بوتين يسعى مع أنقرة لإطلاق «العملية السياسية» في سوريا

اعتبر محطة آستانة «مكملة لمسار جنيف» * موسكو تشكك في قدرات جيش الأسد والميليشيات الحليفة

فريق خدمات طبية تركي يحمل جرحى سوريين أجلوا من حلب عند نقطة على الحدود التركية (أ.ب)
فريق خدمات طبية تركي يحمل جرحى سوريين أجلوا من حلب عند نقطة على الحدود التركية (أ.ب)
TT

بوتين يسعى مع أنقرة لإطلاق «العملية السياسية» في سوريا

فريق خدمات طبية تركي يحمل جرحى سوريين أجلوا من حلب عند نقطة على الحدود التركية (أ.ب)
فريق خدمات طبية تركي يحمل جرحى سوريين أجلوا من حلب عند نقطة على الحدود التركية (أ.ب)

تبدو موسكو كأنها غير متحمسة، بعكس حلفائها، بشأن «إدلب بعد حلب»، وفي حين ينتظر الجميع لمعرفة خطوة «اليوم التالي» بعد احتلال الميليشيات الإيرانية وما يُسمى «حزب الله» مدينة حلب، عاصمة الشمال السوري، كشف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن رؤية يجري العمل لتطبيقها بعد انتهاء الوضع شرق المدينة. وفي حين أكد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو «وجود توافق روسي تركي إيراني» على ضرورة وقف إطلاق النار في سوريا، أجرى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان اتصالا هاتفيا بالرئيس الأميركي باراك أوباما ناقش فيه وضع حلب.

كلام بوتين
خلال مؤتمر صحافي مشترك عقد بوتين مع رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي في العاصمة اليابانية طوكيو يوم أمس، عرض الرئيس الروسي رؤيته التي تقوم على «التوصل لاتفاق حول وقف إطلاق النار على كل الأراضي السورية». وذكر أن روسيا تجري «محادثات نشطة» بهذا الخصوص مع ممثلي المعارضة المسلحة، بوساطة تركية.
وتابع بوتين بهذا الصدد قائلا: «خلال محادثاتي الهاتفية يوم أول من أمس مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، اتفقنا أن نقترح على الأطراف المتنازعة، نحن من جانبنا على الحكومة (النظامية) السورية، والرئيس التركي على ممثلي المعارضة المسلحة مواصلة عملية المفاوضات السلمية على منصة جديدة». واقترح من ثم أن تكون العاصمة الكازاخية آستانة، تلك المنصة الجديدة التي تجري عليها المفاوضات بين النظام وممثلي المعارضة السورية المسلحة.
من جهة ثانية، بينما اعتبر الرئيس الروسي أن الوضع في مدينة تدمر يشكل «مسألة رمزية» ليست ذات أهمية، فإنه وصف الوضع في مدينة حلب بأنه «موضوع أكثر أهمية بالطبع من الناحية العسكرية والسياسية». وكشف النقاب عن أن «ما يجري في حلب الآن هو تماما ما اتفقنا عليه مع الرئيس إردوغان خلال زيارته مدينة بطرسبرغ». وما تم الاتفاق عليه حينها، حسب قول بوتين، هو أن «تساهم تركيا بكل شكل ممكن في خروج المقاتلين الذين يوافقون على رمي السلاح من المدينة». ولكن تبقى مسألة سيطرة النظام على مدينة حلب هاجسًا يقلق بوتين الذي قال بشيء من قلة الثقة «آمل جدا في أن يتمكن الجيش (النظامي) السوري من تثبيت وجوده (في حلب)». وفي شأن المفاوضات في آستانة حرص بوتين على التوضيح مسبقًا بأن اختيار تلك المدينة لا يعني أنها بديل عن جنيف، بل متممة لها حسب قوله، مشددا على أنه «بغض النظر عن المكان الذي ستلتقي فيه الأطراف المتنازعة، فمن الصواب القيام بذلك والسعي نحو التسوية السياسية».

لا تفكير بإدلب
في السياق نفسه، قال مصدر مطلع من العاصمة الروسية لـ«الشرق الأوسط» معلقا على تصريحات بوتين، إن روسيا لا تفكر راهنًا بموضوع معركة إدلب، زاعمًا أن «جل همها الآن وضع الأزمة السورية على المسار السياسي والتخفيف من دور القوة العسكرية في الأزمة السورية»، دون أن يستبعد احتمال «دراسة العسكريين مسبقا لأي تطور محتمل ميدانيًا».
وأشار المصدر بهذا الصدد إلى أن «موسكو تفضل حاليا تحريك المسار السياسي، وهي تعلق الكثير من الآمال على موقف أنقرة في هذا الشأن، لا سيما بعد أن أظهرت القيادة التركية قدرة على التعامل بفعالية وتنفيذ التزاماتها بموجب الاتفاق مع الكرملين» حسب قول المصدر. ومن ثم رجح المصدر المطلع أن يتجدد الحديث عن ضرورة الفصل بين المعارضة السورية المسلحة وتنظيم «جبهة النصرة» لكن ضمن ظروف مختلفة، موضحا أن «الكثير من المجموعات المسلحة في إدلب ليست راضية تمامًا على ممارسات النصرة، وسيكون لهذا الأمر تأثيره على الوضع في إدلب لاحقا». واختتم كلامه بالقول إن هذه القضية «سيجري البحث عن حلها بالتعاون مع تركيا كذلك»، مكررا تأكيده على أن موسكو تمنح الأولوية حاليا لإطلاق العملية السياسية، وأن «الأمر لن يتوقف عند بذل الجهود بالتعاون مع الشركاء الأتراك، بل وسيتم فتح القنوات الإقليمية والدولية الأخرى في هذا المجال بحال برزت مؤشرات إيجابية» حسب قوله.
وفي تناغم مع تصريحات بوتين حول إطلاق العملية السياسية، قال العقيد سيرغي رودسكوي، مدير دائرة العمليات في قيادة الأركان الروسية، خلال مؤتمر صحافي يوم أمس إنه «مع خروج التشكيلات المسلحة من شرق حلب وإنجاز عملية تحريرها، تشكلت كل الظروف (المناسبة) للتسوية السياسية للنزاع». وتتناقض التصريحات الروسية، إن كان ما قاله بوتين أو ما قاله رودسكوي، مع نوايا النظام وحلفائه، الذين كانوا قد صرحوا أكثر من مرة عن نيتهم مواصلة القتال حتى النهاية.

تقرير عن «الحلفاء»
وفي غضون ذلك يبدو أن قدرة الروس الفعلية على القتال تشكل أحد أهم الأسباب التي تدفع الروس نحو محاولة جديدة لإحياء المسار السياسي. وكان المحلل العسكري الروسي ميخائيل خودارينوك، قد كشف عن حقيقة قوة النظام وحلفائه في تقرير موسّع نشره في صحيفة «غازيتا رو» عرض في سياقه معلومات مثيرة حول ما جرى في مدينة تدمر. وحسب المحلل العسكري الروسي في تقريره فإن قيادة النظام السوري «كذبت على المواطنين» عندما كانت تروي لهم حكايات عن التصدي ببسالة لتنظيم داعش الإرهابي، ولكن في الواقع «فقد أصبحت قوات الأسد بعد الطلقات الأولى لداعش في حالة ذعر، إذ ألقوا أسلحتهم وتركوا الآليات العسكرية وهربوا من تدمر. وبالكاد تم إيقاف القوات السورية (الباسلة) غربي تدمر بالقرب من مطار التي فور». ويؤكد خودارينوك أن النظام كذب أيضًا حين قال: إن هجوم «داعش» شكل مفاجأة، إذ اتضح أنه تم تقديم معلومات مسبقا حول الوضع في المدينة للقيادة العسكرية في قوات النظام. وكان نائب رئيس هيئة الأركان للقوات المسلحة السورية (النظامية) أول الهاربين من تدمر، وعثر عليه بصعوبة بعد يومين من البحث.
وبالنسبة لحلفاء النظام يقول العقيد خودارينوك في تقريره في صحيفة «غازيتا رو» إن عناصر ما يسمى «حزب الله» حسب تقديرات الخبراء العسكريين «لا يقاتلون أبدا بل يثرثرون. وأما (فاطميون) فهم يثيرون الغبار بلا فعل، وتشكيلات الحرس الثوري الإيراني يقفون كالأصنام ولا يتقدمون». كذلك يشير خودارينوك إلى أن المستشارين العسكريين الروس «يتحدثون بيأس ويقولون: إنه لا يمكن الثقة بالإيرانيين، ويؤكدون أنهم يقدمون لهم أسلحة وذخيرة، لكن سرعان ما يختفي ذلك كله، وعند سؤال الإيرانيين أين ذهبوا بالسلاح والذخيرة، يردون: إنها الحرب!».

أجواء أنقرة
في هذه الأثناء، في تركيا، تناول وزير الخارجية جاويش أوغلو، خلال مؤتمر صحافي أمس في أنقرة، بعد كلامه عن «وجود توافق روسي تركي إيراني» والاجتماع المزمع في كازاخستان، تعليق عملية إجلاء المدنيين من شرق حلب، فقال: إن عمليات الإجلاء «ستستمر مع تزايد أعداد المدنيين الراغبين بمغادرة المدينة». وأردف أن نحو ست قوافل مكونة من حافلات عدة وصلت إلى مدينة إدلب آتية من حلب.
واتهم الوزير التركي، من جهة أخرى، قوات نظام الأسد وداعميه «بمحاولة عرقلة إجلاء المدنيين، خاصة بعد تعرض إحدى القوافل لإطلاق نار». ولفت إلى اتصال أجراه مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف حول هذا التطور. وعلم أن جاويش أوغلو أجرى 6 اتصالات هاتفية مع نظيره الإيراني على مدى 72 ساعة لمتابعة التطورات في عمليات الإجلاء من حلب أولا بأول، وحث طهران «على التأثير» على الميليشيات الموالية لها للكف عن عرقلة عمليات الإجلاء. ثم قال: «اتصالاتي المتكررة مع السيد ظريف تأتي في إطار ممارسة القيادة الإيرانية الضغط على الميليشيات الموجودة في سوريا للالتزام بوقف إطلاق النار».
وشدد الوزير التركي على أن الهدف الرئيسي لأنقرة هو تطبيق وقف إطلاق النار في عموم سوريا وفك الحصار عن المناطق دون تمييز «طائفي» وإحلال السلام في سوريا عن طريق الحل السياسي.
وبعدها أشار إلى أن الهلال الأحمر التركي وإدارة الطوارئ والكوارث الطبيعية تقدم جميع الخدمات للمدنيين الخارجين من شرق حلب «الذين بلغ عددهم قرابة 7 آلاف و500 إلى الآن».
وعلى صعيد متصل أعلن رئيس جمعية الهلال الأحمر التركي كرم كينك أمس استقبال المستشفيات التركية أكثر من 60 جريحا من حلب فيما أكد وزير الصحة التركي رجب أكداغ أن بلاده جهزت ثلاثة مستشفيات متنقلة على الحدود السورية إلى جانب 13 سيارة إسعاف تضم فرقا طبية لنقل الجرحى والمصابين.

السفارة التركية في دمشق
على صعيد آخر، قال جاويش أوغلو إنه «لا صحة على الإطلاق لما تردد في بعض وسائل الإعلام حول اعتزام تركيا فتح سفارتها مجددًا في العاصمة السورية دمشق وإجراء لقاءات مع النظام السوري»، وأضاف: «هذه المعلومات عارية عن الصحة تمامًا، ولا يمكن لأنقرة أن تتحاور مع نظام تسبب في مقتل مئات الآلاف».
ثم تابع أنّ تركيا سعت منذ بدء الأزمة السورية من أجل التوصل إلى حل الأزمة بالطرق السياسية، ونجحت في إقناع المعارضين بالذهاب إلى جنيف والمشاركة في جميع الاجتماعات التي عقدت من أجل الحل السياسي.
وأردف أن المساعي التركية لم تقتصر على إقناع المعارضة بالمشاركة في اجتماعات جنيف، بل عملت تركيا على عقد اجتماع بين روسيا والمعارضة السورية في العاصمة أنقرة، وأن هذه المساعي نجحت في بعض الأحيان ولم تثمر في أحيان أخرى، بسبب نقض النظام السوري تعهداته حيال الالتزام بوقف إطلاق النار لمرات عدة.

اتصال إردوغان - أوباما
على صعيد الاتصالات الجارية بين أنقرة ومختلف الأطراف أجرى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مساء الخميس اتصالا هاتفيا مع الرئيس الأميركي باراك أوباما لبحث الوضع في حلب. كذلك أجرى رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم اتصالا هاتفيا أمس مع النائب الأول للرئيس الإيراني إسحاق جيهانجري اشتكى فيها استهداف المدنيين خلال سير عمليات الإجلاء في المدينة السورية حلب، مشددا على أن الوضع مثير للقلق، وتعهد جيهانجيري بأن تعمل بلاده على ضمان تنفيذ عمليات الإجلاء دون عراقيل.



قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
TT

قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)

على الرغم من استقرار أسعار كثير من السلع الأساسية، فإن اليمنيين يترقبون بقلق بالغ تأثيرات خطرة جراء التطوراتِ العسكرية في المنطقة، واستهدافِ مصادر الطاقة وخطوط نقلها، وانعكاس ذلك على اقتصاد بلدهم الذي يعاني الهشاشة، ويعدّ الأكبر اعتماداً على الواردات والأقل قدرة على امتصاص الصدمات.

ومثلما يهدد استهداف منشآت الطاقة وخطوط نقلها ضمن العمليات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من الجهة الأخرى، الاقتصاد العالمي بمزيد من الأزمات، فإن اليمن يقع في مركز دائرة الخطر؛ حيث تسود مخاوف واسعة من تضخم فاتورة الاستيراد، وتوسع حجم الفجوة المالية التي تؤرق السلطات والسكان.

ويستورد اليمن نحو 90 في المائة من غذائه؛ مما يرجح احتمال تأثر القدرة الشرائية للسكان بسرعة بأي اضطراب في أسواق الطاقة أو طرق التجارة الدولية.

واشتكى أمين مهيم، وهو مهندس نظم معلومات، من ارتفاع أسعار كثير من السلع، التي تُستهلك بوصفها هدايا في المناسبات، خلال الأيام الماضية، رغم انقضاء إجازة العيد، وهو الذي توجه إلى الأسواق، أخيراً، مفترضاَ انخفاض أسعارها.

الجزء الأكبر من غذاء اليمنيين يأتي عبر الاستيراد مما يجعل البلد عرضة لتأثر النقل بالحرب (أ.ف.ب)

وبين مهيم لـ«الشرق الأوسط» أنه اضطر إلى السفر إلى قريته بمحافظة لحج بعد عيد الفطر؛ بسبب ارتباطاته المهنية خلال الإجازة، وحين عرج على الأسواق لشراء هدايا وأغذية غير أساسية، مثل الزبيب والمكسرات، ليحملها إلى أقاربه، فوجئ بفوارق سعرية كبيرة عمّا كانت عليه قبيل العيد، وسط تبريرات الباعة بأن الحرب فرضت تكاليف نقل كبيرة على الاستيراد.

وبينما يبدي عشرات التجار والمستوردين وسائقي النقل مخاوفهم من عدم القدرة على السيطرة على الأسعار خلال الأسابيع المقبلة، أكد مصدر مسؤول في وزارة النقل أن جميع المعنيين بنقل وتوريد السلع أُبلغوا بعدم زيادة الرسوم الخاصة بما تُسمى «مخاطر الحرب»؛ «لأن اليمن لم يتأثر، حتى الآن، بشكل مباشر بالعمليات العسكرية الدائرة في المنطقة».

بوادر غلاء

المصدر الحكومي، الذي فضل التحفظ على هويته؛ لعدم امتلاكه صلاحية الحديث لوسائل الإعلام، أوضح أن السلع الأساسية المتوجهة إلى اليمن «لم تتأثر إلا بشكل محدود بسبب عدم مرورها بطرق التجارة التي تقع ضمن دائرة الحرب، على عكس سلع أخرى توقفت في موانئ خليجية، مثل الملابس والأجهزة الإلكترونية».

متطلبات المعيشة في اليمن تتأثر بقوة جراء أي أزمة في الوقود (رويترز)

إلا إنه رفض التعليق بشأن إمكانية أن يَظهر تأثير كبير أو خطير في الفترة المقبلة، مطالباً بعدم إثارة فزع السكان.

ولم تشهد أسعار الوقود أي زيادة في اليمن، إلا إن الشركات التجارية وشركات النقل تتذرع بارتفاع تكلفة النقل الخارجي والتأمين البحري بفعل تهديدات الملاحة العالمية وارتفاع أسعار الوقود؛ بسبب استهداف منشآت الطاقة في دول الخليج وإغلاق إيران مضيق هرمز.

ويقول عاملون في قطاع النقل البحري إن شركات الشحن تفرض عادة رسوماً إضافية تُعرف بـ«رسوم مخاطر الحرب» عندما ترتفع التوترات في الممرات البحرية القريبة من مناطق الصراع.

ويرتبط الموقع الجغرافي لليمن مباشرة بالتوترات التي تطول الملاحة البحرية في المنطقة، بالنظر إلى الإطلالة على مضيق باب المندب؛ أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي تمرّ نسبة مهمة من تجارة الطاقة العالمية عبره، حيث يؤثر سريعاً أيُّ تصاعد في المخاطر الأمنية بالبحر الأحمر على تكاليف الشحن والتأمين على السفن المتجهة إلى الموانئ اليمنية.

التطورات العسكرية الإقليمية تهدد الإصلاحات الحكومية اليمنية لدعم استقرار العملة المحلية (أ.ف.ب)

ويدعو يوسف سعيد أحمد، أستاذ الاقتصاد في جامعة عدن، إلى مواصلة دعم وتعضيد السياسات الاحترازية التي يتبعها «البنك المركزي»، والتي من شأنها الوقاية من الآثار المباشرة للحرب الدائرة في المنطقة على الاقتصاد اليمني.

وحذر في حديثه لـ«الشرق الأوسط» من انعكاس التطورات الاقتصادية للحرب الحالية على حجم الموارد الخارجية، وتأثر أسعار الصرف سلباً، «خصوصاً أن الحرب ما زالت مستمرة، واليمن مرتبط بالاقتصاد الخليجي، خصوصاً السعودي، سواء أكان من جهة الدعم أم تحويلات المغتربين، وهما متغيران من المحتمل أن يتركا آثارهما على البلاد».

اختلال الميزان التجاري

يبدي كثير من المسؤولين الحكوميين والسكان والتجار اليمنيين قلقاً من احتمالية ظهور سوق سوداء للوقود في حال تأخر وصول شحنات النفط إلى الموانئ اليمنية، أو تأثرت البلاد بارتفاع أسعاره عالمياً، هذا إلى جانب احتمال ارتفاع أسعاره محلياً في أي وقت.

الأسواق اليمنية شهدت ارتفاع أسعار بعض السلع بحجة ازدياد تكلفة النقل البحري (أ.ف.ب)

ويتوقع فارس النجار، المستشار الاقتصادي في مكتب الرئاسة اليمنية، أن تؤدي أي صدمة خارجية، مثل ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب سلاسل الإمداد، إلى تأثيرات مضاعفة، «فزيادة بنسبة ما بين 10 و12 في المائة ستضيف في فاتورة الاستيراد ما بين 1.5 و1.8 مليار دولار سنوياً».

ويشير إلى أن قيمة الواردات اليمنية خلال العام ما قبل الماضي «بلغت نحو 15.5 مليار دولار، مقابل صادرات لم تتجاوز ملياراً؛ مما يعكس اختلالاً واضحاً في الميزان التجاري واعتماداً كبيراً على التحويلات والمنح لتغطية فجوة تمويلية ضخمة».

إلا إنه يتفاءل بالتجربة الأخيرة لإدارة السياسات الاقتصادية التي يمكن أن تحد من حدة الصدمات، «بعد أن أدت إجراءات (البنك المركزي)، وتنظيم الاستيراد، إلى استقرار سعر الصرف وتحسين الإيرادات غير النفطية للحكومة بنحو 50 في المائة، وإن كان تحسناً هشاً بسبب غياب الموارد السيادية».

اقتصاد اليمن يفتقر إلى أهم موارده وهو إيرادات النفط الذي استهدف الحوثيون منشآت تصديره (رويترز)

ومنذ سنوات أدى توقف صادرات النفط، بفعل اعتداءات الجماعة الحوثية، إلى حرمان الحكومة من أهم مصدر للإيرادات، وتتضاعف تكلفة هذا التوقف حالياً بسبب ارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

ويقدر خبراء مطلعون على السجلات الرسمية أن نحو 70 في المائة من إيرادات الحكومة كانت تأتي من النفط، في وقت يعاني فيه نحو 22 مليون يمني من انعدام الأمن الغذائي، وفق تقديرات أممية؛ مما يجعل أي ارتفاع جديد في أسعار الوقود أو الغذاء عبئاً إضافياً على ملايين الأسر.


تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
TT

تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)

شنّت الجماعة الحوثية حملة اعتقالات واسعة شملت عشرات المدنيين في محافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء) عقب مقتل عشرة من عناصرها في كمين استهدف إحدى دورياتها، في تطور يعكس تصاعد المواجهة مع أبناء القبائل في مناطق سيطرتها.

جاء ذلك بالتوازي مع إعلان القوات اليمنية الحكومية إحباط تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة في محافظة حضرموت كانت متجهة إلى مناطق سيطرة الجماعة الحوثية.

وأفادت مصادر محلية في البيضاء لـ«الشرق الأوسط» بأن أبناء القبائل في منطقتي المناسح وحمة صرار، التابعتين لمديرية «ولد ربيع»، نفذوا هجوماً استهدف دورية أمنية حوثية على الطريق الرئيسي، كانت تقل عشرة من عناصر الجماعة، بينهم مشرفون ميدانيون، ما أدى إلى مقتلهم جميعاً.

وحسب المصادر، جرى تنفيذ العملية باستخدام عبوات ناسفة، بعد رصد دقيق لتحركات الدورية، في سياق حالة احتقان متصاعدة تشهدها المديرية، نتيجة ما يصفه السكان بانتهاكات متكررة تشمل الاعتداء على الممتلكات والمزارع، والتضييق على الأنشطة الدينية، في إطار محاولات فرض توجهات فكرية ومذهبية.

كمية من الأسلحة صادرتها قوات درع الوطن في وادي حضرموت (إعلام عسكري)

وفي أعقاب الهجوم، دفعت الجماعة الحوثية بتعزيزات عسكرية كبيرة إلى مديرية ولد ربيع، ضمت عشرات العربات والمسلحين، ونفذت حملة مداهمات واسعة في قرى المناسح وحمة صرار وسيلة الجراح، أسفرت عن اعتقال عشرات المدنيين، بذريعة البحث عن المتورطين في الكمين.

وقال مدير مديرية رداع المعين من الحكومة الشرعية، منيف الذهب، إن المعتقلين جرى اقتيادهم إلى مركز قضاء رداع، حيث انضموا إلى محتجزين آخرين من أبناء المنطقة، كانوا قد اعتُقلوا في حملات سابقة على خلفية حوادث مشابهة، ما يعزز مخاوف السكان من تصاعد سياسة العقاب الجماعي.

إحباط تهريب أسلحة

بالتزامن مع هذه التطورات، أعلنت قوات الطوارئ اليمنية إحباط محاولة تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة كانت في طريقها إلى الجماعة الحوثية، في عملية نوعية نُفذت بمحافظة حضرموت.

وذكر المركز الإعلامي للفرقة الأولى أن الشحنة ضُبطت داخل شاحنة نقل كبيرة كانت محمّلة بسلال من الخضراوات، حيث أخفيت الأسلحة والذخائر والطائرات المسيّرة بإحكام أسفل الحمولة، في محاولة للتمويه وتفادي نقاط التفتيش.

وأوضح أن العملية أسفرت عن ضبط السائق والتحفظ على المضبوطات، تمهيداً لإحالتهما إلى الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية، مشيراً إلى أن هذه العملية تعكس مستوى متقدماً من الجاهزية الأمنية والقدرة على تفكيك شبكات التهريب.

وتأتي هذه الضبطية ضمن سلسلة إجراءات تهدف إلى قطع خطوط الإمداد العسكري للجماعة الحوثية، التي تعتمد، وفق تقديرات حكومية، على شبكات تهريب معقدة لإيصال الأسلحة النوعية، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، إلى مناطق سيطرتها.

هيكلة الأمن في عدن

في سياق موازٍ، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لإعادة تنظيم المنظومة الأمنية في المناطق المحررة، حيث عقدت اللجنة المكلفة بهيكلة ودمج التشكيلات الأمنية اجتماعاً مشتركاً مع قيادة أمن عدن، بحضور قيادات بارزة من وزارة الداخلية والمؤسسات العسكرية.

وناقش الاجتماع احتياجات شرطة عدن من الموارد البشرية والآليات، إلى جانب آليات دمج التشكيلات الأمنية التي لا تزال خارج إطار الوزارة، بما يسهم في توحيد القرار الأمني وتحديد الاختصاصات بشكل واضح.

لجنة دمج وهيكلة الوحدات الأمنية تلتقي قيادة أمن عدن (الإعلام الأمني)

وأكد المشاركون أن هذه الخطوة تمثل مساراً استراتيجياً لبناء جهاز أمني متكامل، قادر على مواجهة التحديات الأمنية وتعزيز الاستقرار، خصوصاً في ظل التهديدات المستمرة التي تواجهها البلاد.

كما شددوا على أهمية رفع مستوى التنسيق بين مختلف الوحدات، والعمل بروح الفريق الواحد، بما يعزز كفاءة الأداء الأمني، ويعيد ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

ويرى مراقبون أن نجاح جهود الدمج والهيكلة يمثل عنصراً حاسماً في تثبيت الاستقرار في المدن المحررة، ومنع أي اختلالات أمنية قد تستغلها الجماعات المسلحة أو الشبكات الإجرامية.


تنديد أممي باستمرار اعتقال موظفي المنظمة في سجون الحوثيين

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ب)
TT

تنديد أممي باستمرار اعتقال موظفي المنظمة في سجون الحوثيين

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ب)

في يوم التضامن مع الموظفين المحتجزين والمفقودين، أطلق مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، بياناً شديد اللهجة حمل إدانة صريحة لسلطات الأمر الواقع في اليمن، متهماً إياها بمواصلة احتجاز 73 موظفاً في الأمم المتحدة، بينهم 8 من مكتبه، في انتهاك صارخ للقوانين والأعراف الدولية التي تحمي العاملين في المجال الإنساني.

وأكد تورك أن بعض هؤلاء الموظفين حُرموا من حريتهم منذ 5 سنوات، في ظل معاناة إنسانية لا تُحتمل تطولهم وتطول أسرهم، جرّاء هذا الاحتجاز التعسفي الذي يتفاقم يوماً بعد يوم.

ووصف المفوض السامي ما يتعرض له الزملاء العاملون في المنظمة الأممية والعاملون في المجال الإنساني في اليمن بأنه ظلم متواصل، داعياً إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المحتجزين.

وشدد البيان على أن احتجاز موظفي الأمم المتحدة غير مقبول تحت أي ظرف، فضلاً عن توجيه تهم جنائية إليهم لمجرد قيامهم بعملهم الحيوي الذي يخدم الشعب اليمني، في ظل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

وجاء هذا الموقف الأممي الحازم ليكشف مجدداً النهج الذي تتبعه الجماعة الحوثية في استهداف العمل الإنساني وموظفي الإغاثة، مستخدمة إياهم ورقةَ ضغط في صراعها العبثي، ومحولة معاناة اليمنيين إلى سلاح لابتزاز المجتمع الدولي.

ضبط سفينة تهريب

على صعيد آخر، تتواصل الأنشطة الإيرانية المقلقة عبر تهريب الأسلحة والمعدات إلى الجماعة الحوثية؛ حيث أعلنت الحملة الأمنية لقوات العمالقة بقيادة العميد حمدي شكري، قائد الفرقة الثانية عمالقة، عن إحباط محاولة تهريب جديدة قبالة سواحل مديرية المضاربة ورأس العارة بمحافظة لحج، القريبة من مضيق باب المندب الاستراتيجي.

وتمكنت القوات البحرية في الحملة من ضبط سفينة تهريب قادمة من إيران، تحمل شحنة من الأدوية غير المصرح بدخولها وأسلاك معدنية مزدوجة الاستخدام، في عملية نوعية تعكس اليقظة الأمنية العالية التي تنتهجها القوات لمراقبة الخطوط البحرية ومنع تدفق الإمدادات الإيرانية إلى الحوثيين.

صورة لسفينة تهريب اعترضتها القوات اليمنية كانت قادمة من إيران (إكس)

وأوضح مصدر أمني في الحملة أن عملية الضبط جاءت بعد عمليات رصد وتتبع دقيقة في المياه الإقليمية؛ حيث تم إلقاء القبض على طاقم السفينة المكون من 10 بحارة يحملون الجنسية الباكستانية.

وحسب التحقيقات الأولية، فقد انطلقت الشحنة من ميناء بندر عباس الإيراني في 12 مارس (آذار) الحالي 2026، وكانت في طريقها إلى ميناء الصليف بمحافظة الحديدة، الذي يخضع لسيطرة الجماعة الحوثية المدعومة من إيران.

ويأتي هذا الضبط ليؤكد مجدداً نمط التهريب الإيراني المستمر عبر خطوط إمداد بحرية تمتد من المواني الإيرانية مباشرة إلى الحوثيين، وهي العمليات التي نجحت القوات اليمنية في إفشال العديد منها خلال الفترة الماضية، إذ تعد هذه العملية الثالثة من نوعها التي تضبطها الوحدة البحرية التابعة للحملة الأمنية والعسكرية لألوية العمالقة.

وذكرت المصادر الرسمية، أنه تم تحريز المضبوطات ونقل طاقم السفينة إلى الحجز لاستكمال التحقيقات، تمهيداً لإحالتهم إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.