«سوفت بنك» تغزو معاقل «وادي السيليكون» بدعم من السعودية

«سوفت بنك» تغزو معاقل «وادي السيليكون» بدعم من السعودية

هل سيشهد العالم «الموجة الثانية» لـ«ثورة التقنية» بمشاركة المملكة؟
الثلاثاء - 14 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 13 ديسمبر 2016 مـ
لقاء الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب بماسايوشي سون الرئيس التنفيذي لمجموعة «سوفت بنك» في برج ترامب

بإعلانها اعتزام استثمار نحو 50 مليار دولار في مشروعات بداخل الولايات المتحدة الأميركية، فإن مجموعة «سوفت بنك» اليابانية للاتصالات والتقنية لا تغزو فقط بقوة معقل التكنولوجيا في العالم والذي يتمثل قلبه النابض في وادي السيليكون الأميركي، لكن ربما يكون العالم شاهدا على «موجة ثانية» من طفرات شركات التقنية والتطبيقات، بعد الموجة الأولى التي استمرت منذ مطلع الألفية وتربع على عرشها عمالقة التكنولوجيا.
وتأتي خطوة المجموعة اليابانية عقب توقيع مذكرة تفاهم في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي مع صندوق الاستثمارات العامة السعودي لتأسيس صندوق للتكنولوجيا باسم «رؤية سوفت» بقيمة تصل إلى مائة مليار دولار، تستثمر فيه المجموعة اليابانية ما لا يقل عن 25 مليار دولار، فيما يمتلك صندوق الاستثمارات السعودية الحصة الأكبر بقيمة 45 مليار دولار.
وفي نهاية الأسبوع الماضي، أعلن ماسايوشي سون، الرئيس التنفيذي لمجموعة «سوفت بنك»، أن عروض المشاركة في صندوق الاستثمار التكنولوجي تجاوزت المبلغ المطلوب والبالغ 30 مليار دولار. وترجح مصادر إعلامية أن صندوق «مبادلة» الإماراتي، بالإضافة إلى مستثمرين في أوروبا والولايات المتحدة، يدرسون أيضا الانضمام للصندوق.
ويشكل «رؤية سوفت» أكبر صندوق على مستوى العالم في مجال التكنولوجيا، الأمر الذي يخلق منافسا قويا لـ«وادي السيليكون» ينازعه عرش التقنية. فيما يتوقع الخبراء أن يتسبب الصندوق الجديد في حراك يستمر لسنوات طويلة مقبلة داخل عالم الأعمال.
وبينما يبدو الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب منشغلا حاليا بتنسيق فريقه الرئاسي قبل تسلم مهامه الشهر المقبل، إلا أنه كان مهتما بالإعلان عن خطة «سوفت بنك» للاستثمار في الولايات المتحدة بمبلغ يصل إلى 50 مليار دولار، ما يخلق 50 ألف وظيفة جديدة.. وذلك إثر لقائه مع ماسايوشي سون في «برج ترامب» بمانهاتن.
وبعد هجوم متواصل ومعتاد من ترامب خلال حملته الانتخابية على كثير من الدول ومحاولاته فرض «حمائية» على الاقتصاد الأميركي ومقاومة «الغزو السلعي» من دول مثل الصين، فإن حفاوة ترامب بخطوة المجموعة اليابانية العملاقة توضح أن ما يهم الرئيس الأميركي الجديد هو الاستثمار داخل بلاده وتوفير الوظائف.


«سوفت بنك» وعودة قوية إلى الحلبة


ويعد الاستثمار في الولايات المتحدة في الوقت الحالي - برغم السياسة الخارجية الأميركية المهاجمة لآسيا في الوقت الراهن - أمرا مهما لعدة أسباب، أولها إعادة بحث «سوفت بنك غروب» عن موطئ قدم جديد في الولايات المتحدة من شأنه أن يسهل وصولها إلى وادي السيليكون، والأهم من ذلك منافسة هذا الوادي الذي خرج منه على مدار العقود الماضية أهم الشركات العالمية.
وكانت «سوفت بنك» استثمرت سابقا ما يقرب من 22 مليار دولار في شركة الاتصالات الأميركية «سبرنت»، والتي كانت المشغل رقم 3 في ذلك الوقت، ولكن هذا الاستثمار فقد ما يقرب من 7 مليارات دولار من قيمته بسبب تراجع «سبرنت» أمام منافسيها، وتأمل سوفت بنك باستعادة الربح عن طريق شراء «تي موبايل»، وهي المنافس الرئيسي لـ«سبرنت» في الولايات المتحدة، لكن هذا الاتفاق تراجع بعد اعتراض المنظمين. ومنذ بداية الألفية، تراجعت اليابان قليلا عن موقعها الريادي كقائد للابتكار والتكنولوجيا في العالم، خاصة بعد انطلاق شركات كبرى في الولايات المتحدة والصين لتحتل المرتبة الأول في سوق التكنولوجيا والابتكار. إلا أن محاولات المجموعات اليابانية للعودة إلى الصدارة لم تهدأ طوال تلك الفترة، غير أن تلك المحاولات كانت غير كافية في كثير من الأحيان لغياب رأس المال القوي.
ويرى الخبراء أن مجموعة «سوفت بنك» تسلحت هذه المرة بدعم قوي بشراكتها مع صندوق الاستثمارات العامة السعودي، ما يؤهلها لدخول معترك المنافسة مع وادي السيليكون على أساس راسخ.


ترامب يحسن صورته


الاستثمار في الولايات المتحدة يبدو من جهة أخرى مهما أيضا لترامب، والذي اعتبر الإعلان عنه انتصارا شخصيا، حيث يسعى الرئيس الجديد إلى تغيير الصورة التي ترسخت طوال الفترة الماضية بأنه يحارب الشراكات والاستثمارات، خصوصا بعد إعلان موقفه من صفقات تجارية عالمية مثل الشراكة عبر المحيط الهادي. وهو هذه المرة يحاول تأكيد أن الولايات المتحدة مفتوحة للعمل، وأن شركات مثل سوفت بنك قد تفتح الباب للشراكات أخرى.


«موجة ثانية» من ثورة التقنية


وتعرضت سوق التكنولوجيا للتعثر منذ منتصف عام 2015. وفي مطلع العام الحالي غلبت «موجة تقلبية» حادة على السوق، لتظهر إشارات واضحة على انقطاع موجات الصعود الضعيفة منذ الأزمة المالية العالمية في عام 2008، وهي محصلة جعلت أغلب الشركات العملاقة العاملة في مجال التكنولوجيا تبدأ في «شد الأحزمة» الجماعية في انتظار حساب لا مفر منه.
لكن هذه التقلبات الحادة بدأت في الهدوء قليلا مع انتصاف العام الحالي، حيث اعتمدت بعض الشركات على موجات تمويل جديدة، مع تدفقات مالية من المستثمرين الصينيين وصناديق الثروة الكبرى.
وكان لاستثمار السعودية ما يقرب من 3.5 مليار دولار في شركة «أوبر» في شهر يونيو (حزيران) الماضي، علامة أكثر وضوحا عن بداية عصر جديد وموجة جديدة في عصر التقنية، إيذانا بأن رؤوس الأموال الآن تفضل بصورة أكبر التدفق على الشركات المتوسطة والصغيرة في عالم التقنية، التي أبدعت في تطبيقات جديدة وطفرات تكنولوجية حديثة، بأكثر من الشركات العملاقة التي بدأت بدورها صغيرة في نهاية القرن الماضي ومطلع الألفية الجديدة. ما يعني أن هناك «دورة جديدة» يشهدها العالم حاليا في مجال التقنية.
وتعد خطة سوفت بنك للاستثمار في المقام الأول وسيلة لبلدان منطقة الشرق الأوسط لمواصلة التنويع الاقتصادي الاستثماري بعيدا عن النفط، والتي بدأتها دول خليجية على رأسها السعودية في «رؤية المملكة 2030»، ومن المتوقع بشدة أن يتبعها آخرون.


الصراع المقبل


وفي مقابل الاستثمارات التي بدأت في الهطول على الشركات الصغيرة والمتوسطة، فإن الشركات الأميركية العملاقة لا يزال لديها مئات من المليارات من الدولارات التي تستثمرها عبر أذرع مختلفة في مجالات أخرى؛ كاستثمارات ضئيلة العائد أو ذات مخاطر منخفضة. وعلى سبيل المثال، فإن 38 في المائة من أصول «مايكروسوفت»، بما يقدر بنحو 109 مليارات دولار تستقر في «الحيازات الأجنبية»، وفقا لبيانات وزارة الخزانة الأميركية.
ولا يزال لدى عمالقة التكنولوجيا آمال في الحصول على إعفاءات ضريبية لخفض تكلفة إعادة هذه الأموال، خصوصا بعد فوز ترامب، ويبدو أن بعض هذه الأموال في طريقها بالفعل للعودة، فأبرز الصفقات الأخيرة كانت استثمار شركة «آبل» الأميركية بنحو مليار دولار في الشركة الصينية «ديدي تشوكسنغ»، وهي أحد تطبيقات خدمات النقل على غرار تطبيق أوبر ويخدم ما يقرب من 300 مليون مستخدم في نحو 400 مدينة بالصين.
ورغم ذلك، فلا عجب أن مستثمري وادي السيليكون اهتموا بالإعلان عن صندوق «رؤية سوفت بنك»، بسبب موجات ضخ الأموال المتوقعة، والتي سيتبعها مراحل للمنافسة والنمو.


محاولات تشكيك


وقبل الإعلان المشترك بين ترامب و«سوفت بنك»، شكك البعض في أن صندوق رؤية سوفت بنك لن يكون قادرا على إنتاج فرص نمو عالية بما فيه الكفاية، معللين ذلك بفرضية إنه إذا سحب الصندوق استثمارات بمعدل 20 مليار سنويا، فإنه سيحتاج لخمس سنوات لاستكمال كامل طاقته الاستثمارية.
لكن تلك التشكيكات تبدو غير صحيحة في رأي كثير من الخبراء، حيث إنه بداية، سيقوم الصندوق بمضاعفة قوة الصناعة في الولايات المتحدة والتي تقدر بمتوسط 23 مليارا سنويا.
أيضا، فإن «سوفت بنك»، المحنكة في مجال البنية التحتية الرقمية بفضل خبراتها واستثماراتها في شبكات الاتصالات، يتوقع أن تقتحم هذا المجال بقوة، ما سيولد عوائد ضخمة من النمو يمكن أن تنتهي بإنتاج ما يقرب من 400 مليار دولار، مما يجعل من صندوق «رؤية سوفت» وحشا حقيقيا على الساحة التكنولوجية للاستثمار بطريقة أو بأخرى، من المرجح أن يتردد صداها لسنوات مقبلة.


انتعاش الأسهم


وبعد نجاح ماسايوشي سون واستغلال فرصة وجوده في أميركا ولقاء عدد من رجال الأعمال للحصول على الدعم لإتمام الصفقات المؤجلة، ارتفع سهم سوفت بنك بنحو 12 في المائة عقب الإعلان عن استثمار 50 مليار دولار في الولايات المتحدة.
وانتابت نوبة من الفرح مستثمري سوفت بنك نظرا لدهاء الرئيس التنفيذي للمجموعة، مطمئنين هذه المرة أن خطط المجموعة لاستثمار مليارات الدولارات مضمونة العوائد. وذلك على عكس القلق الذي ساور مستثمري المجموعة الكبار في أوقات سابقة بعد ارتفاع مستوى الديون المجمعة؛ بما في ذلك خطتا شراء شركة مصنعة للرقائق التكنولوجية في بريطانيا مقابل نحو 32 مليار دولار، والاستحواذ على «سبرنت» بنحو 22 مليار دولار.
وقد تسمح الولايات المتحدة بإعادة إحياء محادثات حول اندماج بين «سبرنت» و«تي موبايل». وحتى في حال فشلت صفقة «تي موبايل»، يقول المحللون إن استثمار 50 مليار دولار لن تضع ضغطا كبيرا على الميزانية العمومية للمجموعة، وذلك لأن المال سيأتي على الأرجح من صندوق رؤية سوفت بنك.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة