زعيم دعاة مقاطعة انتخابات الجزائر: لدينا أدلة بالصور على تزوير نسبة المشاركة

رئيس «حركة السلم» قال لـ {الشرق الأوسط} إن المعارضة ستتقوى في المرحلة المقبلة وأي انفلات أمني يحدث سببه النظام

مقري أثناء الحوار الذي أجرته معه «الشرق الأوسط» في مكتبه بالعاصمة الجزائرية أمس
مقري أثناء الحوار الذي أجرته معه «الشرق الأوسط» في مكتبه بالعاصمة الجزائرية أمس
TT

زعيم دعاة مقاطعة انتخابات الجزائر: لدينا أدلة بالصور على تزوير نسبة المشاركة

مقري أثناء الحوار الذي أجرته معه «الشرق الأوسط» في مكتبه بالعاصمة الجزائرية أمس
مقري أثناء الحوار الذي أجرته معه «الشرق الأوسط» في مكتبه بالعاصمة الجزائرية أمس

برز عبد الرزاق مقري كسياسي معارض لنظام الحكم في الجزائر منذ فترة التسعينات من القرن الماضي عندما كان يشغل مناصب قيادية في حركة المجتمع الإسلامي (التي غيرت اسمها إلى حركة مجتمع السلم لاحقا) بزعامة الراحل الشيخ محفوظ نحناح. يحمل مقري (54 عاما) في الأصل شهادة دكتوراه في الطب، وهي مهنة زاولها في مسقط رأسه بولاية المسيلة إلى غاية عام 1997 عندما جرى انتخابه عضوا في البرلمان الجزائري. وبعد عشر سنوات على تجربته البرلمانية رفض إعادة ترشحه لعضوية المجلس الشعبي الوطني في استحقاق 2007، حسبما صرح للصحافة حينها. وبعد خروجه من البرلمان برز أكثر كنائب لرئيس حركة مجتمع السلم، وجرى تجديد انتخابه في المنصب لمدة خمس سنوات أخرى خلال المؤتمر الوطني للحركة عام 2008، وكان يمثل خلال تلك الفترة وجهة النظر المتشددة داخل الحركة. والعام الماضي، جرى انتخابه على رأس حركة مجتمع السلم خلفا لأبو جرة سلطاني. ويتردد على نظام واسع أن مقري لعب بعد تسلمه قيادة الحركة دورا رئيسا في فك الارتباط الذي استمر بينها وبين السلطة لأكثر من 15 سنة. ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية التي جرت أول من أمس، اتخذت حركة مجتمع السلم بزعامة مقري قرارا بمقاطعة الاقتراع، وهو الخيار الذي انتهجه لاحقا عدد من الأحزاب والشخصيات الوطنية. وبذلك، بات مقري أحد أهم دعاة مقاطعة انتخابات الرئاسة لعام 2014. ومعروف أن دعاة مقاطعة الانتخابات شكلوا تنسيقية فيما بينهم نظمت تجمعات تدعو المواطنين لعدم التوجه لمراكز الاقتراع. التقته «الشرق الأوسط» في مكتبه بالعاصمة وأجرت معه حوارا ذكر فيه أن الحركة التي يتزعمها تملك أدلة بالصور على تزوير السلطات لنسبة المشاركة في الاقتراع. كما قال إن المعارضة أعدت خططا من شأنها تقوية جبهتها وطرح مشروع للانتقال الديمقراطي والسعي لإقناع السلطة بالانخراط فيه. وفيما يلي نص الحوار:
* تزعمتم حملة مقاطعة الانتخابات الرئاسية وفي الأخير أظهرت النتيجة أن نسبة المشاركة بلغت نحو 51 في المائة، فهل يمكن القول إنكم خسرتم الرهان؟
- أتعجب لقولكم إننا خسرنا الرهان. السلطات أعلنت عن نسبة مشاركة بـ51 في المائة رغم التزوير والتضخيم الذي نملك حوله أدلة بالصور. مكاتب الاقتراع كانت فارغة، والأرقام التي قدمتها «وزارة الداخلية» غير منطقية. السلطة قالت إن نسبة المشاركة بلغت في العاشرة صباحا 9 في المائة، ما يعني أنه خلال ساعتين منذ بدء الاقتراع توجه نحو مليوني شخص لمراكز التصويت. هذه أعداد ضخمة لم نلاحظها. الجهاز الذي شكلناه لمتابعة المشاركة قدر الرقم الحقيقي عند وقت إغلاق مكاتب الاقتراع بما بين 18 و20 في المائة. ثم حتى لو سلمنا بنسبة 51 في المائة الرسمية، وقارناها بالانتخابات الماضية التي بلغت نسبة المشاركة فيها 74 في المائة، فهذا يعني أن الرقم تقلص بالربع، وهذا دليل على نجاح الدعوة للمقاطعة.
* إذن أنتم تتهمون السلطة بالتزوير. فهل لديكم أدلة على ذلك؟
- ما يهمنا نحن في هذه الانتخابات تحديدا هو نسبة المشاركة، أما التزوير فيتحدث عنه المرشح علي بن فليس الذي ذاق المرارة في هذا الاستحقاق. نحن لدينا أدلة على تزوير نسبة المشاركة، لدينا شهود حدوث عمليات تصويت بدل أشخاص غائبين. النتيجة ضخمت ولدينا أدلة وصور على ذلك.
* هل قاطعتم هذه الانتخابات بسبب مشاركة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة؟
- لم نقاطع من أجل بوتفليقة. قرار المقاطعة اتخذناه قبل ترشح الرئيس.
* ما سبب مقاطعتكم إذن؟
- لأن الانتخابات لا تمثل فرصة للتغيير والإصلاح السياسي.
* هل تعنون بذلك هذه الانتخابات أم كل الانتخابات التي جرت وتجري؟
- الانتخابات الماضية كانت كلها فرصا ضائعة. حاولنا على مدى السنوات الماضية أن نغير من خلال المشاركة، لكن هذه المرة تعيش الجزائر وضعا صعبا. الميزان التجاري في تراجع بنسبة 53 في المائة، وإنتاج النفط في تناقص، والواردات في ارتفاع، كما أن الوضع الاقتصادي مرهون بالمحروقات. نظام الحكم لم يستطع مواجهة المطالب الاجتماعية رغم البحبوحة المالية (في السنوات الماضية) فكيف ونحن الآن أمام انتهاء مرحلة البحبوحة المالية، كما أن هناك صراعات كبيرة داخل نظام الحكم. نحن قدرنا أننا لو شاركنا في هذه الانتخابات التي تعد المنافسة فيها على شخص واحد (فإن الأمر لا يفيد). لو كانت انتخابات تشريعية فربما تغير الأمر على اعتبار أنها فرصة للوجود في البرلمان. لكن عندما كانت المنافسة على شخص واحد تكون له كل الصلاحيات، أردنا عدم إعطاء مصداقية لهذه الانتخابات.
* هل يمكن القول إن بوتفليقة فاز لأن المعارضة تشتت بين من نافسوه ومن قاطعوا الاقتراع؟
- المعارضة لم تتشتت. الأحزاب القوية المعروفة كلها قاطعت الاقتراع، وهذا يشمل أحزاب التيار الإسلامي والتيار العلماني والشخصيات المعروفة في التيار الوطني. قائمة المقاطعين شملت حركتنا (حركة مجتمع السلم) وحركة النهضة وجبهة العدالة والتنمية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وجبهة القوى الاشتراكية وقيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ. كما أن رئيس الحكومة الأسبق مولود حمروش والرئيس السابق ليامين زروال قاطعا. كل الأحزاب والشخصيات القوية التي صنعت التاريخ السياسي المعاصر للجزائر قاطعت.
* هناك الآن حراك شعبي يتظاهر في الشارع ضد فترة رابعة للرئيس بوتفليقة. هل تؤيدون هذا الحراك؟
- الصدام في الشارع ليس خيارنا، لكننا نرى أن تنظيم مسيرات في الشارع يكلفه القانون والدستور والأعراف الدولية. يجب على نظام الحكم أن يسمح بالمسيرات ولا يعتقل من يختارون هذا الأسلوب للتعبير عن رؤاهم. القمع الذي تمارسه السلطات ضد من يريدون التظاهر هو الذي يؤدي إلى الانزلاق (الانفلات) الأمني.
* ما بدائلكم السياسية في المرحلة المقبلة بعد اتجاه بوتفليقة للفوز بفترة رابعة؟
- نحن لم نكن نرى أن هذه الانتخابات تمثل شيئا، ولذلك أعلنا عن بديل قبل الانتخابات، هو العمل لتوسيع جبهة المعارضة من أجل الذهاب إلى ندوة الانتقال الديمقراطي. لقد بلورنا هذا الموضوع على مستوى الأحزاب والشخصيات المقاطعة، وشكلنا لجانا للتحضير للندوة. والآن سنشتغل أيضا مع كل الذين خابت آمالهم وكانوا يعتقدون أن هذه الانتخابات تمثل فرصة للتغيير. إذا قبلت السلطة اقتراحات المعارضة القوية المتجذرة في المجتمع فإن الانتقال الديمقراطي سيسهل، أما إذا لم تقبل فإن هذه الأحزاب ستستمر في ممارسة الضغط السياسي السلمي، وإذا حدث أي شيء في البلد فإن الذي يتحمله هو النظام لا المعارضة.
* متى ستعقد هذه الندوة؟ ومن الذي بادر بإطلاقها؟
- كثير من الأحزاب كانت لها فكرة الانتقال الديمقراطي، وجرت بلورة كل هذه المقترحات في تنسيقية الأحزاب والشخصيات المقاطعة للانتخابات. نحن شكلنا لجنة من 18 شخصا بدأت الإعداد للمشروع وتحديد المحاور الكبرى للندوة التي ستعقد خلال الأسابيع المقبلة. هناك اتصالات بالكثير من الأحزاب التي قدمت موافقتها على الانضمام للجبهة العريضة. حتى الاسم سيتغير من تنسيقية مقاطع الانتخابات الرئاسية إلى التنسيقية من أجل الانتقال الديمقراطي.
* هل تتوقعون أن تسمح لكم السلطات بعقد الندوة؟
- لن تستطيع السلطات منعنا، فنحن أحزاب قانونية وهذا لا يعد مشكلة. المشكلة المطروحة هو ما إذا كانت السلطة ستقبل التعاون مع مقترحاتنا من أجل الانتقال الديمقراطي أما أنها ستواصل تعنتها ويصير المشكل بينها وبين الشعب الجزائري.
* هل تتوقعون صداما سياسيا بينكم وبين السلطة في المرحلة المقبلة؟
- نحن لا ندعو إلى الصدام السياسي وإنما للعمل السياسي ونمارس الأدوار المعروفة في علم السياسة. نحن نمارس الضغط السياسي على السلطة وفقا لما يسمح به الدستور والأعراف الدولية.
* أشرتم كما أشار سياسيون آخرون كثيرون إلى فكرة المرحلة الانتقالية. ماذا تعنون بذلك؟
- هناك أوجه للانتقال الديمقراطي. الأول تعتمده السلطة عندما تحدث أزمة عبر منحها بعض الأحزاب حقائب في الحكومة وبعض المناصب ويتحول الأمر لعمل سياسي عبثي، وهذا لا نقبله. والثاني هو لجوء المعارضة للعمل بعيدا عن السلطة ومحاولتها بناء مؤسسات لوحدها وهذا أيضا لا نقبله لأنه لا يأتي بنتيجة. أما الطريق الذي اخترناه فهو أن نقوي جبهة المعارضة ونصوغ معا داخل المعارضة مشروعا متكاملا للانتقال الديمقراطي ثم ندخل في حوار مع السلطة من أجل أن تكون طرفا في الانتقال الديمقراطي. إذا قبلت السلطة فذلك ما نريد وإذا رفضت نستمر في الضغط السياسي ويكون حليفنا في هذه الحالة الشعب الجزائري التواق للتغيير.
* يبدو خطكم السياسي الآن مغايرا عما كان عليه وقت مؤسس الحركة الراحل الشيخ محفوظ نحناح.
- هو ليس مغايرا لخط الشيخ نحناح. فالشيخ نحناح كان قبل عام 1996 معارضا، وشارك في انتخابات الرئاسة عام 1995 كمرشح معارض، ودخل السجن عام 1974 من أجل المعارضة.
* لكنه اختار خلال الأزمة السياسية في التسعينات المشاركة في العمل مع نظام الحكم.
- المرحلة كانت تقتضي ذلك، والسياسة ليست قواعد جامدة. المنهج الذي يتبناه الشيخ نحناح وبنيناه جميعا معا، هو منهج الاعتدال الذي يجعل صاحبه تارة في الحكومة وتارة في المعارضة. ثم العمل السياسي مجال اجتهادات.
* تبدو الأحزاب الإسلامية منقسمة.. ألا توجد مساع للوحدة بينها خصوصا تلك التي كانت مرتبطة بحركة الشيخ نحناح؟
- نعم هناك مساع جادة وتشكلت لجان متخصصة لهذا الغرض.
* من يمثل حركة الإخوان المسلمين في الجزائر؟
- اسأل الإخوان في مصر. نحن أحزاب وطنية تعمل ضمن القانون الجزائري وليس لنا انتماء لأي جهة خارجية سواء كانت إخوانا مسلمين أو غير إخوان مسلمين.
* هل يمكن أن نرى السيد مقري مرشحا رئاسيا يوما ما؟
- لكل مرحلة ظروفها وملابساتها، ومؤسسات الحركة هي التي تتخذ مثل هذه القرارات.



لقاحات الأطفال تقود طبيباً يمنياً إلى معتقلات الحوثيين

عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
TT

لقاحات الأطفال تقود طبيباً يمنياً إلى معتقلات الحوثيين

عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)

في ديسمبر (كانون الأول) 2024، وبعد 6 أشهر من إخفائه لدى مخابرات الجماعة الحوثية، تلقت زوجة الطبيب اليمني علي المضواحي أول اتصال منه. لم يكن الاتصال عادياً، إذ جاء بعد أشهر من الغموض والقلق، ومن دون أن تعرف الأسرة مكان احتجازه أو ظروفه.

كانت الزوجة قد أمضت تلك الأشهر في محاولة معرفة مصير زوجها، عبر التواصل مع جهاز الأمن والمخابرات التابع للجماعة، من دون الحصول على معلومات واضحة. ثم بدأت، بعد ذلك، اتصالات متقطعة وقصيرة، لم تكن كافية لتبديد مخاوفها أو معرفة ما يجري معه.

لكن الاتصال الأخير، قبل أيام، حمل تفاصيل أشد قسوة. فقد أبلغ الطبيب زوجته، وفق روايتها، أنه أمضى نحو 16 شهراً في معتقل تحت الأرض، وأنه تعرض في إحدى المرات للتعصيب وتقييد اليدين، كما تعرض للضغط خلال التحقيق لإجباره على الاعتراف بأنه «جاسوس» جندته «منظمة الصحة العالمية».

وبعد أكثر من 800 يوم على اعتقاله، انتقلت قضية المضواحي إلى المحكمة الجزائية المختصة بقضايا الإرهاب وأمن الدولة التي يديرها الحوثيون، وسط مخاوف أسرته من تعرضه لعقوبة قاسية.

المضواحي مع طفلته قبل اعتقاله من قبل الحوثيين (إعلام محلي)

وكان آخر ما تعرفه أسرة المضواحي بعد اعتقاله في مايو (أيار) 2024 أنه محتجز لدى الحوثيين. مرت الأيام والأسابيع والشهور من دون معلومات واضحة عن مكانه أو حالته الصحية، بينما واصلت زوجته محاولة الوصول إلى أي معلومة عبر الأجهزة التابعة للجماعة.

وبعد نحو 6 أشهر، جاء الاتصال الأول. كان صوت زوجها على الطرف الآخر، لكن المكالمة كانت قصيرة ومحدودة، قبل أن تتكرر الاتصالات على فترات متباعدة.

وتقول الزوجة إنها تعمدت طيلة تلك الفترة عدم نشر تفاصيل عن احتجازه، أملاً في أن يساعد الصمت على إطلاق سراحه وعودته إلى أسرته. لكنها قررت هذه المرة الحديث عن معاناته؛ بناء على طلبه، مؤكدة أن ما ترويه «مؤلم»، لكنها تريد أن يعرف الناس ظروف احتجازه.

وفي إحدى المكالمات، تمكن المضواحي، وفق رواية زوجته، من الحديث معها باللغة الإنجليزية بعيداً عن مراقبة الحراس، وأبلغها بأنه احتُجز في زنزانة تحت الأرض لأكثر من 16 شهراً.

زنزانة تحت الأرض

قال الطبيب، وفقاً لما نقلته عنه زوجته، إنه تعرض للتعذيب والضغط لإجباره على الإدلاء باعترافات يريدها المحققون الحوثيون، مضيفاً أن التحقيقات ركزت على اتهامه بالتجسس والعمل لمصلحة «منظمة الصحة العالمية».

لكن القضية التي أثارت غضبه، وفق روايته، كانت مطالبة المحققين له بالاعتراف بأن اللقاحات التي تُقدَّم للأطفال دون الخامسة ليست برامج صحية، وإنما «أدوات جاسوسية». ويقول المضواحي إنه رفض الاعتراف بذلك.

ووفق روايته، فقد عُرض عليه خلال التحقيق خياران: إما التعاون مع المحققين والعودة إلى حياته الطبيعية، وإما البقاء في السجن سنوات قبل أن يتمكن من مقابلة محامٍ أو الوصول إلى النيابة.

المضواحي رفض عرضاً حوثياً للإفراج عنه مقابل التصريح بأن اللقاحات «مؤامرة صهيونية» (إعلام محلي)

وقال إنه اختار الخيار الثاني عندما طُلب منه الاعتراف بأنه جُند من قبل «منظمة الصحة العالمية» للإضرار باليمن. لكنه أُبلغ، وفق روايته، بأن فترة السجن لن تكون 4 أو 5 سنوات، وإنما قد تمتد إلى عشرات السنين.

ويقول الطبيب إن ذلك جعله يشعر بأنه لم يكن أمام خيار حقيقي، وإنه تعرض بعد اعتقاله للتعذيب لإجباره على قول ما يريده المحققون.

اللقاحات تتحول تهمة

قبل احتجازه، كان المضواحي طبيباً يعمل في وزارة الصحة والسكان اليمنية ومسؤولاً عن الإعلام الصحي فيها، وارتبط عمله بملفات الصحة العامة وبرامج التحصين، التي يقول إنه دافع عن استمرارها لحماية الأطفال من الأمراض.

ووفق روايته، فقد تحولت مواقفه المهنية المتعلقة باللقاحات جزءاً من التحقيق معه، بعدما جرى التعامل معها على أنها ملف أمني.

مليون طفل في اليمن لا يحصلون على أي من اللقاحات الروتينية (إعلام محلي)

وبالنسبة إلى طبيب قضى سنوات في المجال الصحي، لم تكن اللقاحات قضية سياسية، إنما جزء من مسؤوليته المهنية تجاه الأطفال والمجتمع. لكن داخل الزنزانة، كما يقول، طُلب منه أن يقرّ بأنها أدوات للتجسس، وهو ما رفضه.

وكان الثمن، وفق روايته، استمرار احتجازه ثم إحالته إلى المحاكمة، في وقت ينتظر فيه عقوبة يقول مقربون منه إنها قد تكون قاسية، قياساً إلى قضايا سابقة أحيل فيها متهمون إلى المحكمة ذاتها.

ومن أكثر ما بقي في ذاكرته من جلسات التحقيق، وفق ما نقلته زوجته، أنه طلب من المحققين دليلاً على اتهامه بالتجسس. وكان الرد، كما يقول: «من أنت حتى تطلب دليلاً؟».

ويقول المضواحي إنه تساءل كيف يمكن أن تجري العدالة من دون دليل، وكيف يمكن بناء قضية على اعترافات يقول إنه أُجبر عليها.

ومن زنزانته، وجه رسالة إلى زعيم الحوثيين، مستشهداً فيها بآيات قرآنية عن التثبت والعدل، ومطالباً بالنظر في قضيته وقضايا آخرين يقول إنهم تعرضوا للظروف نفسها.

الحوثيون يمنعون حملات التطعيم رغم عودة أمراض الطفولة القاتلة (إعلام محلي)

وتأتي قضية المضواحي في وقت تزداد فيه المخاوف من انعكاسات القيود المفروضة على برامج التحصين في المناطق الخاضعة للحوثيين، مع عودة ظهور بعض الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات.

وفي بلد أنهكته الحرب، يبقى بعض القصص بعيداً عن أرقام المعارك والضحايا؛ قصص تبدأ من منزل ينتظر عودة أحد أفراده، وتنتهي بسؤال أوسع: متى يعود آلاف المدنيين المعتقلين لدى الحوثيين إلى بيوتهم؟


«نسور الحضارة»... دفعة جديدة للعلاقات العسكرية بين مصر والصين

جانب من فعاليات تدريب نسور الحضارة 2025 (المتحدث العسكري)
جانب من فعاليات تدريب نسور الحضارة 2025 (المتحدث العسكري)
TT

«نسور الحضارة»... دفعة جديدة للعلاقات العسكرية بين مصر والصين

جانب من فعاليات تدريب نسور الحضارة 2025 (المتحدث العسكري)
جانب من فعاليات تدريب نسور الحضارة 2025 (المتحدث العسكري)

تدخل العلاقات العسكرية المصرية الصينية مرحلة جديدة من التعاون، مع انطلاق فعاليات التدريب الجوي المشترك «نسور الحضارة 2026»، وسط توترات تشهدها المنطقة.

وتلك المناورة الثانية من نوعها خلال عامين بين مصر والصين، وتعد بمثابة دفعة جديدة للعلاقات العسكرية بين البلدين، وفق ما يرى خبير عسكري واستراتيجي مصري، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، معتقداً أنها قد تمتد إلى تعاون عسكري أوسع لاحقاً في إطار تنويع مصر مصادر التصنيع العسكري.

ومساء السبت، أعلن الجيش المصري، في بيان، انطلاق فعاليات التدريب الجوي المصري الصيني المشترك «نسور الحضارة 2026»، بمشاركة عدد من الطائرات المقاتلة متعددة المهام من طرازات مختلفة، لافتاً إلى أن التدريبات تُنفذ على مدار عدة أيام في عدد من القواعد الجوية داخل مصر، ضمن النسخة الثانية من المناورات بين البلدين.

فعاليات تدريب نسور الحضارة 2025 (المتحدث العسكري)

وتشمل المراحل الأولى من التدريب مجموعة من المحاضرات النظرية والعملية، بهدف توحيد المفاهيم القتالية بين الجانبين، إلى جانب تنفيذ طلعات جوية مشتركة والتدريب على أعمال التخطيط وإدارة العمليات الجوية المشتركة.

وتستهدف التدريبات تبادل الخبرات وتطوير مهارات القوات المشاركة، ضمن خطة التدريبات المشتركة التي تنفذها القوات المسلحة المصرية مع نظيراتها من الدول الشقيقة والصديقة، بهدف دعم وتعزيز علاقات التعاون في مختلف المجالات العسكرية، حسب البيان المصري.

وفي 14 أغسطس (آب) الحالي، قال المتحدث باسم وزارة الدفاع الوطني الصينية، تشن شي، في مؤتمر صحافي، إن تلك المناورات ستختتم أوائل سبتمبر (أيلول) المقبل، لافتاً إلى أنها ثاني تدريب مشترك بين القوات الجوية في البلدين.

وحسب المتحدث الصيني، ستركز المناورات على تكتيكات القتال الجوي، وعمليات التفوق الجوي، وعمليات البحث والإنقاذ القتالية، فضلاً عن تدريبات على توظيف القوات، مؤكداً أن التدريب المشترك سيواصل تعزيز الثقة المتبادلة والصداقة التقليدية، ويعمق التعاون العملي بين الجيشين، ويسهم في تحقيق السلام والاستقرار على الصعيد الإقليمي.

وكانت النسخة الأولى في أبريل (نيسان) 2025، تحت اسم «نسور الحضارة 2025»، وقد أجريت في إحدى القواعد الجوية المصرية بمشاركة عدد من الطائرات المقاتلة متعددة المهام من طرازات مختلفة.

دفعة للعلاقات العسكرية

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي، اللواء سمير فرج، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا التدريب يسهم بشكل مباشر في تعزيز العلاقات العسكرية بين البلدين، مؤكداً أن استمرار انعقاد نسخ «نسور الحضارة» يعكس نجاح التدريب الأول، خصوصاً أن وصول طائرات صينية إلى مصر لإجراء تدريب مشترك دليل على أن بكين تحقق استفادة كبيرة جداً من هذا التعاون.

وشدد فرج على ضرورة وضع هذا التعاون في إطاره الطبيعي، باعتباره ضمن سياق العلاقات العسكرية المصرية مع مختلف دول العالم، قائلاً: «يجب ألا نحمّل هذا التدريب أكثر من حجمه، فمصر معروفة بتنوع علاقاتها، وهي أكثر دولة في العالم تجري تدريبات مشتركة، حيث نستفيد نحن وتستفيد الدول الأخرى أيضاً».

تعاون يتسع

وسبق أن كان التعاون العسكري الصيني المصري مسار قلق إسرائيلي، وفي فبراير (شباط) 2025، تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن مخاوف حادة لدى الأجهزة الأمنية في إسرائيل من حصول مصر على مقاتلات صينية من طراز J-10C مزودة بصواريخ جو- جو بعيدة المدى.

وقالت المصادر العبرية وقتها، إن ما يقلق إسرائيل ليس الطائرة المقاتلة الصينية، بل الصاروخ الصيني جو-جو بعيد المدى، وهو سلاح لم تمتلكه القوات الجوية المصرية من قبل، حيث ستسمح هذه الصواريخ للقوات الجوية المصرية بمحاولة ضرب الطائرات الإسرائيلية حتى دون أن تكون في مجال رؤيتها.

تلا ذلك حديث مجلة ناشونال إنترست الأميركية، في ديسمبر (كانون الأول)، عن أن مصر لجأت إلى الصين لصُنع أسطول متطوّر من الطائرات المسيّرة، في خطوة تهدف إلى مواجهة تصرفات إسرائيل العدوانية على حدودها الشرقية.

وحول ما يثار عن ارتباط هذه المناورات بصفقات تسليح معينة، أشار فرج إلى أن الحديث عن شراء طائرات من طراز جي 10 أو غيرها أمر يقع خارج نطاق المناورة الحالية، مؤكداً أن «المناورة ليست لها علاقة بهذا الأمر».

ولفت إلى أن العلاقات العسكرية المصرية الصينية تتجه نحو مزيد من الشراكة الأكبر، لا سيما في ظل التعاون القائم في مجال الطائرات المسيرة التي يتم تصنيعها محلياً في مصر، مؤكداً أن هناك مزيداً من التعاون العسكري في مجال التدريب المشترك، وفي مجال التصنيع الحربي المشترك.

وعلاقات مصر والصين لها تاريخ قديم، وفي مايو (أيار) الماضي، احتفلت مصر والصين بالذكرى السبعين لتأسيس علاقاتهما الدبلوماسية، التي انطلقت في 30 مايو 1956، حين بادرت مصر إلى أن تكون أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات رسمية مع الصين.

وأعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني شي جينبينغ، في بكين، في مايو 2024 تدشين عام «الشراكة المصرية – الصينية» بمناسبة مرور 10 سنوات على إطلاق «الشراكة الاستراتيجية الشاملة».


«انشقاقات» عسكرية تضرب «أرض الصومال» وتهدد نفوذه

منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة «أرض الصومال» وأكبر مدنها (أ.ف.ب)
منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة «أرض الصومال» وأكبر مدنها (أ.ف.ب)
TT

«انشقاقات» عسكرية تضرب «أرض الصومال» وتهدد نفوذه

منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة «أرض الصومال» وأكبر مدنها (أ.ف.ب)
منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة «أرض الصومال» وأكبر مدنها (أ.ف.ب)

وسط مساعٍ حثيثة لنزع اعتراف دولي، مبني على اعتراف إسرائيلي «مستهجن إقليمياً»، يواجه إقليم «أرض الصومال» الانفصالي «انشقاقات» عسكرية متصاعدة باتت تهدد استقرار قواته، لصالح الجيش الفيدرالي الصومالي.

وقال العقيد علي أحمد إسماعيل، المعروف بـ«أشكاتو»، والمنشق مؤخراً، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، إن قوات الإقليم الانفصالي «لم يعد لديها أي تمثيل عسكري محلي من أبناء مناطق سول وسناغ وتوغدير»، المتنازع عليها مع ولاية «الشمال الشرقي».

العقيد أشكاتو مع جنوده (مقطع من فيديو يتحدث فيه إلى قواته)

وتشكلت «ولاية شمال شرقي الصومال»، قبل نحو عام فقط، وتطالب ببعض المناطق الشرقية من «أرض الصومال».

ووفق أشكاتو، فإن «الوحدة العسكرية التي كان يقودها كانت آخر قوة من أبناء تلك المناطق داخل قوات الإقليم قبل انتقالها إلى صفوف الجيش الفيدرالي الصومالي».

وأوضح أشكاتو أن «الانشقاق لم يكن مجرد انتقال محدود لعدد من الجنود، بل جاء نتيجة اختيارهم الوقوف إلى جانب سكان مناطقهم وعائلاتهم»، مضيفاً: «كنا آخر فصيل متبقياً لدى أرض الصومال من محافظات المنطقة الشمالية الشرقية... واخترنا أن نوحد صفوفنا مع عائلاتنا وأهلنا في منطقتنا، وننضم إلى الشمال الشرقي».

من رأى ليس كمن سمع!

وفي ردّه على تقارير قلّلت من حجم القوات المنشقة، قال إن «أهمية الخطوة لا تقاس بعدد الأفراد المنشقين». وأضاف قائلاً: «ليس الخبر كالمعاينة، ومن رأى ليس كمن سمع!».

وكشف النقاب عن أن أفراد وحدته أنهوا إجراءات التسجيل والدمج ضمن قوات الجيش الصومالي، قائلاً إنهم «سُجلوا في تعداد الجيش، ومررنا جميعاً للتنظيم، وانضممنا إلى الجيش الفيدرالي كوحدة نظامية»، لافتاً إلى أن «الجزء المتبقي سيجري تسجيله لاحقاً».

وأضاف: «لم يتبقَ في أرض الصومال أي تمثيل عسكري أو وجود عسكري لمناطقنا، كنت آخر وحدة موجودة معهم، واخترت الشمال الشرقي».

وميّز بين وجود قوات «أرض الصومال» في مناطقها التقليدية وبين قدرتها على تمثيل أو السيطرة على المناطق التي ينتمي إليها.

امتداد المجتمعات المحلية

وتعود جذور التوتر في محافظات سول وسناغ وأجزاء من توغدير (منطقة عَين)، حيث يدعى «إقليم أرض الصومال» سيطرته على هذه المناطق، ضمن حدود محمية الصومال البريطانية السابقة التي أعلنت استقلالها عام 1991. أما ولاية شمال شرقي الصومال، التي تطورت محلياً واعترفت بها الحكومة الفيدرالية العام الماضي، فتراها امتداداً لمجتمعاتها المحلية، خاصة عشيرة الدولباهانتي.

وبعد قتال عنيف عام 2023، انسحبت قوات الإقليم من لاسعانود ومناطق واسعة من سول، وبقيت خطوط التماس متوترة في سناغ ومحيط بوهودلي، حيث شهدت المنطقة منذ ذلك الحين انشقاقات متبادلة على المستويين السياسي والعسكري.

ونفى أشكاتو أي علاقة مباشرة بين قرار انشقاقه والتطبيع مع إسرائيل، موضحاً: «ليست هناك علاقة مباشرة بين قراري والتطبيع مع إسرائيل». وأضاف: «لكن لن يكون هناك تطبيع في شمال شرقي الصومال مع أي جهة لا نريدها».

إسرائيل... وزيارة واشنطن

وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أعلنت إسرائيل اعترافها باستقلال الإقليم، لتصبح بذلك أول دولة عضو في الأمم المتحدة تقدم على هذه الخطوة، حيث تم تبادل السفراء وفتح سفارة لأرض الصومال في القدس، وزيارة رسمية لرئيس الإقليم إلى إسرائيل في يونيو (حزيران) الماضي.

ورغم أن الاعتراف الإسرائيلي شكّل اختراقاً دبلوماسياً مهماً للإقليم، فإنه لم يسفر حتى الآن عن موجة اعترافات دولية.

وبحسب تقارير محلية، فإنه من المزمع أن يتوجه رئيس أرض الصومال، عبد الرحمن محمد عبد الله (عرو)، إلى العاصمة الأميركية واشنطن الشهر المقبل، ضمن وفد كبير يهدف إلى تعزيز فرص الاعتراف الأميركي بالإقليم.

وحاول العقيد أشكاتو تقديم انشقاقه باعتباره قراراً سياسياً واجتماعياً مرتبطاً بالانتماء إلى سكان المنطقة، قائلاً إن «أبناء مناطق سول وسناغ اختاروا بناء كيانهم السياسي الخاص»، داعياً أي شخصيات أو أفراد ما زالوا يتلقون رواتب من هياكل تابعة لأرض الصومال إلى الانضمام إلى ولاية شمال شرقي الصومال.

وبينما رحّبت ولاية شمال شرقي الصومال بالخطوة، لم يصدر عن سلطات أرض الصومال أي موقف رسمي حتى الآن. وبحسب رواية أشكاتو، فإن «الانشقاق قد يمثل أكثر من مجرد خسارة عسكرية محدودة، وقد يكون مؤشراً على مشكلة أعمق تواجه أرض الصومال في الشرق، ومدى قدرتها على الاحتفاظ بنفوذها في مناطق متنازع عليها من دون قاعدة محلية عسكرية وسياسية تستطيع الاعتماد عليها».