أنجيلا ميركل تعزز «أجواء الثقة» داخل حزبها

مع إعادة انتخابها تعد بمزيد من التشدد ضد اللاجئين والمسلمين

أمام حشد من كوادر الحزب الديمقراطي المسيحي قالت المستشارة الألمانية وزعيمة الحزب إن «ما حصل في صيف 2015 لن يتكرر» (إ.ب.أ)
أمام حشد من كوادر الحزب الديمقراطي المسيحي قالت المستشارة الألمانية وزعيمة الحزب إن «ما حصل في صيف 2015 لن يتكرر» (إ.ب.أ)
TT

أنجيلا ميركل تعزز «أجواء الثقة» داخل حزبها

أمام حشد من كوادر الحزب الديمقراطي المسيحي قالت المستشارة الألمانية وزعيمة الحزب إن «ما حصل في صيف 2015 لن يتكرر» (إ.ب.أ)
أمام حشد من كوادر الحزب الديمقراطي المسيحي قالت المستشارة الألمانية وزعيمة الحزب إن «ما حصل في صيف 2015 لن يتكرر» (إ.ب.أ)

أعيد انتخاب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل كزعيمة للحزب الديمقراطي المسيحي في مؤتمر الحزب السنوي الذي انعقد أمس الثلاثاء في مدينة ايسن. وكما هو متوقع نالت ميركل ثقة 89.5 في المائة من ممثلي الحزب في المؤتمر الذي حضره نحو 1000 مندوب.
وشكرت ميركل المندوبين على ثقتهم، وعبرت عن سعادتها بإعادة انتخابها على المحافظين، رغم أن ما حققته من نسبة هو الأسوأ في تاريخها الحزبي كزعيمة لوسط الديمقراطيين المسيحيين منذ 16 سنة.
وفي كلمتها الافتتاحية، أمام حشد من كوادر الحزب الديمقراطي المسيحي، قالت المستشارة الألمانية وزعيمة الحزب، أن «ما حصل في صيف 2015 لن يتكرر». وهي إشارة واضحة إلى سياسة الباب المفتوح أمام موجات اللاجئين التي دفعت نحو 850 ألفًا منهم إلى ألمانيا في ذلك العام.
وعللت المستشارة تلك السياسة بالإشارة إلى الحالة الإنسانية الطارئة التي ولدتها الحروب والإرهاب، وأضافت مطمئنة معارضي سياستها داخل الحزب «ليس كل الذين أتوا سيبقون أو يستطيعون أن يبقوا.. هذا كان هدفنا، وهو الآن هدفي السياسي». وتلقت المستشارة تصفيقًا حادًا من المندوبين بعد أن أطلقت هذه التصريحات في خطبتها التي دامت 80 دقيقة. وبعد أن رفضت ميركل طوال السنوات الماضية الاحتذاء بالمثل الفرنسي والبلجيكي في قضية حظر الحجاب، تحدثت المستشارة أمام مؤتمر حزبها في مدينة ايسن يوم أمس الثلاثاء، لأول مرة عن ضرورة حظر الحجاب. وواضح أنها تستجيب هنا لضغوطات اليمين المتطرف المعادي للديمقراطية والإسلام، الذي ألحق بالحزب الديمقراطي المسيحي خسارات انتخابية فادحة في 5 ولايات. وقالت المستشارة «الجاري لدينا هنا هو الكشف عن الوجه، ولهذا لا يمكن السماح بالتحجب الكامل. ولا بد أن يحظر، حيثما أمكن». وأطلقت الصحافة الألمانية على مؤتمر الحزب في ايسن «مؤتمر إعادة أجواء الثقة» ومؤتمر «إعادة الانتخاب» و«مؤتمر المصالحة»، بواقع أن المستشارة «الأبدية» تنتظر انتخابها مجددًا لقيادة الحزب في المؤتمر، وتأكيد الموافقة على ترشيحها لأربع سنوات أخرى في مركز المستشارية. وهكذا لا تجد المستشارة طريقًا لإعادة أجواء الثقة بغير التراجع بخطوات عن السياسة التي زعزعت هذه الثقة، وهي سياسة الحكومة تجاه اللاجئين.
ومن جديد، كان المنتظر أن يعاد انتخاب ميركل مجددًا لزعامة الحزب بنسبة تزيد على 90 في المائة، ويعتقد الكثير من المحللين السياسيين أن نسبة تقل عن 90 في المائة ستعني هزيمة معنوية صغيرة للمستشارة. إذ تربعت ميركل على عرش الحزب منذ سنة 2000. وأعيد انتخابها في هذا المنصب 9 مرات. وانتخبت في ثماني مرات منها بنسبة تزيد على 90 في المائة و3 مرات بنسبة تزيد على 95 في المائة. وهذه نتائج لم يحققها من المستشارين الاشتراكيين غير الزعيم الأشهر فيلي براندت.
وبحسب تصريحاتها، والمقابلات التي منحتها، ستبني المستشارة دعايتها الانتخابية المقبلة على قضايا تخفيف عبء الضرائب على ضعيفي الموارد، وتحسين أوضاع المتقاعدين، إلا أنه يخشى أن تكون سياسة «تطفيش» اللاجئين، وسياسة اصطياد ناخبي اليمين المتطرف بالمزيد من التشدد ضد المهاجرين والمسلمين، عماد هذه الحملة. وربما لن تجد ميركل دعاية انتخابية أخرى بديلة إذا ركز اليمين المتطرف في حملته على تأجيج الناخبين ضد اللاجئين والمسلمين.
ولا يتوقع أحد أن يرفع الحزب الديمقراطي المسيحي شعارات مناهضة للأجانب والمسلمين، وإنما إقرار المزيد من القوانين والإجراءات التي تبقي طالبي اللجوء خارج الحدود الألمانية. وكمثل تشن الحكومة حاليًا، وبهدوء، أكبر حملة تهجير للاجئين الذين رفضت طلبات لجوئهم. ويخطط الحزب لحملات تسفير جماعية لطالبي اللجوء من أفغانستان رغم الوضع الأمني المتدهور هناك، بل ويخطط لإعادة تسفير المرضى منهم أيضًا. ومن المتوقع أن يمرر الحزب قرارًا يسمح بترحيل السوريين أيضًا إلى البلدان التي جاءوا منها أو إلى مناطق آمنة مزعومة داخل سوريا.
وكما هو متوقع أيضًا لم ترتفع في المؤتمر أي أصوات معارضة تذكر، وإذا صدرت فإنها تكون قد صدرت عن المستوى الثالث من قيادات الحزب في المدن، وقالت إحدى مندوبات الحزب من ولاية بادن فورتمبيرغ: «إن ما خسره الحزب في الأشهر الـ15 الأخيرة، لن ينجح في استعادته بعد الآن». واتهمت المتحدثة ميركل بانتهاج سياسية إلى يسار الحزب أدت إلى تقوية حزب البديل لألمانيا الشعبوي. إلا أن مثل هذه الاعتراضات لم تكن أكثر من سعلة صغيرة داخل جوق المصفقين الكبير. وتبدو الصورة أكثر وضوحًا عن حال الحزب تحت قيادة ميركل، وهي ذات الحال إبان قيادة المستشار العجوز السابق هيلموت كول، إذ لم يظهر في المؤتمر أي منافس للمستشارة على قيادة الحزب.

المنعطفات الرئيسية في مسيرة ميركل:
* شهدت مسيرة أنجيلا ميركل التي من المقرر أن وافق حزبها على ترشحها لولاية جديدة عام 2017، لحظات حاسمة منذ بدء حياتها السياسية في أعقاب سقوط الستار الحديدي.
- بعد سقوط جدار برلين في 9 نوفمبر (تشرين الثاني) 1989 أصبحت ميركل، الباحثة في أكاديمية العلوم في برلين الشرقية، نائبة المتحدث باسم آخر حكومة في ألمانيا الشرقية قبل انتخابها لعضوية البرلمان في ديسمبر (كانون الأول) 1990 تحت راية الحزب الديمقراطي المسيحي.
- ضمها «مستشار التوحيد» هيلموت كول إلى حكومته عام 1991، كوزيرة للمرأة في أول الأمر (حتى عام 1994) ومن ثم البيئة (حتى عام 1998).
- وارتقت ميركل، التي لقبها كول بـ«الطفلة» كما جاء في القائمة التي أعدتها الوكالة الفرنسية، إلى صفوف حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي. وتقلدت زمام الأمور في حزب المحافظين في العاشر من أبريل (نيسان) 2000.
- بعد خمس سنوات، في 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2005، أصبحت أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة الألمانية بعد مفاوضات طويلة لتشكيل تحالف مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي.
- في مارس (آذار) 2010، أعلن نهاية المفاعلات النووية في ألمانيا بحلول عام 2022، في تحول دراماتيكي عن سياستها مرتبط بكارثة فوكوشيما في اليابان التي بثت الذعر في أوصال الرأي العام الألماني.
في موازاة ذلك واعتبارا من عام 2010، بدأت ميركل بالتشدد عندما كان الأمر يتعلق بإنقاذ اليونان التي كانت على شفير الإفلاس، ولم توافق على تدابير الإنقاذ إلا مقابل إجراءات تقشف صارمة.
- في نهاية صيف عام 2015، قررت فتح أبواب ألمانيا أمام مئات الآلاف من اللاجئين الفارين من النزاع ولا سيما في سوريا والعراق.
وبسبب تصرفها الأحادي الجانب دون التشاور مع شركائها الأوروبيين باستثناء النمسا، أثارت غضب الكثير من هؤلاء الشركاء.
- بعد انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة الشهر الماضي، أشادت بها بعض وسائل الإعلام، وخصوصا الأنجلوساكسونية واعتبرتها «زعيمة العالم الحر».
- في 20 نوفمبر، أعلنت أنها ستترشح لولاية رابعة في منصب المستشارية عام 2017، وستحاول بالتالي التعادل أو حتى الفوز بأطول مدة في المستشارية مع اثنين من الشخصيات التاريخية في ألمانيا ما بعد الحرب، كونراد أديناور وهيلموت كول.



أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.