بوتين يسعى مع أنقرة لإطلاق «العملية السياسية» في سوريا

اعتبر محطة آستانة «مكملة لمسار جنيف» * موسكو تشكك في قدرات جيش الأسد والميليشيات الحليفة

فريق خدمات طبية تركي يحمل جرحى سوريين أجلوا من حلب عند نقطة على الحدود التركية (أ.ب)
فريق خدمات طبية تركي يحمل جرحى سوريين أجلوا من حلب عند نقطة على الحدود التركية (أ.ب)
TT

بوتين يسعى مع أنقرة لإطلاق «العملية السياسية» في سوريا

فريق خدمات طبية تركي يحمل جرحى سوريين أجلوا من حلب عند نقطة على الحدود التركية (أ.ب)
فريق خدمات طبية تركي يحمل جرحى سوريين أجلوا من حلب عند نقطة على الحدود التركية (أ.ب)

تبدو موسكو كأنها غير متحمسة، بعكس حلفائها، بشأن «إدلب بعد حلب»، وفي حين ينتظر الجميع لمعرفة خطوة «اليوم التالي» بعد احتلال الميليشيات الإيرانية وما يُسمى «حزب الله» مدينة حلب، عاصمة الشمال السوري، كشف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن رؤية يجري العمل لتطبيقها بعد انتهاء الوضع شرق المدينة. وفي حين أكد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو «وجود توافق روسي تركي إيراني» على ضرورة وقف إطلاق النار في سوريا، أجرى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان اتصالا هاتفيا بالرئيس الأميركي باراك أوباما ناقش فيه وضع حلب.

كلام بوتين
خلال مؤتمر صحافي مشترك عقد بوتين مع رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي في العاصمة اليابانية طوكيو يوم أمس، عرض الرئيس الروسي رؤيته التي تقوم على «التوصل لاتفاق حول وقف إطلاق النار على كل الأراضي السورية». وذكر أن روسيا تجري «محادثات نشطة» بهذا الخصوص مع ممثلي المعارضة المسلحة، بوساطة تركية.
وتابع بوتين بهذا الصدد قائلا: «خلال محادثاتي الهاتفية يوم أول من أمس مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، اتفقنا أن نقترح على الأطراف المتنازعة، نحن من جانبنا على الحكومة (النظامية) السورية، والرئيس التركي على ممثلي المعارضة المسلحة مواصلة عملية المفاوضات السلمية على منصة جديدة». واقترح من ثم أن تكون العاصمة الكازاخية آستانة، تلك المنصة الجديدة التي تجري عليها المفاوضات بين النظام وممثلي المعارضة السورية المسلحة.
من جهة ثانية، بينما اعتبر الرئيس الروسي أن الوضع في مدينة تدمر يشكل «مسألة رمزية» ليست ذات أهمية، فإنه وصف الوضع في مدينة حلب بأنه «موضوع أكثر أهمية بالطبع من الناحية العسكرية والسياسية». وكشف النقاب عن أن «ما يجري في حلب الآن هو تماما ما اتفقنا عليه مع الرئيس إردوغان خلال زيارته مدينة بطرسبرغ». وما تم الاتفاق عليه حينها، حسب قول بوتين، هو أن «تساهم تركيا بكل شكل ممكن في خروج المقاتلين الذين يوافقون على رمي السلاح من المدينة». ولكن تبقى مسألة سيطرة النظام على مدينة حلب هاجسًا يقلق بوتين الذي قال بشيء من قلة الثقة «آمل جدا في أن يتمكن الجيش (النظامي) السوري من تثبيت وجوده (في حلب)». وفي شأن المفاوضات في آستانة حرص بوتين على التوضيح مسبقًا بأن اختيار تلك المدينة لا يعني أنها بديل عن جنيف، بل متممة لها حسب قوله، مشددا على أنه «بغض النظر عن المكان الذي ستلتقي فيه الأطراف المتنازعة، فمن الصواب القيام بذلك والسعي نحو التسوية السياسية».

لا تفكير بإدلب
في السياق نفسه، قال مصدر مطلع من العاصمة الروسية لـ«الشرق الأوسط» معلقا على تصريحات بوتين، إن روسيا لا تفكر راهنًا بموضوع معركة إدلب، زاعمًا أن «جل همها الآن وضع الأزمة السورية على المسار السياسي والتخفيف من دور القوة العسكرية في الأزمة السورية»، دون أن يستبعد احتمال «دراسة العسكريين مسبقا لأي تطور محتمل ميدانيًا».
وأشار المصدر بهذا الصدد إلى أن «موسكو تفضل حاليا تحريك المسار السياسي، وهي تعلق الكثير من الآمال على موقف أنقرة في هذا الشأن، لا سيما بعد أن أظهرت القيادة التركية قدرة على التعامل بفعالية وتنفيذ التزاماتها بموجب الاتفاق مع الكرملين» حسب قول المصدر. ومن ثم رجح المصدر المطلع أن يتجدد الحديث عن ضرورة الفصل بين المعارضة السورية المسلحة وتنظيم «جبهة النصرة» لكن ضمن ظروف مختلفة، موضحا أن «الكثير من المجموعات المسلحة في إدلب ليست راضية تمامًا على ممارسات النصرة، وسيكون لهذا الأمر تأثيره على الوضع في إدلب لاحقا». واختتم كلامه بالقول إن هذه القضية «سيجري البحث عن حلها بالتعاون مع تركيا كذلك»، مكررا تأكيده على أن موسكو تمنح الأولوية حاليا لإطلاق العملية السياسية، وأن «الأمر لن يتوقف عند بذل الجهود بالتعاون مع الشركاء الأتراك، بل وسيتم فتح القنوات الإقليمية والدولية الأخرى في هذا المجال بحال برزت مؤشرات إيجابية» حسب قوله.
وفي تناغم مع تصريحات بوتين حول إطلاق العملية السياسية، قال العقيد سيرغي رودسكوي، مدير دائرة العمليات في قيادة الأركان الروسية، خلال مؤتمر صحافي يوم أمس إنه «مع خروج التشكيلات المسلحة من شرق حلب وإنجاز عملية تحريرها، تشكلت كل الظروف (المناسبة) للتسوية السياسية للنزاع». وتتناقض التصريحات الروسية، إن كان ما قاله بوتين أو ما قاله رودسكوي، مع نوايا النظام وحلفائه، الذين كانوا قد صرحوا أكثر من مرة عن نيتهم مواصلة القتال حتى النهاية.

تقرير عن «الحلفاء»
وفي غضون ذلك يبدو أن قدرة الروس الفعلية على القتال تشكل أحد أهم الأسباب التي تدفع الروس نحو محاولة جديدة لإحياء المسار السياسي. وكان المحلل العسكري الروسي ميخائيل خودارينوك، قد كشف عن حقيقة قوة النظام وحلفائه في تقرير موسّع نشره في صحيفة «غازيتا رو» عرض في سياقه معلومات مثيرة حول ما جرى في مدينة تدمر. وحسب المحلل العسكري الروسي في تقريره فإن قيادة النظام السوري «كذبت على المواطنين» عندما كانت تروي لهم حكايات عن التصدي ببسالة لتنظيم داعش الإرهابي، ولكن في الواقع «فقد أصبحت قوات الأسد بعد الطلقات الأولى لداعش في حالة ذعر، إذ ألقوا أسلحتهم وتركوا الآليات العسكرية وهربوا من تدمر. وبالكاد تم إيقاف القوات السورية (الباسلة) غربي تدمر بالقرب من مطار التي فور». ويؤكد خودارينوك أن النظام كذب أيضًا حين قال: إن هجوم «داعش» شكل مفاجأة، إذ اتضح أنه تم تقديم معلومات مسبقا حول الوضع في المدينة للقيادة العسكرية في قوات النظام. وكان نائب رئيس هيئة الأركان للقوات المسلحة السورية (النظامية) أول الهاربين من تدمر، وعثر عليه بصعوبة بعد يومين من البحث.
وبالنسبة لحلفاء النظام يقول العقيد خودارينوك في تقريره في صحيفة «غازيتا رو» إن عناصر ما يسمى «حزب الله» حسب تقديرات الخبراء العسكريين «لا يقاتلون أبدا بل يثرثرون. وأما (فاطميون) فهم يثيرون الغبار بلا فعل، وتشكيلات الحرس الثوري الإيراني يقفون كالأصنام ولا يتقدمون». كذلك يشير خودارينوك إلى أن المستشارين العسكريين الروس «يتحدثون بيأس ويقولون: إنه لا يمكن الثقة بالإيرانيين، ويؤكدون أنهم يقدمون لهم أسلحة وذخيرة، لكن سرعان ما يختفي ذلك كله، وعند سؤال الإيرانيين أين ذهبوا بالسلاح والذخيرة، يردون: إنها الحرب!».

أجواء أنقرة
في هذه الأثناء، في تركيا، تناول وزير الخارجية جاويش أوغلو، خلال مؤتمر صحافي أمس في أنقرة، بعد كلامه عن «وجود توافق روسي تركي إيراني» والاجتماع المزمع في كازاخستان، تعليق عملية إجلاء المدنيين من شرق حلب، فقال: إن عمليات الإجلاء «ستستمر مع تزايد أعداد المدنيين الراغبين بمغادرة المدينة». وأردف أن نحو ست قوافل مكونة من حافلات عدة وصلت إلى مدينة إدلب آتية من حلب.
واتهم الوزير التركي، من جهة أخرى، قوات نظام الأسد وداعميه «بمحاولة عرقلة إجلاء المدنيين، خاصة بعد تعرض إحدى القوافل لإطلاق نار». ولفت إلى اتصال أجراه مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف حول هذا التطور. وعلم أن جاويش أوغلو أجرى 6 اتصالات هاتفية مع نظيره الإيراني على مدى 72 ساعة لمتابعة التطورات في عمليات الإجلاء من حلب أولا بأول، وحث طهران «على التأثير» على الميليشيات الموالية لها للكف عن عرقلة عمليات الإجلاء. ثم قال: «اتصالاتي المتكررة مع السيد ظريف تأتي في إطار ممارسة القيادة الإيرانية الضغط على الميليشيات الموجودة في سوريا للالتزام بوقف إطلاق النار».
وشدد الوزير التركي على أن الهدف الرئيسي لأنقرة هو تطبيق وقف إطلاق النار في عموم سوريا وفك الحصار عن المناطق دون تمييز «طائفي» وإحلال السلام في سوريا عن طريق الحل السياسي.
وبعدها أشار إلى أن الهلال الأحمر التركي وإدارة الطوارئ والكوارث الطبيعية تقدم جميع الخدمات للمدنيين الخارجين من شرق حلب «الذين بلغ عددهم قرابة 7 آلاف و500 إلى الآن».
وعلى صعيد متصل أعلن رئيس جمعية الهلال الأحمر التركي كرم كينك أمس استقبال المستشفيات التركية أكثر من 60 جريحا من حلب فيما أكد وزير الصحة التركي رجب أكداغ أن بلاده جهزت ثلاثة مستشفيات متنقلة على الحدود السورية إلى جانب 13 سيارة إسعاف تضم فرقا طبية لنقل الجرحى والمصابين.

السفارة التركية في دمشق
على صعيد آخر، قال جاويش أوغلو إنه «لا صحة على الإطلاق لما تردد في بعض وسائل الإعلام حول اعتزام تركيا فتح سفارتها مجددًا في العاصمة السورية دمشق وإجراء لقاءات مع النظام السوري»، وأضاف: «هذه المعلومات عارية عن الصحة تمامًا، ولا يمكن لأنقرة أن تتحاور مع نظام تسبب في مقتل مئات الآلاف».
ثم تابع أنّ تركيا سعت منذ بدء الأزمة السورية من أجل التوصل إلى حل الأزمة بالطرق السياسية، ونجحت في إقناع المعارضين بالذهاب إلى جنيف والمشاركة في جميع الاجتماعات التي عقدت من أجل الحل السياسي.
وأردف أن المساعي التركية لم تقتصر على إقناع المعارضة بالمشاركة في اجتماعات جنيف، بل عملت تركيا على عقد اجتماع بين روسيا والمعارضة السورية في العاصمة أنقرة، وأن هذه المساعي نجحت في بعض الأحيان ولم تثمر في أحيان أخرى، بسبب نقض النظام السوري تعهداته حيال الالتزام بوقف إطلاق النار لمرات عدة.

اتصال إردوغان - أوباما
على صعيد الاتصالات الجارية بين أنقرة ومختلف الأطراف أجرى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مساء الخميس اتصالا هاتفيا مع الرئيس الأميركي باراك أوباما لبحث الوضع في حلب. كذلك أجرى رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم اتصالا هاتفيا أمس مع النائب الأول للرئيس الإيراني إسحاق جيهانجري اشتكى فيها استهداف المدنيين خلال سير عمليات الإجلاء في المدينة السورية حلب، مشددا على أن الوضع مثير للقلق، وتعهد جيهانجيري بأن تعمل بلاده على ضمان تنفيذ عمليات الإجلاء دون عراقيل.



أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.