في حلب.. روسيا تعيد صناعة تاريخها القديم

أوامر بوتين دمرت غروزني والمدن السورية تعرضت لقصف بساطي

حلب (2016) (أ.ف.ب)  -  غروزني (2000) (غيتي)  -  كابل (1988) (غيتي)
حلب (2016) (أ.ف.ب) - غروزني (2000) (غيتي) - كابل (1988) (غيتي)
TT

في حلب.. روسيا تعيد صناعة تاريخها القديم

حلب (2016) (أ.ف.ب)  -  غروزني (2000) (غيتي)  -  كابل (1988) (غيتي)
حلب (2016) (أ.ف.ب) - غروزني (2000) (غيتي) - كابل (1988) (غيتي)

كانت وسائل الإعلام الروسية، خلال الأيام القليلة الماضية، مليئة بالتقارير الإخبارية والتكهنات حول «النهاية الوشيكة» للحملة العسكرية التي قادها الرئيس فلاديمير بوتين ضد قوات المعارضة في حلب، ثاني أكبر المدن السورية. وزعمت وكالة «سبوتنيك» الإخبارية التي يسيطر عليها الكرملين، أن روسيا وبقايا جيش رئيس النظام السوري بشار الأسد، إضافة إلى «المتطوعين» من لبنان، والعراق، وأفغانستان، وإيران، والخاضعين لسيطرة طهران، على مقربة من إنهاء عمليات القتال. وإذا ما حدث ذلك، فإن حلب، وهي واحدة من أكبر المراكز في التاريخ الإسلامي، لن تكون أول مدينة في مكانتها التي يقضي عليها الجيش الروسي. ولكن ما يجري في حلب يحمل أصداء ما فعلته روسيا، وفي غالب الأمر بمساعدة من الحلفاء المحليين، في العشرات من المدن الإسلامية الأخرى.
وكانت أولى المدن الإسلامية التي «قضي عليها»، بطبيعة الحال، هي مدينة قازان عاصمة الخانية المسلمة التي حكمت روسيا نفسها لما يزيد على قرنين من الزمان. ولقد أنشئت مدينة قازان في بداية القرن الحادي عشر الميلادي لتكون مركزًا تجاريًا يربط بين السهول وبين سيبيريا المترامية الأطراف.
أرسل كثير من الخلفاء الدعاة إلى المنطقة من أجل تحويل السكان المحليين إلى الدين الإسلامي. وفي ذلك الوقت، أصبحت قازان وضواحيها واحدة من المناطق القليلة التي اعتنقت الإسلام ديانة، ومن دون أن يغزوها الجيش الإسلامي. وفي بدايات القرن الخامس عشر الميلادي تحولت مدينة قازان إلى المدينة الرئيسية للتتار، وهم بقايا القبيلة الذهبية لجنكيز خان، والتي اعتنقت الإسلام. ولقد أعلنت مدينة قازان رسميا عاصمة للخانية في عام 1438، وهي الوضعية التي احتفظت بها حتى عام 1552 عندما تعرضت للغزو من قبل القيصر الروسي إيفان الرهيب.
تمكن إيفان من السيطرة على قازان بفضل تعاون البكوات الباشكيرية الذين على غرار بشار الأسد اليوم، زعموا أنهم من المسلمين، ولكنهم كانوا مستعدين لمساعدة جيش «الكفار» في غزو مدينة الإسلام قازان والسيطرة عليها. اجتاحت قوات إيفان، بمساعدة الحلفاء المحليين، المدينة ودمروها تماما وقطعوا رؤوس أكثر من 100 من زعماء التتار. القبة المقوسة لكاتدرائية القديس باسيل في موسكو، والتي شيدت في عام 1561، تمثل النصب التذكاري للاحتفال بانتصار القيصر إيفان الرهيب على المسلمين، وهي تجسد الرؤوس المقطوعة لزعماء التتار المسلمين بعمائم وأغطية الرؤوس المشهورة لديهم. وعلى مر القرون، أعاد شعب قازان بناء مدينتهم، بما في ذلك كثير من المساجد والمدارس الدينية التي سوّاها الجيش الروسي بالأرض.
والموجة الثانية من الدمار الروسي جاءت بين عامي 1920 و1930 عندما صدرت الأوامر من لينين وخليفته ستالين بإزالة آثار الإسلام كافة من مدينة قازان مرة أخرى. ومجددا، كان الحلفاء المحليون لروسيا، بمن فيهم أتباع سلطان التتار الشيوعي علييف (أو غيلاييف باللغة الروسية) قد ساعدوا القوات الروسية مثل ما يصنع بشار الأسد الآن في حلب.
المسلمون الباشكيريون الذين ساعدوا القيصر إيفان في تدمير قازان، لم يَسلَموا هم أنفسهم من المصير الرهيب على يد نفس القيصر. فلقد سوى عاصمتهم (عوفا) بالأرض في عام 1557، واستبدل مسجد المدينة الكبير بكنيسة سانت ترينيتي. وفي هذه المرة لعبت عصابة من اللصوص التتار بقيادة شخص يدعى شيباك بك نفس الدور الذي يلعبه بشار الأسد اليوم، عن طريق التعاون مع الغزاة الروس.
ومن المدن المسلمة الكبيرة التي دمرها الروس أيضا كانت مدينة (ميرف)، وهي من حواضر آسيا الوسطى التي أبهرت الناس خلال الإمبراطورية الأخمينية (550 - 330 قبل الميلاد). استولى الروس على المدينة في عام 1881، وكان «الخائن» المسلم في هذه المرة هو المغامر علي خانوف، الذي انضم إلى الجيش القيصري وحصل على رتبة عقيد هناك. وعلى العكس من قازان وعوفا اللتين تمكنتا من التعافي من المحن والمآسي التي تعرضتا لها بعد قرون لاحقة، لم يعد هناك ذكر لمدينة ميرف بعد دمارها الأول وحتى الآن. وحتى يومنا هذا، ليست تلك المدينة سوى كومة من الأطلال القديمة.
وجاء الدور على مدينة (باكو) في القرن الثامن عشر الميلادي لتعاني من الدمار الروسي، وهي عاصمة إقليم شيروان الإيراني، والذي أعيد تسميته أذربيجان الآن.
وخلال الخمسين عاما التالية، انتقلت باكو بين الأيدي الروسية والإيرانية ثلاث مرات. وكان الضم النهائي من قبل روسيا تحت معاهدة «تركمانجاي» في عام 1828، بعدما انحاز «الخونة» المحليون إلى جانب الروس، وكانوا هذه المرة تحت قيادة زعماء قبائل الترك وبعض الأقليات المسيحية. وكان سكان المدينة، ويقدرون بنحو 20 ألفًا في ذلك الوقت، ويعود أغلبهم إلى قبائل التاتيين والطاليين، قد أجبروا على النزوح من المدينة إلى إيران حيث عاشوا هناك مهاجرين.
وفي الآونة الأخيرة، دبرت روسيا التدمير الكامل لاثنتين، على الأقل، من المدن المسلمة: كابول عاصمة أفغانستان، وغروزني عاصمة جمهورية الشيشان المستقلة. دمرت كابول خلال الاجتياح السوفياتي والاحتلال الذي تلاه في الفترة بين عامي 1980 – 1989، عندما كان المتعاونون المحليون مع القوات السوفياتية هم فصائل الشيوعيين الأفغان، فصيل (خلق، أي الشعب) وفصيل (بارشام، أي الراية). أما الميليشيات الأوزبكية، والمعروفة باسم (غليم – جام، أي لصوص السجاد)، والذين تم تجنيدهم بواسطة الجيش الأحمر السوفياتي، فقد لعبوا نفس الدور الذي تلعبه قوات بشار الأسد في حلب اليوم.
كانت غروزني هي ساحة المعركة بين روسيا والشيشان منذ القرن الثامن عشر. ولكن تدميرها النهائي جاء في يناير (كانون الثاني) من عام 2000، عندما صدرت الأوامر من فلاديمير بوتين بتنفيذ عمليات القصف البساطي من النوع الذي تشهده حلب الآن. وكما هو الحال في حلب، أصدرت روسيا الأوامر بوقف إطلاق النار للسماح للمدنيين بالمغادرة. وبمجرد الانتهاء من ذلك، شنت القوات الروسية هجومها النهائي. بحلول السادس من فبراير (شباط) من عام 2000، تم رفع العلم الروسي في وسط المدينة التي تحولت الآن إلى كومة من الأنقاض. وبعد ستة عشر عاما أخرى، أصبح تعداد سكان غروزني أقل بمقدار الثلث عما كان عليه الأمر في عام 2000. ومن بين منازل المدينة البالغ عددها 6700 منزل في عام 2000، لم تتم إعادة بناء إلا 900 منزل فقط منها.
وفي غروزني، لعب رمضان قاديروف وأتباعه من الجماعة الصوفية التي ينتمي إليها، دور بشار الأسد الحالي في حلب. وفي حالة روسيا وجيرانها من المسلمين، يعيد التاريخ نفسه، وفي كل مرة بمأساة أعمق من سابقتها.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended