ملامح مؤسسة الرصد الفلكية في الإسلام

أقيمت نتائجها على أدق المعطيات التي أمكن التوصل إليها

كلوديوس بطليموس
كلوديوس بطليموس
TT

ملامح مؤسسة الرصد الفلكية في الإسلام

كلوديوس بطليموس
كلوديوس بطليموس

حينما جرت ترجمة الكتاب الفلكي «المجسطي» إلى العربية، زمن الخليفة العباسي «المأمون»، أي بعد وجود صاحبه «كلوديوس بطليموس» بسبعمائة عام، سيؤخذ القرار بفتح ورش ضخمة للتحقق من دقة النتائج البطلمية، بحيث يتجند العلماء لتمحيص الأرصاد البطلمية وتدقيقها. وقد خرجوا إلى الميدان يراقبون السماء من جديد، وتبين لهم بعض التباين في المعطيات القديمة مقارنة بالجديدة المتحصل عليها، فالحسابات لم تكن دقيقة بما فيه الكفاية.
لقد قام الفلكيون العرب، وبحزم منقطع النظير، بتصحيح كل سطر من سطور الجداول القديمة لاستخدامها من جديد، ناهيك على أنهم أعادوا النظر حتى في طرق العمل والاشتغال المألوفة، الأمر الذي تجلى في ظهور أعمال تشهد على العمل الفذ المنجز، قصد تنقيح وإعادة الحسابات الرصدية. ولنا في «الزيج الممتحن» (الزيج هو جدول الحسابات والمواقع الفلكية) دليل على ذلك. إذ يعد هذا العمل، من أول الأزياج التي تمت في زمن المأمون باللغة العربية. فهو قائم على حسابات دقيقة، استنادًا إلى سلسلة من الأرصاد المضمونة علميًا إلى أبعد حد ممكن، والتي أنجزت في مرصدي بغداد ودمشق. وسيكون لهذا الزيج، وقع قوي في تحريك الأبحاث الرصدية الفلكية، كما سيستشهد به كبار الفلكيين اللاحقين، ومنهم على الخصوص، «ابن يونس» و«البيروني». ولعل أهم نتيجة جرى تجديدها وإعادة ضبطها، تمثلت في الجداول الخاصة بحركة الشمس. إذ جرى إثبات أن أوج فلك الشمس، مرتبط بحركة مبادرة الاعتدالين للنجوم الثابتة (التغيير البطيء لاتجاه محور الجسم الفلكي)، بعكس ما أكده بطليموس الذي يعتبر أن هذا الأوج، لا يخضع لأية حركة أخرى غير الحركة اليومية.
إضافة إلى «الزيج الممتحن»، سيظهر كتاب آخر بعنوان: «في سنة الشمس» وينسب لـ«ثابت بن قرة»، وهو في حقيقته، كما أكد بعض الباحثين، من إنجاز الفريق الفلكي في القرن التاسع الميلادي، بزعامة «بني موسى»، وذلك قبل انضمام ثابت بن قرة إليهم. وهو الكتاب الذي ينتقد بطليموس في دراسته لحركة الشمس وحساب السنة. بمعنى آخر، يعد هذا الكتاب «مجسطي» جديدًا معدلاً ومصوبًا. إذ يوجه نقدًا عنيفًا لأرصاد بطليموس، ونذكر منه القول الآتي: «ولكن بطليموس مع ما أوهم في أخذه زمان سنة الشمس من نقط فلك البروج، أوهم في الأرصاد أنفسها، ولم يأخذها على حقيقة، وكان هذا من وهمه أعظم ضررًا فيما رسم من الحساب». لكن على الرغم من هذا النقد الكبير للمجسطي ظل كتاب «في سنة الشمس»، يتحرك على منوال وطريقة اشتغال بطليموس. وتجدر الإشارة إلى أن كتاب «في سنة الشمس» قد جاء بعد فترة بسيطة من ترجمة المجسطي من قبل «الحجاج بن مطر»، وهو ما يبرز سرعة الأداء والعمل في الفلك العربي، حيث انطلق مشروع إعادة كتابة المجسطي، بحذف أرصاده المعيبة وحساباته غير الدقيقة، لكن مع الإبقاء، طبعًا، على بنيته واستدلالاته النظرية، فالثوابت البطلمية ظلت كما هي. إن هذا العمل الجبار، الذي ظهر في «الزيج الممتحن» و«في سنة الشمس»، قصد ضبط الرصد وتدقيق الحسابات، سيواصله وبهمة عالية، «حبش الحاسب»، صاحب مؤلف بعنوان: «الزيج الدمشقي»، والأمر نفسه، قام به أيضًا، «البتاني»، وهو شخصية بارزة في التاريخ الفلكي. فهذا الرجل، وكما هو معروف، قد أثر في فلك القرون الوسطى وفلك النهضة الغربية، حيث يذكره «كوبيرنيكوس» بالاسم، مرات عدة، في كتابه «في دوران الأجرام السماوية». وشهرته ليست نابعة من كونه وضع نظريات جديدة، بقدر ما كان دقيق الرصد. فقد قام بتتبع النجوم لأكثر من ثلاثين عامًا، في مرصد «الرقة»، في شمال سوريا حاليًا، خلال القرن التاسع الميلادي، وحصل على حسابات شابهت، إلى حد بعيد، الحسابات الحديثة. وتوج عمله بكتاب ذائع الصيت، يدعى «الزيج الصابئ»، الذي ترجم في القرن الثاني عشر إلى اللاتينية. كما ظهر مرصد آخر بزعامة الفلكي «عبد الرحمن بن عمر الصوفي»، في القرن العاشر للميلاد، وبدعم الحاكم البويهي عضد الدولة، وهو مرصد اشتغل على ملف الكواكب المتحيرة (الزهرة، المريخ، المشتري، زحل، عطارد)، وقام بقياس ميل فلك البروج في شيراز. وأتم المهمة ابن عضد الدولة «شرف الدولة»، ببناء مرصد له في حديقة قصره. وما دمنا نتحدث عن الرصد العربي للسماء، فلا بد من الإشارة إلى مرصدين مهمين ناجحين لهما الشهرة والصدى العالمي: إنهما مرصدا مراغة وسمرقند.
مرصدا مراغة وسمرقند
تم بناء هذا المرصد بمراغة، وهي مدينة في أذربيجان قرب بحيرة أرميا. وكان تشييد هذا المرصد، الذي لا تزال جدرانه حاضرة إلى الآن، مبادرة من طرف هولاكو، حفيد جنكيزخان، الذي استولى على بغداد ونهبها سنة 1258. وما يثير الدهشة حقًا، هو ذلك التناقض القائم بين صورة هولاكو القائد العسكري الدموي والمدمر، وصورة هولاكو الذي استوعب هو والمغول، وبسرعة، لغة الشعوب الخاضعة لهم ودينهم وثقافتهم، إلى حد أن أصبح هو نفسه، حامي العلوم وراعيها.
وهنا يبرز في الصورة، الفلكي نصير الدين الطوسي (توفى 1274)، وهو أحد أكبر الفلكيين والرياضيين الذين عرفهم الإسلام، حيث سينضم لحاشية هولاكو ويعمل كوزير لديه. وسيكلفه هولاكو بإنشاء المرصد، وذلك عام 1259، والذي كان بمثابة ارتقاء جديد في علم الفلك في الإسلام، بل في العالم كله. ولقد جرى تخصيص مجال لهذا المرصد، على مساحة طولها 350 مترًا، وعرضها 150 مترًا، وبناء قبة تسمح بدخول الشمس، ومكتبة ضمت نحو أربعين ألف مجلد. وكانت بها أجهزة هائلة صنعها «مؤيد العرضي»، وهو أحد ممثلي هذا المرصد الكبار. وقد جرى تزويده بالفلكيين والمهندسين والرياضيين... وكل هذا بهدف تدقيق وتصحيح الأزياج. كما أنّه المرصد الذي أسهم في إضافات جديدة لنماذج الأجرام، بمجهودات جماعة المرصد: الطوسي، والأزدي، والشيرازي... وهي الإضافات التي انتقلت إلى دمشق، فطورها ابن الشاطر (ميقاتي الجامع الأموي)، ليكررها كوبيرنيكوس في القرن السادس عشر. وبعد عمل متعب وشاق، لمدة اثنتي عشرة سنة من تأسيس المرصد، تم التوصل إلى حسابات دقيقة وأرصاد مضبوطة، جمعت في جداول فلكية، سميت «الزيج الإيلخاني»، وهو باللغة الفارسية، وذلك سنة 1271. ونشير هنا، إلى أن هذا المجمع كان يتألف من أعضاء مساهمين كبار، من أمثال: ابن الفوطي، نجم الدين الأسطرلابي، كمال الدين الإيجي، قطب الدين الشيرازي، مؤيد الدين العرضي، ومحيي الدين المغربي وآخرين.
لقد كان مرصد هولاكو بحق - وبفضل فريقه العلمي المهم ومكتبته الواسعة - مؤسسة بحث فلكية كاملة الأركان، وكأنها أكاديمية، تعقد فيها الاتصالات العلميّة، وتناقش فيها الإشكالات المطروحة، ويقدم فيها التعليم للطلبة، خاصة الرياضيات والفلك، وتحديدًا دراسة كتاب الأصول لإقليدس، وكتاب المجسطي لبطليموس. ويقال إن نصير الدين الطوسي كان يشرف على نحو مائة طالب.
ولعل من حظ مرصد مراغة، أنه قد يعد المرصد الوحيد الذي استفاد من مداخيل ومخصصات الأوقاف، على الرغم من أنه لم يكن مؤسسة دينية أو خيرية، وهذا ما جعل المرصد يستمر في الاشتغال على الرغم من موت مؤسسه سنة 1265، حيث استمر نشاطه حتى أوائل القرن الثامن للهجرة، أي الرابع عشر للميلاد على الأقل. ومؤشر ذلك، كان تعيين أحد أبناء نصير الدين الطوسي، كمدير للمرصد سنة 1304. لكن بعد ثلاثة عقود من ذلك، لم ير منه الجغرافي حمد الله القزويني، إلا الأنقاض. هذه الأطلال التي بقيت من مرصد مراغة، ستوحي للفتى «ألغ بك» عندما زارها، بإنشاء مرصد مماثل حينما أصبح حاكمًا، إنه مرصد سمرقند الشهير، وذلك سنة 1420، الذي سيعمل فيه كل من «الكاشي» و«القوشجي». لكن بمجرد وفاة ألغ بك عام 1449، سيتوقف نشاط المرصد إلى درجة رحيل القوشجي من سمرقند نحو القسطنطينية. وسيجري اكتشاف آثار هذا المرصد عام 1908.
نخلص إلى أن كثرة المراصد في العالم العربي/ الإسلامي، باعتبارها مؤسسات علمية قائمة الأركان، أي لها جوانب تنظيمية (إدارة، ودعم مالي...) وجوانب قيمية (معايير وقواعد الاشتغال...) لأحسن معبر عن هاجس الدقة والصرامة الذي وسم الفلك العربي، فجماعة الفلكيين المنضوين تحت مرصد واحد، لم تكن النتائج العائمة والتقريبية لترضيهم، وإنما أصروا على إقامة نتائجهم على أدق المعطيات الرصدية التي يمكن الوصول إليها. هذا التدقيق والتصويب العربي للفلك، سيظهر أيضًا في كثرة الأزياج (الزيج الممتحن، الزيج الصابئ، الزيج الدمشقي، الزيج الإيلخاني وغيرها). لكن لسوء الحظ، لم تكن تلك المراصد تعمر طويلاً، ما لا يسمح بالذهاب إلى التراكم الذي يمكن من الانتقال إلى الكيف. فهل يكون هذا درسًا من الماضي من أجل الحاضر؟



سلطة الفن العابرة للحدود

سلطة الفن العابرة للحدود
TT

سلطة الفن العابرة للحدود

سلطة الفن العابرة للحدود

يعبّر بعض العراقيين المقيمين في بريطانيا عن غبطتهم وهم يروون حكاية نجاح ابن بلدهم تشارلز ساتشي الذي تحولت مؤسسته الفنية عبر أربعين سنة من المغامرة والجرأة سلطةً تهب فنانيها تذكرة المرور إلى عالم الفن العالمي. ولا يفوتهم التأكيد على معلومة تاريخية تفيد بأن لقب ساتشي يعود إلى مهنة والد تشارلز الذي كان ساعاتياً في بغداد. تلك حكاية لا يلتفت إليها أحد في خضم الإعجاب بنشاط جامع الأعمال الفنية الذي تغلغل في سوق الدعاية والإعلام حاملاً لواء المعارضة من خلال تبنيه للفنون المعاصرة.

منذ تأسيسه عام 1985 تبنى غاليري ساتشي فكرة العرض لفنانين عالميين كانوا في ذلك الوقت يمثلون الموجة الجديدة التي كانت بمثابة التمهيد الوسيط بين الأساليب الفنية الراسخة في حداثتها والفنون المعاصرة التي تشكل انقلاباً في طرق الرؤية والتقنيات، فضم معرضه الأول أعمالاً لدونالد جود، وسي تومبلي، وبرايس ماردن وأندي وارهول.

أُقيم المعرض الأول في الفترة من مارس (آذار) إلى أكتوبر (تشرين الأول) 1985، وضمّ الكثير من أعمال الفنان الأميركي دونالد جود، أحد رواد المدرسة التقليلية والفنانين الأميركيين برايس ماردن وسي تومبلي، أحد رواد الرسم التجريدي والفنان الأميركي آندي وارهول، أحد رواد فن البوب. بعد ذلك بسنة احتضن الغاليري معرضاً لأعمال النحات الأميركي جون تشامبرلين والفنانين الأميركيين دان فلافين، وسول لويت، وروبرت رايمان، وفرانك ستيلا وكارل أندريا، وجميعهم من رواد المدرسة التقليلية. كما أقيم معرض للفنان الألماني أنسيلم كيفر، والنحات الأميركي ريتشارد سيرا الذي عُرف بأعماله النحتية الضخمة.

من خلال تلك المعارض التي جذبت الأنظار إليه نجح تشارلز ساتشي في تكريس وجوده في الحياة الفنية البريطانية؛ وهو ما أهَّله للانتقال إلى المرحلة التي تحول فيها عراباً للفنون المعاصرة من خلال تبنيه الفنانين الشباب مثل داميان هيرست، وتريسي أمين، وجيني سافيل، وسارة لوكاس، وجافين تروك وراشيل وايت ريد. لا يُفهم نشاط تشارلز ساتشي إلا إذا وضعناه في سياقه الاستثماري الذي كان الترويج الدعائي للفن بصفته بضاعة جزءاً أساسياً منه.

حين يعود الرسم إلى الواجهة

اقتحم ساتشي الأسواق الفنية العالمية، لكنه فعل ذلك من خلال غزو المتاحف العالمية بمجموعته بدءاً من متحف هامبورغر بانهوف ببرلين وانتهاءً بمتحف الفن الحديث (موما) بنيويورك. يختلف الكثيرون في وصف مهمته التي تمتزج فيها الحماسة للفنون المعاصرة بالهوس التجاري إلى درجة أن البعض من النقاد كان قد عدَّه واحداً من الطغاة الذين يسعون إلى صناعة تاريخ زائف للفن، ملمحين إلى ظاهرة المنظمة السرية التي تدير سوق الفن بالخفاء متخذة من أصحاب القاعات الفنية واجهة هشة مخادعة.

كل ذلك قد يكون صحيحاً على الرغم مما يتخلله من أوهام غير أن الاحتفالية التي يقيمها غاليري ساتشي بلندن لمناسبة مرور أربعين سنة على تأسيسه تقول شيئاً مختلفاً. شيئاً لا ينفي ولا يؤكد بقدر ما يأخذنا إلى مناطق خاصة في التفكير الفني. مناطق يعود فيها على سبيل المثال الاهتمام بالرسم إلى الواجهة. وهو ما أدهشني في معرض «الآن البعيد»، وهو معرض يعيد إلى الرسم مكانته من خلال أعمال رسامين بأساليب مختلفة.

لقد دأبت منذ أكثر من عشر سنوات على زيارة غاليري ساتشي، وكنت في كل مرة أشعر بالإحباط بسبب ذائقتي الجمالية غير أن المعرض الحالي، وهو أشبه بمعرض استعادي يؤكد أن الغاليري الذي صار مؤسسة سلطوية يملك من المعرفة الفنية ما يؤهله أن يكون وسيطاً عادلاً بين مختلف التيارات الفنية، وبالأخص ما كان منها حداثوياً وما هو معاصر. لا يعني ذلك أن ما يطرحه المعرض هو أشبه بصيغة التعايش بين الأساليب بقدر ما يعني أن هناك بيئة ثقافية هي الفضاء الذي تتلاقح من خلاله تلك الأساليب، بعضها من البعض الآخر لتكتمل صورة الفن الآن، الذي هو فن المستقبل.

المزاوجة بين التجارة والثقافة

بغض النظر عن الخلافات العميقة في الآراء بين مناصري ساتشي والمعترضين على نهجه، وبالأخص فيما يتعلق بانفتاحه على الفنون المعاصرة، فإن الغاليري تخطى الحدود الضيقة التي تحصره في مهمة إقامة المعارض والترويج لأعمال فنانيه ليصبح قوة ضاربة لا في السوق الفنية المحلية فحسب، بل وفي المشهد الفني العالمي. فمَن تنفتح له أبواب «ساتشي» يكون ذهابه إلى العالمية أمراً ليس عسيراً إذا ما اجتهد وصقل موهبته بالعمل والمعرفة والتجدد. وهو ما يعني أن الصرح الكبير الذي يقع في منطقة تشيلسي الثرية بلندن ليس مجرد مجموعة من القاعات التي ينتهي عملها بعرض الرسوم والمنحوتات والصور الفوتوغرافية والأعمال التركيبية والأفلام، بل هو مؤسسة معقدة التفاصيل فيما تمارسه من تأثير خفي على الحياة الفنية تبعاً لقدرتها على فرض تيارات فنية معينة وتعزيز وجود فنانين دون سواهم والتحكم بأسعار الأعمال الفنية.

زاوج ساتشي بين التجارة والثقافة بطريقة محترفة. لم تغره التجارة بعد أن أثبت أنه مؤهل للوقوف خارج المنافسة بتفوق ملحوظ، بل اندفع في اتجاه خلق ثقافة بصرية جديدة، قوامها الانتصار للفنون المعاصرة التي تجلب عروضها سمعة غير أنها لا تجلب أرباحاً. قلب ساتشي المعادلة حين صار فنانوه يبيعون أعمالهم بأعلى الأسعار وتتسابق المتاحف العالمية على إقامة معارض لهم، كما أن هناك دولاً صارت تتسابق على اقتناء أعمالهم. لقد تحول فنانون مثل داميان هيرست، وتريسي أمين، وجيني سافيل وسارة لوكاس أيقوناتٍ عالمية في المشهد الفني المعاصر. كل هذا من صنع ساتشي.

تبنَّى غاليري ساتشي منذ تأسيسه عام 1985 فكرة العرض لفنانين عالميين كانوا في ذلك الوقت يمثلون الموجة الجديدة

غاليري من غير حدود

«الآن البعيد» هو عنوان المعرض الذي يقيمه ساتشي لمناسبة مرور أربعين سنة على تأسيسه. انتقى القيَّمون على هذا المعرض أعمالاً فنية قديمة وجديدة بما يتيح التعرف على مراحل زمنية مختلفة، نجح الغاليري عبرها في تكريس سمعته عراباً لفن مغاير، بعضه يتمسك بالخيوط التي تربطه بالحداثة الفنية كما كانت في النصف الثاني من القرن العشرين، في حين يذهب البعض الآخر في نفوره من الحداثة إلى درجة القطيعة؛ وهو ما فتح الباب أمام هيمنة الفنون المعاصرة على العروض التي دأب ساتشي على إقامتها عبر العشرين سنة الماضية.

«الحاضر يذهب إلى المستقبل» من خلال تلك المقولة يظهر ساتشي ثقته من أن سلطته ونفوذه سيظلان قائمين حتى بعد غيابه، وهو هنا كمَن يقول: «سيكون المستقبل من صنعي» هل سيكون ذلك حقيقياً أم أنه مجرد وهم، تمليه القوة التي يمكن أن يتمرد عليها الفن؟

من المؤكد أن هناك دعاية مبالَغ فيها لصالح ساتشي وهو الذي يدير الجزء الأكبر منها، غير أن ما لا يمكن إنكاره أن سلطته لم تكن وهماً. إن صرحاً بحجم الغاليري إنما يستند إلى سعة في النفوذ لا على مستوى السوق الفنية وحدها، بل يتخطاها إلى عموم المشهد الفني بضمنه الجوائز الفنية الرفيعة، وفي مقدمتها جائزة «تيرنر».

عبر مسيرته لم يكتفِ غاليري ساتشي بتبني الفنانين البريطانيين المعاصرين، بل امتد نشاطه ليشمل برعايته فنانين عالميين من مثل جيف كونز، وسيندي شيرمان، وروبرت غوبر، وبيتر هالي، وحاييم شتاينباخ، وفيليب تافي وكارول دونهام. أما حين أقام عام 1987 معرض «فن نيويورك الآن» فإنه اكتسي سمعة الغاليري عابر الحدود.


صيد الحمير البرية في جدارية أموية

صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن
صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن
TT

صيد الحمير البرية في جدارية أموية

صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن
صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن

دأب شيوخ قبائل العرب على صيد الطيور والحيوانات البرية، وجعلوا من هذه المزاولة تقليداً راسخاً، ورثه الحكام الأمويون وطوّروه، فغدا وسيلة من وسائل اللهو، ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالغنى والترف، كما يشهد الميراث الأدبي الخاص بتلك الحقبة. تردّد صدى هذا التقليد في الفن الأموي، وتجلّى في مجموعة من الأعمال التصويرية المتعدّدة الأنواع، منها لوحات من الحجم الكبير تشكّل جزءاً من الجداريات التي تزيّن قاعات قصير عمرة في صحراء الأردن. تمثّل إحدى هذه اللوحات صيد الحمير البرية وسط حلبة مسيّجة، في مشهد شامل وجامع يتميّز بتفاصيله الإنشائية الدقيقة.

يحوي قصير عمرة قاعة كبيرة مكوَّنة من ثلاثة إيوانات حافظت على الجزء الأكبر من جدارياتها، ويحضر مشهد صيد الحمير الوحشية في الإيوان الغربي في لوحة أفقية مستطيلة، تحتلّ الجزء الأعلى من الجدار الغربي، وتستقرّ فوق تأليف ثلاثي يجمع بين ثلاثة مشاهد مستقلّة تمتدّ على الجزء الأوسط من هذا الجدار. مُحِي النصف الأعلى من مشهد الصيد بشكل كبير بحيث تعذَّر تحديد معالمه عند اكتشاف القصير في مطلع القرن الماضي، غير أن بعضاً من هذه المعالم انكشف وظهر بفضل أعمال الترميم التي أجرتها بعثة إيطالية من «المعهد العالي للحفظ والترميم» في الموقع خلال عام 2010. في المقابل، حافظ النصف الأسفل من هذه اللوحة على مختلف عناصره، واستعادت هذه العناصر لمعانها الأوّل بفضل هذا الترميم الدقيق.

يدور هذا الصيد داخل حلبة تحدّها شرقاً شبكة عريضة ترتفع على شكل سياج مقوّس. داخل هذه الحلبة، تحل مجموعة من البهائم تركض معاً في اتجاه الشبكة. تتكوّن هذه المجموعة كما يبدو من 17 بهيمة متراصة، تحضر كلها في وضعية جانبية، وتظهر وهي تجري في حركة واحدة، رافعة رؤوسها إلى الأمام. وحدها البهيمة التي تحضر في الطرف الأخير تدير رأسها إلى الخلف في اتجاه كلب سلوقي يلاحقها ويدنو منها. تبدو هذه البهائم من فصيلة الخيليات، وهيكلها ما بين الحمار والحصان، ممّا يوحي بأنّها من الحمير البريَّة التي تُعرف في الميراث الأدبي بحُمر وحش، كما تُعرف بحمير وحش. يأتي ذكر هذه الحمير في الأدبيات الخاصة بالصيد، وأقدم ما وصلنا منها رسالة الصيد المنسوبة إلى عبد الحميد بن يحيى، كاتب مروان بن محمد، آخر خلفاء بني أمية، وفيها يذكر كلاب السلوقي السريعة في مطاردة الغزلان، ويتحدّث عن غابة «من ورائها حمير وحش كثيرة».

تنقل جدارية قصير عمرة صورة حيَّة لهذه الحمير، وفيها تبدو «صُفْر المناخرِ والأَشْداق»، كما وصفها الشاعر ابن ميادة في زمن الدولة الأموية، ويظهر من خلفها ثلاثة من رجال الصيد يمتطون خيلهم. مُحِيَت صور هؤلاء الفرسان، وما بقي منها يُظهر تقدّم اثنين منهم في حركة موازية، وتهاوي الثالث وسقوطه عن حصانه في حركة معاكسة. في القسم الأسفل من التأليف، ترتفع سلسلة من الرايات المرفوعة فوق قضبان مغروسة في الأرض، تقابلها سلسلة مشابهة في القسم الأعلى من الصورة. تُشكّل هاتان السلسلتان حلقة تطلّ من خلف عدد من راياتها قامات تُمثّل على الأرجح مراقبي جولة الصيد. يظهر كلّ فرد من هؤلاء المراقبين أمام راية من هذه الرايات، رافعاً ذراعه أفقياً في حركة واحدة ثابتة. في المقابل، تظهر خيمة سوداء في طرف التأليف شرقاً، حيث ترتفع تحت الشبكة المقوّسة. تكشف هذه الخيمة عن ثلاثة وجوه تُمثّل كذلك مراقبين يتابعون جولة الصيد. وتقابل هذه الخيمة في الطرف المعاكس خيمة أخرى مشابهة تخلو من الشهود.

رصد بازيار العزيز الفاطمي أحوال الصيد وطقوسه في كتاب يُعرف باسم «البيرزة»، وفيه أشار إلى تعدد هذه الأحوال بحسب الأوضاع الطبقية الخاصة بالصيادين، وقال: «ويغدو للصيد اثنان متفاوتان، صعلوك منسحق الأطمار، وملك جبار، فينكفئ الصعلوك غانماً، وينكفئ الملك غارماً، وإنما يشتركان في لذة الظفر. ولا مؤونة أغلظ على ذي المروءة من تكلف آلات الصيد لأنها خيل وفهود وكلاب وآلات تحتاج في كل قليل إلى تجديد. ومن هنا قيل إنه لا يشغف بالصيد إلا سخيّ». رأى الكاتب أن هذا الصياد السخي يحتاج إلى كلب ودابة، كما أنه يحتاج إلى غلام يركب هذه الدابة، «وجارية تصلح لنا صيدنا وتعالج طعامنا». وأضاف في الخلاصة: «كلب ودابة وغلام وجارية هؤلاء عيال، ولا بد من دار»، «ولا بد لهؤلاء من غلة ضيعة».

تعكس جدارية قصير عمرة صورة هذا الصيد السخي في كنف الأسرة الأمويّة، وتحضر بأسلوب تشكيلي متين يتبع التقليد الروماني الكلاسيكي، ويتميّز بطابعه الواقعي النابض بالحركة الحيّة. يعود هذا المشهد ويظهر في تأليف مشابه في جدارية أخرى في الإيوان الشرقي حيث تحتل القسم الأوسط من الجدار الشرقي، وهذه اللوحة ممحوة بشكل كبير، وتصعب قراءتها من دون الاستناد إلى الرسم التوثيقي الخاص بها. يُمثّل هذا المشهد صياداً يلاحق مع قطيع من كلاب السلوقي مجموعة من الحمير الوحشية تحتلّ طرف الصورة. يعلو هذه اللوحة تأليف ثلاثي يتكوّن من مشهد يصوّر لقاءً بين قامتين يصعب تحديد هويّتهما، يتبعه مشهد يصوّر عناقاً بين هاتين القامتين الغامضتين، ثم مشهد تقليدي مستقلّ يصوّر أسداً ينقض فوق طريدة ذات جلد أبيض.

تضم مجموعة جداريات قصير عمرة كذلك لوحتين كبيرتين ترتبطان بعالم الصيد، وتمثّلان ذبح الطرائد. تبرز هاتان اللوحتان بطابعهما الفريد، وتستحقّ كل منهما قراءة متأنيّة مستقلّة.


تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)
الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)
TT

تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)
الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)

تزامناً مع الاحتفاء بيوم «التأسيس» في السعودية، دشنّ الدكتور إبراهيم بن عبد الله المطرف، كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، وذلك في الغرفة التجارية بالمنطقة الشرقية.

يعدّ الدكتور إبراهيم المطرف خبيراً في العلاقات الدولية، وشغل سابقاً أستاذ العلاقات الدولية المشارك بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، كما شغل منصب وكيل محافظ الهيئة العامة للاستثمار للأنظمة والتعاون الدولي، وشغل أيضاً منصب أمين عام الغرفة التجارية الصناعية للمنطقة الشرقية.

يتناول الكتاب الدور القيادي لخادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز، منذ توليه إمارة الرياض، وصولاً لتسلمه الحكم في المملكة (23 يناير - كانون الثاني 2015)، ويسجل الإنجازات التي عاشتها المملكة العربية السعودية من خلال فهم علمي ودقيق للتطورات التي عاشتها، وطبيعة هذه التطورات، مع شرح لأبعادها، وطبيعة التحدّيات وسبل مواجهتها.

كما يتطرق الكتاب لعدد من القرارات التي أصدرها خادم الحرمين الشريفين، على الصعيد المحلي تطويراً لآليات الحكم، وإعداداً لجيل جديد من قادة المستقبل، ويتطرق لحركة السياسة الخارجية السعودية وأدائها، ومواقف المملكة من متغيّرات إقليمية ودولية عدة، تجسيداً لرؤية المملكة في «إدارة» أو «حل» الأزمات والصراعات الإقليمية والدولية.

سبق للدكتور المطرف أن أصدر كتاباً بعنوان «العلاقات السعودية الدولية... اللوبي أنموذجاً» طرح فيه رؤية «مستقبلية» حول بناء وتكوين «لوبي» سعودي، يكون نموذجاً لعمل سياسي ودبلوماسي فعال ومؤثّر، على صعيد العلاقات الدولية للمملكة.

الدكتور إبراهيم المطرف خلال تدشين كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات بالغرفة التجارية بالمنطقة الشرقية (الشرق الأوسط)

يهتم الكتاب بتكوين «لوبي» سعودي يعمل على التأثير في الساحة الأميركية من أجل ضمان المصالح الاستراتيجية للمملكة في أقوى دولة على مستوى العالم. ويركز الكتاب على 3 محاور رئيسية. هي «اللوبي»، و«الدبلوماسية الناعمة»، و«منتديات الحوار». وتمثل هذه المحاور صُلبَ الكتاب.

وفي كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» يعود المطرف للتأكيد على الدبلوماسية الناعمة، مخصصاً فصلاً خاصاً، تناول فيه «آليات» السياسة السعودية، في حضورها «الخارجي»، وأدواتها في المجال الدولي، وفي محيطها الإقليمي الحيوي، ودائرتها العربية والخليجية، مستعرضاً ركائزها الاستراتيجية، ومقوماتها الروحية التاريخية الحضارية والثقافية، مُسلّطاً الضوء على نشأة «المصطلح» تاريخياً، وتطوره، ومُبيّناً «أدواته»، ومنها: قوة المال والنفط، والمساعدات المالية والاقتصادية للدول العربية والإسلامية والنامية، وكثير من دول العالم الثالث.

واستعرض كثيراً من المواقف التي نجحت فيها «الدبلوماسية الناعمة»، إذ تمكنت المملكة من توظيف «عناصر» قوتها الدبلوماسية «الناعمة» على النحو الذي ساعدها في تحقيق كثير من أهدافها الاستراتيجية في خدمة قضايا أمتها العربية والإسلامية، وتوفير بيئة دولية وإقليمية وعربية مواتية لإحلال السلام والاستقرار الدوليّين، وتفعيل عملية التنمية المستدامة، لخير الشعوب ورخائها ورفاهيتها، عالمياً وإقليمياً وعربياً، ومحلياً.

وفي حفل تدشين الكتاب الذي حضرته شخصيات اقتصادية وثقافية، أشار الدكتور المطرف إلى أن الكتاب شمل قراءة تحليلية لعددٍ من توجهات وسياسات وإنجازات الملك سلمان بن عبد العزيز، كما سلّط الضوء على ملامح قيادة وفكر الملك سلمان الإداري والسياسي، وما تحقق في عهده من نقلات نوعية على مختلف الأصعدة.

وأشار إلى أن تزامن تدشين الإصدارات باللغات الثلاث مع احتفال المملكة بيوم التأسيس جاء منسجماً مع أهداف هذا اليوم، حيث يقدّم الكتاب قراءة في فكر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، القائد الذي واصل مسيرة الإنجاز لمن سبقه من المؤسسين، وعزّز من مكانة وسمعة وصورة الوطن على كافة المستويات والأصعدة في المنطقة والإقليم والعالم، بمساندة من ولي عهده الأمير محمد بن سلمان.

وأضاف الدكتور المطرف: «حرصت في كتاب (قراءة في فكر ملك) على تقديم محتوى، وثّقت من خلاله بالكلمة والصورة معاً، وبفهم ومنهج دقيق، بعض توجهات وسياسات وإنجازات الملك سلمان، وتقديم قراءة موضوعية لمسيرته الرائدة».

تلقى الدكتور المطرف تعليمه الأوليّ في مدينة الخبر شرق السعودية، وحصل على الشهادة الثانوية في الولايات المتحدة، وابتعث من شركة «أرامكو السعودية» للحصول على الشهادة الجامعية في الولايات المتحدة، وإليها ابتعث من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن للحصول على شهادة الدكتوراه. وهو كاتب في الشؤون الدولية، ألّف عدداً من الكتب في الشأن الدولي، وأنجز أكثر من 30 بحثاً محكماً.