باولو نيغرو.. مدافع خلده التاريخ بهدف في شباكه

باولو نيغرو.. مدافع خلده التاريخ بهدف في شباكه

جماهير روما ما زالت تسخر من لاعب لاتسيو وفريقه بعد مرور 16 عامًا
الخميس - 9 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 08 ديسمبر 2016 مـ
الهدف الخالد الذي بدل حياة باولو نيغرو (رقم2) ولاتسيو وروما - نيغرو يدخل عالم الخلود رغم أنفه («الشرق الأوسط»)

اكتب «باولو نيغرو» في خانة البحث بموقع «فيسبوك» وستفاجأ بصفحة تحمل بالإيطالية عنوانًا يقول «هدف باولو نيغرو في مرماه». أما الصورة الخاصة بالصفحة فعبارة عن صورة ساخرة يظهر فيها نيغرو مرتديًا قميص روما الذي يحمل علامة «ديادورا» التجارية المميزة، القميص الذي اعتاد لاعبو الفريق ارتداءه مع بداية الألفية الجديدة، مع ياقة برتقالية اللون وصورة ذئب على كمي القميص.

ويعود تاريخ آخر منشور على الصفحة إلى 16 أبريل (نيسان) 2014، يوم احتفال نيغرو بعيد ميلاده، ويقول: «عيد ميلاد سعيد، أيها الهداف». بخلاف ذلك، لا يوجد سوى منشورين آخرين فحسب يعود تاريخهما إلى عام 2009 يذكر أن متابعي الصفحة البالغ عددهم ثلاثة آلاف متابع أن «الماضي يتعذر نسيانه»، بجانب بعض الصور للوحة تخص عدد الأهداف بعد مباراة نهائي بطولة كأس إيطاليا لكرة القدم عام 2013، والتي رفعها مشجعو لاتسيو على الصفحة كرد ثأري على جماهير روما التي لا تزال تسخر منهم بسبب الهدف الذي سدده نيغرو في شباكه.

اللافت أن هذه الخصومة بين الناديين تمتد إلى جميع مستويات النسيج الاجتماعي داخل العاصمة الإيطالية روما، وأنها أمر يعايشه سكان المدينة على مدار العام. وتتألف هذه الخصومة من نكات وسخرية وأغانٍ وأكثر من ذلك بكثير. أما باولو نيغرو المسكين فوجد نفسه واحدًا من الموضوعات المفضلة في خضم هذه المعركة المحتدمة. ولا يزال يشكل أيقونة ساخرة تستحوذ على اهتمام كبير من جانب مشجعي روما حتى يومنا هذا. ورغم هذا، فإنه قبل شهرته السلبية تلك، لم يكن يعدو كونه مجرد واحد من لاعبين كثيرين قدموا إلى العاصمة من مناطق قاصية.

ولد نيغرو منذ 44 عامًا في مدينة أوريغانو الواقعة قرب مقاطعة فيتشنزا بشمال إيطاليا. وبدأ اللعب في خط الهجوم، لكنه واجه مشكلة في أسلوب استخدامه قدميه دفعت أول مدرب له داخل فريق بريشيا لنقله إلى خط الدفاع. عام 1990، انتقل إلى نادي بولونيا، لكنه عاد إلى بريشيا مجددًا بعد عامين. في صيف عام 1993، عندما قرر لاتسيو شراءه، كان نيغرو قد رسخ مكانته كمدافع. وتميز بقوة بدنية جبارة، بجانب مهارته على التعامل مع الكرة في الهواء. وفي ذلك الوقت، كان قد شارك بالفعل في 10 مباريات مع المنتخب الإيطالي تحت الـ21. ومثلما قال الجميع حينها، جاءت صفقة انتقاله إلى لاتسيو جيدة بالنسبة لجميع الأطراف المعنية.

أما عن السنوات التي قضاها في لاتسيو، فقد مرت مر السحاب! وكان نيغرو في صفوف الفريق عندما فاز ببطولتي الدوري الإيطالي الممتاز وكأس إيطاليا موسم 1999 - 2000. وكان في صفوف الفريق أيضًا عندما رفع اللاعبون كأس السوبر الأوروبي عام 1999. في الواقع، لقد نال نيغرو فرصة المشاركة في واحد من أقوى الفرق في تاريخ نادي لاتسيو، حيث شارك إلى جوار أسماء أسطورية مثل الأرجنتيني خوان سيباستيان فيرون، والإيطالي أليساندرو نيستا، والتشيكي بافيل نيدفيد، والصربي ديان ستانكوفيتش، والإيطالي روبرتو مانشيني.

ونظرًا لمشاركته في صفوف لاعبي النادي منذ سن صغيرة، حمل نيغرو بداخله حبا حقيقيا تجاهه، رغم أنه ليس من أبناء روما. وكان ينتمي إلى نمط من اللاعبين ليس بإمكان أي نادٍ ناجح الاستغناء عنه؛ نمط يمكن وصفه بـ«لاعب الخدمات»، ذلك أنه عمل بمثابة ترس مطيع وفاعل في الآلة الكبيرة المتمثلة في الفريق ككل. في الوقت ذاته، لم يكن نيغرو من نوعية اللاعبين التي تصنع التاريخ أو تظهر صورتها على غلاف صحيفة «كورييري ديلو سبورت» الإيطالية، صباح الاثنين الماضي. كما لم يرد بخاطره قط أنه في إحدى ليالي ديسمبر (كانون الأول) الباردة سيضمن لنفسه مكانًا في قاعة أبطال الديربي. وإن كان نيغرو للأسف ولسوء حظه، لم يدخل القاعة من الباب الرئيس لها، وإنما وجد نفسه مدفوعًا نحو الداخل من أحد الأبواب الجانبية.

في نهاية سبتمبر (أيلول) 2000، كانت مشاعر النشوة التي سادت الفريق بعد فوزه بثاني بطولة دوري ممتاز في تاريخ النادي قد تبخرت في معظمها، وبات لاتسيو مستعدًا لخوض موسم جديد عصيب. كان الموسم قد بدأ في وقت متأخر على نحو استثنائي بسبب بطولة «يورو 2000»، ومباريات التأهل لبطولة كأس العالم ودورة ألعاب سيدني الأوليمبية. ومع ذلك، كان واضحًا من البداية أن خصوم لاتسيو الأساسيين تمركزوا داخل جدران المدينة ذاتها. ومع ضمه كل من البرازيلي إميرسون بالميري والأرجنتيني والتر صامويل والأرجنتيني غابرييل باتيستوتا إلى صفوفه، كان روما واحدًا من الفرق التي يحسب لها ألف حساب.

وجاءت نقطة التحول الأولى خلال الموسم في 17 ديسمبر خلال ديربي العاصمة. في ذلك الوقت، كان روما يتصدر جدول ترتيب أندية الدوري، بينما يحتل لاتسيو المركز الرابع - وفيما بينهما يوفنتوس وأتالانتا. وامتلأت مدرجات الاستاد الأوليمبي عن آخرها بما يزيد قليلاً على 80.000 متفرج يحملون بداخلهم توقعات كبرى. إلا أنه سرعان ما بدا واضحًا أن هذا اللقاء لن يكون تقليديًا، ذلك أن ثمة توترا واضحا سيطر على الأجواء، ورغم ما أبداه اللاعبون من نشاط بدني، لم تشهد أرض الملعب أحداثًا تذكر، فيما عدا نجاح الظهير البرازيلي كافو في تمرير الكرة ببراعة فوق رأس نيدفيد أكثر من مرة على نحو متتالٍ.

إلا أنه في الدقيقة 70 من عمر المباراة، فوجئت الجماهير داخل الاستاد بما دفعها فجأة للخروج من حالة السبات التي سيطرت عليها. مرر كافو الكرة إلى داخل منطقة المرمى من الجانب الأيمن كي يتلقاها كريستيانو زانيتي ليسددها برأسه باتجاه الشباك. إلا أن حارس مرمى لاتسيو، أنجلو بيروتسي، تصدى للكرة ووجهها نحو قلب الدفاع أليساندرو نيستا الذي سارع على نحو غريزي لإبعادها بعيدًا بقدمه اليمنى. إلا أنه لسوء حظه وسوء حظ زميله، فقد ركل الكرة بدلاً عن ذلك نحو نيغرو الذي كان يقف على بعد أقل من متر من نيستا.

في هذه اللحظة تحديدًا، بدا وكأن الزمن توقف، وبدت طرفة العين وكأنها تدوم 10 دقائق مع إدراك نيغرو أن جزءا من الثانية يفصله عن التحول إلى لاعب أسطورة. من أردأ الأنواع! عندما عادت عقارب الزمن إلى الحركة من جديد، كان الأوان قد فات - ذلك أن المدافع المسكين لم يملك سوى الشعور بالكرة تصطدم بجسده وترتد إلى الشباك التي بدت خالية من أي حماية، والتي كان يقف أمامها مباشرة. وأثارت اللحظة فرحة عارمة في نفوس جماهير روما.

وبينما انطلقت الجماهير في الاحتفال بجنون، بدا وكأن العالم بأسره يتهاوى فوق رأس نيغرو، الذي تحول الآن إلى رمز لفرحة نادي روما وانتصاره. وفي تلك اللحظة، بدا مدركًا بالفعل أنه سيبقى كذلك لسنوات طويلة قادمة. ربما لباقي حياته. خلال الدقائق الـ20 المتبقية من اللقاء، بذل لاعبو لاتسيو كل ما يمكنهم لإعفاء زميلهم من عار منح الفوز إلى الخصم الأول للنادي في ديربي بالغ الأهمية. إلا أن جهودهم لم تفلح في تغيير النتيجة التي ظلت كما هي حتى انطلاق صافرة النهاية، والتي جاءت لتفتح أبواب الجحيم أمام باولو نيغرو.

منذ ذلك اليوم فصاعدًا، تغير كل شيء داخل روما إلى الأبد. وأصبح اسم نيغرو محفورًا بذاكرة مشجعي روما، وأصبحوا يشيرون إليه في كل لافتة يرفعونها داخل الاستادات أو أغنية يصدحون بها لتشجيع ناديهم. إضافة لذلك، فإنهم يحرصون على الاحتفال سنويًا بذكرى هذا اللقاء من خلال إطلاق شعارات جديدة وساخرة، ناهيك بالأمنيات والتهاني التي يتلقاها نيغرو كل عام يوم ميلاده من مشجعي روما. وكثيرًا ما يجري إغداق الثناء عليه كما لو كان قد سجل ثلاثة أهداف في لقاء الديربي.

لاحقًا، انتقل نيغرو إلى سيينا عام 2005، ثم اعتزل كرة القدم عام 2007. وبعد ابتعاده عن الملاعب طيلة ثلاث سنوات، بدل قراره وعاود للمشاركة لمدة عام في صفوف نادي تشرفيتيري بالدرجة السابعة من الدوري الإيطالي، قبل أن يشرع في العمل كمدرب. ومع ذلك، سيبقى من المستحيل أن ينزع اسمه بعيدًا عن تلك اللحظة، ولو بعد مليون عام. ولن يتوقف مشجعو روما عن رفع لافتات ساخرة تحمل عبارات من عينة «نيستا، راقب نيغرو جيدًا!»، ولن يتوقفوا عن وصف نيغرو بأنه «واحد منا»، وتوجيه الشكر له على الهدية غير المتوقعة. إن ذلك ديربي العاصمة: المباراة التي ينتظرها كل فرد من أبناء روما بترقب وأمل، اللحظة التي تتوقف عندها الحياة داخل العاصمة. إنها مباراة بإمكانها تحويل البشر إلى كائنات خالدة - وإن كان البعض يدخل عالم الخلود رغم أنفه!


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة