بوتين يسعى مع أنقرة لإطلاق «العملية السياسية» في سوريا

اعتبر محطة آستانة «مكملة لمسار جنيف» * موسكو تشكك في قدرات جيش الأسد والميليشيات الحليفة

فريق خدمات طبية تركي يحمل جرحى سوريين أجلوا من حلب عند نقطة على الحدود التركية (أ.ب)
فريق خدمات طبية تركي يحمل جرحى سوريين أجلوا من حلب عند نقطة على الحدود التركية (أ.ب)
TT

بوتين يسعى مع أنقرة لإطلاق «العملية السياسية» في سوريا

فريق خدمات طبية تركي يحمل جرحى سوريين أجلوا من حلب عند نقطة على الحدود التركية (أ.ب)
فريق خدمات طبية تركي يحمل جرحى سوريين أجلوا من حلب عند نقطة على الحدود التركية (أ.ب)

تبدو موسكو كأنها غير متحمسة، بعكس حلفائها، بشأن «إدلب بعد حلب»، وفي حين ينتظر الجميع لمعرفة خطوة «اليوم التالي» بعد احتلال الميليشيات الإيرانية وما يُسمى «حزب الله» مدينة حلب، عاصمة الشمال السوري، كشف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن رؤية يجري العمل لتطبيقها بعد انتهاء الوضع شرق المدينة. وفي حين أكد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو «وجود توافق روسي تركي إيراني» على ضرورة وقف إطلاق النار في سوريا، أجرى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان اتصالا هاتفيا بالرئيس الأميركي باراك أوباما ناقش فيه وضع حلب.

كلام بوتين
خلال مؤتمر صحافي مشترك عقد بوتين مع رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي في العاصمة اليابانية طوكيو يوم أمس، عرض الرئيس الروسي رؤيته التي تقوم على «التوصل لاتفاق حول وقف إطلاق النار على كل الأراضي السورية». وذكر أن روسيا تجري «محادثات نشطة» بهذا الخصوص مع ممثلي المعارضة المسلحة، بوساطة تركية.
وتابع بوتين بهذا الصدد قائلا: «خلال محادثاتي الهاتفية يوم أول من أمس مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، اتفقنا أن نقترح على الأطراف المتنازعة، نحن من جانبنا على الحكومة (النظامية) السورية، والرئيس التركي على ممثلي المعارضة المسلحة مواصلة عملية المفاوضات السلمية على منصة جديدة». واقترح من ثم أن تكون العاصمة الكازاخية آستانة، تلك المنصة الجديدة التي تجري عليها المفاوضات بين النظام وممثلي المعارضة السورية المسلحة.
من جهة ثانية، بينما اعتبر الرئيس الروسي أن الوضع في مدينة تدمر يشكل «مسألة رمزية» ليست ذات أهمية، فإنه وصف الوضع في مدينة حلب بأنه «موضوع أكثر أهمية بالطبع من الناحية العسكرية والسياسية». وكشف النقاب عن أن «ما يجري في حلب الآن هو تماما ما اتفقنا عليه مع الرئيس إردوغان خلال زيارته مدينة بطرسبرغ». وما تم الاتفاق عليه حينها، حسب قول بوتين، هو أن «تساهم تركيا بكل شكل ممكن في خروج المقاتلين الذين يوافقون على رمي السلاح من المدينة». ولكن تبقى مسألة سيطرة النظام على مدينة حلب هاجسًا يقلق بوتين الذي قال بشيء من قلة الثقة «آمل جدا في أن يتمكن الجيش (النظامي) السوري من تثبيت وجوده (في حلب)». وفي شأن المفاوضات في آستانة حرص بوتين على التوضيح مسبقًا بأن اختيار تلك المدينة لا يعني أنها بديل عن جنيف، بل متممة لها حسب قوله، مشددا على أنه «بغض النظر عن المكان الذي ستلتقي فيه الأطراف المتنازعة، فمن الصواب القيام بذلك والسعي نحو التسوية السياسية».

لا تفكير بإدلب
في السياق نفسه، قال مصدر مطلع من العاصمة الروسية لـ«الشرق الأوسط» معلقا على تصريحات بوتين، إن روسيا لا تفكر راهنًا بموضوع معركة إدلب، زاعمًا أن «جل همها الآن وضع الأزمة السورية على المسار السياسي والتخفيف من دور القوة العسكرية في الأزمة السورية»، دون أن يستبعد احتمال «دراسة العسكريين مسبقا لأي تطور محتمل ميدانيًا».
وأشار المصدر بهذا الصدد إلى أن «موسكو تفضل حاليا تحريك المسار السياسي، وهي تعلق الكثير من الآمال على موقف أنقرة في هذا الشأن، لا سيما بعد أن أظهرت القيادة التركية قدرة على التعامل بفعالية وتنفيذ التزاماتها بموجب الاتفاق مع الكرملين» حسب قول المصدر. ومن ثم رجح المصدر المطلع أن يتجدد الحديث عن ضرورة الفصل بين المعارضة السورية المسلحة وتنظيم «جبهة النصرة» لكن ضمن ظروف مختلفة، موضحا أن «الكثير من المجموعات المسلحة في إدلب ليست راضية تمامًا على ممارسات النصرة، وسيكون لهذا الأمر تأثيره على الوضع في إدلب لاحقا». واختتم كلامه بالقول إن هذه القضية «سيجري البحث عن حلها بالتعاون مع تركيا كذلك»، مكررا تأكيده على أن موسكو تمنح الأولوية حاليا لإطلاق العملية السياسية، وأن «الأمر لن يتوقف عند بذل الجهود بالتعاون مع الشركاء الأتراك، بل وسيتم فتح القنوات الإقليمية والدولية الأخرى في هذا المجال بحال برزت مؤشرات إيجابية» حسب قوله.
وفي تناغم مع تصريحات بوتين حول إطلاق العملية السياسية، قال العقيد سيرغي رودسكوي، مدير دائرة العمليات في قيادة الأركان الروسية، خلال مؤتمر صحافي يوم أمس إنه «مع خروج التشكيلات المسلحة من شرق حلب وإنجاز عملية تحريرها، تشكلت كل الظروف (المناسبة) للتسوية السياسية للنزاع». وتتناقض التصريحات الروسية، إن كان ما قاله بوتين أو ما قاله رودسكوي، مع نوايا النظام وحلفائه، الذين كانوا قد صرحوا أكثر من مرة عن نيتهم مواصلة القتال حتى النهاية.

تقرير عن «الحلفاء»
وفي غضون ذلك يبدو أن قدرة الروس الفعلية على القتال تشكل أحد أهم الأسباب التي تدفع الروس نحو محاولة جديدة لإحياء المسار السياسي. وكان المحلل العسكري الروسي ميخائيل خودارينوك، قد كشف عن حقيقة قوة النظام وحلفائه في تقرير موسّع نشره في صحيفة «غازيتا رو» عرض في سياقه معلومات مثيرة حول ما جرى في مدينة تدمر. وحسب المحلل العسكري الروسي في تقريره فإن قيادة النظام السوري «كذبت على المواطنين» عندما كانت تروي لهم حكايات عن التصدي ببسالة لتنظيم داعش الإرهابي، ولكن في الواقع «فقد أصبحت قوات الأسد بعد الطلقات الأولى لداعش في حالة ذعر، إذ ألقوا أسلحتهم وتركوا الآليات العسكرية وهربوا من تدمر. وبالكاد تم إيقاف القوات السورية (الباسلة) غربي تدمر بالقرب من مطار التي فور». ويؤكد خودارينوك أن النظام كذب أيضًا حين قال: إن هجوم «داعش» شكل مفاجأة، إذ اتضح أنه تم تقديم معلومات مسبقا حول الوضع في المدينة للقيادة العسكرية في قوات النظام. وكان نائب رئيس هيئة الأركان للقوات المسلحة السورية (النظامية) أول الهاربين من تدمر، وعثر عليه بصعوبة بعد يومين من البحث.
وبالنسبة لحلفاء النظام يقول العقيد خودارينوك في تقريره في صحيفة «غازيتا رو» إن عناصر ما يسمى «حزب الله» حسب تقديرات الخبراء العسكريين «لا يقاتلون أبدا بل يثرثرون. وأما (فاطميون) فهم يثيرون الغبار بلا فعل، وتشكيلات الحرس الثوري الإيراني يقفون كالأصنام ولا يتقدمون». كذلك يشير خودارينوك إلى أن المستشارين العسكريين الروس «يتحدثون بيأس ويقولون: إنه لا يمكن الثقة بالإيرانيين، ويؤكدون أنهم يقدمون لهم أسلحة وذخيرة، لكن سرعان ما يختفي ذلك كله، وعند سؤال الإيرانيين أين ذهبوا بالسلاح والذخيرة، يردون: إنها الحرب!».

أجواء أنقرة
في هذه الأثناء، في تركيا، تناول وزير الخارجية جاويش أوغلو، خلال مؤتمر صحافي أمس في أنقرة، بعد كلامه عن «وجود توافق روسي تركي إيراني» والاجتماع المزمع في كازاخستان، تعليق عملية إجلاء المدنيين من شرق حلب، فقال: إن عمليات الإجلاء «ستستمر مع تزايد أعداد المدنيين الراغبين بمغادرة المدينة». وأردف أن نحو ست قوافل مكونة من حافلات عدة وصلت إلى مدينة إدلب آتية من حلب.
واتهم الوزير التركي، من جهة أخرى، قوات نظام الأسد وداعميه «بمحاولة عرقلة إجلاء المدنيين، خاصة بعد تعرض إحدى القوافل لإطلاق نار». ولفت إلى اتصال أجراه مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف حول هذا التطور. وعلم أن جاويش أوغلو أجرى 6 اتصالات هاتفية مع نظيره الإيراني على مدى 72 ساعة لمتابعة التطورات في عمليات الإجلاء من حلب أولا بأول، وحث طهران «على التأثير» على الميليشيات الموالية لها للكف عن عرقلة عمليات الإجلاء. ثم قال: «اتصالاتي المتكررة مع السيد ظريف تأتي في إطار ممارسة القيادة الإيرانية الضغط على الميليشيات الموجودة في سوريا للالتزام بوقف إطلاق النار».
وشدد الوزير التركي على أن الهدف الرئيسي لأنقرة هو تطبيق وقف إطلاق النار في عموم سوريا وفك الحصار عن المناطق دون تمييز «طائفي» وإحلال السلام في سوريا عن طريق الحل السياسي.
وبعدها أشار إلى أن الهلال الأحمر التركي وإدارة الطوارئ والكوارث الطبيعية تقدم جميع الخدمات للمدنيين الخارجين من شرق حلب «الذين بلغ عددهم قرابة 7 آلاف و500 إلى الآن».
وعلى صعيد متصل أعلن رئيس جمعية الهلال الأحمر التركي كرم كينك أمس استقبال المستشفيات التركية أكثر من 60 جريحا من حلب فيما أكد وزير الصحة التركي رجب أكداغ أن بلاده جهزت ثلاثة مستشفيات متنقلة على الحدود السورية إلى جانب 13 سيارة إسعاف تضم فرقا طبية لنقل الجرحى والمصابين.

السفارة التركية في دمشق
على صعيد آخر، قال جاويش أوغلو إنه «لا صحة على الإطلاق لما تردد في بعض وسائل الإعلام حول اعتزام تركيا فتح سفارتها مجددًا في العاصمة السورية دمشق وإجراء لقاءات مع النظام السوري»، وأضاف: «هذه المعلومات عارية عن الصحة تمامًا، ولا يمكن لأنقرة أن تتحاور مع نظام تسبب في مقتل مئات الآلاف».
ثم تابع أنّ تركيا سعت منذ بدء الأزمة السورية من أجل التوصل إلى حل الأزمة بالطرق السياسية، ونجحت في إقناع المعارضين بالذهاب إلى جنيف والمشاركة في جميع الاجتماعات التي عقدت من أجل الحل السياسي.
وأردف أن المساعي التركية لم تقتصر على إقناع المعارضة بالمشاركة في اجتماعات جنيف، بل عملت تركيا على عقد اجتماع بين روسيا والمعارضة السورية في العاصمة أنقرة، وأن هذه المساعي نجحت في بعض الأحيان ولم تثمر في أحيان أخرى، بسبب نقض النظام السوري تعهداته حيال الالتزام بوقف إطلاق النار لمرات عدة.

اتصال إردوغان - أوباما
على صعيد الاتصالات الجارية بين أنقرة ومختلف الأطراف أجرى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مساء الخميس اتصالا هاتفيا مع الرئيس الأميركي باراك أوباما لبحث الوضع في حلب. كذلك أجرى رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم اتصالا هاتفيا أمس مع النائب الأول للرئيس الإيراني إسحاق جيهانجري اشتكى فيها استهداف المدنيين خلال سير عمليات الإجلاء في المدينة السورية حلب، مشددا على أن الوضع مثير للقلق، وتعهد جيهانجيري بأن تعمل بلاده على ضمان تنفيذ عمليات الإجلاء دون عراقيل.



العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.


سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.