والمهنية والسياسية، بسلوكه المسؤول والمشرف. فهكذا عُرف طوال عمله كصحافي عضو في حزب «الخضر» البيئي، ومنذ عام 1993 كعضو في البرلمان، ثم كوزير للاتصالات في حكومة رومانو برودي بين عامي 2006 – 2008.
ويتمتع جنتيلوني بفضل رزانته واعتداله – وكما يقول عارفوه ومؤيدوه بـ«حسن أخلاقه»، بقدر كبير من الاحترام في مختلف الأوساط. وشخصيته الهادئة تختلف تمامًا عن شخصية رينزي (41 سنة)، الشاب الوسيم ذو المواهب الخطابية، والسياسي الغريزي الذي يحب المواجهة ويتسم بالنشاط والحيوية.. وأيضًا بالغرور. وحقًا، يؤخذ على رينزي أنه تصرف بتهور كبير في فترة من فترات صعوده السياسي الصاروخي، مما أفقده تأييد الجناح اليساري من حزبه، وهو الجناح ذو الجذور الشيوعية بزعامة ماسيمو داليما رئيس الوزراء الأسبق.
عودة إلى باولو جنتيلوني، المولود في العاصمة روما قبل 62 سنة، فإنه حين تبوأ منصب وزير الخارجية أثبت أهليته ومقدرته بسرعة لافتة. كذلك برهن، بخلاف غالبية من سبقوه إلى تولّي هذا المنصب، على تمكّنه من اللغة الإنجليزية، وتعامل بسلاسة مع جون كيري، وزير الخارجية الأميركي، لتأييد الحكومة الليبية برئاسة فايز السراج المدعومة من الأمم المتحدة. وفي الوقت ذاته، كان يساير روسيا بكياسة ودبلوماسية، ويصرح مرارًا بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «زعيم يمكن الوثوق به».
وعلى صعيد آخر، وجّه جنتيلوني دفة السياسة الخارجية الإيطالية نحو الاعتماد على تنمية الاقتصاد والتجارة بدلاً الانخراط في الأزمات السياسية العويصة في العالم. ويذكر عنه أنه أثناء عمله كوزير للخارجية هدّده تنظيم داعش الإرهابي المتطرف لأنه صرح بأن إيطاليا لا تقبل بوجود تهديد إرهابي في ليبيا يبعد عنها بضع ساعات، ووصفه الدواعش يومذاك بأنه «عدو صليبي».

التحديات الاقتصادية
أما الآن، وبعد تولي جنتيلوني رئاسة الحكومة فإن التحديات التي تواجهه صارت أكبر. ولعل أهم مشكلة تواجهه (تواجه إيطاليا) الآن هي الوضع الاقتصادي المتدهور للبلاد، لا سيما الأزمة المالية التي تعصف بعدد من البنوك، خصوصًا أقدم مصرف في العالم (يعمل منذ القرن الخامس عشر) وهو مونتي دي باسكي في مدينة سيينا، بإقليم توسكانيا بوسط إيطاليا الغربي. فلقد طلب هذا المصرف وقتًا إضافيًا ليجد مَن يمول رسملته ولكن دون جدوى، وذلك لأن المستفيدين من قروضه ليس بإمكانهم دفع ديونهم.
ويبدو أن الحكومة الجديدة ستضطر إلى التدخل من أجل إنقاذ هذا المصرف العريق من الإفلاس. وأما المشكلة الثانية المهمة، فتتعلق بانتظار قرار المحكمة الدستورية حول الوضع القانوني لقانون الانتخابات. وهنا من المتوقع أن يقود ماتيو رينزي حزبه في هذه الانتخابات إلا أن الوضع ما زال غامضًا، حتى اللحظة، حول ما إذا بإمكانه إنجاز مهمة توحيد أجنحة الحزب الديمقراطي في وقت قريب.
وجود جنتيلوني على رأس الحكومة الحالية بكفاءته وحسن تصرفه، حسب آراء كثرة من المحللين والمعلقين السياسيين الإيطاليين، من شأنه أن «يضمن الاستقرار في البلاد والاستمرارية في متابعة السياسات الحكيمة في وقت تلوح العواصف في إيطاليا وأوروبا». ويشير المحللون والمعلقون هؤلاءِ، اليوم، من خلال رصد تطورات الساحة السياسية الإيطالية - وبالأخص، الاستفتاء الأخير - إلى وجود خطر جدي يكمن في أن الناخبين ملوا حقًا من الساسة التقليديين الذين اعتادوا السير في طريق تتبادل فيه الطبقة السياسية المنافع رغم اختلافها في الآراء والمواقف، وقد يميلون في الانتخابات البرلمانية المقبلة إلى التصويت لمرشحي الأحزاب الشعبوية مثل «حركة 5 نجوم» و«رابطة الشمال» الانفصالية ما يمكن أن يعرض فكرة الاتحاد الأوروبي للخطر، ويؤدي إلى انسحاب إيطاليا من العملة الموحدة (اليورو).
وبناء، عليه، لا يشك المحللون في أن مهمة رئيس الوزراء الجديد خلال الأشهر المقبلة ستكون شاقة وحافلة بالتحديات، ويذهبون إلى حد القول إن جنتيلوني قد يجد نفسه مضطر لكبح جماح رينزي، رئيسه السابق، مع أن مثل هذا الأمر «يتطلب شجاعة كبيرة».

ماذا يقول خصومه؟
في المقابل، يتهم خصوم جنتيلوني، ومنهم أولئك الذين يحاولون طعنه من الخلف، رئيس الوزراء الجديد أنه «يتأثر كثيرا بأفكار رينزي». وخلال برنامج هزلي على التلفزيون الإيطالي ظهر ممثل فكاهي معروف يدعى موريتزيو كروتزا، يقلد جنتيلوني بصورة متقنة، وفتح معطفه فشاهد المتفرجون جهازًا مخفيًا يتوهّج باستمرار... بينما يقول كروتزا: «الجهاز يوقف ضربات قلبي إذا بُحت بأي شيء لا يعجب رينزي».
وبالفعل، بدأت عدة قوى في المعارضة شن الهجمات على جنتيلوني، ووصفه بأنه «دمية في يد رينزي». وذهب لويجي دي مايو، أحد زعماء «حركة 5 نجوم» في هجماته إلى حد القول: «تعيين جنتيلوني بعد خسارة الاستفتاء يعني خيانة الشعب الإيطالي». والواقع، أن خصوم الحزب الديمقراطي يدركون أن مشكلات الاقتصاد الضعيف وتزايد الهجرة غير الشرعية سلاح فعّال يثير المواطن العادي الذي فقد بهجة الحياة المعروفة في إيطاليا، ومن ثم غدا «مَن هو في السلطة» هدفا طبيعيا لتنفيس مشاعره الغاضبة.
لكن مناصري جنتيلوني يرون أن في تحميله المسؤولية عن مشكلات إيطاليا المتفاقمة إجحافًا وظلمًا كبيرين. أما المراقبون الموضوعيون فيعتقدون أن جنتيلوني بسبب شخصيته الهادئة لا يبدي الثقة المفرطة التي كانت سمة تصرفات رينزي، كما لا يرى المحايدون منهم في «حركة 5 نجوم» الشعبوية الكفاءة والخبرة اللازمتين لحل المشكلات المعقدة لإيطاليا، ومن جانب آخر، فإن فكرة عودة الملياردير اليميني ورئيس الوزراء الأسبق سيلفيو برلسكوني إلى سدة الحكم على رأس حكومة يمين - وسط لا تلقى الاستحسان.
ختامًا، لا شك في أن إيطاليا تمر الآن بفترة انتقالية حساسة، ولا يبدو في الأفق من يعرف كيف ستتطور الأحداث خلال الشهور المقبلة. ولكن ربما سيحاول جنتيلوني أن يضع حدا لمحاولات رئيسه السابق رينزي التدخل في شؤون حكومته، من منطلق أنه زعيم الحزب الحاكم وليس في الأفق من سيخلفه. وبالتالي، فإن احتمالات التخبط أو التشويش واردة في على الدوام، إلا أن إيطاليا (المتعايشة فعليًا مع الهزات والبراكين) دأبت (على امتداد العقود الأخيرة) على اجتراح المفاجآت ومفاجأة العالم... بوقوفها على قدميها بعد كل هزّة سياسية.

بطاقة شخصية
* اسمه الكامل باولو جنتيلوني سيلفيري، ويتحدر من أسرة نبيلة عريقة، ويحمل ألقاب «نبيل فيلوترانو» و«نبيل تشينغولي» و«نبيل ماسيراتا».
* ولد في العاصمة الإيطالية روما يوم 22 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1954. ودرس في مدرسة ليسيوم توركاتو تاسو الكلاسيكية، ثم درس العلوم السياسية في جامعة روما لا سابيينسا في العاصمة، وتخرّج فيها ثم انطلق للعمل في مجال الصحافة.
* متزوّج من إيمانويلا ماورو.
* انخرط في أيام دراسته بحركة طلابية يسارية، ثم بتنظيم «حركة العمال من أجل الاشتراكية». وخلال هذه الفترة أصبح مديرًا لصحيفة «لا نووفا إيكولوجيكا» البيئية. وعبر عمله التقي بحليفه وصديقه المستقبلي فرنشيسكو روتيللي.
* عام 1993 اختاره روتيللي ناطقًا باسمه إبان حملة انتخابات عمدة روما التي خاضها روتيللي وانتصر فيها على منافسه اليميني المتشدد جيانفرانكو فيني. ومن ثم صار جنتيلوني عضوًا في مجلس بلدية روما.
* دخل البرلمان لأول مرة عام 2001.
* عام 2002 كان أحد مؤسسي حزب «الأقحوانة» (يسار وسط مسيحي)، وتولى مسؤولية قيادية وإعلامية في الحزب.
* بين 2005 و2006 شغل منصب رئيس لجنة الرقابة على خدمات البث الإعلامية الحكومية.
* عام 2006 أُعيد انتخابه عضوًا في مجلس النواب عن تحالف «شجرة الزيتون» (يسار وسط) تحت قيادة رئيس الوزراء الأسبق رومانو برودي، ومن عين وزيرًا للاتصالات في حكومة برودي الثانية (2006 – 2008).
* عام 2007 كان واحدًا من 45 عضوًا في اللجنة التأسيسية الوطنية للحزب الديمقراطي، شكلوا من ائتلاف الديمقراطيين الاشتراكيين وديمقراطيي اليسار والجناح اليساري «الأقحوانة» بين الديمقراطيين المسيحيين.
* تكرر انتخابه لمجلس النواب عام 2008.
* خسر معركة انتخابات عمدة روما عام 2013، لكنه فاز مجددًا (للمرة الرابعة) بالانتخابات البرلمانية.
* عام 2014 عيّن وزيرًا للخارجية في حكومة ماتيو رينزي خلفًا لفيديريكا موغيريني، بعد توليها منصب الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي.
* يوم 7 ديسمبر (كانون الأول) 2016 اختير رئيسًا للحكومة الإيطالية.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.