فرص الهدنة في حلب تتلاشى والفصائل الكبرى ترفض الخروج

مسؤول أممي: روسيا لم تعد تقدم وعودًا بوقف القتال

ثلة من مسلحي المعارضة السورية بأسلحتهم داخل أحد الأحياء التي تحتفظ المعارضة بالسيطرة عليها في شرق مدينة حلب (رويترز)
ثلة من مسلحي المعارضة السورية بأسلحتهم داخل أحد الأحياء التي تحتفظ المعارضة بالسيطرة عليها في شرق مدينة حلب (رويترز)
TT

فرص الهدنة في حلب تتلاشى والفصائل الكبرى ترفض الخروج

ثلة من مسلحي المعارضة السورية بأسلحتهم داخل أحد الأحياء التي تحتفظ المعارضة بالسيطرة عليها في شرق مدينة حلب (رويترز)
ثلة من مسلحي المعارضة السورية بأسلحتهم داخل أحد الأحياء التي تحتفظ المعارضة بالسيطرة عليها في شرق مدينة حلب (رويترز)

يرفض النظام السوري أي مقترح لفرض هدنة إنسانية في مدينة حلب، عاصمة الشمال السوري، لا تتضمن إخراج المقاتلين فيها. ويشترط ترحيل المقاتلين إلى مدينة إدلب، وهو ما يرفضه مقاتلون معتدلون، فيما تصر الفصائل الأربعة الأكثر نفوذًا في أحياء حلب على البقاء في المدينة، ورفض خروجها، بحسب ما قالت مصادر معارضة في حلب لـ«الشرق الأوسط».
وفي حين يواصل النظام عملياته العسكرية، محاولا دفع المدنيين والمقاتلين إلى ثلاثة أحياء تقع في غرب الأحياء المحاصرة، قبل التوصل إلى تسوية تقضي بإفراغ المدينة من سكانها المدنيين والمقاتلين، يتفاقم الوضع الإنساني في المدينة. إذ نقلت وكالة «رويترز» عن هيئة إغاثة طبية سورية قولها إن 1500 شخص بحاجة الآن إلى الإجلاء الطبي من أحياء شرق حلب المحاصرة، بينما أكد رئيس المجلس المحلي في حلب أن أكثر من 800 شخص قتلوا، وأصيب ما بين 3000 و3500 خلال الأيام الـ26 الماضية، وخرجت كامل مستشفيات المدينة عن الخدمة، وتعرضت المواد الغذائية «لشحّ كبير»، حتى بلغت حصة الفرد اليومي من الخبز «أقل من رغيف واحد يوميًا».
من جهة ثانية، صرّح يان ايغلاند، مستشار الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، أمس، بأن الولايات المتحدة وروسيا أبعد ما يكون عن الاتفاق على شروط عمليات الإجلاء من المناطق المحاصرة في شرق حلب. وأردف أن المفاوضات التي استمرت خمسة أشهر بشأن خطط الإغاثة فشلت، ولم تتمخض عن شيء. ثم شدد على ضرورة أن تتحد جهود الولايات المتحدة وروسيا للاتفاق على إجلاء القطاع المحاصر الذي تقول الأمم المتحدة أنه ربما يضم ثمانية آلاف مقاتل بين أكثر من 200 ألف مدني. وتابع قائلا للصحافيين إن روسيا «لم تعد تقدم وعودا بوقف القتال حتى يتمكن الناس من الخروج» وإن «اقتراحها فتح ممرات آمنة لا يستحق أن يسمى بهذا الاسم من دون وقف إطلاق النار».
رفض الهدنة
محمد الشامي، القيادي السوري المعارض في حلب، ذكر لـ«الشرق الأوسط» أن عدة مقترحات طرحتها الأطراف المعنية بالأزمة السورية منذ أسبوعين، لكن النظام رفضها كليًا. وأضاف أن آخرها كانت «هدنة النقاط الخمس» التي أعلنها المجلس المحلي في حلب، وتتضمن إخراج الجرحى والمصابين من قبل الهلال الأحمر، والسماح للمدنيين بالخروج، ووقف القصف لمدة خمسة أيام، وإدخال المساعدات الإنسانية بشكل عاجل.
ولفت الشامي إلى أن النظام «يطرح عبر وسطاء مبادرة تقضي بفتح معبر بستان القصر لإخراج المدنيين عبر منطقة المشارقة، ونقل النازحين إلى منطقة جبرين، في شمال حلب، حيث أقيم مخيم للنظام، ويجري فيه تسليم المطلوبين للنظام إلى الأمن العسكري». وأردف أن قوائم النظام «تضم آلاف المطلوبين، وهو ما يمنع الموافقة على أي من تلك الطروحات التي تعني تسليم المطلوبين والسماح للنظام بالتنكيل بهم واعتقالهم».
في هذا الوقت، يتبع النظام سياسة الدفع بالمدنيين والمقاتلين باتجاه ثلاثة أحياء قريبة من مناطق وجوده، ومتداخلة مع مناطق سيطرته، أهمها بستان القصر والكلاسة بشكل خاص، بحسب ما قال مصدر معارض في داخل مدينة حلب لـ«الشرق الأوسط»، مشيرًا إلى أن النظام «لا يكثف القصف على تلك المناطق التي أخذت تتحول إلى تجمع ضخم لمدنيين النازحين من أحياء أخرى في المدينة». وأوضح المصدر أن هذه المؤشرات «تعني أن النظام أراد تلك الأحياء كنقطة تجمع للسكان لإجبارهم على مغادرة المدينة عبر مناطق سيطرته في الراموسة وغيرها».
مواقف الفصائل
في هذه الأثناء، ينقسم المقاتلون في المدينة بين من يطالب بالخروج إلى ريف محافظة حلب الشمالي عبر «تسوية» مع النظام، وبين من يرفض كليا الخروج منها. وأفاد المصدر المعارض أن الفصائل الصغيرة التابعة لـ«الجيش السوري الحر» مثل «فجر الشام» و«الجبهة الشامية» و«فيلق الشام»، بالإضافة إلى بعض مقاتلي «جيش الإسلام»، «يطالبون بالخروج إلى ريف حلب الشمالي»، في حين ترفض الفصائل الكبيرة الموجودة داخل أحياء حلب الشرقية الخروج كليًا من المنطقة.
وذكر المصدر أن «حركة نور الدين زنكي» التي توافق قيادتها خارج مدينة حلب على التفاوض على إخراج المقاتلين، ويرفض المقاتلون في داخل المدينة تلك التسوية، «فتحت مستودعات الأسلحة الاحتياطية وأعلنت التعبئة العامة، معلنة أن السلاح المتوافر سيمكّن المقاتلين من صد الهجمات واسترداد مناطق تساهم في فك الحصار عن حلب». ولفت إلى أن هذه الحركة «تلتقي مع فصائل أخرى على فكرة رفض الخروج من حلب، والشروع في القتال حتى آخر مقاتل»، وهي «جبهة فتح الشام» (النصرة سابقًا) التي تضم نحو 400 مقاتل، و«أحرار الشام» التي تضم نحو 500 مقاتل، و«نور الدين زنكي» التي تضم نحو 1200 مقاتل، و«كتائب أبو عمارة» التي تضم نحو ألف مقاتل، و«تجمع فاستقم كما أمرت» الذي يضم نحو 800 مقاتل.
وقال المصدر إن تعداد المقاتلين والمتطوعين والقادرين على حمل السلاح من كل الفصائل والمدنيين غير المنظمين في التشكيلات العسكرية، يقارب الـ8 آلاف مقاتل، بينما يتخطى عدد المطلوبين هذا الرقم.
الوضعان الميداني والإنساني
أما ميدانيًا، فلم يحقق النظام أي تقدم استراتيجي في أحياء حلب أمس، حيث تمكنت فصائل المعارضة من صد الهجمات التي شنها، ولقد تجددت الاشتباكات بشكل عنيف في محاور بوسط وجنوب القسم الشرقي المتبقي من المدينة، وتركزت في محاور أحياء السكري والشيخ سعيد والزبدية وسيف الدولة ومحاور أخرى بشرق حلب.
وأما على الجانب الإنساني، فقالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أمس إنه تم إجلاء نحو 150 مدنيا معظمهم من المعاقين أو من يحتاجون رعاية طبية عاجلة من مستشفى في منطقة «المدينة القديمة» ليلة الأربعاء - الخميس في أول عملية إجلاء طبي كبيرة من القطاع الشرقي من حلب. وذكرت كريستا أرمسترونغ، المتحدثة باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أن هؤلاء حوصروا لعدة أيام بسبب اندلاع قتال قربهم ومع اقتراب خط المواجهة منهم ولم يكن معهم سوى خمسة من العاملين في الصليب الأحمر لرعايتهم. وأبلغت أرمسترونغ وكالة «رويترز» أيضًا أنه تم أيضا إجلاء ستة أطفال عثر عليهم بمفردهم في شوارع قريبة تتراوح أعمارهم بين سبعة أشهر وسبع سنوات. وتابعت: «قال الكبار منهم إنهم لم يتناولوا الطعام منذ يومين». هذا، وذكر بيان اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن 11 مريضا توفوا بسبب نقص الدواء أو قتلوا بسبب الاشتباكات قبل أن تتمكن فرق الصليب الأحمر والهلال الأحمر السوري من الوصول إليهم في وقت متأخر أول من أمس الأربعاء. وقالت ماريان جاسر، رئيسة بعثة اللجنة في سوريا الموجودة حاليا في حلب، أن «كثيرين ممن تم إجلاؤهم لا يمكنهم الحركة ويحتاجون لرعاية خاصة».
ومعلوم أنه منذ أسابيع تقول الأمم المتحدة أن نحو 400 من المرضى والجرحى يحتاجون لإجلاء طبي طارئ من شرق حلب لتلقي العلاج لكن لم يتضح إن كان المائة والخمسون من بينهم. ومن بين من جرى إجلاؤهم من مستشفى دار الصفاء في «المدينة القديمة»، ونقل 118 مريضا إلى ثلاثة مستشفيات في غرب حلب الخاضع لسيطرة النظام، وحمل بعضهم في مقاعد.
ووفق أرمسترونغ، فإن 16 حالة حرجة وطارئة نقلت إلى مستشفى الرازي الجراحي ومشفى حلب الجامعي. وإن مستشفى ابن خلدون استقبل المصابين بأمراض عصبية وعقلية والمرضى من كبار السن وتم نقلهم في حافلة. كذلك أفاد بيان اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن 30 رجلا وامرأة وطفلا آخرين نقلوا إلى مراكز إيواء في القطاع الغربي من حلب.
وتجدر الإشارة إلى أن قوات النظام - المدعومة من روسيا وإيران - باتت تسيطر على ثمانين في المائة من الأحياء التي كانت تحت سيطرة الفصائل المقاتلة منذ 2012، تاريخ انقسام المدينة بين الطرفين. ونددت منظمة «أنقذوا الأطفال» (سايف ذي تشيلدرن) غير الحكومية المدافعة عن الأطفال بتحول «عشرات آلاف الأطفال» في حلب إلى «أهداف سهلة». كما توقفت مديرة المنظمة سونيا خوش في بيان عند وضع النازحين من حلب و«أشخاص يسيرون في الشوارع من دون أي شيء إلا ملابسهم لتقيهم من البرد» منتقدة غياب أي تحرك دولي.



حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
TT

حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)

في أعقاب فشل محاولة المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل في تسيير مظاهرة غير مرخصة في مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت اليمنية، ومقتل مدنيَّين اثنين وإصابة آخرين، فتحت السلطات المحلية تحقيقاً فورياً في الأحداث، وتعهدت بملاحقة المتسببين والتصدي لأي محاولة لزعزعة الأمن، واتهمت مندسين بإطلاق النار على قوات الأمن.

وخلال ترؤسه اجتماعاً للجنة الأمنية، تلقى عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، من القيادات الأمنية والعسكرية إحاطة شاملة حول الأوضاع، والإجراءات التي جرى اتخاذها للتعامل مع المستجدات، ووجّه بفتح تحقيق عاجل وشفاف في الأحداث «المؤسفة» التي شهدتها عاصمة المحافظة، مؤكداً ضرورة محاسبة كل من يثبت تورطه أو تسببه فيها.

وعبّرت اللجنة الأمنية في المحافظة عن أسفها الشديد لإصرار ما وصفتها بـ«أدوات المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل» على تنظيم مظاهرة غير مرخصة، في مخالفة صريحة للقوانين، وما ترتب على ذلك من تداعيات مؤسفة ألحقت الضرر بالأمن والاستقرار والسكينة العامة.

نواب ووجهاء حضرموت يجددون دعمهم للسلطة المحلية في تثبيت الأمن (إعلام حكومي)

وأكدت اللجنة أن حماية المدنيين تمثل أولوية قصوى، رافضةً أي استهداف لهم أو للعسكريين، وتعهدت بضبط العناصر التخريبية وملاحقة كل من يسعى لزعزعة الأمن والاستقرار أو الإخلال بالسكينة العامة.

وحسب مصادر حكومية، ناقشت اللجنة الأمنية مستجدات الأوضاع، وجهود تثبيت الاستقرار وتعزيز الأمن، ورفع مستوى التنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية، واتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على الأمن العام وصون أرواح المواطنين وممتلكاتهم.

تكاتف محلي وأمني

وحسب المصادر الرسمية، أعقب ذلك لقاء جمع الخنبشي بأعضاء مجلسي النواب والشورى، إلى جانب أعضاء هيئة التوافق الحضرمي، خُصص لمناقشة التطورات العامة التي تشهدها المحافظة على مختلف الأصعدة.

ووفقاً للمصادر، استعرض عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني أمام الحاضرين آخر التطورات الأمنية في المكلا وسائر مديريات حضرموت، وأكد جاهزية السلطة المحلية للتعامل مع أي مستجدات، وقال إنها لن تتهاون مع أي محاولات تستهدف أمن المواطنين أو تمس المصالح العامة. وشدد على أن المرحلة الراهنة تتطلب مضاعفة الجهود لترسيخ دعائم الأمن والاستقرار، بوصفهما الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية وتحسين مستوى الخدمات.

وأبلغ الخنبشي نواب ووجهاء حضرموت باستمرار التنسيق مع مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، والسعودية، لدعم جهود السلطة المحلية في مجالات الخدمات والبنية التحتية، وتعزيز الجوانب الأمنية والعسكرية، إضافةً إلى متابعة استحقاقات المحافظة من النفط الخام والوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، ونصيبها من الإيرادات بما يخدم التنمية المحلية.

وعند مناقشة الأحداث الأخيرة ومحاولات زعزعة الأمن، استمع المحافظ إلى مداخلات الحاضرين التي عبّرت في مجملها عن دعمها لجهود السلطة المحلية، مؤكدين أهمية تكاتف الجميع للحفاظ على الأمن والاستقرار.

كما شددوا على ضرورة تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية، وتطوير أداء قوات النخبة الحضرمية، وتشديد الرقابة على مداخل المحافظة، ومنع تسلل العناصر التخريبية، إلى جانب تطبيق النظام والقانون والحفاظ على هيبة الدولة، ومعالجة التحديات الخدمية والاجتماعية وتحسين الأوضاع المعيشية.

التصدي للفوضى

ونقلت المصادر الرسمية عن وجهاء حضرموت تأكيدهم أن أمن المحافظة واستقرارها يمثلان «خطاً أحمر» لا يمكن التهاون فيه، داعين أبناء حضرموت إلى الالتفاف حول قيادتهم المحلية ومساندة الأجهزة الأمنية والعسكرية، والتصدي لأي محاولات لزعزعة الأمن أو نشر الفوضى. كما شددوا على أهمية تعزيز الوعي المجتمعي والتكاتف الوطني لمواجهة التحديات.

في سياق متصل، زار وكيل المحافظة حسن الجيلاني، برفقة مدير عام مديرية مدينة المكلا فياض باعامر، أسر ضحايا الأحداث وعدداً من المصابين من المدنيين والعسكريين، مؤكدين حرص قيادة السلطة المحلية على متابعة أوضاع الجرحى وتقديم الرعاية اللازمة لهم حتى تماثلهم للشفاء. وتعهدا بمواصلة متابعة التحقيقات لكشف ملابسات الأحداث، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتسببين.

وكيل محافظة حضرموت خلال زيارته جرحى أحداث المكلا (إعلام حكومي)

وفي بيان سابق، أكدت السلطة المحلية واللجنة الأمنية أن الأجهزة الأمنية نفَّذت انتشاراً محدوداً يندرج ضمن مهامها القانونية لحماية المدنيين وتأمين المرافق العامة، وأعلنت رصد عناصر مسلحة بلباس مدني أطلقت النار على القوات الأمنية في أثناء أداء مهامها، في «تصرف خطير» يعكس نيّات لجر المحافظة إلى العنف. وشددت على أن هذه الأعمال ستُواجه بحزم وفق القانون.

كما أعربت السلطة المحلية في حضرموت عن أسفها لعدم التزام بعض الجهات السياسية والأفراد بتوجيهات اللجنة الأمنية، ومضيّهم في تنظيم مظاهرات غير مرخصة، محمِّلةً الجهات المحرّضة كامل المسؤولية عن أي تداعيات تمس الأمن والاستقرار أو تعرِّض حياة المواطنين للخطر.

Your Premium trial has ended


غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
TT

غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

أثار قرار الجماعة الحوثية بشطب 4225 وكالة تجارية عاملة في مناطق سيطرتها، بذريعة عدم تجديد التراخيص، موجة غضب واسعة في الأوساط الاقتصادية اليمنية، وسط تحذيرات من تداعيات خطرة قد تطال استقرار السوق المحلية وتفاقم الأوضاع المعيشية.

وبحسب مصادر تجارية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن القرار المفاجئ أحدث حالة من الارتباك لدى مئات الشركات والوكلاء، الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد يهدد استمرار أنشطتهم ويعرضهم لخسائر مالية فادحة، خصوصاً في ظل بيئة تنظيمية توصف بغير المستقرة.

ويرى مراقبون أن الخطوة لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من الإجراءات الحوثية التي تستهدف إعادة تشكيل السوق في مناطق سيطرة الجماعة، بما يخدم مصالح فئات محددة على حساب بقية الفاعلين الاقتصاديين، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل المنافسة التجارية في تلك المناطق.

ويأتي هذا القرار امتداداً لسلسلة من الإجراءات التي تنفذها ما تُسمى وزارة الصناعة والتجارة التابعة للحوثيين، والتي يصفها تجار بأنها تعسفية ومجحفة، إذ تستهدف ما تبقى من القطاع الخاص المحلي عبر فرض قيود معقدة ورسوم مرتفعة، إلى جانب تغييرات مستمرة في اللوائح والتعليمات.

الحوثيون يفرضون إتاوات متعددة على التجار ما دفع الكثير إلى الإفلاس أو الهجرة (أ.ف.ب)

وتؤكد مصادر أن شطب هذا العدد الكبير من الوكالات قد يفتح الباب أمام منح تلك التراخيص لاحقاً لجهات محسوبة على الجماعة، في خطوة يُعتقد أنها تسعى إلى إحكام السيطرة على مفاصل النشاط التجاري، خصوصاً في القطاعات الحيوية مثل الاستيراد والتوزيع.

ويحذر اقتصاديون من أن تقليص عدد الوكالات الفاعلة في السوق قد يؤدي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد، ويزيد من احتمالات حدوث نقص في بعض السلع، فضلاً عن ارتفاع الأسعار نتيجة تراجع المنافسة. كما قد يدفع ذلك العديد من المستثمرين إلى تقليص أعمالهم أو مغادرة السوق بالكامل.

تبعات متنوعة

في هذا السياق، عبَّر عدد من ملاك الوكالات التجارية في صنعاء عن استيائهم من القرار، مؤكدين أنه جاء دون إنذار كافٍ، وأنهم واجهوا صعوبات كبيرة في استكمال إجراءات التجديد، نتيجة التعقيدات الإدارية وارتفاع الرسوم.

ويقول أحد التجار: «فوجئنا بإيقاف نشاطنا رغم محاولاتنا الالتزام بالإجراءات. التعليمات كانت تتغير باستمرار، ولم تكن هناك شفافية كافية بشأن المتطلبات، مما جعل من الصعب إتمام عملية التجديد في الوقت المحدد».

ولا تقتصر تداعيات القرار على الجانب التجاري فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اجتماعية مقلقة، إذ يهدد توقف هذه الوكالات بفقدان آلاف الوظائف، في بلد يعاني أصلاً من معدلات بطالة مرتفعة وأزمة إنسانية متفاقمة.

الحوثيون متهمون بإنهاك التجار وتدمير القطاع الاقتصادي اليمني (أ.ف.ب)

ويشير مالك شركة توزيع مواد غذائية، إلى أن القرار قد يجبره على تسريح عدد كبير من الموظفين، قائلاً: «نحن لا نتحدث عن شركات فقط، بل عن أسر تعتمد بشكل كامل على هذه الأعمال كمصدر وحيد للدخل».

ويضيف أن بيئة العمل في مناطق سيطرة الحوثيين أصبحت طاردة للاستثمار، نتيجة تكرار فرض الإتاوات غير القانونية، إلى جانب القرارات المفاجئة التي تفتقر إلى الوضوح والاستقرار، مما يدفع كثيراً من رجال الأعمال إلى البحث عن بدائل خارج تلك المناطق.


اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
TT

اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حملات الملاحقة والاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة المدنيين الرافضين الانخراط في صفوفها، في وقت أصدرت فيه أجهزتها الأمنية بياناً أعلنت فيه ضبط ما وصفتها بـ«خلايا تجسس» مرتبطة بإسرائيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في حملات القمع.

ويأتي هذا التصعيد في ظل خطاب حوثي يربط بين التطورات الداخلية في اليمن والصراع الإقليمي، حيث تؤكد الجماعة أن تحركاتها تأتي في إطار دعم ما تسميه «المحور الإيراني» ونصرة القضايا الإقليمية، في حين يحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الوضع الإنساني والأمني داخل البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن ما يسمى جهاز الأمن والمخابرات، التابع للجماعة الحوثية، إلقاء القبض على عدد من الأشخاص الذين قال إنهم عملوا بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، بينها «أمان» و«الموساد»، إلى جانب جهات أخرى.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك بسلاح رشاش على متن عربة أمنية (إ.ب.أ)

وزعم البيان أن المعتقلين متهمون بتنفيذ أعمال تجسسية، شملت تزويد جهات خارجية بمعلومات عسكرية وأمنية، وإحداثيات لمواقع حساسة، فضلاً عن بيانات تتعلق بمنشآت اقتصادية.

وادّعت الجماعة الحوثية أن هذه العناصر استخدمت برامج «تجسسية» ووسائل اتصال خاصة لتنفيذ مهامها، وأن ضبطها يمثل «إنجازاً أمنياً» تحقق بفضل ما وصفته بتعاون المواطنين. كما دعا البيان السكان إلى مزيد من «اليقظة»، محذراً من مخاطر ما اعتبره «مؤامرات» تستهدف الجماعة.

ويرى محللون أن توقيت هذا البيان ليس معزولاً عن تصاعد حملات الاعتقال، إذ يُستخدم، بحسب تقديراتهم، لتعزيز السردية الأمنية التي تبرر ملاحقة المعارضين أو الرافضين للتجنيد، عبر ربطهم ضمنياً بتهديدات خارجية.

ملاحقات واعتقالات

وفي محافظة حجة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة كثّفت حملات الملاحقة بحقّ شبان رفضوا الاستجابة لدعوات التجنيد، حيث جرى اعتقال عدد منهم من منازلهم، فيما تم توقيف آخرين في نقاط تفتيش. وتحدثت المصادر عن استمرار احتجاز عشرات المدنيين منذ أسابيع، دون معلومات واضحة عن مصيرهم.

كما أشار شهود إلى استخدام قوائم بأسماء مطلوبين، إلى جانب تهديدات بفرض عقوبات على الرافضين، في إطار حملة تقودها جهات إشرافية محلية لتجنيد مزيد من المقاتلين، في ظل استنزاف بشري تشهده الجبهات.

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

وفي محافظة الحديدة، شهدت مديرية جبل راس حملات مشابهة، طالت شباناً وأولياء أمور، على خلفية رفضهم إرسال أبنائهم إلى القتال. وأفاد سكان باستخدام وسائل ضغط متعددة، بينها التهديد بالعقوبات أو الاحتجاز، لإجبار العائلات على الامتثال.

ويقول مراقبون إن ربط هذه الحملات بملفات أمنية، مثل «التجسس»، يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة الاشتباه، بما يسمح بملاحقة فئات أوسع من السكان تحت مبررات أمنية.

وفي محافظة إب، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل معلمين وموظفين وشرائح مدنية مختلفة، في عدد من المديريات. وأكدت مصادر محلية أن الحملات ترافقت مع خطاب تعبوي يربط بين التجنيد و«نصرة المحور الإيراني» ومواجهة ما تصفه الجماعة بالتحديات الإقليمية.

في المقابل، أدّت هذه التطورات إلى حالة من القلق داخل المجتمعات المحلية، حيث لجأت بعض الأسر إلى إخفاء أبنائها أو نقلهم إلى مناطق أخرى، خشية الاعتقال أو إجبارهم على القتال.

تداعيات حقوقية وإنسانية

يثير تصاعد حملات الاعتقال المرتبطة بالتجنيد القسري مخاوف حقوقية متزايدة، حيث يؤكد ناشطون أن العديد من المحتجزين يتم توقيفهم دون أوامر قضائية، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم أو الحصول على تمثيل قانوني.

كما يشير هؤلاء إلى أن استخدام اتهامات مثل «التجسس» قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع، في ظل غياب الشفافية والإجراءات القانونية الواضحة. ويرون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر إجبار المدنيين على المشاركة في النزاعات المسلحة.

الجماعة الحوثية أعلنت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويربط محللون تصاعد هذه الإجراءات بالضغوط التي تواجهها الجماعة لتعزيز قدراتها العسكرية، في وقت تشهد فيه الجبهات تعزيزات مستمرة، ما يدفعها إلى تكثيف عمليات التجنيد، حتى عبر وسائل قسرية.

وفي ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية إلى وقف حملات الاعتقال والتجنيد القسري، والإفراج عن المحتجزين، واحترام المعايير الدولية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.