باولو جنتيلوني الزعيم الدمث اسمًا وفعلاً

رئيس الوزراء الجديد «أرستقراطي» عاقل يخوض في مستنقع السياسة الإيطالية

باولو جنتيلوني الزعيم الدمث اسمًا وفعلاً
TT

باولو جنتيلوني الزعيم الدمث اسمًا وفعلاً

باولو جنتيلوني الزعيم الدمث اسمًا وفعلاً

ألقى باولو جنتيلوني، رئيس الوزراء الإيطالي الجديد، بيان حكومته في المجلس النيابي قبل أيام لنيل الثقة في قاعة خلت من غالبية قوى المعارضة التي انسحبت بذريعة أن «هذه الحكومة الضعيفة لا تستحق حتى التصويت ضدها!». واستغرق البيان ثلث ساعة جرى خلالها الهمس بين الحاضرين من مؤيدي الحكومة، وكأنه تعبير عن مللهم، لأن النتيجة مضمونة لصالحه.
وصل باولو جنتيلوني (واسم «جنتيلوني» يعني اللطيف أو الدمث بالإيطالية) إلى منصبه الجديد نتيجة فشل سلفه ماتيو رينزي في إقناع 60 في المائة من الناخبين الإيطاليين بتبني إصلاحاته الدستورية التي تعطي رئيس الوزراء مزيدا من الصلاحيات، وتبدل تركيبة مجلس الشيوخ، وتتبنى قانونا جديدا للانتخابات.
غير أن الحكومة الجديدة تُعتبر نسخة طبق الأصل عن الحكومة المستقيلة باستثناء بعض التفاصيل مثل تحويل آنجيلينو الفانو من وزير للداخلية إلى وزير للخارجية، مع الإبقاء على وزيرة الإصلاح الدستوري ماريا ايلينا بوسكي التي جهزت مسودة الإصلاحات الفاشلة في الاستفتاء، وكذلك بقاء رينزي زعيما للحزب الديمقراطي الحاكم يحرك الأمور من وراء الستار.
جيوفاني، أورسينا أستاذ السياسة الإيطالية في جامعة لويس بروما، قال معلقًا: «لقد حشر رينزي نفسه قبل الاستفتاء على الإصلاحات، فحوّله إلى استفتاء على أدائه لذا خسر بنسبة كبيرة». وأردف: «على الحكومة الآن أن تسترجع أصوات الناخبين الذين ابتعدوا عن تأييد الحزب الديمقراطي ليدعموا (حركة 5 نجوم) المعارضة للحكومة وللاتحاد الأوروبي التي يقودها الممثل الهزلي ذو اللسان السليط بيبي غريللو».
على أي حال، فإن اختيار جنتيلوني ليترأس الحكومة الجديدة، بعدما كان قد شغل منصب وزير الخارجية في الحكومة السابقة لمدة سنتين، يعني فعليًا استمرار سياسة يسار الوسط المتبعة في عهد ماتيو رينزي حتى موعد إجراء الانتخابات النيابية المقبلة المقررة عام 2017، قبل انتهاء المدة القانونية للمجلس النيابي الحالي عام 2018.

أرستقراطي دمث وعاقل
ليس لدى باولو جنتيلوني، في واقع الأمر، طموحات سياسية شخصية. فهو رجل يتحدّر من عائلة نبيلة عريقة درس العلوم السياسية في جامعة روما لا سابيينسا المرموقة في العاصمة الإيطالية. ويتميّز، وفق متابعي مسيرته الشخصية والمهنية والسياسية، بسلوكه المسؤول والمشرف. فهكذا عُرف طوال عمله كصحافي عضو في حزب «الخضر» البيئي، ومنذ عام 1993 كعضو في البرلمان، ثم كوزير للاتصالات في حكومة رومانو برودي بين عامي 2006 – 2008.
ويتمتع جنتيلوني بفضل رزانته واعتداله – وكما يقول عارفوه ومؤيدوه بـ«حسن أخلاقه»، بقدر كبير من الاحترام في مختلف الأوساط. وشخصيته الهادئة تختلف تمامًا عن شخصية رينزي (41 سنة)، الشاب الوسيم ذو المواهب الخطابية، والسياسي الغريزي الذي يحب المواجهة ويتسم بالنشاط والحيوية.. وأيضًا بالغرور. وحقًا، يؤخذ على رينزي أنه تصرف بتهور كبير في فترة من فترات صعوده السياسي الصاروخي، مما أفقده تأييد الجناح اليساري من حزبه، وهو الجناح ذو الجذور الشيوعية بزعامة ماسيمو داليما رئيس الوزراء الأسبق.
عودة إلى باولو جنتيلوني، المولود في العاصمة روما قبل 62 سنة، فإنه حين تبوأ منصب وزير الخارجية أثبت أهليته ومقدرته بسرعة لافتة. كذلك برهن، بخلاف غالبية من سبقوه إلى تولّي هذا المنصب، على تمكّنه من اللغة الإنجليزية، وتعامل بسلاسة مع جون كيري، وزير الخارجية الأميركي، لتأييد الحكومة الليبية برئاسة فايز السراج المدعومة من الأمم المتحدة. وفي الوقت ذاته، كان يساير روسيا بكياسة ودبلوماسية، ويصرح مرارًا بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «زعيم يمكن الوثوق به».
وعلى صعيد آخر، وجّه جنتيلوني دفة السياسة الخارجية الإيطالية نحو الاعتماد على تنمية الاقتصاد والتجارة بدلاً الانخراط في الأزمات السياسية العويصة في العالم. ويذكر عنه أنه أثناء عمله كوزير للخارجية هدّده تنظيم داعش الإرهابي المتطرف لأنه صرح بأن إيطاليا لا تقبل بوجود تهديد إرهابي في ليبيا يبعد عنها بضع ساعات، ووصفه الدواعش يومذاك بأنه «عدو صليبي».

التحديات الاقتصادية
أما الآن، وبعد تولي جنتيلوني رئاسة الحكومة فإن التحديات التي تواجهه صارت أكبر. ولعل أهم مشكلة تواجهه (تواجه إيطاليا) الآن هي الوضع الاقتصادي المتدهور للبلاد، لا سيما الأزمة المالية التي تعصف بعدد من البنوك، خصوصًا أقدم مصرف في العالم (يعمل منذ القرن الخامس عشر) وهو مونتي دي باسكي في مدينة سيينا، بإقليم توسكانيا بوسط إيطاليا الغربي. فلقد طلب هذا المصرف وقتًا إضافيًا ليجد مَن يمول رسملته ولكن دون جدوى، وذلك لأن المستفيدين من قروضه ليس بإمكانهم دفع ديونهم.
ويبدو أن الحكومة الجديدة ستضطر إلى التدخل من أجل إنقاذ هذا المصرف العريق من الإفلاس. وأما المشكلة الثانية المهمة، فتتعلق بانتظار قرار المحكمة الدستورية حول الوضع القانوني لقانون الانتخابات. وهنا من المتوقع أن يقود ماتيو رينزي حزبه في هذه الانتخابات إلا أن الوضع ما زال غامضًا، حتى اللحظة، حول ما إذا بإمكانه إنجاز مهمة توحيد أجنحة الحزب الديمقراطي في وقت قريب.
وجود جنتيلوني على رأس الحكومة الحالية بكفاءته وحسن تصرفه، حسب آراء كثرة من المحللين والمعلقين السياسيين الإيطاليين، من شأنه أن «يضمن الاستقرار في البلاد والاستمرارية في متابعة السياسات الحكيمة في وقت تلوح العواصف في إيطاليا وأوروبا». ويشير المحللون والمعلقون هؤلاءِ، اليوم، من خلال رصد تطورات الساحة السياسية الإيطالية - وبالأخص، الاستفتاء الأخير - إلى وجود خطر جدي يكمن في أن الناخبين ملوا حقًا من الساسة التقليديين الذين اعتادوا السير في طريق تتبادل فيه الطبقة السياسية المنافع رغم اختلافها في الآراء والمواقف، وقد يميلون في الانتخابات البرلمانية المقبلة إلى التصويت لمرشحي الأحزاب الشعبوية مثل «حركة 5 نجوم» و«رابطة الشمال» الانفصالية ما يمكن أن يعرض فكرة الاتحاد الأوروبي للخطر، ويؤدي إلى انسحاب إيطاليا من العملة الموحدة (اليورو).
وبناء، عليه، لا يشك المحللون في أن مهمة رئيس الوزراء الجديد خلال الأشهر المقبلة ستكون شاقة وحافلة بالتحديات، ويذهبون إلى حد القول إن جنتيلوني قد يجد نفسه مضطر لكبح جماح رينزي، رئيسه السابق، مع أن مثل هذا الأمر «يتطلب شجاعة كبيرة».

ماذا يقول خصومه؟
في المقابل، يتهم خصوم جنتيلوني، ومنهم أولئك الذين يحاولون طعنه من الخلف، رئيس الوزراء الجديد أنه «يتأثر كثيرا بأفكار رينزي». وخلال برنامج هزلي على التلفزيون الإيطالي ظهر ممثل فكاهي معروف يدعى موريتزيو كروتزا، يقلد جنتيلوني بصورة متقنة، وفتح معطفه فشاهد المتفرجون جهازًا مخفيًا يتوهّج باستمرار... بينما يقول كروتزا: «الجهاز يوقف ضربات قلبي إذا بُحت بأي شيء لا يعجب رينزي».
وبالفعل، بدأت عدة قوى في المعارضة شن الهجمات على جنتيلوني، ووصفه بأنه «دمية في يد رينزي». وذهب لويجي دي مايو، أحد زعماء «حركة 5 نجوم» في هجماته إلى حد القول: «تعيين جنتيلوني بعد خسارة الاستفتاء يعني خيانة الشعب الإيطالي». والواقع، أن خصوم الحزب الديمقراطي يدركون أن مشكلات الاقتصاد الضعيف وتزايد الهجرة غير الشرعية سلاح فعّال يثير المواطن العادي الذي فقد بهجة الحياة المعروفة في إيطاليا، ومن ثم غدا «مَن هو في السلطة» هدفا طبيعيا لتنفيس مشاعره الغاضبة.
لكن مناصري جنتيلوني يرون أن في تحميله المسؤولية عن مشكلات إيطاليا المتفاقمة إجحافًا وظلمًا كبيرين. أما المراقبون الموضوعيون فيعتقدون أن جنتيلوني بسبب شخصيته الهادئة لا يبدي الثقة المفرطة التي كانت سمة تصرفات رينزي، كما لا يرى المحايدون منهم في «حركة 5 نجوم» الشعبوية الكفاءة والخبرة اللازمتين لحل المشكلات المعقدة لإيطاليا، ومن جانب آخر، فإن فكرة عودة الملياردير اليميني ورئيس الوزراء الأسبق سيلفيو برلسكوني إلى سدة الحكم على رأس حكومة يمين - وسط لا تلقى الاستحسان.
ختامًا، لا شك في أن إيطاليا تمر الآن بفترة انتقالية حساسة، ولا يبدو في الأفق من يعرف كيف ستتطور الأحداث خلال الشهور المقبلة. ولكن ربما سيحاول جنتيلوني أن يضع حدا لمحاولات رئيسه السابق رينزي التدخل في شؤون حكومته، من منطلق أنه زعيم الحزب الحاكم وليس في الأفق من سيخلفه. وبالتالي، فإن احتمالات التخبط أو التشويش واردة في على الدوام، إلا أن إيطاليا (المتعايشة فعليًا مع الهزات والبراكين) دأبت (على امتداد العقود الأخيرة) على اجتراح المفاجآت ومفاجأة العالم... بوقوفها على قدميها بعد كل هزّة سياسية.

بطاقة شخصية
* اسمه الكامل باولو جنتيلوني سيلفيري، ويتحدر من أسرة نبيلة عريقة، ويحمل ألقاب «نبيل فيلوترانو» و«نبيل تشينغولي» و«نبيل ماسيراتا».
* ولد في العاصمة الإيطالية روما يوم 22 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1954. ودرس في مدرسة ليسيوم توركاتو تاسو الكلاسيكية، ثم درس العلوم السياسية في جامعة روما لا سابيينسا في العاصمة، وتخرّج فيها ثم انطلق للعمل في مجال الصحافة.
* متزوّج من إيمانويلا ماورو.
* انخرط في أيام دراسته بحركة طلابية يسارية، ثم بتنظيم «حركة العمال من أجل الاشتراكية». وخلال هذه الفترة أصبح مديرًا لصحيفة «لا نووفا إيكولوجيكا» البيئية. وعبر عمله التقي بحليفه وصديقه المستقبلي فرنشيسكو روتيللي.
* عام 1993 اختاره روتيللي ناطقًا باسمه إبان حملة انتخابات عمدة روما التي خاضها روتيللي وانتصر فيها على منافسه اليميني المتشدد جيانفرانكو فيني. ومن ثم صار جنتيلوني عضوًا في مجلس بلدية روما.
* دخل البرلمان لأول مرة عام 2001.
* عام 2002 كان أحد مؤسسي حزب «الأقحوانة» (يسار وسط مسيحي)، وتولى مسؤولية قيادية وإعلامية في الحزب.
* بين 2005 و2006 شغل منصب رئيس لجنة الرقابة على خدمات البث الإعلامية الحكومية.
* عام 2006 أُعيد انتخابه عضوًا في مجلس النواب عن تحالف «شجرة الزيتون» (يسار وسط) تحت قيادة رئيس الوزراء الأسبق رومانو برودي، ومن عين وزيرًا للاتصالات في حكومة برودي الثانية (2006 – 2008).
* عام 2007 كان واحدًا من 45 عضوًا في اللجنة التأسيسية الوطنية للحزب الديمقراطي، شكلوا من ائتلاف الديمقراطيين الاشتراكيين وديمقراطيي اليسار والجناح اليساري «الأقحوانة» بين الديمقراطيين المسيحيين.
* تكرر انتخابه لمجلس النواب عام 2008.
* خسر معركة انتخابات عمدة روما عام 2013، لكنه فاز مجددًا (للمرة الرابعة) بالانتخابات البرلمانية.
* عام 2014 عيّن وزيرًا للخارجية في حكومة ماتيو رينزي خلفًا لفيديريكا موغيريني، بعد توليها منصب الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي.
* يوم 7 ديسمبر (كانون الأول) 2016 اختير رئيسًا للحكومة الإيطالية.



«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.