المتحدثة السابقة لـ«يوناميد»: كل المعلومات الصادرة عن البعثة تتعرض للتلاعب والتحوير

عائشة البصري تتحدث لـ {الشرق الأوسط} عما أسمته أسرار أكبر تسريب في تاريخ الأمم المتحدة

عائشة البصري
عائشة البصري
TT

المتحدثة السابقة لـ«يوناميد»: كل المعلومات الصادرة عن البعثة تتعرض للتلاعب والتحوير

عائشة البصري
عائشة البصري

تقدمت المتحدثة السابقة للبعثة المشتركة بين الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة لحفظ السلام في إقليم دارفور السوداني المضطرب (يوناميد)، عائشة البصري باستقالتها، احتجاجا على ما أسمته «تستر وتواطؤ» البعثة الدولية على جرائم ضد الإنسانية تحدث في الإقليم.
ونقلت للصحافة العالمية وقائع ما أسمته مجلة «فورن بوليسي» أكبر تسريب لوثائق «سرية جدا» في تاريخ الأمم المتحدة، تحكي عن صمت البعثة وتواطؤها مع الحكومة السودانية والحركات المتمردة ضد مدنيي دارفور.
فور ذيوع تلك الوثائق، أجرت «الشرق الأوسط» هذه المقابلة مع السيدة عائشة البصري عبر الهاتف، بحثت معها خلاله دوافع كشفها عن تلك المعلومات، والظروف المحيطة بها.
تساءلت البصري عن تواطؤ، وحملت المنظمة الدولية مسؤولية اختفاء مصطلح «الجنجويد» - قوات شبه نظامية اتهمت بارتكاب فظائع ضد المدنيين - وسكتت عن دمجهم في القوات الحكومية، بدلا من تسريحهم ونزع سلاحهم حسب قرار مجلس الأمن.
ودمغت البصري الأمم المتحدة باللامبالاة بمدنيي دارفور، وقالت إنها تعلم أن بعثتها فاشلة منذ تكوينها، وأن هناك مجموعة «اختطفت البعثة»، وحولتها إلى «إمبراطورية صمت وتستر» على انتهاكات القوات الحكومية والميليشيات الحليفة لها، والحركات المتمردة ضد المدنيين والنازحين، فإلى الحوار:

* ذكرت أن بعثة حفظ السلام الدولية في دارفور «يوناميد» تتستر على جرائم القوات الحكومة والميليشيات والحركات المتمردة، لماذا تفعل هذا في نظرك..؟
- لقد تحدثت عن تستر أكبر، يشمل فشل الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي في حماية المدنيين من القصف الجوي العشوائي للقوات الجوية السودانية لأماكن سكناهم، وهجمات القوات الحكومية، وليست الميليشيات على المدنيين وجنود البعثة نفسها، إضافة إلى هجمات تشنها بعض الفصائل المتمردة على المدنيين في دارفور، وعمليات نهب وسلب واعتداء واختطاف.
حين يتعلق الأمر بعناصر «الجنجويد»، فأنا لا أتحدث عن «الميليشيات الحكومية» أو «الميليشيات الموالية للحكومة» وغيرها. بعد صدور قرار مجلس الأمن 1556 عام 2004، الذي قضى بنزع سلاح ميليشيات الجنجويد ومحاكمة قياداتها، لم تكتف الحكومة السودانية بعدم الامتثال، بل تحدت مجلس الأمن، وأدمجت عددا منهم في صفوف القوات المساعدة الحكومية - حرس الحدود، الدفاع الشعبي، شرطة الاحتياط المركزي المعروفة بـ«أبوطيرة» - لذلك فالحديث عن الميليشيات فيما يتعلق بهذه القوات المساعدة الحكومية، هو أصلا جزء من عملية الإرباك التي ساهمت فيها التقارير الأممية.
أما عن سبب التستر، فمن الأحرى أن يطرح السؤال على كل من رئيس بعثة «يوناميد» السيد محمد بن شمباس، ورئيس إدارة حفظ السلام السيد هيرفي لادسوس، والأمين العام للأمم المتحدة السيد بان كي مون.
أنا بدوري أريد أن أعرف لماذا مثلا اختفت كلمة «الجنجويد» من تقارير الأمم المتحدة، بدءا من تقارير «بان كي مون»، عقب ادعاء الخرطوم بأنه لم تعد هناك مجموعات تحمل هذا الاسم في دارفور؟ ولماذا لم تنشر التقارير التي تقول الحكومة السودانية أنها أدمجت عددا من الجنجويد في قواتها المساعدة، في وقت يتوقع فيه نزع سلاحهم وإبعاد خطرهم عن المدنيين.
* قلت إن مجلس الأمن على علم مسبق بحتمية فشل بعثة «يوناميد»، كأنك تتحدثين عن مؤامرة دولية ضد دارفور.. هل تقصدين هذا؟
- مجلس الأمن وإدارة حفظ السلام، يعلمان أن البعثة لن تنجح في مهمة حفظ السلام وحماية المدنيين قبل إرسالها، فلتنجح أية بعثة لا بد من اتفاقية سلام حقيقية ملزمة للأطراف، وقبول الدولة المضيفة وجود البعثة وتسهيل عملها، إضافة للجانب اللوجيستي، الذي يوفر للبعثة الظروف الملائمة لقيامها بعملها.
قبل نشر البعثة، لم تكن هناك اتفاقية سلام، فاتفاقية «أبوجا» الموقعة بين الحكومة وفصيل واحد احتضرت قبل ميلاد البعثة، ولا توجد رغبة من الحكومة أو الحركات المتمردة لإلقاء السلاح والجلوس للمحادثاث.
أجبرت الخرطوم على الامتثال لضغوط «ما يسمى» بالمجتمع الدولي، فقبلت شكليا انتشار قوات «حفظ السلام»، واشترطت أن تكون معظمها أفريقية، ليس حبا في أفريقيا، بل لمعرفتها أن قوات أفريقية لن تغير في الواقع شيء، لضعف قدرات وإمكانيات عدد من هذه الدول، وهو الذي مكن الخرطوم من إفشال بعثة الاتحاد الأفريقي في دارفور «الأيميس»، وطالب المجتمع الدولي باستبدالها ببعثة يفترض أن تكون أقوى بكثير، المجلس يعلم أن ما قبلته الخرطوم نسخة مكبرة من بعثة «الأيميس» الفاشلة، ويعلم بأن الحكومات الغربية غير مستعدة لإرسال جندي واحد أو طائرة رصد واحدة لدافور، ناهيك بسلاح حديث يليق بحماية مدنيي دارفور.
اكتفى مجلس الأمن ببعثة ذات طابع أفريقي لأنها «أرخص ما في السوق».
استمع هذا المجلس العجيب إلى إحاطة إعلامية من وكيل الأمين العام لعمليات حفظ السلام «جان ماري غينو» في 27 من سبتمبر (أيلول) 2007، عن «ثغرات خطيرة» تواجه البعثة، فقبل بدء المهمة كانت «يوناميد» تفتقر للنقل الجوي وقدرة التنقل والرصد، وتعاني عراقيل تضعها الحكومة السودانية التي رفضت انتشار وحدات من بعض الدول غير الأفريقية من تايلاند، ونيبال وشمال أوروبا.
وشكك غينو في التزام وتعاون الحكومة بنشر القوات بسرعة وفعالية، فهي تعرقل التراخيص، بل وصادرت معدات اتصال لعدة أسابيع، وقدمت مقترحات جديدة وصفها غينو بأنها ستجعل عمل البعثة مستحيلا، تتضمن السماح للحكومة بتعطيل شبكة اتصالات البعثة حال قيامها بـ«عمليات أمنية». بعد أسبوع على انتشار «يوناميد» 31 ديسمبر (كانون الأول) 2007، أطلقت القوات السودانية النار على قافلة تموين تابعة لها، أصيب سائق سوداني بجراح فسكت المجلس، مما شجع الحكومة والتمرد على الاعتداء على المدنيين وحفظة السلام الذين أصبحوا عرضة للقتل والجرح والإهانة بدلا من حماية المدنيين، أمرهم مجلس الأمن باستعمال القوة ولم يمنحهم القوة، فهم أقل عددا وتدريبا وعتادا من مهاجميهم، تائهون بين احترام البلد المضيف، وحتمية الصمود لهجمات جنوده ومتمرديه.
* إذا كانت البعثة تتستر على عمليات القوات الحكومية وميليشياتها ضد أهل دارفور، لماذا تتستر على عمليات ضد قواتها، هذا مخالف لطبيعة الأشياء..؟
- دعني أسألك بدوري، هل تظن أن الحكومة السودانية كانت لتسمح لـ«محمد بن شمباس» بارتداء قبعتين «قبعة رئيس البعثة والوسيط المشترك للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي في عملية السلام»، لو تجرأ وأفصح للعالم، أن القوات السودانية هاجمت حفظة السلام يومي 18 و19 أبريل (نيسان) 2013 في مدينة مهاجرية، وقتلت جنديا نيجيريا وجرحت اثنين آخرين؟
لا أحد يملك الجواب عن أسباب التستر عن مأساة المدنيين في دارفور إلا المتسترون أنفسهم، وهم الآن يتمادون في صمتهم.
* لماذا تقدمت باستقالتك من البعثة..؟ أما كان من الأجدر أن تواصلي عملك، لتكشفي ما يحدث للعالم من خلال موقعك؟
- قبل أن أكشف للعالم ما يجري في دارفور كان علي أن أكتشفه أولا، ثم أستوعبه وأوثقه، وصلت دارفور 16 أغسطس (آب) 2012، وكنت منكرة لحقيقة الحرب، ومقتنعة أن الصحافة الغربية ضخمت أزمة دارفور لتغطية جرائم بوش وحلفائه في العراق، ولتلفق للعرب والمسلمين جرائم بشعة.
صدقت أول تصريح لرئيس لبعثة الـ«يوناميد» رودولف أدادا صيف 2009 بأن الحرب في دارفور انتهت، وصفقت لـ«اتفاقية الدوحة للسلام»، وقبلت بمنصب الناطقة الرسمية باسم البعثة، لأني مؤمنة بأني سأتحدث عن السلام والاستقرار والتنمية، ثم بدأت أكتشف أني أصبحت الناطقة باسم «البعثة الصامتة» على الفشل وعلى جرائم يندى لها الجبين.
استعصى علي تقبل فكرة أن السودانيين يقتلون بعضهم بشراسة، ويحرقون قرى بأكملها، ويعتدون على المدنيين، ويغتصبون نساء وفتيات بشكل ممنهج، ويقترفون من العنف ما يستعصي وصفه.
قبل أن أكشف للإعلام ما يجري في دارفور المنسية كان علي كشفه لنفسي، كنت صدقت الصورة الوردية التي رسمتها تقارير البعثة، و«هراء» تقارير بان كي مون، وصمت الوكالات الأممية عن انتهاكات إنسانية أهل دارفور.
فور وصولي سألت أحد قادة البعثة عن سبب عدم رصد ورفع تقارير عن هجوم القوات الحكومية على أربع قرى في منطقة «طويلة» بين 24 و27 أغسطس 2012، فأجابني ببساطة: «كما تعلمين فإنه يتعين علينا أحيانا أن نتصرف كالدبلوماسيين، لا يمكننا أن نقول كل ما نشاهده في دارفور». هزني هذا التصريح وهز ثقتي بتقارير البعثة، حتى باحت لي السيدة «عايشتو منداودو» التي تولت قيادة البعثة لفترة انتقالية في مراسلة إلكترونية بـ«أن كل المعلومات الصادرة عن البعثة تتعرض للتلاعب والتحوير»، وعن معركتها ضد «شخصين أو ثلاثة أشخاص اختطفوا البعثة»، لتحقيق أجندات أخرى لا تتعلق بولاية البعثة وحماية المدنيين.
لقد صدمني الاعتراف الخطير، وزعزعتني نظرية العمى الدبلوماسي، فلوحت باستقالتي منذ شهر أكتوبر (تشرين الأول)، عقب السكوت المتعمد عن مجزرة «هشابة» في سبتمبر 2012، راح ضحيتها ما يناهز 100 مدني، بقصف الطيران الحكومي، وهجوم قوات حكومية معها «جنجويدها» حسب الخطة المعهودة في مثل هذه الهجمات محكمة التنسيق.
طلبت من البعثة إصدار بيان عن الحادثة التي وقعت خلال غياب السيدة عايشتو، فرفضوا وماطلوا إلى أن نسي الإعلام قصة هشابة، بعد حادثة الهجوم على قرية «سجيلي».
لم تكن هذه المرة الأولى أو الأخيرة التي اصطدم فيها مع جهاز الرقابة والصمت المحكمين، حاولت جاهدة إحداث تغيير في السياسة الإعلامية داخل البعثة، لتقول ما ترى وما تعرف، لكن القيود والعراقيل كانت أقوى مني بكثير ومن السيدة عايشتو نفسها.
كل أسبوع أخوض معركة من أجل بيان صحافي، وللحصول على تقرير أو على معلومة لتمليكها للإعلام ولتوثيقها، وطلب فتح تحقيق في كل هذه الانتهاكات الأممية لاحقا.
ثمانية أشهر من التخبط أنهكت قواي حتى قدمت استقالتي في 4 أبريل 2013 إلى السيد ابن شمباس، بعد أن علمت بأن جنود البعثة لم يقوموا بأدنى جهد لمنع متمردي حركة تحرير السودان - فصيل عبد الواحد من اختطاف واحتجاز 31 نازحا ونازحة تحت حراستهم، وهم يتجهون لحضور مؤتمر نيالا يوم 24 مارس (آذار) 2013.
حينذاك انعدمت ثقتي بالبعثة بشكل مطلق، ولم يبق لي إلا التفكير في كيفية فتح تحقيق في كل هذه المخالفات لسياسة الأمم المتحدة الإعلامية، التي توصي بالشفافية والصدق في التعامل مع الإعلام والرأي العام بشكل عام.
* لماذا صمت عن كل ما ذكرت أثناء وجودك في وظيفتك؟
- لم يكن بإمكاني أو بالأحرى، لم أكن أملك الشجاعة للبوح بأن البعثة تتستر على فشلها في حماية المدنيين وجرائم ضدهم، وضد جنودها أثناء عملي، لأني سأعرض نفسي لخطر أكيد، سيما وأني تعرضت لمضايقات بلغت حد التلويح بالتهديدات، كان همي توثيق ما يثبت الاتهام الخطير، والدفع بتحقيق أممي.
قد تتذكر حالة الحزن والخوف والغضب التي كانت تنتابني حين طلبت لقاءك، وأنا على وشك مغادرة الخرطوم، لكي أخبرك بأن القوات الحكومية كانت وراء الهجوم الذي أسفر عن مقتل جندي من جنود الـ«يوناميد» في «مهاجرية».
كنت خائفة وظل ذاك الخوف ينتابني لشهور، كنت مثل «المرأة المعنفة» فهي قد تحتاج لسنوات لكي تتحرر من أثر الصدمة والخوف، لكن هذا الشعور لم يمنعني من أن أدلي بتصريحات للصحافة بالخرطوم، معلنة عن استقالتي احتجاجا على السياسة الإعلامية للبعثة.
كان أملي أن تعير إدارة حفظ السلام في نيويورك بعض الاهتمام لتصريحاتي، سيما بعد أن قدمت تقرير عن نهاية مهمتي في 11 مايو (أيار) 2012، وطلبت فيه نظر انتهاكات البعثة للسياسة الإعلامية.
فلم يتصل بي أحد، لذا طلبت في 30 أغسطس تحقيقا رسميا من مكتب خدمات الرقابة الداخلية في الأمم المتحدة، وباءت المحاولة بالفشل. وواصلت الحديث مع الإعلام الدولي خاصة الهولندي والفرنسي، وقلت إن الأمم المتحدة لا تقول الحقيقة، عن حرب اتسعت رقعتها وتعقدت طبيعتها وانتشر سلاحها.
أعترف أن صوتي كان خافتا، إلى أن تأكدت أن الأمم المتحدة لن تحقق في فشلها الذي يدفع ثمنه أهل دارفور، وأدركت أن الطريقة الوحيدة لتسليط الضوء على هذه الكارثة هو أن أجعل الصحافة تقوم بدورها.
هذه هي القصة وراء استقالتي والذي وصفته مجلة «فورن بوليسي» بأكبر تسريب لوثائق «سرية جدا» في تاريخ الأمم المتحدة.
* هل أنت غاضبة لأنك اضطررت للاستقالة، لذلك تشنين حملة على «الجمل بما حمل»؟
- لم يجبرني أحد على الاستقالة، بل ووصف تقييم أدائي المهني خلال فترة عملي في البعثة بأنه «يتجاوز التوقعات»، قرار استقالتي كان صعبا، ليس للتخلي عن عمل هام وراتب لم أكن أحلم به، وامتيازات دبلوماسية وحياة رفاهية، بل التخلي عن الأمم المتحدة التي خذلتني وخذلت أهل دارفور، فكان من الواجب أن أخذلها. حين قررت فتح ملفاتها للغرباء، انتابني إحساس بأني خنت عائلتي وانقلبت على أسرتي وعضضت اليد التي أطعمتني، وأن مصيري سيكون هو الوحدة والخجل، لذلك لم أشعر بالغضب بقدر ما شعرت بالحزن والخوف، لأن أكبر تسريب لم ينجح في تسليط الضوء على معاناة أهل دارفور، ولم ينجح في الدفع قدما للبحث عن المسؤولين ومحاسبتهم، ولتقييم تداعياته على مدني دارفور وفرص السلام الضائعة، وإخراج الأمم المتحدة من صمتها بحجة أنها لا تعلق عن التسريب.
أنا لا أريد إخراج البعثة من السودان، بل إصلاح ما يمكن إصلاحه، فمادام القصف والهجوم على المدنيين مستمرا، فإن مقرات البعثة أصبحت الملجأ لآلاف المحتمين، وخروج البعثة يعرضهم لهجمات أكبر، لن يجدوا مكانا يحتمون به.
* ذكرت في مقابلة أن الاتفاقية الموقعة بين الحكومة و«يوناميد» نصت على أن البعثة تحت حماية الحكومة، هل هذا أمر جديد؟
- بموجب البندين 48 و49 من الاتفاقية بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والسودان، بشأن العملية الهجين في فبراير (شباط) 2008، تلتزم الحكومة بتوفير الأمن والحماية لـ«يوناميد» وأعضائها وموظفيها ومعداتها، ولم تلتزم الخرطوم بذلك، بل مارست قواتها وجنودها ضد البعثة وموظفيها كل أنواع الإهانة والترهيب والاعتداء، أليس عبثيا أن جنود البعثة المكلفين بحماية المدنيين من الحكومة، وفي نفس الوقت فإن الحكومة مكلفة بحماية الجنود أنفسهم، وتشكل أكبر خطر عليهم؟ الجديد هو وجوب إعادة قراءة نص الاتفاقية الذي لا يتماشى مع الحرب التي زج بجنود البعثة بها تحت شعار «بعثة حفظ السلام».
* قلت إن المنظمة الدولية، والأمين العام بان كي مون وإدارة حفظ السلام، ووكالات تابعة للأمم المتحدة عاملة في السودان، كلهم متواطئون مع حكومة الخرطوم، أليس في الأمر بعض المبالغة؟
- المبالغة موجودة في مدى هذا التواطؤ بما يرضي رغبة الحكومة والفصائل المتمردة على حساب المدنيين، فمحو كلمة «الجنجويد» من التقارير الأممية تواطؤ.. عدم دق ناقوس الخطر تجاه تصعيد القصف الجوي العشوائي تواطؤ.. التراجع عن رفع تقارير انتهاكات حقوق الإنسان في دارفور منذ نهاية 2009 تواطؤ.. السكوت الواسع عن الاغتصاب الممنهج تواطؤ.. الامتناع عن تسمية الجناة بأسمائهم تواطؤ، وهو ليس تقصيرا دبلوماسيا بل رضوخ لجهة ما.
* ما دور الحركات الدارفورية المسلحة في تأزيم الوضع، وهل تمارس هي الأخرى، انتهاكات واضحة، وهو الاتهام الذي ظلت تدمغهم به الخرطوم دوما، حسب متابعاتك ما مدى صحة المزاعم الحكومية؟
- تكمن مأساة دارفور في أنه حتى الفصائل المتمردة التي تدعي بأنها حملت السلاح للدفاع عن مصالح أهل دارفور، في الحقيقة ترتكب جرائم بحق المدنيين، مارست الحركات اعتداءات جسدية وعمليات نهب وسلب لممتلكات واختطاف واحتجاز لمدنيين بدعوى أنهم موالون للحكومة.
الأمر الأخطر في نظري، أن وجود الحركات أو شنها لهجوم على القوات الحكومية قرب قرى المدنيين، يعرضها لعقاب جماعي من الحكومة، تحت الزعم أنهم متواطئون مع المتمردين، لذا فبعض الفصائل متهمة بجرائم حرب.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.