منافسو بوتفليقة يرفضون نتائج الانتخابات.. وبن فليس يريد تأسيس حزب

توقعات ببقاء المشهد السياسي الجزائري على حاله.. وتعديل الدستور أهم حدث مقبل

أطفال جزائريون يرفعون صورة الرئيس الجزائري بوتفليقة احتفالا بفوزه في الانتخابات أمس (أ.ب)
أطفال جزائريون يرفعون صورة الرئيس الجزائري بوتفليقة احتفالا بفوزه في الانتخابات أمس (أ.ب)
TT

منافسو بوتفليقة يرفضون نتائج الانتخابات.. وبن فليس يريد تأسيس حزب

أطفال جزائريون يرفعون صورة الرئيس الجزائري بوتفليقة احتفالا بفوزه في الانتخابات أمس (أ.ب)
أطفال جزائريون يرفعون صورة الرئيس الجزائري بوتفليقة احتفالا بفوزه في الانتخابات أمس (أ.ب)

رفض عدد من المرشحين الذين نافسوا الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في انتخابات الرئاسة التي جرت الخميس، النتائج التي أعلن عنها وزير الداخلية، وأظهرت فوز بوتفليقة بنسبة كبيرة (81 في المائة)، لكن بنسبة مشاركة متدنية نسبيا (51 في المائة)، مقارنة بالاقتراع الرئاسي السابق (74 في المائة). وعلى عكس انزوائه بعد خسارته أمام بوتفليقة في الاستحقاق الرئاسي السابق، أعلن بن فليس الذي نظم حملة انتخابية جيدة هذه السنة، واستطاع جمع عدد واسع من الشخصيات السياسية حوله، تشكيل حزب سياسي. وبينما توقع محللون بقاء المشهد السياسي على حاله على المدى القصير، فإنهم رأوا أن أهم حدث سيقدم عليه الرئيس الفائز في المرحلة المقبلة هو تعديل الدستور.
وبعد إعلان النتائج الأولية، يبقى أمام المجلس الدستوري مدة أقصاها عشرة أيام، لإعلان النتائج النهائية، بعد دراسة الطعون والفصل فيها، حسب قانون الانتخابات. وأعلن المجلس الدستوري، أمس، أنه «باشر دراسة محاضر اللجان الانتخابية الولائية واللجنة الانتخابية المشرفة على تصويت الجزائريين المقيمين بالخارج، وكذا مختلف الطعون التي وصلت إليه، وعددها 94 طعنا».
وتعليقا على نتائج الانتخابات، قال عمارة بن يونس وزير الصناعة والمتحدث باسم حملة الرئيس بوتفليقة إن الشعب الجزائري هو من قرر أن يكون بوتفليقة رئيسا له. أما مدير حملة بوتفليقة عبد المالك سلال، فقال إن فئات كثيرة من الشعب الجزائري ساندت ترشح بوتفليقة، وساهمت بشكل كبير في فوزه في الانتخابات.
وفي المقابل، أعلن بن فليس أن الانتخابات زُوّرت بشكل واسع، وكشف أنه سيشكل إطارا سياسيا في المستقبل القريب. واتهم بن فليس السلطة بالتخطيط المسبق للتزوير، الذي برز بشكل فاضح قبل الانتخابات، من خلال تحالف بين المال المشبوه وبعض وسائل الإعلام، حسب قوله.
ورأى أن «التزوير يمنح منفذيه شرعية كاذبة فقط». وأعلن أنه سيواجه هذا «التعدي» سلميا بالإعلان قريبا عن تنظيم واسع للجزائريين والجزائريات لبناء دولة ديمقراطية، وكشف أنه لن يتقدم بطعن للمجلس الدستوري، لأن رئيسه تابع لبوتفليقة.
والتقى بن فليس، أمس، في مقر حملته الانتخابية بالعاصمة، مع 25 رئيس حزب وشخصية دعموا ترشحه في الانتخابات. وقال في بداية اللقاء إنه يريد أن «يصغي للجميع وأن يسمعني الجميع. التنظيم السياسي الذي سأعلن عنه قريبا لن يقصي أي أحد، المهم هو تجمع وطني واسع، خدمة للجمهورية من أجل مواصلة النضال».
وتحفظ بن فليس عن الخوض في تفاصيل الحزب الذي يسعى إلى إنشائه، واكتفى بالقول: «سأتقدم إلى السلطات بمشروع سياسي أحترم فيه قوانين الدولة احتراما كاملا، وكل واحد بعدها يتحمل مسؤولياته». وفهم كلامه على أنه تحذير لوزارة الداخلية، في حال رفضت اعتماد حزبه المنتظر، تحت أي مبرر.
وأعلن بن فليس عزمه القيام بزيارات ميدانية إلى عدة ولايات «لاطلاع المواطنين بها عن حقيقة الانتخابات ومجرياتها». وعدّ ذلك «واجبا يمليه عليّ وفائي لكل من منحني ثقته في الانتخابات، فقد لقيت ترحيبا وقبولا من طرف مواطنين في 48 ولاية زرتها أثناء الحملة الانتخابية، وستكون الزيارات كذلك فرصة لأعرض على هؤلاء مشروع تنظيمي السياسي، الذي سأكشف عن طابعه وتسميته قريبا جدا».
من جانبه، قال مرشح الجبهة الوطنية الجزائرية موسى تواتي، الذي حل في المركز الأخير، إن النتائج المعلنة مبالغ فيها، ولا تعكس الواقع، وكشف أنه سيلجأ إلى المجلس الدستوري للطعن فيها. كما ذكر مرشح حزب عهد 54 علي فوزي رباعين الذي حل خامسا (بحصوله على 0.99 في المائة)، فقال أيضا إنه لا يعترف بالنتائج المعلنة «التي لا تمثل الواقع».
من جهتها، قالت لويزة حنون الأمينة العامة لحزب العمال، التي حصلت رابعا بحصولها على 1.37 في المائة من الأصوات، في مؤتمر صحافي، أمس، إن نتائج الانتخابات «تمثل انتصارا للأمة الجزائرية، إذ لم تجر إراقة الدماء ولم تغرق الجزائر في دوامة الفوضى وعدم الاستقرار».
وأضافت حنون أن اختيار الجزائريين منح بوتفليقة ولاية رابعة «خيار يعكس الرغبة في الحفاظ على الاستقرار والسلم والسيادة الوطنية وتفادي وقوع البلاد في دوامة الفوضى والاضطراب». يُشار إلى أن حملة حنون كانت موجهة ضد بن فليس، ولم تنتقد أبدا الرئيس المترشح بوتفليقة.
بدوره، قال عباسي مدني رئيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة، إنه «يهنئ الشعب الجزائري على مقاطعته الواسعة التاريخية لمهزلة الانتخابات الرئاسي». وندد باعتقال نائبه في الحزب علي بن حاج، أول من أمس، بسبب خروجه إلى الشارع لإبداء استيائه من «التزوير».
ودعا مدني في بيان، أمس، «القوى السياسية إلى ترك الحسابات السياسية جانبا، وتنظيم لقاء وطني جامع للتباحث حول تحديات المرحلة وإمكانات مواجهتها، وحول كيفية التوجه إلى مرحلة انتقالية».
وندد مدني المقيم حاليا في قطر بـ«جميع أشكال العنف التي انتهجها النظام لقمع المحتجين»، في إشارة إلى منع ناشطين من التعبير في الشارع، عن رفضهم إجراء الانتخابات. وتعدّ «حركة بركات» أهم هذه التنظيمات. وأضاف مدني أن «الشعب الجزائري عبر عن رفضه لسياسة الأمر الواقع (من خلال رفض أكثر من 11 مليونا التوجيه إلى صناديق الاقتراع)، التي تعني رغبته في تغيير النظام تغييرا جذريا».
وتابع: «هكذا تتواصل المهازل في بلاد الشهداء في ظل فضائح انتخابية، أدخل النظام الجزائري فيها البلاد في المجهول بتعريض وحدتها ومستقبل أجيالها للخطر الداهم، غير عابئ بأصوات عقلاء الأمة ونخبها وفعالياتها التي نبّهت إلى جسامة المخاطر التي تهدد البلاد».
وأطلقت الشرطة سراح بن حاج بعد ساعات من اعتقاله، لما خرج من مسجد بالضاحية الجنوبية بالعاصمة رفقة عشرات المصلين، لتنظيم مظاهرة ضد «تزوير نتائج الانتخابات».
وقال عبد الحميد بن حاج شقيق القيادي الإسلامي، في اتصال مع «الشرق الأوسط»، إن الشرطة «تدخلت بعنف لتفريق المتظاهرين، مما دفع الكثيرين إلى دخول المسجد هربا من القمع». وقال إن شقيقه «يتعجب لوقوف رجال الشرطة متفرجين أمام المواطنين، الذين خرجوا إلى الشارع، تعبيرا عن فرحتهم بفوز بوتفليقة، الذي جاء عن طريق التزوير والتدليس والنفخ في عدد المشاركين».
من جهتها، أكدت جبهة العدالة والتنمية التي يتزعمها الإسلامي عبد الله جاب الله، وكانت قاطعت الانتخابات، أنها لم تتفاجأ بما سمته تضخيم نسبة المشاركة، مشيرة إلى أن النسبة لا تتجاوز 20 في المائة. كما قالت حركة النهضة، وهي حزب إسلامي مقاطع، إنها سجلت فروقا شاسعة بين النسب المعلنة من طرف وزير الداخلية ونسب التصويت الحقيقية.
وفي أول رد فعل دولي، جددت فرنسا عزمها مواصلة العمل مع الجزائر، متمنية «النجاح» لبوتفليقة الذي أعيد انتخابه. وأكد الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند في بيان بثته وكالة الأنباء الجزائرية أن «فرنسا تجدد عزمها مواصلة العمل مع السلطات والشعب الجزائري على تعميق العلاقات الثنائية خدمة للتنمية في البلدين».
وأعرب هولاند للرئيس بوتفليقة عن تمنياته «بالنجاح في أداء مهامه النبيلة»، مضيفا أنه «في سياق روح الصداقة والاحترام السائدين بين البلدين، وبالنظر إلى الروابط الإنسانية المميزة التي تربط بينهما، تعرب فرنسا عن تمنياتها الصادقة من أجل المزيد من الرقي للجزائر».
وبالنظر إلى النتائج المعلنة، يستبعد الآن حدوث تغير كبير في المشهد السياسي الجزائري على المدى القريب جدا، ويتوقع أن يبقي الرئيس بوتفليقة على طاقمه الحكومي السابق، لمواصلة تطبيق «برنامجه». وعلى المدى القصير، يرجح أن يطرح بوتفليقة مشروع دستور جديدا، وأن يتضمن تعديلات أوسع من التغييرات التي أحدثها عام 2008، وتضمنت إلغاء المادة 74 التي تحد الفترات الرئاسية باثنتين.
ومعروف أن الرئيس بوتفليقة قال منذ توليه الحكم عام 1999 إنه ليس راضيا عن الدستور الحالي، وكان يهم دوما بطرح دستور شامل يترك فيه بصمته، وقد يجد الآن بعد التفويض الذي أعطاه إياه الشعب، الفرصة سانحة.



اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.


أزمة تمويل «أوصوم» تثير مخاوف أممية من تراجع مكافحة الإرهاب بالصومال

جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
TT

أزمة تمويل «أوصوم» تثير مخاوف أممية من تراجع مكافحة الإرهاب بالصومال

جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)

تتصاعد مخاوف من تنامي نفوذ الجماعات الإرهابية بالصومال في ظل فجوة التمويل الدولي لبعثة الاتحاد الأفريقي (أوصوم)، كان أحدثها تلك التي عبَّر عنها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الذي دعا لتوفير دعم ثابت ومستدام.

تلك المخاوف الأممية تتزامن مع إمكانية سحب أوغندا قواتها من البعثة، وسبقتها مخاوف مصرية من تداعيات نقص التمويل.

ويرى خبير في الشؤون الصومالية والأفريقية، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا الأمر قد يقود لتراجع مكافحة الإرهاب، مما يعزز من فرص إعادة تمدد «حركة الشباب» المتشددة بالصومال، مؤكداً على أهمية التمويل وثباته في تلك المرحلة الانتقالية بهذا البلد الأفريقي المثقل بالأزمات.

وخلفاً لبعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية (أتميس)، التي انتهت ولايتها آخر 2024، بدأت بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار في الصومال، المعروفة باسم «أوصوم»، عملياتها رسمياً بداية من يناير (كانون الثاني) 2025، بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي قراراً بشأنها في ديسمبر (كانون الأول) 2024 بهدف دعم الصومال في مكافحة «حركة الشباب» التي تتصاعد «عملياتها الإرهابية» في الصومال منذ 15 عاماً.

مطالبات أممية

وأمام قمة الاتحاد الأفريقي، السبت، حثّ غوتيريش المجتمع الدولي على توفير تمويل ثابت ومستدام لدعم بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار في الصومال، وآلية تمويل موثوقة لضمان فاعلية واستدامة البعثة في مواجهة التهديدات الأمنية، منتقداً مجلس الأمن الدولي لعدم اتفاقه على تمويل البعثة من خلال مساهمة إلزامية.

ووصف غوتيريش في كلمته مهمة الصومال بأنها اختبار لالتزام المجتمع الدولي بدعم عمليات حفظ السلام التي تقودها دول أفريقية، متسائلاً: «إذا كانت بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال لا تستحق الدعم الدولي، فمن الذي يستحقه إذن؟».

وأضاف غوتيريش أن الأمم المتحدة تجري مراجعة شاملة لعمليات حفظ السلام التابعة لها لضمان واقعية ولاياتها، وترتيب أولوياتها بشكل سليم، وتوفير التمويل الكافي لها، وأن تكون مصحوبة بخطة انتقال واضحة.

ويرى المحلل السياسي الصومالي، عبد الولي جامع بري، أن تصريحات غوتيريش حول أزمة تمويل بعثة دعم الاستقرار في الصومال تعكس قلقاً حقيقياً داخل الأمم المتحدة من أن ضعف التمويل قد يعرقل مسار مكافحة الإرهاب، خصوصاً في ظل استمرار تهديد «حركة الشباب».

وأضاف قائلاً إن عدم إلزامية المساهمات «يؤكد صعوبة التخطيط طويل المدى للعمليات الأمنية، واحتمال تقليص القوات كما رأينا من أوغندا أو الدعم اللوجيستي، وهذا قد يؤدي إلى إبطاء العمليات ضد الجماعات المسلحة، وخلق فراغات أمنية في بعض المناطق المحررة، وزيادة الضغط على القوات الصومالية».

وأكد وزير الخارجية وشؤون المغتربين الكيني، موساليا مودافادي، في سبتمبر (أيلول) 2025، أن البعثة تُواجه تحديات تمويلية جدية، ما يستدعي تضافر الجهود الدولية لتأمين موارد كافية تضمن نجاح مهامها في مكافحة الإرهاب.

ودعا مودافادي المجتمع الدولي إلى تقديم دعم مالي ولوجيستي مستدام للبعثة، لتمكينها من مواجهة التحديات الأمنية، وعلى رأسها تهديدات «حركة الشباب» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، وضمان انتقال تدريجي للمهام الأمنية إلى الحكومة الصومالية.

وفي يوليو (تموز) 2025، دعت الرئاسة المصرية المجتمع الدولي إلى توفير «تمويل كافٍ» لبعثة السلام في الصومال، بما يضمن استدامتها، ويساعدها على تنفيذ ولايتها بفاعلية. عقب استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي نظيره الصومالي حسن شيخ محمود بمدينة العلمين بشمال مصر.

وجاء نداء الرئاسة المصرية بعد دعوة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف، في اجتماع للبعثة في أوغندا في أبريل (نيسان) 2025، إلى ضرورة «توفير التمويل اللازم لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال بما يصل إلى 190 مليون دولار».

ولكن لم يصل إلا تمويل إضافي قليل للغاية، حيث وافق المجلس التنفيذي للاتحاد الأفريقي في يوليو (تموز ) 2025 على تمويل طارئ إضافي بقيمة 10 ملايين دولار لدعم بعثة «أوصوم»، على أساس أن هذا الدعم المالي «ضروري لتمكين بعثة الاتحاد الأفريقي من تلبية متطلباتها التشغيلية».

ويعتقد بري أن عدم الاستجابة للنداءات الأفريقية بشأن التمويل، يعززه تصريح غوتيريش، ويؤكد أن ثمة تأثيراً قد يحدث في الحرب ضد الإرهاب، محذراً من أنه حال استمر نقص التمويل سيقابله تقليل عدد القوات الدولية وتباطؤ العمليات الهجومية، ومنح «حركة الشباب» فرصة لإعادة تنظيم صفوفها.

ونبه إلى أن الصومال في مرحلة انتقالية حساسة، وأي ضعف في التمويل قد يعرقل نقل المسؤولية الأمنية بالكامل إلى القوات الصومالية.