مؤتمر «قلب آسيا» لمساعدة أفغانستان تحول إلى منصة ضد باكستان

رفض الرئيس الأفغاني 500 مليون دولار من باكستان يثلج صدر نيودلهي

رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي (يمين) مع الرئيس الأفغاني أشرف غني (أ.ف.ب)
رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي (يمين) مع الرئيس الأفغاني أشرف غني (أ.ف.ب)
TT

مؤتمر «قلب آسيا» لمساعدة أفغانستان تحول إلى منصة ضد باكستان

رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي (يمين) مع الرئيس الأفغاني أشرف غني (أ.ف.ب)
رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي (يمين) مع الرئيس الأفغاني أشرف غني (أ.ف.ب)

اجتمع ممثلو 45 دولة في مؤتمر دولي بمدينة آرميتسار الهندية الشمالية للتشاور بشأن سياسات الرعاية الاجتماعية التي تساعد على خروج أفغانستان من سنوات مريعة من التشدد والتطرف والإرهاب. ونادرا في اجتماع أو مؤتمر متعدد الأطراف ما تكون إحدى الدول المشاركة هي الهدف الرئيسي لهجوم من قبل الدولة المستضيفة ورئيسة المؤتمر، ولكن كان ذلك بالضبط هو ما حدث خلال المؤتمر الوزاري السادس الذي استمر لمدة يومين في قلب القارة الآسيوية.
كان الرئيس الأفغاني أشرف غني، الذي افتتح أعمال المؤتمر بصحبة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، قد حمّل باكستان المسؤولية الكاملة ووجه إليها الاتهامات بشن «حرب غير معلنة» على بلاده من خلال الدعم غير العلني لكثير من الشبكات الإرهابية التي تتضمن حركة طالبان الإرهابية، ودعا خلال المؤتمر إلى وجود نظام دولي «للتحقق» من عمليات الإرهاب العابرة للحدود بين البلدين.
وصرح الرئيس الأفغاني شاكيا خلال المؤتمر إذ قال: «على الرغم من المشاركة المكثفة مع باكستان على الأسس الثنائية ومتعددة الأطراف، فإن الحرب غير المعلنة، لم تهدأ، وإنما زادت كثافتها خلال العام الحالي، ومع كثافة خاصة وملاحظة في أعقاب مؤتمر بروكسل (لدعم أفغانستان) مباشرة».
كان الرئيس الأفغاني قد بدأ ولايته الرئاسية بتواصل مباشر مع إسلام آباد، ولكن مع عدم انخفاض مستويات العنف الداخلية في بلاده، فإن المزاج العام الآن في كابول أصبح أكثر عداء حيال باكستان. وكان من نتائجه تحول البوصلة السياسية الأفغانية عن إسلام آباد في اتجاه نيودلهي، المنافس الأول والعدو اللدود لباكستان في المنطقة. ولقد زادت أفغانستان والهند من مستويات التعاون التجاري والدفاعي وأطلقا سويا عددا من المشروعات التنموية التي تتضمن بعض بلدان آسيا الوسطى.
ثم نقل الرئيس الأفغاني مقولة عن أحد قادة حركة طالبان المتمردة مؤيدا بها وجهة نظره بأن الدعم الباكستاني لشبكات الإرهاب في بلاده كان من الحيوية والتأثير في بقاء واستمرار بل وازدهار تلك الجماعات المتطرفة: «وكما قال الملا رحمت الله كاكازاده مؤخرا، وهو أحد الشخصيات البارزة في حركة طالبان، إنهم إن لم توفر لهم باكستان الملجأ والملاذ فلن يتمكنوا من الصمود لشهر واحد». وأضاف الرئيس الأفغاني يقول إننا في حاجة إلى مزيد من الحوار المفتوح والمشاركة الفعالة.
ولكن لم يكن هذا كل شيء. فلقد تعمد الرئيس الأفغاني، حرفيا، إحراج مستشار السياسة الخارجية الباكستاني سارتاز عزيز، الذي كان بين الحضور والذي، بصفته ممثلا عن بلاده، قد تعهد بمبلغ 500 مليون دولار لإعادة إعمار أفغانستان. ولقد رفض الرئيس الأفغاني العرض الباكستاني بالمساعدات المالية إلى أفغانستان. مشيرا بشكل مباشر إلى سارتاز عزيز، وقال إن العرض المقدم من إسلام آباد بمبلغ 500 مليون دولار يمكن بدلا من ذلك استخدامه من جانب باكستان في احتواء التطرف والعنف.
«قلب آسيا» تمخض عن مؤتمر إسطنبول لأجل أفغانستان الذي أشرفت تركيا عليه وعلى تنظيمه في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2011. وكانت الدول المشاركة تضم كلا من باكستان، وأفغانستان، وآذربيجان، والصين، والهند، وإيران، وكازاخستان، وقيرغيزستان، وروسيا، والمملكة العربية السعودية، وطاجيكستان، وتركيا، وتركمانستان، والإمارات العربية المتحدة. وكان الهدف من ورائها تعزيز الأمن في أفغانستان من خلال التعاون الوثيق بين القوى الإقليمية والدولية، وإعادة إعمار أفغانستان التي مزقتها ويلات الحروب المتتابعة. وكانت العملية معنية أيضا بالمساهمة في تحقيق الاستقرار والازدهار في أفغانستان وتمديد جوارها الإقليمي حتى جنوب آسيا، وآسيا الوسطى، وغرب آسيا. ومن خلال هذه العملية من تعزيز السلام والازدهار، عملت المؤتمرات الوزارية الخمسة السابقة - في كل من إسطنبول (2011)، وكابول (2012)، والماعتا (2013)، وبكين (2014)، وإسلام آباد (2015) – على تسهيل كل من المساعدات الثنائية ومتعددة الأطراف إلى جانب المعونات التنموية التي تقدر بمليارات الدولارات إلى أفغانستان.
لم تكن الهند من بين الدول التي وجهت إليها الدعوة لحضور المؤتمر الوزاري الخامس في إسلام آباد العام الماضي، وصرح أحد الدبلوماسيين الهنود من وزارة الخارجية الهندية بأن تركيا استبعدت الوجود الهندي في اجتماع الدول الإقليمية المجاورة لأفغانستان بناء على إصرار من جانب باكستان، فلقد كانت العلاقات التركية الباكستانية في أفضل حالاتها من الناحية التقليدية مؤخرا.
وأفغانستان هي الدولة الرئيسية في عملية «قلب آسيا». ويتبادل الأعضاء الآخرون الكرسي المشارك، في حين تحدد أفغانستان الموضوعات المطروحة للمناقشة في الاجتماعات. وبالنسبة لاجتماع مدينة أمريتسار، ركزت أفغانستان على الحاجة الماسة إلى القضاء على الإرهاب وتحسين الاتصالات بغية تحقيق الاستقرار في البلاد والازدهار الإقليمي في المنطقة. وكان الموضوع الرئيسي خلال مؤتمر هذا العام يتعلق بـ«مواجهة التحديات، وتحقيق الازدهار».
كانت الولايات المتحدة الأميركية و20 دولة أخرى حاضرة في المؤتمر تحت صفة «الدول الداعمة» في هذه العملية. وشجعت الولايات المتحدة عملية «قلب آسيا» منذ البداية لأنها كانت جزءا من استراتيجية الانسحاب العسكري من أفغانستان. وبعدما استكملت الولايات المتحدة عشر سنوات كاملة من العمليات القتالية في أفغانستان بحلول عام 2011، كان من الواضح أن حركة طالبان أبعد ما تكون عن الهزيمة في ظل الدعم النشط والكبير من جانب باكستان، الذي يمكن الحركة المتطرفة من الاستمرار إلى أجل غير مسمى. أراد الرئيس باراك أوباما سحب قواته العسكرية من أفغانستان وجعل المنطقة تعمل على توفيق مصالحها في أفغانستان والاضطلاع بمسؤولية أكبر في استقرار البلاد. كانت هناك خلافات كبيرة بين الرئيس الأفغاني لأسبق حامد كرزاي والإدارة الأميركية في ذلك الوقت، ومع باكستان أيضا، ولكن بشأن هذه القضية كان الرئيس كرزاي على وفاق مع الرئيس الأميركي على أمل في أن تشعر باكستان بمصدر آخر من مصادر الضغط والتأثير بهدف الحد من تدخلاتها في الشؤون الأفغانية.
في حين كان يبدو كمثل الموسيقى الرخيمة على آذان الهند، أغدق الرئيس الأفغاني الثناء والشكر على رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، وأشار إلى عدم وجود صفقات سرية ضمن المشاركة والتفاعل الهندي المتزايد مع بلاده التي مزقتها ويلات الحروب.
وقال الرئيس الأفغاني عن ذلك «إن الدعم الهندي مثير للإعجاب والتقدير، من حيث المقدار والالتزام. وتهدف المساعدات الهندية إلى تحسين الأحوال المعيشية للشعب الأفغاني. وهي حزمة من المساعدات الشفافة. وهي تعبر عن تقارب والتقاء المصالح والقيم المشتركة بين البلدين».
وفي حين أن الندم لم يساور الرئيس الأفغاني قط في عدم التعريج على ذكر باكستان، كان رئيس الوزراء الهندي أكثر حذرا، فعلى العكس من قمة دول العشرين وقمة البريكس، حيث وصف باكستان مباشرة بأنها «الأم الراعية» للإرهاب، فإنه لم ينتهز الفرصة هذه المرة في إطلاق الرصاصات السياسية على إسلام آباد.
كان اختيار مدينة أمريتسار بمثابة الإشارة إلى عمق التواصل والترابط، وهي المعاني التي تحل محل القلب من عملية «قلب آسيا»، حيث كانت المدينة من المحطات المهمة على «طريق الجذع الكبير» القديم الذي كان يربط في وقت من الأوقات بين بنغلاديش وبيشاور في باكستان، وكان أقرب ما يكون من الحدود الأفغانية الحالية. ويبدو أن اختيار نيودلهي لهذه المدينة بغية البعث برسالة إلى إسلام آباد التي كان يُنظر إليها باعتبارها أكبر العوائق في إبرام الصفقات عندما يتعلق الأمر بالدمج والتوافق الكبير في منطقة جنوب آسيا.



تحفّظ دولي عقب دعوة ترمب لتأمين مضيق هرمز

ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
TT

تحفّظ دولي عقب دعوة ترمب لتأمين مضيق هرمز

ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

قوبلت دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدول حليفة وشريكة بإرسال سفن حربية للمساعدة في حماية الملاحة في مضيق هرمز بردود حذرة

قوبلت دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدول حليفة وشريكة بإرسال سفن حربية للمساعدة في حماية الملاحة في مضيق هرمز بردود حذرة ومتباينة، في وقت تهدد فيه الحرب الدائرة مع إيران باضطراب طويل الأمد لأحد أهم الممرات النفطية في العالم.

وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت أن بحريتها ستبدأ قريباً مرافقة ناقلات النفط عبر المضيق الاستراتيجي، الذي يمر عبره نحو خُمس إنتاج النفط العالمي؛ إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 3 آلاف سفينة كانت تعبره شهرياً قبل أن تشلّ التهديدات الإيرانية حركة الملاحة فيه، في أعقاب اندلاع الحرب في المنطقة قبل أسبوعين.

ترمب يُحمّل العالم المسؤولية

كتب ترمب على منصة «تروث سوشال»، السبت: «نأمل بأن تبادر الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة ودول أخرى إلى إرسال سفن إلى المنطقة». وأضاف في تغريدة لاحقة: «ستنسق الولايات المتحدة مع تلك الدول لضمان سير الأمور بسلاسة وكفاءة. كان يجب أن يكون هذا جهداً جماعياً منذ البداية، وهو ما ستكون عليه الحال الآن».

وفي مقابلة هاتفية مع شبكة «إن بي سي»، أكد ترمب أن دولاً عدة لم تكتفِ بالموافقة، بل رأت في الأمر «فكرة رائعة»، غير أن المواقف الرسمية التي صدرت لاحقاً جاءت في معظمها متردّدة.

وبعد ساعات من الدعوة الأميركية، حثّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، خلال اتصال هاتفي بنظيره الفرنسي جان نويل بارو، دول العالم إلى «الامتناع عن أي إجراء قد يؤدي إلى تصعيد النزاع وتوسيعه». ويرى المراقبون أن هذا التحذير يستهدف تحديداً الدول التي يسعى ترمب إلى استقطابها.

سيول «تدرس بعناية»

أعلنت رئاسة الجمهورية الكورية الجنوبية أنها «تدرس من كثب» الطلب الأميركي. وقال المتحدث باسمها: «نتابع تصريحات الرئيس ترمب على وسائل التواصل الاجتماعي، وسندرس المسألة بعناية في إطار التشاور الوثيق مع واشنطن». وأشار المسؤول إلى أن بلاده تُجري «بحثاً دقيقاً لمختلف التدابير لضمان أمن طرق نقل الطاقة»، مستحضراً أهمية حرية الملاحة الدولية للاقتصاد الكوري الذي يعتمد اعتماداً كبيراً على واردات الطاقة العابرة للمضيق. وكانت سيول قد اتخذت في وقت سابق قراراً بتحديد سقف لأسعار الوقود، وهو إجراء استثنائي لم تلجأ إليه منذ عام 1997.

طوكيو تتمسك بـ«الاستقلالية»

لم يصدر عن اليابان أي رد رسمي على الدعوة الأميركية حتى اللحظة. وأبلغت وزارة الخارجية اليابانية وكالة «إن إتش كيه» الإخبارية أن طوكيو «لن تُسارع إلى إرسال سفن حربية بناءً على طلب ترمب»، مستندةً إلى مبدأ راسخ مفاده أن «اليابان تتخذ قراراتها المستقلة وفق حكمها الخاص». بينما أوضح تاكايوكي كوباياشي، المسؤول عن السياسات في الحزب الحاكم، أن القوانين النافذة تجعل قواعد إرسال السفن العسكرية إلى المنطقة «شديدة الصعوبة» من الناحية القانونية.

لندن «مستعدّة للتعاون»

أبدى وزير الطاقة البريطاني، إد ميليباند، استعداداً للتعاون دون أن يُفصح عن أي التزام ميداني، مؤكداً أن «أفضل السُّبل وأجداها لإعادة فتح المضيق هو وضع حدٍّ لهذا الصراع». وأضاف ميليباند أن إعادة فتح مضيق هرمز تمثل «أولوية للعالم»، مشيراً إلى أن «كل الخيارات التي قد تسهم في إعادة فتح المضيق يجري النظر فيها».

وأشار إلى أن لندن «تتحدث مع حلفائها بما فيهم الولايات المتحدة» لدراسة ما يمكن تقديمه، مستعرضاً جملةً من الخيارات المطروحة، من بينها تزويد المنطقة بـ«معدات ذاتية لكشف الألغام البحرية». كما أوضح أن بريطانيا أجرت بالفعل محادثات مع حلفائها لإعادة الملاحة في المضيق إلى طبيعتها. ولفت ميليباند أيضاً إلى أن وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر زارت المملكة العربية السعودية، هذا الأسبوع، لإجراء محادثات مع دول الخليج بشأن أمن المضيق، مؤكداً أن لندن «تريد العمل مع شركائها» لمعالجة الأزمة.

وأكدت الحكومة البريطانية أن أولويتها الراهنة تبقى «خفض حدة الصراع» لا التصعيد العسكري.

باريس تُبقي أسطولها في «وضع دفاعي»

أعلنت وزارة الخارجية الفرنسية على منصة «إكس» أن سفنها المنتشرة أصلاً في شرق البحر المتوسط ستبقى في «وضع دفاعي». وكان الرئيس إيمانويل ماكرون قد أبدى في وقت سابق انفتاحه على إمكانية مرافقة السفن عبر المضيق مستقبلاً، إلا أن المحللين يرون أن الموقف الفرنسي لا يزال «بعيداً جداً عن تشكيل مهمة فعلية».

وذكرت صحيفة «فاينانشال ⁠تايمز» أن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي الذين ⁠يعقدون اجتماعاً دورياً، الاثنين، سيناقشون إمكانية توسيع نطاق مهمة «أسبيدس» البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي والتي تحمي الملاحة من هجمات الحوثيين في البحر الأحمر لتشمل مضيق هرمز. وقال مسؤولون إن فرنسا تسعى لتشكيل تحالف لتأمين مضيق هرمز بمجرد استقرار الوضع الأمني هناك.

بكين تدعو إلى وقف إطلاق النار

جاء الموقف الصيني الأكثر تحفظاً والأبعد عن الاستجابة لمطالب واشنطن؛ إذ اكتفى المتحدث باسم السفارة الصينية في واشنطن بالدعوة إلى «وقف فوري لإطلاق النار»، وفق صحيفة «فاينانشال تايمز»، مُتجاهلاً الطلب الأميركي بصورة شبه كاملة.

في المقابل، أبدى وزير الطاقة الأميركي كريس رايت تفاؤلاً حذراً بشأن الدور الصيني، مُعرباً عن أمله في أن تكون بكين «شريكاً بنّاءً» في إعادة فتح المضيق، نظراً لحجم اعتمادها على نفط الخليج.


هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».