عين على «داعش» و«النصرة» وأخرى على «الإخوان المسلمين»

الدعوية النسائية في السعودية.. متشعبة ونشطة تنفرد بها مجموعة من لون واحد

عين على «داعش» و«النصرة» وأخرى على «الإخوان المسلمين»
TT

عين على «داعش» و«النصرة» وأخرى على «الإخوان المسلمين»

عين على «داعش» و«النصرة» وأخرى على «الإخوان المسلمين»

«المطلوب اليوم من المرأة المسلمة أن تبادر بكل جسارة للقيام بمهامها التاريخية، من دون خوف من شيء اسمه (التقاليد). فالتقاليد والأعراف شيء والدين والأحكام الشرعية شيء آخر تماما».
لعل هذه العبارة الواردة في كتيب الدكتور عبد الله النفيسي: «العمل النسائي في الخليج الواقع والمرتجى»، الصادر عام 1986. تعطي تصورا عن بداية تقييم هذا المثقف الإسلامي الكويتي، لواقع الخطاب الحركي من خلال تياره النسوي.
النفيسي في كتيبه الصغير، الذي عده الخطاب الحركي الدعوي النسوي في الخليج والسعودية «وثيقة»، صوّر المنهج الصحيح للعمل النسائي الحركي، والمجالات التي غاب عنها في مجتمع الخليج.
بعد تواري الداعيات الكلاسيكيات، الواعظات القديمات، بأنشطتهن السهلة في المجتمعات النسوية، بدأ الزج بالنساء المسيسات، من قبل نشطاء التنظيمات أو التيارات والتوجهات الحركية، فيما يسمى بـ«قضية المرأة»، في خطوة تهدف إلى إشعال صراع فكري بين الناس لتحقيق مكاسب سياسية في المجتمعات الخليجية.
النفيسي في مؤلفه الآخر، المنشور تحت عنوان «الفكر الحركي للتيارات الإسلامية»، الصادر علم 1995، اعترف بأن «ارتفاع حدة تحرك التيارات الإسلامية كان بسبب عمليات الهجرة الواسعة من الأرياف إلى المدن»، التي ترافق عادة، التنمية المتسارعة والتحديث الواسع والعشوائي، مضيفا: «المدن العربية والإسلامية غير قادرة على استيعاب هذه الهجرات الواسعة، فتتحول إلى أحزمة من الفقر والعوز والبطالة، حيث تتحول عمليا إلى حقول مناسبة لعمل التيارات الإسلامية، ويصير الدين في محصلة الأمر ملاذا آمنا للجماهير».

من هنا، استغلت التيارات الحركية واقع المرأة العربية والخليجية، الذي اعترف النفيسي ذاته في كتيبه الأول، بكونه واقعا «متخلفا»، في توظيف أوهام حول وجود مؤامرة تتمثل في الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، وتغريب المرأة المسلمة في سبيل خدمة أغراض السياسة.
بعد بداية استيعاب التيارات الحركية لأهمية توظيف المرأة، عبر النشاط الدعوي الحركي، بقيت مسألة فحوى الخطاب الحركي نفسه وآليات تصدره في الساحة، عبر إيجاد الثقة «بأفكار الإسلام»، من خلال العمل الثقافي والسياسي، بهدف «تثقيف ملايين الناس تثقيفا جماعيا بالثقافة الإسلامية، وتوليد الصراعات الفكرية بينهم على هذا الأساس». بحسب شرح النفيسي في كتابه «الفكر الحركي».
هذه البداية المندفعة، خلقت مفارقات في الخطاب حول شؤون المرأة وقضاياها من منظور إسلامي، وإشكالية موازنتها مع متطلبات العصر الحديث. وهذا ما لاحظه النفيسي وهو ينتقد «حزب التحرير» وكلامه عن دستور دولة الخلافة بقوله: «يتوسع الدستور - يقصد دستور حزب التحرير في المادتين 34 و35 - في منح المرأة حقوقها الاجتماعية والسياسية، وفي الوقت نفسه، نجد بعض مواده تؤكد على أنها – أي المرأة - في الأصل، أم، وربة بيت، وعرض يجب أن يصان، وأن الأصل أن ينفصل الرجال عن النساء في المجتمع الإسلامي».
لكن النفيسي وقع بذات التناقض في كتابه، عندما تناول حقوق المرأة المسلمة من منظور حركي. إذ يقول في الصفحة رقم 37: «يتصور البعض أن المرأة المسلمة غير مؤهلة لبناء حركة نسائية نشطة وجادة ومستقلة، وأن هناك قيودا شرعية إسلامية تحد من حركتها المستقلة عن الرجل. وهذا تصور خاطئ ناتج عن فهم خاطئ للإسلام... المطلوب من المرأة أن تبادر بكل جسارة للقيام بمهماتها التاريخية (من) دون الخوف».
لكن النفيسي يؤكد في صفحة 22 من الكتاب قوله: «لقد آن الأوان لتقييم وتثمين دور ربة البيت تقييما اقتصاديا واجتماعيا يليق به، ولا بد من استصدار كافة التشريعات والقوانين لحماية ربة البيت وتسهيل مهمتها العظيمة الجليلة، وتشجيع الفتاة على العمل المنزلي والإبداع فيه، فقد يكون مخرجا لمشكلة العمالة الأجنبية».
عليه، فهذه التناقضات والمفارقات القائمة، حاليا، في الخطاب النسوي الدعوي السعودي، لها جذور في التنظير المتعلق بالعمل النسائي نفسه، كما لاحظنا في كلام النفيسي، بين إطلاق يدها في العمل في فضاءات لا حصر لها، وبين فكرة التزامها البيت والكف عن النشاط في المجال العام.
الإيمان بالقضية
والوقوف ضدها
استعراض وثيقة النفيسي المشار إليها، حول «العمل النسائي في الخليج.. الواقع والمرتجى»، ومحددات الخطاب الحركي في العمل النسوي الدعوي، كان ضروريا قبل تناول ملتقى مركز (باحثات) السعودي، في نسخته الثانية «المرأة ما لها وما عليها».
فقد أنهى المركز أخيرا، ملتقاه بعد ست جلسات صباحية، وأخرى مسائية، استمرت يومين. وتزامن المؤتمر مع انتهاء مهلة الثلاثين يوما التي حددها الأمر الملكي، في تجريم الانضمام للأحزاب والتنظيمات الإرهابية، ومنها جماعة «الإخوان المسلمين»، ليعلن المركز بعدها، توصياته التي لم تبتعد عما خرج به الملتقى في نسخته الأولى قبل عام.
ركز أعضاء مركز (باحثات) من كلا الجنسين، في عناوينهم وأوراق العمل التي وصفت بأنها «بحوث علمية»، وطرحت للمناقشة أمام حضور متواضع العدد، خصوصا في اليوم الثاني، على هدف واحد، هو «خلق وعي جمعي» محدد.
د. نورة العمر، مدير عام القسم النسائي في مركز باحثات لدراسات المرأة، والمشرفة على لجان الملتقى، ورئيس مجلس إدارة «رابطة المنظمات النسائية الإسلامية العالمية» التي أعلن المركز عن إنشائها ورعايته الرسمية لها من العاصمة التركية إسطنبول، أثارت مسألة غموض آلية ما أعد حول ماهية العينة المستهدفة وحجمها، ومدى استيفاء الشروط الأكاديمية لصياغة الأسئلة بموضوعية، وغير ذلك من شروط إعداد الدراسات الاجتماعية، قبل الإعلان والترويج لها.
جاء في بعض هذه العينات، أن 47 في المائة منها، ترى أن الرجل أحق بالعمل الوظيفي من المرأة. بينما أقر 43 في المائة، بأن عمل المرأة خارج بيتها، يؤثر سلبا على أسرتها وأولادها. ووجد 41 في المائة من النساء اللواتي استهدفتهن الدراسة، أن عمل المرأة خارج المنزل، يؤثر سلبا على حياتها الزوجية، فيما رأت 36 في المائة من نساء العينة، أن عمل المرأة قد يؤدي إلى الاختلاط المحرم شرعا.
تجدر الإشارة هنا، إلى أن «رابطة المنظمات النسائية الإسلامية العالمية»، انتخبت المهندسة المصرية، كاميليا حلمي، أمينا عاما لها ومتحدثا رسميا، بينما ترأس «اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل»، وهي مسؤولة المرأة في حزب «الحرية والعدالة»، الذراع السياسية لجماعة «الإخوان المسلمين» في مصر، التي صنّفت في مصر والسعودية أخيرا، جماعة إرهابية ووضعت على قائمة المنظمات الإرهابية.
وعلى الرغم من نتائج الدراسة، التي استهلت بها فعاليات الملتقى، فإن التعريف بالمشاركات في ملتقى (باحثات)، اللواتي يشغلن وظائف مختلفة في القطاعين العام والخاص، وتقديم سيرهن الذاتية، استهلك الكثير من الوقت المحدد للجلسات.
بالإضافة إلى ذلك، ظهرت مفارقات عدة خلال نشاط هذه الجولة، بدأت بمشاركة د. نورة العدوان، عضو مجلس الشورى، التي أدارت إحدى الجلسات رغم تأكيد د. وفاء العيسى، عضو هيئة التدريس في جامعة الملك سعود، ورئيسة لجنة التشريفات في (باحثات)، أن «الطموح الحقيقي للمرأة (هو) البيت وليست المشاركات الاجتماعية والسياسية»، حسب تعليقها.
هذا التحذير، لم يمنع د. العيسى نفسها، من النشاط الأكاديمي في إحدى الجامعات السعودية، واسمها مسجل ضمن ديوان الخدمة المدنية، إلى جانب المهام الأخرى التي تقوم بها. وقد عادت العيسى وكررت في الملتقى نفسه، تحذيراتها من خطورة فكرة تمكين المرأة بالاستقواء المادي، لأن هذا يقضي على مبدأ «القوامة بالإنفاق».
المعاشرة.. النسل.. القوامة
حقوق الرجل الشرعية في ملتقى المرأة السعودية، كانت الحاضر اللافت في ثنايا الأوراق، وحديث المشاركين والمشاركات على حد سواء. فإلى جانب الإخلال بموازين القوامة، كان لافتا تنبيه د. محمد العقيل، رئيس قسم الأنظمة في كلية الشريعة في الأحساء، خلال طرحه ورقة أعدها بعنوان «اعتبار المقاصد الشرعية في فقه الأسرة»، من خطورة إخلال الوظائف الليلية بحق الرجل في «المعاشرة».
وفي مفارقات أخرى، جاء اعتراف د. حصة الوايلي، مديرة التوعية الإسلامية في وزارة التربية والتعليم، خلال ترؤسها للجلسة الخامسة، بما فرضه الواقع الاجتماعي، وأهمية توظيف المرأة نتيجة لمضاعفة متطلبات الحياة التي تفرض زيادة الدخل الأسري.
ولخّصت الكاتبة وفاء الدباس، أوراق عمل من سبقنها في التحدث عن مؤامرة خارجية بأذرع وأصابع داخلية تعمل من أجل محو الحضارة الإسلامية، تحت غطاء العولمة، بقولها، إن «للمرأة عملا رئيسا هو صناعة المجتمع والأسرة والعمل الثانوي يكمن خارج المنزل».
صوت يتيم في مشاركات الملتقى اعترض على مجمل ما طرح خلاله، جاء من قبل د.أحمد الصقيه، القاضي السابق في ديوان المظالم، خلال ترؤسه إحدى الجلسات، معلقا على ما ذكرته الأوراق بقوله: «أتحفظ على ما ذكر بشأن مبدأ استقلال المرأة سوى للحاجة فقط بتضييق مطلق في الشريعة الإسلامية، بناء على أننا ننظر لمآلات محققة»، متسائلا «ماذا ستفعل المرأة التي ورثت الملايين؟ هل عليها أن تبقى تحت القوامة والرجل ينفق؟»، مطالبا بضرورة الابتعاد عن إسقاطات غير صحيحة. وقد أثار تعليقه، على ما يبدو، د.فؤاد العبد الكريم مؤسس ورئيس مركز «باحثات»، الذي ظهر من خلال نقل البث المباشر، يتبادل حديثا جانبيا مع الصقيه بعد تعليقه.
د. خالد السعدي عضو هيئة التدريس في قسم التربية وعلم النفس، بكلية التربية في جامعة الأمام، لم يشأ غير أن يدلي بتشخيصه للواقع النفسي والجسدي للمرأة العاملة، والتي تصارع في رأيه «القلق والإرهاق والملل والإحباط والهدر بالطاقات الرجالية». أما عن عنصر التغيرات الفسيولوجية، فظهر من خلال بحث السعدي، انعكاس عمل المرأة على العقم وانخفاض معدلات الخصوبة، رغم أن الإحصاءات الرسمية تشير إلى أن عدد المواليد في السعودية، بلغ خلال العام 2012. أكثر من ستين ألفا، بالإضافة إلى مشكلات أخرى لخصها السعدي، بالعجز عن الإرضاع، وارتفاع معدلات الطلاق، والخيانة الزوجية، والعنوسة، والتحرش، وانحراف الأبناء.
خطاب خاص لنساء «القاعدة» وعام لبقية النساء
د. نورة السعد خريجة الولايات المتحدة، التي كثيرا ما سجل لها في محافل أخرى تحذيراتها من إفساد برامج الابتعاث لأخلاقيات الطلاب والطالبات المبتعثين، حذرت من أن «اعتساف القيم المجتمعية، واستحداث مشكلات، وترويجها إعلاميا ليتلبسها المجتمع، ليس سوى استيراد لمشكلات المرأة الغربية والاستعانة بالحلول الوضعية بحسب تأثرات المجتمعات الغربية».
السعد رئيسة مركز (التمكين للمستقبل للدراسات والاستشارات)، ونائب رئيس منظمة رابطة الداعيات المسلمات، تركز دوما على «اصطياد» مظاهر التغريب في المجتمع السعودي، حتى الخفي منها، من ذلك زعمها بخطورة حملة التوعية النسائية بسرطان الثدي، التي أطلقتها إحدى الطبيبات السعوديات بعد أن من الله عليها بالشفاء منه. وبحسب نورة السعد، فهذه «الحملات» مستورد غربي. وكذلك استنكارها الإعلان عن الرقم المجاني للإبلاغ عن حالات العنف الأسري، بذريعة حث الأطفال والفتيات على التجرؤ على أوليائهم.
تأثير المرأة على مستوى التنمية لم تغفل عنه د. أسماء الرويشد، رئيسة (مركز آسيا)، في كلمتها التي ألقتها بالنيابة عنها سيدة أخرى، قالت: إن من الواجب تأمين راتب كاف لربة البيت لكي تتمكن من القيام بأعبائها التربوية والأسرية، يوازي، أي الراتب، ما يقدم للمرأة العاملة في القطاعات الأخرى. منبهة إلى ضرورة سن ضوابط لعمل المرأة، مستوحاة من قيم المجتمع، وعدم استيرادها من الخارج.
تجدر الإشارة إلى استضافة كل من الداعية أسماء الرويشيد، ورقية المحارب في مركزيهما، القيادية المصرية في تنظيم الإخوان المسلمين، كاميليا.
وبينما تسعى الرموز النسوية في الخطاب الدعوي الحركي إلى رفض مطالب حقوقية، كسن نظام لتجريم التحرش، ومنع تزويج الصغيرات، والوقوف بوجه قرار عمل المرأة «كاشيرة» بسبب الاختلاط وعدم وجود بيئة آمنة لعمل المرأة، وكذلك اشتراط موافقة ولي الأمر لعمل المرأة. إلا أنه لم يسجل لأي من تلك الأسماء النسائية التي حافظت، طوال سنوات، على حضورها في مناقشات القضايا كافة، وانخراطهن في القضايا السياسية المحلية والإقليمية، الاستنكار والاحتساب على من خرجن من النساء السعوديات إلى مواقع القتال والاضطرابات في الخارج، رغم خطورة الوقوع في أيدي العصابات والشبيحة، بدءا من وفاء اليحيى التي هربت إلى العراق، ورضيت بالزرقاوي زوجا لها قبل أن تقتل هناك، أو فرار أروى البغدادي إلى اليمن، مع شقيقها وزوجته وابنة شقيقها الآخر، وتركها أطفالها من دون رعاية، واكتفائها بوداع زوجها بتغريدة موجزة.
كذلك كان الصمت سيد الموقف، بعد هروب وفاء الشهري مع صغارها إلى اليمن، وندائها نساء السعودية للحاق بها وإعلان نصرتها، ودعمها لهيلة القصير، أو «سيدة القاعدة» كما وصفها التنظيم، التي صدر بحقها عقوبة السجن 13 عاما بعد محاكمتها، لدعمها «القاعدة» بالمال والسلاح، وأخيرا، الفتاة ندى معيض، أو «أخت جليبيب» التي أعلنت، عبر حسابها على مواقع التواصل الاجتماعي، وصولها إلى الأراضي السورية والتحاقها بصفوف تنظيم «داعش» وحيدة من دون محرم.
حق إعلان الانتماء
«أول حق من حقوق المرأة الذي يجب أن تعيه جيدا وتتمسك به، هو حقها في إعلان انتمائها إلى أمة التوحيد». هذا ما جاء في كتاب د. سعاد الناصر «قضية المرأة رؤية تأصيلية»، حيث أكدت «أنه يمكن للمرأة أن تجمع بين العمل الاجتماعي والسياسي وبين العبادة، مثلها في ذلك مثل الرجل».
من هذا المدخل، يمكن التوصل إلى فهم دوافع ومبررات انخراط الناشطات السعوديات في فضاء الدعوة الحركية في الشؤون السياسية، كما بدا لافتا أخيرا عبر حسابات «تويتر».
في وثيقته، خلص د.عبد الله النفيسي إلى أن حركة المرأة في صدر الإسلام، كانت حركة مستقلة وغير تابعة لحركة الرجل، كما هو الحال في كثير من المجتمعات العربية الحالية، قائلا: «يتبين لنا أن مجتمع الإسلام ليس قيم تقاليد وأعراف تعزل النساء عن الفعل الاجتماعي، والبعض يتصور أن التشدد في مسألة المرأة وعزلها اجتماعيا لسد الذرائع، ومهما كان سد الذرائع فلا يجب أن يمسخ أصل النظام الإسلامي العام، الذي يقضي بإشراك الرجال والنساء في الحياة العامة».
الأسماء ذاتها، من النساء رافعات الأصابع بشعار «رابعة»، اشتهرن قبل أن يختفي الشعار، أو تعود جزئيا، حسب الشعور الأمني، مع قرب انتهاء مهلة الأمر الملكي ضد الجماعات المحظورة.
كان لافتا، ما سجلته حسابات هؤلاء، من تغريدات ذات نفس سياسي أصولي، متعاطف مع رموز الجماعات الأصولية وحركاتها، من بينها تغريدة د. ابتسام الجابري، التي وجهتها إلى أحمد الأسير في لبنان وقالت فيها:
«شيخنا لا تمكنهم منك ولا تسمح باعتقالك، فهم لن يتوقفوا عن إيذاء أهل السنة ولو ادعوا ذلك، ولو توقفوا اليوم، سيعودون غدا وبقاء مثلك منهم». وتغريدة أخرى للجابري تقول فيها: «ردا على ما يشهده الإعلام المصري الخليجي، من حملة مسعورة يتم فيها شيطنة جماعة الإخوان المسلمين، ورميهم بكل شر كذبا وبهتانا». وتضيف: «طريق النصر ليس ممهدا فدونه تراق الدماء». كذلك مشاركة للدكتورة رقية المحارب في السياق نفسه: «النصرة» لجماعة الإخوان بمصر، دونت فيها: «الشعب المصري يعلن أنه حر وأن بيعه (ببضع) مليارات لمصالح فردية، لن يهنأ بها من قبض الثمن، فليكتب التاريخ هذه الملحمة التي تجري الآن في الميادين».
وتعلق د. أفراح الحميضي على فض اعتصام رابعة بقولها: «اللهم لا تشمت الأعداء بنا ولا تجعلنا فرجة للحاقدين، وأعز المسلمين، ودمر من أراد بمصر شرا واجعل تدبيره تدميره». لتتوجه بدعوة في تغريدة أخرى نصها: «اللهم عليك بكل خائن أشعل أرض مصر السلام وحارب الإسلام، اللهم أبدل خوفهم أمنا (وأدر) دائرتك على البغاة».
هل يمكن ضبط الخطاب
النسوي السعودي؟
يطرح ما تقدم حول حالة الخطاب النسوي الدعوي في السعودية، سؤالا مهما، حول سبل ومظاهر ضبط الساحة الدعوية النسوية خاصة ومظاهرها.
تأكيدات وزارة الشؤون الإسلامية بحسب معلومات رسمية حصلت عليها «الشرق الأوسط»، تفيد بأن أيا من الأسماء - النساء - الشهيرة في الساحة الدعوية، لم تحصل على ترخيص في مجال الدعوة أو التعاون مع الوزارة، رغم كثافة الأنشطة المتنوعة التي تقام في المدارس والجامعات والجوامع، ويتم الإعلان عنها من حين إلى آخر، إلى جانب عدم ترخيص وزارة الشؤون الإسلامية لأي مكاتب دعوية نسائية.
وهذا يقودنا إلى سؤال آخر، حول ماهية الغطاء الذي تؤدي ضمنه الداعيات الشهيرات، في مختلف المحافل برامجهن الدعوية، إذا كانت الوزارة المشرفة على هذا النشاط تقول لا علم لنا بهن؟
الإجابة تكمن خارج الإطار الحكومي نفسه، حسب ما نظّر له د.عبد الله النفيسي في وثيقته حين قال: «هناك حاجة ماسة للعمل النسائي الجاد والمنظم، الجاد في منهجه ومساره وحركته، والمنظم في خطواته ومراحله وتفكيره وقياداته. أين نبدأ؟ هل نبدأ من القضية الاجتماعية؟ أم من القضية الاقتصادية؟ أم من القضية السياسية؟ أم من القضية الثقافية التعليمية؟ أم نبدأ عبر مبادرة واحدة وكبيرة شاملة؟».
من هذه الدعوة في أواسط الثمانينات، بدأت الحركة الدعوية النسوية بالسعودية في التمدد والتغلغل عبر مراكز البحوث والدراسات (الاجتماعية والتربوية والنفسية والاقتصادية)، التي اتسعت رقعتها في عدد من المناطق السعودية.
وبحسب ما ذكره النفيسي في فصل «الجمعيات النسائية»، دعا إلى ضرورة إعادة النظر في بعض أوضاع العمل النسائي، لإعادة الثقة به، من خلال فتح الجمعيات النسائية أبوابها للنساء الراغبات في الانضمام، وأن تكف بعض المحتكرات للعمل النسائي عن رفضهن التام لانضمام الدماء الشابة والجديدة والمتحركة لتلك الجمعيات، منتقدا سيطرة شخصيات مترهلة تحولت إلى إقطاعية نخبوية وطبقية في عدد من الجمعيات النسائية. وأضاف النفيسي إلى ذلك، إعادة النظر في أوضاع الصحافة النسائية التي عدها نافذة العمل النسائي المطلة على الجمهور.
من هنا نفهم نشأة عدد من المراكز محليا، لعل الأبرز بينها مركز «آسيا للاستشارات التربوية والنفسية»، للداعية أسماء الرويشد، ومركز «التمكين للمستقبل» للاستشارات والدراسات، للداعية الدكتورة نورة السعد، وموقع «لها أون لاين» الإلكتروني، ومركز «النجاح للاستشارات» للداعية رقية المحارب. وجميع هذه المنابر تروج لمناشط ومحاضرات ودورات ذات صبغة سياسية وثقافية محددة، بالإضافة إلى اعتبارها صوتا إعلاميا لمالكاته وأفكارهن، وجميع هذه النوافذ ابتدأت نشأتها بإصدار مجلات إلكترونية وأخرى مطبوعة.
في السعودية تعود صلاحية الترخيص لمراكز الأبحاث والدراسات النسائية، إلى وزارة الشؤون الاجتماعية، في ضوابط حددتها اللائحة المنظمة لعمل المراكز الاجتماعية، أو من خلال وزارة التجارة، بمنح ترخيص لمركز غير ربحي، كما هو قائم مع «مركز باحثات».
د. عبد الله السدحان، وكيل وزارة الشؤون الاجتماعية للتنمية الاجتماعية، ذكر لـ«الشرق الأوسط»، أن ضوابط المراكز الاجتماعية، إنما تهدف إلى تنظيم مراكز البحوث والدراسات الاجتماعية الأهلية، وتفعيل دورها في المجتمع، وتمكينها من مباشرة اختصاصها وفق الأساليب العلمية الحديثة، بغرض رصد القضايا والظواهر والمشكلات الاجتماعية في السعودية، وإجراء البحوث والدراسات والمسوح الاجتماعية حولها، واقتراح التوصيات والحلول المناسبة لها، وعقد الدورات التدريبية والتأهيلية، وورش العمل، واللقاءات العلمية، والمنتديات ذات العلاقة بالشأن الاجتماعي، وعدم القيام بأجراء أي بحوث أو دراسات أو استشارات خارجة عن هذا النطاق.
وبين السدحان أن هذه التراخيص تصدر للمواطنين من الجنسين الرجال والنساء، وليست خاصة بجنس من دون آخر، وفقا لعدد من الشروط يمكن الحصول عليها من موقع الوزارة، ورفع الطلب آليا كذلك.
وحول ممارسة عدد من المراكز النسوية ما يغاير تخصصاتها المعلن عنها، وخصوصا الجانب الدعوي، أوضح السدحان، أنه لا يسمح لهذه المراكز بتجاوز المهام المحددة لها في تقديم استشارات نفسية وتربوية، ومخاطبة المراهقين. وذكّر قائلا: يمكن لمن يرغب في تقديم هذه الاستشارات، الحصول على ترخيص لمركز للاستشارات الأسري وفق ضوابط محددة، موجودة على موقع الوزارة، ويمكن التقدم بطلب الترخيص آليا في حال توافرت الشروط المطلوبة.
أما ما يتعلق بمجال الإشراف والمتابعة والرقابة، فقد بادرت الوزارة، كما أوضح السدحان، من تاريخ صدور اللوائح والقواعد في العمل، على استكمال الإجراءات واتخاذ التدابير لتنظيم عملية الحصول على الترخيص، والمتابعة والإشراف والرقابة. وتم تشكيل الكثير من اللجان الفنية المتخصصة في مختلف مناطق السعودية، من أصحاب الخبرات الإدارية والفنية للأشراف على هذه المراكز وفقا لتنظيم محدد.
وحول عدد المراكز الاجتماعية النسوية بالسعودية، اكتفى د. عبد الله السدحان بالقول: «منذ صدور الضوابط التنظيمية لمراكز البحوث والدراسات الاجتماعية، في شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بلغ عدد طلبات التراخيص من القطاع النسائي، أربعة مراكز حتى الآن».
الساحة الدعوية النسائية في السعودية متشعبة ونشطة، ينفرد في العمل بها لون واحد متشابه، يغرد بلحن خاص، بعيد عن كل الجو المحيط به.



واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
TT

واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)

بالتزامن مع مسار المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن برعاية أميركية، شهد الكونغرس تحركاً مختلفاً من نوعه؛ إذ صعّد من الضغوطات على الجيش اللبناني لتنفيذ وعوده بنزع سلاح «حزب الله» تحت طائلة تجميد المساعدات الأميركية المقدمة للجيش، والتي يوافق عليها المجلس التشريعي سنوياً.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر خاصة رفيعة المستوى داخل الكونغرس، أن الحزب الجمهوري «سئم من سماع وعود صادرة عن الجيش اللبناني بنزع سلاح (حزب الله) من دون القيام بالمجهود لتحقيق ذلك».

وتابعت المصادر، التي رفضت الكشف عن اسمها لعدم التأثير على المداولات الداخلية الجارية في الكونغرس، بالقول: «حان الوقت الآن للقيام بعملٍ جاد. وعلى الجيش اللبناني أن يبرهن على جديته».

وذكّرت المصادر بأن تمويل الجيش الذي يقره الكونغرس يصرف من أموال دافع الضرائب الأميركي، مؤكدة أنه وفي ظل تزايد التدقيق في كيفية إنفاق أموال دافعي الضرائب الأميركيين في عهد ترمب، يريد المشرعون التأكد من أن «كل دولار يُصرف يجب أن يخصص لغايةٍ مجدية».

ترمب خلال خطاب «حالة الاتحاد» في الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

ضغوطات متزايدة على الجيش

جاء ذلك بعدما كانت مواقف مشابهة صدرت على لسان شخصيتين نافدتين في مجلس الشيوخ، هما رئيس لجنة القوات المسلحة، الجمهوري روجر ويكر، الذي قال في منشور على منصة (إكس): «على الكونغرس ألا يدعم الجيش اللبناني ما لم يتحرّك لنزع سلاح (حزب الله) بالكامل وعلى الفور».

واعتبر ويكر أن «مقتل عنصرٍ فرنسي على يد (حزب الله) في جنوب لبنان بعد أيام من موافقة إسرائيل على وقف إطلاق النار، يشكل اختباراً حاسماً للجيش اللبناني»

وبعد يوم من تصريح ويكر، انضم إليه رئيس لجنة العلاقات الخارجية الجمهوري جيم ريش الذي قال: «لقد آن الأوان كي يتخذ الجيش اللبناني خطوات ملموسة لنزع سلاح (حزب الله) بالكامل». ولم يتوقف ريش عند هذا الحد بل تطرق إلى ملف الإصلاحات، مطالباً الحكومة اللبنانية بالإيفاء بوعودها «المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي». وختم بلهجة حاسمة: «لقد انتهى عهد التراخي وخطط الإنقاذ غير المشروط». كلمات واضحة وقاسية، تدل على نفاد صبر المشرعين من الوعود التي قطعتها الدولة اللبنانية بنزع سلاح «حزب الله» من جهة، وفرض إصلاحات اقتصادية من جهة أخرى.

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يتفقّد موقع تفجير منشأة لـ«حزب الله» في الجنوب (أرشيفية - مديرية التوجيه)

موقف قائد الجيش

إلى ذلك، تتزايد الشكوك في واشنطن حول أداء قائد الجيش رودولف هيكل في ملف نزع سلاح الحزب. وفيما تتحفظ غالبية المسؤولين الأميركيين عن الدعوة لإقالته علناً، حرصاً على عدم التدخل في الشؤون الداخلية، فإن السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام ليس من هؤلاء المتحفظين. فقد أعلنها بوضوح هذا الأسبوع في مقابلة مع «فوكس نيوز»؛ إذ قال: «لا أثق بالجيش اللبناني في نزع سلاح (حزب الله). يجب استبدال قائد الجيش الجنرال هيكل قبل أن تكون هناك خطة موثوقة لنزع سلاح الحزب».

وشدد غراهام على أن أي اتفاق سلام في لبنان لن يحصل «ما لم يكن هناك مسار موثوق لنزع سلاح الحزب». وكان هيكل أثار بلبلة في أروقة الكونغرس خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن في فبراير (شباط) الماضي، بعد إلغاء زيارته الأولى إثر تصريحات مثيرة للجدل عن إسرائيل، ولقائه بغراهام. حينها خرج السيناتور الجمهوري المقرب من ترمب غاضباً بسبب رفض هيكل، على حد قوله، الاعتراف بأن «حزب الله» منظمة إرهابية. وقال غراهام: «التقيتُ للتو بشكلٍ مقتضب جداً بقائد الجيش اللبناني، الجنرال رودولف هيكل. سألته بشكلٍ مباشر ما إذا كان يعتبر (حزب الله) منظمة إرهابية. فأجاب: لا، ليس في السياق اللبناني. وعلى إثر ذلك، أنهيتُ الاجتماع».

وتابع غراهام بلهجة غاضبة: «ما دام هذا الموقف قائماً لدى الجيش اللبناني، فلا أعتقد أننا نملك شريكاً موثوقاً به». كلام يتردد وراء أبواب مغلقة في الكونغرس، حيث علمت «الشرق الأوسط» من بعض المشرعين، أن «ما يهم الآن هو نزع سلاح (حزب الله)».

الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل (رئاسة الجمهورية)

المفاوضات المباشرة «إيجابية»

فيما يحذر البعض من هذه الضغوط والدعوات لغياب بدائل للجيش اللبناني، تقول المصادر في الكونغرس لـ«الشرق الأوسط»: «صحيح أنه لا يوجد بديل رائع. لكن هذا لا يعني أنه ينبغي علينا الاستمرار في تقديم المساعدات بشكل أعمى». وتشدد المصادر على ضرورة وضع شروط قاسية للإفراج عن المساعدات.

وبتزامن هذه التحركات التشريعية مع المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، يراقب الكونغرس هذا المسار الإيجابي، على حد تعبير المشرعين الذين أعرب عدد منهم عن تأييدهم الشديد لما يسعى البيت الأبيض لتحقيقه من خلال هذا المسار. ويعترف أعضاء الكونغرس بأن الملف اللبناني معقد، لكن مع التشديد على أن المسار الذي اعتمدته الإدارات السابقة لم ينجح في تحقيق أهدافه، ومن هنا ضرورة النظر في تغيير النهج المعتمد سابقاً.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة افتتاح الجولة الأولى من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل (غيتي)

دور للقيادة المركزية

ومما يسترعي الاهتمام، أن إعلان الرئيس الأميركي عن عودة لبنان إلى أجندة الاستراتيجيات الأميركية ونيته «جعل لبنان عظيماً مجدداً»، ترافق مع تكليف وزير الخارجية ماركو روبيو ونائبه جي دي فانس وقائد القيادة الوسطى دان كاين بالعمل مع إسرائيل ولبنان معاً على «تحقيق سلام مستدام». ولعلّ أهم نقطة في هذا التصريح هي تكليف كاين، فيما اعتبره البعض دليلاً على أن القيادة العسكرية الأميركية سوف تكون منخرطة بشكل مختلف هذه المرة في دعم الجيش اللبناني.

وهذا ما تحدث عنه السفير الأميركي السابق إلى لبنان دايفيد هايل الذي قال إن «أحد الدروس التي تعلمتها أميركا من العام الماضي هو أن دور القيادة المركزية الأميركية في مجموعة المراقبة كان محدوداً؛ إذ كانت القوات تراقب فقط».

وأضاف، في ندوة عقدها معهد الشرق الأوسط في واشنطن وحضرتها «الشرق الأوسط»: «نحن بحاجة إلى ما هو أكثر من المراقبة، وهذا لا يعني أننا سنقوم بفرض السيادة اللبنانية، فهذا تناقض بحد ذاته. يجب أن يكون الجيش اللبناني هو الجهة المنفذة، لكن يمكننا أن نكون أكثر انخراطاً، ليس فقط من خلال التجهيز وتقديم المساعدات، بل أيضاً عبر تقديم المشورة وتوفير المعلومات الاستخباراتية بشكل أكثر نشاطاً». وأعطى هايل مثالاً على ذلك فقال: «لو كان هناك ضابط أميركي برتبة رائد أو نقيب داخل المكاتب، فإن أصدقاء لبنان داخل الجيش الذين لا ينتمون إلى ما يُعرف بـ(الدولة العميقة) سيشعرون بالتمكين، وسيشعرون بأن لديهم دعماً حقيقياً؛ لأن العلاقة على مستوى الأفراد بين الجيش الأميركي والجيش اللبناني ممتازة. وهذا النوع من الحضور يمكن أن يمنح اللبنانيين الثقة والدافع للقيام بمهامهم».

إصلاحات وعقوبات

ليست مسألة الجيش اللبناني القضية الوحيدة على رادار المشرعين الأميركيين؛ فضرورة فرض الإصلاحات الاقتصادية تتصدر المطالب في واشنطن، وهذا ما أشار إليه السيناتور ريش بوضوح عندما دعا الدولة اللبنانية إلى الإيفاء بوعودها المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي.

وعن ذلك فسرت المصادر خلفية التصريحات لـ«الشرق الأوسط»، فاعتبرت أن «فشل الدولة اللبنانية في إحراز تقدم فعلي في الإصلاحات المصرفية يخلق منفذاً كبيراً يسمح لـ(حزب الله) بالحفاظ على نفوذه»، وتشدد على ضرورة أن تمضي الدولة قدماً «في الإصلاحات التي لا يبدو أنهم مستعدون لتنفيذها». وتضيف: «نحن أمام حلقة مفرغة. وإذا كانت الطبقة السياسية اللبنانية غير مستعدة لتحمّل المسؤولية وترجمة أقوالها إلى أفعال، فلماذا نستمر في إنقاذها؟ أعتقد أنهم يعرفون تماماً ما المطلوب منهم، لكنهم ببساطة لا يبدون استعداداً للقيام به».

وعلمت «الشرق الأوسط» أن تركيز أعضاء الكونغرس البارزين ينصبّ على دور رئيس مجلس النواب نبيه بري، فهم يراقبون خطواته لمعرفة مدى تجاوبه مع المطالب الأميركية. وأكدت المصادر أن برّي «يدرك موقف الحكومة الأميركية»، مضيفة إن كان هناك الكثير من الحديث على مرّ السنوات عن فرض عقوبات على الذين يعرقلون الإصلاحات. لذلك، «لن نستغرب رؤية خطوات في هذا الاتجاه في حال عدم التجاوب».

جنود من الجيش اللبناني ينتشرون في موقع غارة جوية إسرائيلية في بيروت (أ.ب)

تمويل الجيش زمنياً

فيما تعمل لجان الكونغرس بشكل حثيث على تحديد أولويات التمويل في موازنات الدفاع، يعمل بعض المشرعين على تجسيد مواقفهم في تعديلات تتم إضافتها على مشاريع القوانين النهائية التي سيقرها المجلس التشريعي.

ومنذ عام 2006، قدّمت الولايات المتحدة أكثر من 2.5 مليار دولار من المساعدات العسكرية إلى الجيش اللبناني، بهدف تعزيز أمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، ودعم الجيش بوصفه مؤسسة تابعة للدولة. وتشمل المساعدات في عهد ترمب الثاني أكثر من 117 مليون دولار أُعلن عنها في يناير (كانون الثاني) 2025، تهدف إلى دعم الجيش اللبناني في الحفاظ على وقف إطلاق النار مع إسرائيل وتنفيذ قرار مجلس الأمن 1701.

كذلك وافقت الإدارة في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 على تقديم 230 مليون دولار لقوات الأمن اللبنانية، منها 190 مليون دولار للجيش اللبناني، و40 مليون دولار لقوى الأمن الداخلي. وذلك بعد حزمة أمنية منفصلة بقيمة 14.2 مليون دولار أعلنت عنها وزارة الحرب الأميركية في 10 سبتمبر (أيلول)، وشملت معدات تهدف إلى «تعزيز قدرات الجيش اللبناني على تفكيك مخازن الأسلحة والبنى التحتية العسكرية للجماعات غير الحكومية، بما في ذلك وكيل إيران الإرهابي (حزب الله)»، بحسب بيان صادر عن الوزارة.


«داعش» يغيّر أولوياته ويسعى لرفع «تكلفة الحكم» في سوريا

TT

«داعش» يغيّر أولوياته ويسعى لرفع «تكلفة الحكم» في سوريا

صورة مقاتل من «داعش» وزعتها وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، في الباغوز السورية في 2019 (أ.ب)
صورة مقاتل من «داعش» وزعتها وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، في الباغوز السورية في 2019 (أ.ب)

انتقلت سوريا منذ مطلع العام الحالي من مرحلة الاضطرابات الداخلية، سواء في الشمال الشرقي أو مناطق الساحل والجنوب، إلى مرحلة هدوء نسبي ومحاولات فرض هيكلية أمنية وسياسية جديدة تجسدت ملامحها بشكل أساسي في الملف الأمني والاتفاق مع تنظيم «قسد». لكن هذه التحولات وضعتها أمام سباق غير معلن مع تنظيم «داعش» في أكثر من حاضنة اجتماعية وبقعة جغرافية على امتداد سوريا. فقد برز تنظيم «داعش» أخيراً كعامل عدم استقرار يسعى لاستعادة موطئ قدم له عبر استغلال حالة عدم السيطرة الأمنية بشكل كامل، كما أنه لا يزال يجد بيئة آيديولوجية وميدانية يسعى لاستغلالها عبر خطاب هجومي وعمليات أمنية مركزة زادت حدتها منذ منتصف فبراير (شباط) الماضي، وتراجعت إلى حد ما في الأسبوع الأول من مارس (آذار)، ثم عادت ونشطت أخيراً.

وتُعد منطقة الجزيرة السورية، الممتدة بين دير الزور والرقة والحسكة، الساحة الرئيسية لاختبار قدرات التنظيم في 2026. إن سيطرة دمشق على مناطق شرق الفرات، في نهاية يناير (كانون الثاني) عقب إعادة تموضع القوات الأميركية ثم انسحابها كلياً، وقبلها انسحاب قوات «قسد» إلى مناطق أخرى، خلقت واقعاً أمنياً جديداً يحاول التنظيم توظيفه لصالحه.

سيدة تعبر بمنطقة مدمرة وسط مدينة الرقة التي كانت تحت سلطة تنظيم «داعش» (أرشيفية- أ.ف.ب)

وأدى الانسحاب الأميركي أو إعادة التموضع في بعض القواعد بشرق سوريا في قاعدتي خراب الجير ورميلان إلى حالة من «الارتباك العملياتي» المؤقت في خطوط السيطرة.

وأشارت تقارير نُشرت في مجلة «النبأ» الأسبوعية الصادرة عن التنظيم، إلى تصعيد في الهجمات التي استهدفت نقاطاً وحواجز أمنية حكومية، حيث تنوعت بين العبوات الناسفة والهجمات المسلحة المباشرة. وكان التنظيم نفّذ نحو 22 هجوماً في مختلف مناطق سوريا خلال شهر مارس 2026 وحده، مستهدفاً مواقع عسكرية ومدنيين.

قدرة الوصول لأهداف نوعية

يُعد الهجوم على عناصر الفرقة 86 التابعة لوزارة الدفاع في دير الزور وعلى نقاط تمركز وتحصينات للفرقة بالقرب من منطقة البانوراما عند المدخل الجنوبي للمدينة، مؤشراً على قدرة التنظيم على الوصول إلى أهداف عسكرية نوعية في عمق مناطق السيطرة الحكومية أو مهاجمة البنية التحتية. فقد تحول التنظيم بالكامل إلى أسلوب حرب العصابات، حيث تعمل مجموعات صغيرة متنقلة في المناطق الصحراوية الممتدة، مستغلة الطبيعة الجغرافية التي لا تزال توفر ملاذاً آمناً نسبياً لعناصر وقيادات التنظيم رغم كثافة الغارات الأميركية على مواقع في تلك المناطق.

قطيع من الماشية أمام قافلة من الآليات العسكرية الأميركية التي المنسحبة من سوريا على طريق دمشق- عمّان في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ويمثل الخطاب الإعلامي لتنظيم «داعش» الذي بثته مؤسسة «الفرقان» لـ«أبو حذيفة الأنصاري»، يوم الخميس 5 فبراير 2026، محاولته لإعادة تعريف نفسه كقوة «مقاومة شرعية وحيدة» في مواجهة النظام السياسي الجديد. ومن خلال تصريحات الأنصاري وما نشرته مجلة «النبأ»، في العدد 531 الصادر يوم الخميس 12 فبراير، يظهر أن التنظيم انتقل من سياسة «الترقب والمراقبة» إلى «الهجوم الفكري الشامل» من خلال توظيف الخطاب الديني.

وكان المتحدث باسم التنظيم أعلن عن بدء «مرحلة جديدة من العمليات» تستهدف بشكل مباشر بنية الحكم في دمشق، ما يوحي بتحول التنظيم من حرب الدفاع عن الجيوب الصحراوية إلى حرب استنزاف في جغرافية المدن والمراكز السيادية. وركزت مجلة «النبأ» في أعدادها الأخيرة على مهاجمة حكومة دمشق الجديدة، واصفة إياها بأنها «نسخة محدثة من الردة»، مع تركيز خاص على شخص الرئيس السوري أحمد الشرع الذي لا تزال المجلة تعرّفه باسمه الحركي السابق أبو محمد الجولاني.

التشكيك في الكفاءة العسكرية

يرى التنظيم في تحول الشرع من قائد فصيل جهادي إلى رجل دولة في دمشق «الخيانة العظمى» للمشروع «الجهادي» العالمي. في محاولة لاستقطاب العناصر التي لا تزال تلتزم منهج «السلفية الجهادية» داخل «هيئة تحرير الشام» والفصائل الأخرى التي تشعر بالإحباط من سياسات الاحتواء والدمج في «الجيش السوري الجديد»، أو «التساهل» مع ضباط ومسؤولي النظام السابق المسؤولين عن انتهاكات طالت السوريين خلال فترة الحرب الداخلية، إلى جانب ما يتعلق بـ«المسوغات الشرعية» لانضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة.

عنصر أمن سوري يقف أمام قافلة من الآليات العسكرية الأميركية التي المنسحبة من سوريا على طريق دمشق- عمّان في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ومن خلال تكثيف عملياته أخيراً، ومنذ النصف الأول من فبراير ثم بدرجة أقل في أوائل مارس، يبدو أن التنظيم يسعى إلى «التشكيك في قدرة الحكومة على فرض الأمن والاستقرار؛ وتجاوز البعد العقائدي إلى التشكيك في الكفاءة العسكرية للقوات الحكومية الحديثة التشكيل»، محاولاً فرض رؤية جديدة تفيد بأن «وجود الشرع في الحكومة حاجة أميركية لاستمرار الحرب على التنظيم»، زاعماً أنه يمكن أن يكون بديلاً مقبولاً لا يساوم على القيم الإسلامية، مقابل مكاسب سياسية أو رفعه من لائحة التنظيمات الإرهابية أو السعي للاعتراف الدولي مقابل تنازلات في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية.

الرهان على التناقضات

يراهن التنظيم على «التناقضات الاجتماعية» التي قد تنتج عن عودة سلطة دمشق إلى مناطق كانت لسنوات تحت إدارة ذاتية أو نفوذ دولي كما كان الحال في شمال شرق سوريا تحت حكم «قسد»، وعموم الشمال السوري الذي خضع لسنوات لسيطرة فصائل الجيش الوطني الحليف لتركيا. ويستغل «داعش» المخاوف العشائرية من السياسات المركزية، محاولاً تقديم نفسه كـ«ملاذ» أو «حليف سري» ضد التجاوزات الأمنية المفترضة. كما أن انشغال الدولة السورية بتتبع «فلول النظام البائد» والميليشيات المعارضة في الساحل والسويداء يمنح التنظيم مساحة أكبر للحركة في الشرق. ورغم انحسار سيطرته الجغرافية، لا يزال «داعش» يمتلك القدرة على «البقاء» التي تعتمد على المرونة الهيكلية والقدرة على التجنيد رغم تراجع مستوياتها، إلى جانب أن التنظيم لا يزال يملك ما يكفي من القدرات المالية لإدامة زخم استمراريته.

عناصر من قوات الأمن السورية عند بوابة مخيم «الهول» الذي يضم عائلات عناصر من «داعش» شمال شرقي سوريا يوم 21 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وتتمثل نقاط قوة التنظيم في اللامركزية المطلقة حيث مُنحت للولايات الفرعية بعد انكفاء دور القيادة المركزية المتمثلة في اللجنة المفوضة وإدارة الولايات البعيدة بعد مقتل «خليفة» التنظيم الرابع أبو الحسين الحسيني الهاشمي، ما يسمح لها بالتجنيد والتنفيذ دون الحاجة لانتظار أوامر مركزية قد تتعرض للاعتراض الاستخباراتي. كذلك نجح التنظيم في إعادة إنشاء «مضافات مصغرة» وقواعد دعم في مناطق وعرة في صحراء حمص تعرض عدد منها لغارات أميركية خلال هذا العام؛ أبرزها سلسلة الغارات على جبل العمور شمال غرب تدمر أواخر يناير، ما يجعل تطهيرها بالكامل يتطلب جهداً عسكرياً يفوق قدرات الدوريات العادية.

وأعلنت الولايات المتحدة تنفيذ 10 غارات جوية بين 3 و12 فبراير، استهدفت أكثر من 30 هدفاً في أنحاء سوريا، كان لمحافظة حمص نصيب كبير منها، خاصة في بادية السخنة ومحيط حقول الغاز بريف حمص الشرقي، وهو ما يعيد طرح تساؤلات ومخاوف الآن بعد الانسحاب الأميركي الأخير.

التجنيد في المخيمات

يركز «داعش» حالياً على استقطاب «الجيل الجديد» من المراهقين والشباب الذين نشأوا في مخيمات النزوح أو في ظروف اقتصادية منهارة. يعتمد هذا التجنيد على استخدام منصات مشفرة وتطبيقات حديثة للوصول إلى الشباب بعيداً عن أعين الرقابة الأمنية. إضافة إلى استغلال الخطاب الطائفي والسياسي لتعزيز شعور المجتمعات «السنية» بالتهميش في ظل التوازنات الجديدة بدمشق.

في المقابل، يواجه التنظيم تحديات وجودية تتمثل في التنسيق العسكري غير المسبوق بين الحكومة السورية والتحالف الدولي. إن انضمام دمشق لجهود مكافحة الإرهاب الدولية قد حرم التنظيم من ميزة «اللعب على التناقضات» بين القوى الدولية. كما أن الجغرافيا الصحراوية لم تعد عامل دعم كما في السابق بسبب التطور الهائل في تقنيات الرصد الحراري والطائرات المسيّرة التي تتبعها القوات الحكومية والتحالف.

لكن التنظيم يراهن على فشل الحكومة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي أو نيل الاعتراف الشعبي الكامل في المناطق التي كانت تسيطر عليها فصائل أخرى. واجتماعياً، يحاول «داعش» العبث بالنسيج العشائري في دير الزور، مستغلاً حوادث مثل اعتقال قادة محليين مرتبطين بالنظام السابق أو النزاعات على الموارد النفطية في محافظة دير الزور لتعزيز حالة الفوضى التي تسمح له بالتمدد.

نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)

تغير ميزان «المبادرة الميدانية»

منذ حملة «التطهير الأمني» التي أعلنتها وزارة الداخلية السورية أواخر فبراير بالتنسيق مع وحدات من الجيش السوري، تغيّر ميزان المبادرة الميدانية بشكل ملحوظ. شملت الحملة عمليات تمشيط واسعة في ريف حماة الشرقي والبادية الوسطى، إضافة إلى مداهمات في محيط حلب والساحل السوري. خلال الأسبوع الأول من مارس، أعلنت الأجهزة الأمنية إحباط عملية كبرى كانت تستهدف مواقع عسكرية داخل مدينة حلب، وتفكيك ثلاث خلايا نائمة في مناطق الساحل وريف حمص. هذه الضربات أضعفت شبكة الدعم الداخلي للتنظيم وأربكت قنوات الاتصال بين مراكزه الميدانية والقيادات العليا.

ومع حلول منتصف مارس، بدأت تظهر مؤشرات «الانحسار العملياتي» بوضوح؛ إذ تراجعت الهجمات إلى مستويات لم تُسجّل منذ أواخر عام 2024. في تلك المرحلة، رصدت المصادر الميدانية انتقال بعض المجموعات الصغيرة نحو المناطق الريفية على أطراف الرقة ودير الزور، في محاولة لإعادة التموضع بعيداً عن الضغط الأمني المتصاعد. في المقابل، تكشف تقارير محلية عن لجوء عدد من عناصر التنظيم إلى طلب «تسويات» مع السلطات السورية تحت ضغط نقص التمويل وشح الموارد الغذائية والطبية داخل الجيوب المتبقية.

الأمن السوري يقتحم منزل أحد المتورطين في خلية «داعش» في قرية السفيرة شرق حلب (الداخلية السورية)

البحث عن «بيئة حاضنة»

ويشير الباحث زين العابدين العكيدي، وهو من أبناء مناطق شرق الفرات، إلى أن «(داعش) كان يستغل سابقاً تذمّر العشائر العربية من (قسد)، لكن اليوم المناطق التي بقيت تحت سيطرة (قسد) بعد الاتفاق الأخير هي مناطق كردية بالكامل تقريباً، وبالتالي لن تكون أرضية مناسبة لنشاط التنظيم»، وهو ما يفسر انتقاله للعمل في مواقع أخرى.

ويؤكد العكيدي أن هناك إقبالاً ملحوظاً على الانضمام إلى صفوف التنظيم، واصفاً ذلك بالأمر الخطير، رغم امتلاك الحكومة السورية خبرة سابقة في تتبع خلايا «داعش».

ويضيف أن «إقفال ملف مخيم الهول، الذي يضم عائلات التنظيم، إلى جانب سيطرة الحكومة على شرق الفرات، قد يعيق تأثير دعاية (داعش) في التحريض على قتال الدولة لتجنيد المتعاطفين معه».

لكنه يشدّد على أن وضع الجزيرة السورية «صعب جداً من الناحية الأمنية، مع صعوبة العيش، وسوء الخدمات، وانتشار تجارة المخدرات، وكلها هوامش يلعب عليها التنظيم».

ويكشف العكيدي أن جهات مقرّبة من «داعش» ذكرت أن إنهاء ملف مخيم الهول «مشروط بتوقف هجمات التنظيم ضد الحكومة السورية».

أما العقيد في الجيش السوري محمد العامر، فقال لـ«الشرق الأوسط» إن هناك «واجهات عشائرية» في شرق سوريا لديها صلات مع التنظيم، وعملت «كوسيط بين القوات السورية وبعض العناصر لإقناعهم بترك التنظيم بعد إخضاعهم لمراجعات فكرية».

وأوضح أن بعض هؤلاء وُضعوا في السجون، فيما يخضع آخرون للمراقبة، وقال: «نستخدم كل الطرق لإنهاء وجود (داعش) في سوريا، ولا سيما عبر العمل الأمني والاستخباراتي، وضرب خلايا التنظيم وتفكيكها».

قدرة إزعاج ورفع تكلفة الحكم

ويبدو أنه مهما بذلت السلطات من جهود فإن قدرة «داعش» على «إزعاج» دمشق، ولو بالحد الأدنى، ستظل قائمة. ولا يطمح التنظيم حالياً للسيطرة على الأرض كما في السابق، بقدر ما يطمح لجعل تكلفة الحكم باهظة سياسياً وأمنياً. وقد يكون التنظيم في واقعه غير قادر على فرض السيطرة على قرى أو مدن أو حتى الدخول في اشتباكات واسعة مع القوات الأمنية.

اعتقال عنصر من «داعش» من قوى الأمن في البوكمال شرق دير الزور (أرشيفية - الداخلية السورية)

واللافت أن الهجمات المحدودة التي نُفّذت خلال الأسبوع الأخير من مارس، جاءت أقرب إلى الأسلوب الدفاعي أكثر من الهجومي؛ إذ تميزت باستهداف دوريات صغيرة أو نقاط مهجورة في أطراف البادية، ما يعكس تراجع القدرة التنظيمية على التخطيط المتماسك. هذا التحول يشير إلى أن التنظيم بات يركّز على الحفاظ على الوجود الرمزي أكثر من السعي وراء مكاسب ميدانية ملموسة.

الاختباء وإعادة البناء

وحتى الخامس من أبريل (نيسان) الحالي، تشير المعطيات إلى أن التنظيم دخل في مرحلة «الكمون»، المتمثلة في الانسحاب الجزئي من خطوط المواجهة، وإعادة ترتيب القيادة وتقييم الخيارات المستقبلية. ويُحتمل أن تكون هذه المرحلة تمهيداً لسياسة يمكن تسميتها «الاختباء وإعادة البناء»، ويعتمدها التنظيم عادةً عقب خسائر كبيرة، كما في العراق عام 2007، ريثما يجد ثغرات جديدة في المنظومة الأمنية.

ويرى مراقبون أن استمرار تراجع المستوى المعيشي وارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية والخدمات الأساسية، قد يعزز من إمكانية استغلال التنظيم هذا الواقع لمزيد من التجنيد في صفوفه. لكن نجاح حكومة دمشق في بناء «جيش وطني» موحد ودمج الفصائل وحصر السلاح بيد الدولة والسيطرة عليه قد يسحب البساط من تحت أقدام التنظيم، خاصة إذا ترافق ذلك مع استقرار معيشي في مناطق شرق الفرات والجزيرة. فلا شك أن تنظيم «داعش» فقد في 2026 «هالة التمكين» لكنه لم يفقد «إرادة القتال»، وليس هجومه على الرئيس السوري وحكومة دمشق إلا اعترافاً ضمنياً بخطر الدولة الجديدة على وجوده.

اختبار مزدوج

وفي المحصلة، يبدو أن الانخفاض النسبي في نشاط التنظيم لا يمكن تفسيره بعامل واحد فقط، بل هو نتاج تراكمي لجملة من المتغيرات الأمنية والميدانية والاقتصادية التي تقاطعت لترسم ملامح مرحلة جديدة من الصراع. فالحملة المكثفة التي شنتها القوى الأمنية السورية أحدثت خللاً أكيداً في بنية التنظيم الداخلية، وأجبرته على الانسحاب الجزئي من بعض مناطق نفوذه، لكن هذا الانسحاب لا يُقاس فقط بضعف القدرة الهجومية، بل أيضاً بظهور مؤشرات على إعادة الترتيب الداخلي، وتراجع الاعتماد على أسلوب الهجمات التقليدية المباشرة.

في المقابل، تشير بعض المؤشرات الميدانية إلى أن التنظيم لم يفقد تماماً قدرته على التكيّف؛ إذ لا تزال خلاياه الصغيرة نشطة في أطراف البادية ومناطق التماس بين دير الزور والرقة. مثل هذه المؤشرات قد توحي بأن المرحلة الحالية تمثل انتقالاً مؤقتاً يعيد من خلاله تقييم خياراته وتوجيه جهوده لإعادة بناء شبكاته الداخلية بعيداً عن الملاحقة المباشرة.

عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب - أرشيفية)

فالتجارب السابقة تُظهر أن «داعش» اعتاد استغلال فترات الانكماش لإعادة التموضع والاستفادة من أي اضطرابات أمنية أو سياسية، كما أن الظروف الإقليمية المحيطة قد تتيح له إعادة فتح خطوط الإمداد أو التواصل مع مجموعات فرعية تسهّل استعادة النشاط تدريجياً.

ضمن هذا الإطار، تبدو المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرة الأجهزة الأمنية السورية على الحفاظ على المكاسب الميدانية التي حققتها منذ فبراير الماضي، ومن جهة أخرى اختباراً لقدرة التنظيم نفسه على الصمود أمام الضغوط المتعددة التي يتعرض لها. فإمّا أن يواصل حالة الكمون ويتحول تدريجياً إلى كيان هامشي محدود التأثير، أو أن يُعيد الظهور بشكل متقطع عبر عمليات نوعية صغيرة تهدف لإعادة إثبات الحضور دون الدخول في مواجهة مفتوحة.

وفي كلتا الحالتين، تشير المعطيات الحالية إلى أن الأشهر القادمة ستشكّل مرحلة مفصلية في رسم طبيعة التهديد الأمني في شمال ووسط سوريا، بما يحدد ملامح المواجهة القادمة بين الدولة والتنظيم.


إعادة هيكلة القطاع الوظيفي في سوريا تدفع عائلات تحت خط الفقر

سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
TT

إعادة هيكلة القطاع الوظيفي في سوريا تدفع عائلات تحت خط الفقر

سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)

منذ تغيّر النظام في سوريا قبل أقل من عامين تقريباً والسلطات الجديدة تعمل على إعادة هيكلة تركة «القطاع الوظيفي» الثقيلة، التي ورثتها من النظام السابق، لكن يبدو أنها لا تمتلك حتى الآن خطة واضحة لذلك.

وتجد الحكومة الحالية نفسها في مواجهة تركيبة معقدة من «فائض موظفين» كبير، يتكون من شريحتين؛ الأولى «هشة فقيرة» شكلت الوظيفة الحكومية بالنسبة إليها ضماناً لمصدر العيش، واستغلها النظام السابق لكسب الولاء، والثانية فرضتها رؤوس الفساد لاعتبارات متعددة سياسية وطائفية وأمنية، إضافة إلى الكسب المادي بطبيعة الحال.

وفي سياق محاولات الحكومة الحالية لإصلاح القطاع الوظيفي، أصدرت الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية في أغسطس (آب) 2025 القرار رقم «2533» بعدم تجديد العقود السنوية للموظفين «المؤقتين»، في حال انتهاء مدتها أياً كان نوعها إلا في ضوء الحاجة الماسّة، وبموافقتها حصراً، وذلك بعد أن كانت تُجدد تلقائياً.

من تظاهرة "القانون والكرامة" المطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)

مع البدء بتنفيذ القرار مطلع عام 2026، وجد عشرات آلاف العاملين أنفسهم خارج الوظيفة، وبالتالي من دون أي دخل. ويتنوع هؤلاء بين أشخاص عاديين باحثين عن عمل وأُجبروا على دفع رشى لمسؤولين وأصحاب نفوذ لتوظيفهم، بحكم أن ذلك كان الوسيلة شبه الوحيدة المتاحة لتأمين الرزق، وبين عشرات الآلاف من الموالين للنظام السابق الذين تم توظيفهم خدمة له، يضاف إليهم أعداد بالآلاف أيضاً خلال سنوات الحرب نتيجة توظيف ذوي من قضوا في القتال إلى جانب النظام كمكافأة لهم.

وتشير تقديرات رسمية إلى أن عدد العاملين في القطاع العام يتراوح حالياً بين 1.2 و1.4 مليون موظف، من دون أن تذكر أعداداً واضحة لمن يعملون بعقود سنوية والدائمين، لكن مصادر غير رسمية تتحدث عن أن عددهم يقدر بعشرات الآلاف ليس أكثر.

استياء وترقب

منذ تطبيق القرار «2533» بات يسود في المحافظات موقف شعبي يمكن وصفه بـ«الهجين»؛ إذ يجمع بين استمرار «التأييد» للقيادة والسلطات الجديدة، وبين حالة «استياء» تم التعبير عنها باحتجاجات واعتصامات وإضرابات عن العمل، بسبب إنهاء تجديد عقود موظفين، وتدني الرواتب عموماً وسط أزمة اقتصادية خانقة.

وزاد من حالة الاستياء العام استمرار الارتفاع الهستيري لعموم الأسعار، وأجور الخدمات الأساسية من كهرباء، وإنترنت، ومواصلات، ووصول الحال بأعداد كثيرة من الأسر إلى انعدام القدرة على التحمل، إضافة إلى تزايد نسبة البطالة، في حين حذرت تقارير أممية من أن أكثر من 90 في المائة من سكان سوريا يعيشون تحت خط الفقر.

سكان مناطق مدمرة تنتظر الإعمار في دير الزور السورية (أ.ب)

وفي ما اعتُبر خطوة إسعافية، ومحاولة لامتصاص حالة الاستياء في الأوساط الشعبية التي طالما تطلعت إلى تحسين أوضاعها المعيشية بعد التغيير، عمّمت الحكومة منذ فترة، بحسب مصادر حكومية لـ«الشرق الأوسط»، قراراً على هيئات ومؤسسات عامة ينص على «تمديد عقود عمل الموظفين السنوية ثلاثة أشهر»، من بينها «الهيئة العامة للبحوث العلمية والزراعية في سوريا».

وجاء القرار بعدما تبلّغ قبل نحو شهرين «846 موظفاً وموظفة في (الهيئة) يعملون بعقود سنوية (مؤقتة)، بالتوقف عن العمل»، بموجب القرار «2533».

ووفق معلومات «الشرق الأوسط»، يتوزع هؤلاء على 308 من العاملين والعاملات في مركز «الهيئة» بمحافظة اللاذقية (غرباً)، و185 في طرطوس (غرباً)، و204 في الغاب (ريف حماة)، و60 في حمص (وسطاً)، و65 في مركز القنيطرة (جنوباً)، و13 في ريف دمشق، و8 في «إدارة بحوث القطن»، إضافة إلى 6 في حماة.

مستقبل غامض

تحدثت «الشرق الأوسط» مع موظفة تبلّغت قرار طردها من «الهيئة العامة للبحوث» حيث تعمل منذ خمس سنوات، فقالت: «لم يبدد قرار التمديد حالة القلق اليومي بسبب عدم وضوح الأفق، والخوف من فقدان مصدر العيش».

وتتساءل السيدة التي فضّلت عدم الكشف عن اسمها، والتي تعيش مع ابنة وحيدة لها، خلال حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «ماذا سيحدث بعد انتهاء فترة التمديد؟ هل سينهون عملنا أو سيثبتوننا؟ هل سنُمنح تعويضات؟ للأسف لا أحد يجيبنا، ونحن أمام مستقبل غامض!».

طفلان يلهوان في حي تين ترما المدمّر والمحاذي لدمشق مطلع أبريل (أ.ب)

ومع ظهور علامات توتر عليها تقول السيدة: «رغم الاحتجاجات والاعتصامات، ومشهد المشاركين وهم يتحدثون عن مصابهم وكأنهم طيور مذبوحة، مددوا ثلاثة أشهر فقط!»، مشددة على أنه لو «كان هناك حكومة يهمها المواطنون، لوجب تثبيتنا».

ومع ارتفاع الأسعار أخيراً باتت أسرة سورية مؤلفة من ثلاثة أشخاص تحتاج لنحو 500 دولار أميركي شهرياً، في حين لا يتجاوز متوسط راتب الموظف في القطاع العام 170 دولاراً بعد مرسوم الزيادة الأخير.

وعلى الرغم من ذلك، تتمسك أعداد كبيرة من هؤلاء بالوظيفة انطلاقاً من أن «الرمد أفضل من العمى»، على ما يقول المثل الشائع.

وفي مشهد يعكس الحاجة الملحّة وندرة فرص العمل، يظهر على بعد أمتار من لقائنا بالسيدة مخبز تجمع حوله العشرات وهم يحملون كميات من الخبز لإعادة بيعها. وتقول السيدة: «نصف الشعب تحول إلى بائعي خبز، وقسم كبير يعمل في جمع البلاستيك من حاويات القمامة، وبعضهم يبحث فيها عن بقايا طعام».

سوريون في المصرف المركزي بدمشق في ظل التفاؤل برفع الاتحاد الأوروبي جميع عقوباته الاقتصادية المتبقية على سوريا في 2025 (أ.ف.ب)

«فائض موظفين»

يوضح معاون المدير العام لـ«الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية في سوريا»، ملحم العبدالله، أن ما يجري للعاملين المؤقتين في «الهيئة» سببه تركة «فائض الموظفين» التي خلفها النظام السابق، والحكومة الحالية تتحمل تبعاتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يؤكد العبدالله أن «الهيئة» لديها فائض حقيقي وواضح في مراكز محافظتَي اللاذقية وطرطوس، والغاب، وبعضهم موظف منذ 15 عاماً، وكان يُفترض تثبيتهم بعد مضي خمس سنوات بموجب قانون أصدره النظام السابق.

ويبدي العبدالله تعاطفاً مع هؤلاء الموظفين، ويقول: «للأسف الغالبية العظمى من الطبقة الهشة، ومنهم من ذوي الاحتياجات الخاصة، جرى تعيينهم عن طريق وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل!».

وخلال اعتصامات ووقفات احتجاجية نفذوها ولقاءاتهم مع المسؤولين، تساءل العاملون عن المعايير التي اعتُمدت لاستمرار عدد من الموظفين في عملهم وإنهاء عقود آخرين، وكذلك عن أسباب صدور تعميم قبل قرار التمديد لثلاثة أشهر لمراكز اللاذقية وطرطوس والغاب، نصّ على استمرار كافة العاملين في تلك المراكز في عملهم.

وفي هذا الصدد، غمز عاملون في مراكز أخرى بأن من ضمن أسباب صدور التعميم لمراكز اللاذقية وطرطوس والغاب ربما «تحسّب السلطات» من ضغوط قد تمارسها دول تطالب بـ«حماية الأقليات».

بيد أن العبدالله يؤكد أن ذلك التعميم «ليس له تلك الأبعاد»، وأن المعايير التي تم اعتمادها هي «دراسات أجرتها لجان تم تشكيلها من اختصاصيين في المراكز، واستندت على (التقييم) الخاص بكل عامل، وحاجة كل مركز».

«حكم إعدام للعائلات»

في ظل مخاوف العاملين على مصيرهم، يتحدث العبدالله عن «احتمال إعادة تدوير لهم في ظل النقص في عدد العمال والخبراء والاختصاصيين في كثير من مراكز (الهيئة) الواقعة في المحافظات الشمالية والشرقية».

بالنسبة لموظفة أخرى في «الهيئة» جرى إبلاغها بالالتحاق بالعمل بعد قرار التمديد، فإن «عملية التدوير» هي «أمر ممكن» إذا كان النقل إلى مراكز قريبة، كأن يُنقل الموظف من مركز دمشق إلى مركز بريفها أو إلى القنيطرة، مع توفير وسائل نقل من قبل «الهيئة». ولكن التدوير يكون بمنزلة «تعجيز» إن جرى نقل الموظف من مركز في جنوب البلاد إلى أقصى الشمال أو الشرق؛ لأن «الراتب لن يكفي لإيجار منزل حتى».

حركة المارة في ساحة المرجة وسط دمشق (رويترز)

واللافت أن قرارَي التوقيف والتمديد لم يشملا كافة المتعاقدين؛ فإحدى الموظفات بعقد سنوي في «الإدارة العامة للشؤون المدنية» التابعة لوزارة الداخلية، فُصلت هي و479 آخرون من عملهم في أبريل (نيسان) 2025 بقرار فجائي صادر عن معاون وزير الشؤون المدنية، ولم تتبلّغ الموظفة بتمديد عقدها ثلاثة أشهر. وما زاد من مصيبتها أن قرارات إنهاء العمل شملت زوجها أيضاً العامل في المؤسسة العامة للكهرباء، ما أدى إلى فقدان العائلة كافة مصادر العيش.

«حكم بالإعدام على العائلة»، تصف السيدة ما جرى معها ومع زوجها، لافتة إلى أن زوجها أُصيب على أثر ذلك بـ«جلطة دماغية»، ولا يزال يعاني من تداعياتها الخطيرة.

تحديات الهيكلة الإدارية

تكشف تحديات إعادة الهيكلة التي واجهها الاقتصاد السوري مفارقات جوهرية تهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والنمو المستدام، وفق المستشار الاقتصادي زياد عربش.

ويوضح عربش لـ«الشرق الأوسط» أن «أولى المفارقات تكمن في أن عودة المهجّرين تفترض زيادة الطلب على الخدمات العامة إلى نحو الضعف، خاصة في مجالات التعليم والصحة، الأمر الذي يتطلب توظيف المزيد من الكفاءات رغم وجود (فائض وظيفي) موروث. فهذا يتطلب إعادة تأهيل عوضاً عن الصرف». ويوضح عربش أنه «مع وجود (موظفين أشباح) وقع العبء على الموظفين الحقيقيين الذين استمروا في تقديم الخدمات لأعداد أكبر من المستفيدين، كتأمين التعليم لخمسة ملايين طالب، في حين عمدت وزارات عديدة إلى رفد المؤسسات بعشرات آلاف الموظفين».

المفارقة الثانية، بحسب عربش، أن القطاع العام ليس وحده الذي يحتاج إلى إعادة تأهيل، بل القطاع الخاص أيضاً، ويقول: «بدلاً من التركيز على مزيد من الكفاءة في كلا القطاعين، يتم بيع أصول المؤسسات العامة قبل هيكلتها، لا بل إن تفكيك مؤسسات الدولة ينتهك المبادئ العامة ودور الدولة كضامن للعقد الاجتماعي».

أما المفارقة الثالثة، فهي وجود بطالة مقنّعة، مقابل نقص حاد في الكفاءات الرقمية المطلوبة لآلاف فرص العمل في قطاعات تعتمد بشكل أساسي على التحول الرقمي، و«خصوصاً مع الحديث عن الاستثمارات في السياحة والاتصالات، وبناء المرافق لجذب الرأسمال العربي المهاجر، وهذا كله يتطلب استراتيجية انتقالية تجمع بين الشفافية والتدريب لتحويل المفارقات إلى محركات نمو»، بحسب عربش.

أنيت شماس من الوزارة الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية تزور أحد المراكز الثمانية المنتشرة في أنحاء سوريا للتدريب على المهارات ودعم سبل العيش (الأمم المتحدة)

ويستبعد عربش أن تتخلى الحكومة تماماً عن هؤلاء الموظفين المتعاقدين، لكنها تواجه تحدياً حقيقياً. ويقول: «صحيح أن النظام السابق ترك إرثاً مشيناً بعد عقود مما يسمى إصلاح القطاع العام (والذي لم يكن إلا غطاء لنهبه)، وواجهت السلطة الجديدة اليوم (موظفين أشباحاً) مسجلين على سجلات الرواتب دون وجودهم، لا بل إن البعض كان له عدة رواتب في عدة مؤسسات للدولة... لكن التعميم غير مبرر، ففي اليوم التالي للتحرير استمرت المؤسسات في تقديم الخدمات دون انقطاع للمياه أو الكهرباء، وتابع ملايين الطلاب دراستهم».

تباينات الرواتب

المعاناة والقلق لا يقتصران على الموظفين الحكوميين المتعاقدين، بل يطولان «المثبتين» الذين استمروا في أداء عملهم في الوزارات والمؤسسات الحكومية خلال السنوات الماضية.

وتتمثل معاناة هؤلاء، وفق عدد منهم، في وجود فروقات كبيرة بين رواتبهم الشهرية، ورواتب موظفين قدموا من الشمال السوري والمهاجر.

موظف في مؤسسة حكومية بدمشق، مضى على عمله أكثر من 20 عاماً، لا يتجاوز راتبه الشهري حالياً 170 دولاراً، يؤكد أن زملاء جدداً له في نفس المكتب قدموا من الشمال حيث عملوا في «حكومة الإنقاذ» التي كانت تتبع «هيئة تحرير الشام»، يتقاضون نحو 500 دولار، في حين تصل مرتبات رؤساء أقسام لنحو 1000 دولار، والمديرون الجدد الذين قدموا من تركيا يتقاضون أكثر من 3000 دولار.

ويقول الموظف الذي فضّل عدم ذكر اسمه واسم المؤسسة، إن الأمر يتسبب في «غصة كبيرة له وللآلاف من زملائه، ويشعرهم باستمرار فقدان العدالة».

ويوضح مصدر حكومي حالي في دمشق، كان موظفاً لدى «حكومة الإنقاذ» في الشمال السوري قبل التحرير، أن الأخيرة كان لديها سلم رواتب وفق قانون العاملين رقم «53»، وهو مماثل لقانون العاملين رقم «50» المعمول به في مناطق سيطرة النظام السابق.

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويذكر المصدر لـ«الشرق الأوسط» أن «رواتب (الإنقاذ) في تلك الفترة كانت تبدأ من 125 دولاراً وتصل إلى 500 دولار، كما كان يوجد رواتب أعلى، وهذا التفاوت موجود حتى وفق القانون رقم (50)».

ويرى المصدر أن هذا التفاوت في الرواتب أمر طبيعي في هذه المرحلة الانتقالية، وسيتم معالجته تدريجياً مع صدور «قانون الخدمة المدنية الجديد» بعد انطلاق عمل مجلس الشعب.

ووفقاً للمصدر، فإن «عملية الدمج بين الكيانات الموجودة في الدولة معقدة، وقد تستغرق وقتاً طويلاً؛ لأن حكومة النظام السابق كانت تعمل وفق القانون (50)، و(الإنقاذ) وفق القانون (53)، و(الإدارة الذاتية) الكردية وفق قانون خاص بها».

حلول عملية

المستشار الاقتصادي عربش، وخلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، قال إن مسألة وجود فارق في رواتب موظفين في مرتبة واحدة «تهدد العقد الاجتماعي وتفاقم المفارقات الثلاث السابقة».

ويوضح أن «وجود رواتب منخفضة (مثل 200-300 دولار) مقابل 500-700 دولار لبعض الموظفين الجدد يولّد توتراً، ويقوّض الاستمرارية المؤسساتية؛ ولذلك يُفترض أن تجعل الحكومة هذه القضية أولوية لتعزيز الوحدة الوطنية، مدعومة بضغط دولي واستثمارات».

وفي رأيه، فإن معالجة مشكلة الفارق في رواتب الموظفين تتطلب «نهجاً تدريجياً، مع التركيز على الشفافية والكفاءة».

ويذكر عربش أن النهج التدريجي للمعالجة يتضمن عدة طرق، هي «توحيد جداول الرواتب بصيغة موحدة بناءً على الخبرة والموقع، مع زيادة تدريجية للمثبتين (20 في المائة سنوياً لثلاث سنوات مثلاً)، ممولة بإيرادات الاستثمارات في قطاعات الطاقة والفوسفات والسياحة».

قوات الأمن في مواجهة محتجين يطالبون بتحسين الأوضاع المعيشية في دمشق في 17 أبريل (أ.ب)

ويمكن معالجة الأمر من خلال حوافز أداء، كربط نسبة من الراتب بمؤشرات واضحة، ما يحفز الكفاءة، وكذلك من خلال تعويض انتقالي بتقديم منح للمثبتين في أكثر المناطق فقراً لسد الفجوة، وبرامج تدريب مشتركة لتبادل الخبرات.

وأيضاً «يمكن معالجة الأمر من خلال رصد رقمي، كاعتماد تطبيق (حقيبة الراتب الشفاف) لمراقبة الفوارق، وهو مستوحى من نموذج نفذته السعودية سابقاً».

وهذه الطرق، بحسب عربش، تحوّل الفائض الوظيفي قوة في الموارد البشرية، مع تقاطع هيكلة القطاع الخاص باعتماد مسارات النهوض التكنولوجي والمؤسساتي؛ بمعنى أن تتحول عدة موارد إلى كفاءات رقمية للاستثمارات. لكن إلى أن تتم هذه العملية وغيرها، أو أن توضع خطط بديلة للتعامل مع تحديات الإدارة العامة والأعباء الاقتصادية للأسر السورية، يبقى أن عدداً لا يستهان به من المعيلين والمعيلات فقدوا مصدر دخلهم الوحيد، وزادوا هوامش الفقر الممتدة كل يوم.