المعارضة تصد هجومًا حاشدًا لمقاتلين إيرانيين في حلب الشرقية

ارتفاع الخسائر الروسية بالعتاد والأرواح في سوريا

جندي روسي في حي الفرقان بحلب أمس يتفحص الدمار الذي لحق بمركز طبي روسي تقول موسكو إن المعارضة هي التي استهدفته (أ.ف.ب)
جندي روسي في حي الفرقان بحلب أمس يتفحص الدمار الذي لحق بمركز طبي روسي تقول موسكو إن المعارضة هي التي استهدفته (أ.ف.ب)
TT

المعارضة تصد هجومًا حاشدًا لمقاتلين إيرانيين في حلب الشرقية

جندي روسي في حي الفرقان بحلب أمس يتفحص الدمار الذي لحق بمركز طبي روسي تقول موسكو إن المعارضة هي التي استهدفته (أ.ف.ب)
جندي روسي في حي الفرقان بحلب أمس يتفحص الدمار الذي لحق بمركز طبي روسي تقول موسكو إن المعارضة هي التي استهدفته (أ.ف.ب)

صدّت فصائل المعارضة السورية يوم أمس، أكثر من هجوم شنته قوات النظام السوري وحلفائه لتوسيع منطقة سيطرتهم في أحياء حلب الشرقية المحاصرة، وقد تمكنت في أكثر من جبهة من استعادة زمام المبادرة من خلال السيطرة على مناطق كانت قد خسرتها الأسبوع الماضي، في وقت ارتفعت فيه حصيلة الخسائر الروسية بالعتاد والأرواح في سوريا.
وقال عمار سقار، الناطق العسكري لـ«تجمع فاستقم»، إن «النظام السوري والروس والإيرانيون أعدوا يوم أمس حشدا ضخما لاقتحام القسم الغربي من الأحياء الشرقية وبالتحديد حي الإذاعة وجب الجلبي، إلا أن قوات المعارضة تصدت لهم وكبدتهم خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد»، مشيرا في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن القوات المُهاجمة كانت في معظمها إيرانية وليست سورية. وأضاف: «كما تمكنا من توثيق وجود لجنود روس في الميدان، إلا أنهم لم يكونوا من المقاتلين بل شاركوا بإدارة خط العمليات الخلفي».
ونقلت وكالة الأنباء الألمانية عن قائد عسكري في «جيش حلب»، تأكيده «استعادة السيطرة على مستشفى العيون في حي قاضي عسكر بعد اشتباكات عنيفة مع قوات النظام، كما استعادة أحياء الميسر وكرم الطراب والقاطرجي»، لافتا إلى أن «أكثر من 20 عنصرا من قوات النظام قتلوا في تفجير بحي الميسر، كما قتل أكثر من 15 آخرين في المعارك قرب مستشفى العيون وحيي كرم الطراب والقاطرجي، إضافة إلى أسر مجموعة أخرى من قوات النظام».
بالمقابل، تحدثت وكالة «سبوتنيك» الروسية عن «مواصلة قوات النظام السوري وحلفائه تقدمها على حساب فصائل المعارضة المسلحة في مدينة حلب شمالي سوريا»، مشيرة إلى سيطرتها على مزيد من الأحياء شرق المدينة، بعد معارك عنيفة بين الجانبين، وسط ضربات جوية روسية - سورية. وقال مصدر عسكري ميداني للوكالة الروسية، إن قوات النظام «سيطرت على حيي القاطرجي، وكرم الطحان، ومنطقة مشفى العيون التي كانت تعتبر أهم مقرات (جبهة فتح الشام) ومقرًا للهيئة الشرعية في حلب». وبحسب المصدر، فإن المعارك تدور حاليًا نحو محيط حي الشعار، في محاولة من قبل قوات الجيش للسيطرة عليه، لافتًا إلى «انحسار نقاط سيطرة فصائل المعارضة المسلحة داخل مدينة حلب إلى أحياء صغيرة بعد أن كانت تسيطر على ما يزيد من 60 في المائة من مدينة حلب».
وارتفعت حصيلة الخسائر الروسية بالعتاد والأرواح في سوريا، إذ أعلنت وزارة الدفاع الروسية نهار أمس، أن مقاتلة من طراز «سو – 33» سقطت في البحر، وذلك أثناء محاولة الهبوط عند عودتها من مهام في سوريا، حيث تجاوزت المدرج وهوت في البحر، بينما تمكن الطيار من القفز بالمظلة، وتم إنقاذه. وهذه هي المقاتلة الثانية التي تسقط وتتدمر أثناء الهبوط على مدرج حاملة الطائرات الروسية الوحيدة «الأدميرال كوزنيتسوف». وفي منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) سقطت مقاتلة من طراز «ميغ29» في البحر أثناء هبوطها على ذلك المدرج. أما بشريا فقد أكدت وزارة الدفاع الروسية مصرع طبيبة وممرضة من الطاقم الطبي العامل في المستشفى العسكري الروسي الذي وصل مؤخرا إلى حلب. وحسب قول إيغور كوناشينكوف، المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع الروسية، فإن قذائف هاون أصابت قسم المراجعات في المستشفى في منتصف نهار أمس، حيث سقطت الطبيبة نتيجة القصف، بينما فارقت الممرضة الحياة متأثرة بجراحها، و«يعمل الأطباء حاليا على إنقاذ طبيب آخر جراحه خطيرة»، حسب قول كوناشينكوف الذي حمل المعارضة السورية المسؤولية عن ذلك القصف، مشيرًا إلى أن «جبهة النصرة» محاصرة في منطقة جنوب حلب ولا يمكنها توجيه ضربات دقيقة مثل تلك، داعيا المجتمع الدولي إلى إدانة استهداف الطاقم الطبي و«إنزال العقاب المناسب بالمنفذين».
وتدخل المحادثات التي تجريها المعارضة السورية مع موسكو في أنقرة برعاية تركية أسبوعها الثاني، من دون أي اتفاق يوقف العمليات العسكرية على أحياء حلب الشرقية الواقعة تحت سلطة فصائل المعارضة.
ورغم إعلان فشل مباحثات أنقرة بشكل غير رسمي، سواء عبر استمرار المجازر واستخدام سياسية الأرض المحروقة في شمال حلب، تستمر المفاوضات غير المباشرة بين المعارضة والروس، باعتبار أن نجاح الجانب التركي بانتزاع موافقة روسية على وقف العمليات العسكرية وإدخال المساعدات للأحياء المحاصرة، وإدارة مناطق سيطرة المعارضة من قبل المجلس المحلي لشرق حلب، يمثل مصلحة تركية أساسها حماية حياة من تبقى من المدنيين الأحياء، والحؤول دون احتلال الميليشيات الطائفية لهذه المدينة الاستراتيجية.
وقال لافروف في مؤتمر صحافي عقده أمس، إن «تلك الجماعات المسلحة التي ترفض مغادرة شرق حلب ستعتبر إرهابية، وسنعاملها على هذا الأساس كجماعات إرهابية وسندعم عملية الجيش السوري ضد هذه الفرق الإجرامية»، مشيرًا إلى أن «محادثات بين الروس والأميركيين ستجري في جنيف اليوم أو غدًا، حول خروج كل مقاتلي المعارضة من حلب».
وسرعان ما ردّت المعارضة المسلّحة على لافروف، إذ أعلن فصيلان مسلحان في حلب، رفضهما لأي اقتراح يقضي بـ«إخراج مقاتليهما من الأحياء الشرقية لمدينة حلب»، وأكدا العزم على القتال «حتى آخر نقطة دم». وقال ياسر اليوسف عضو المكتب السياسي في حركة نور الدين الزنكي، أبرز الفصائل في حلب لوكالة الصحافة الفرنسية إن «أي اقتراح بخروج مقاتلي الفصائل مرفوض». ودعا اليوسف الروس إلى «الخروج من حلب وإخراج الميليشيات الطائفية منها ومن كل سوريا، وعدم التدخل في الشأن الداخلي للسوريين». وأضاف: «لن يرحمهم التاريخ ولا الشعوب على ارتكابهم مجازر حرب وجرائم ضد الإنسانية ودعمهم لديكتاتور قاتل فاقد الشرعية».
من جهته شدد أبو عبد الرحمن الحموي من «جيش الإسلام» على أن «الثوار لن يخرجوا من شرق حلب وسيقاومون الاحتلالين الروسي والإيراني حتى آخر نقطة دم». وقال: «هذه أرضنا وأرض أجدادنا ونحن باقون فيها وسندافع عنها»، مؤكدًا أن «الثورة مستمرة حتى نفوز بحريتنا وكرامتنا وكرامة شعبنا». وأشار إلى أن «الأمر الذي نوافق عليه حصرًا، هو إدخال المساعدات الإنسانية والغذائية إلى شرق حلب وإخلاء الجرحى، وفق ما ورد في مبادرة سابقة للأمم المتحدة».
وتواصل تركيا سعيها لتقريب وجهات النظر بين المعارضة السورية والجانب الروسي حول حلب، لوقف دوامة القتل في المدينة المحاصرة، وأوضح عضو الائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة نصر الحريري في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «المفاوضات غير المباشرة القائمة بين المعارضة والروس وبرعاية تركية، تأتي في ظل انكفاء الدور الأميركي وغياب أي مبادرة دولية، وفي ظل صمت المجتمع الدولي عمّا يجري في حلب».
وقال الحريري إن تركيا «تحاول عبر هذه المفاوضات، وقف سفك الدماء وحماية المدنيين في حلب»، مشيرًا إلى أن الجانب الروسي «رفض المقترح التركي القاضي بوقف القصف وإدخال المساعدات، على أن يتولى المجلس المحلي إدارة شؤون المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة، لكن خلال الأيام الأخيرة أبدوا مرونة، في حين رفض النظام والإيرانيون هذا الطرح بشكل قطعي». ولفت إلى أن الموقف الروسي الذي صدر عن لافروف «نسف كل الآمال المعقودة على هذه المفاوضات».
ونقل موقع «الدرر الشامية» الإخباري المعارض، عن أحد أعضاء فريق التفاوض في المعارضة، أن «هناك قبولاً من الجانب الروسي بفكرة إبقاء أحياء حلب الشرقية المحاصرة تحت سيطرة الفصائل والمجلس المحلي مقابل خروج مقاتلي (جبهة فتح الشام) إلى إدلب، وسيتم السماح بإدخال المساعدات لتلك الأحياء لاحقًا»، وقال إن روسيا «مهتمة بإبراز نفسها كراعية لاتفاقيات سلام، وتبحث في الوقت ذاته عن مخرج لها يقلل من متاعبها في سوريا».
لكن عضو الائتلاف نصر الحريري، قلل من نسبة التفاؤل، وقال إن «المفاوضات فشلت بدليل موقف لافروف، لكن الأتراك يصرون على استمرارها، لأن المدنيين هم من يدفع الثمن أولاً، والأهم أن من يتقدم على الأرض هي قوات الاحتلال الإيراني والميليشيات الطائفية، ما يزيد من تعقيدات الموقف»، لافتًا إلى أن الأتراك «أبلغوا الروس عن قلقهم من الاحتلال الشيعي لمدينة حلب ذات الغالبية السنيّة، ولذلك هم مستمرون في دعم صمود الثوار».
وأضاف الحريري، أن «تركيا ككل دول الخليج العربي لا ترضى بأن تفتح الحرب السورية على صراع طائفي في المنطقة يلغي الحدود»، معتبرًا أن «احتلال ميليشيات طائفية لمدينة كبيرة مثل حلب سيؤسس لحرب طائفية في كل المنطقة»، محذرًا من أن «الجماعات المتشددة تتخذ من ممارسات الميليشيات الشيعية مادة، لاستمالة الشباب المسلم نحو التطرف».



تحركات جديدة لـ«حماس» والوسطاء لكسر جمود «اتفاق غزة»

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
TT

تحركات جديدة لـ«حماس» والوسطاء لكسر جمود «اتفاق غزة»

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)

حراك جديد يشهده مسار مفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، يقوده الوسطاء بعد اجتماعات في القاهرة لتنفيذ بنوده المتعثرة مع زيادة حدة الجمود منذ اندلاع حرب إيران.

الاجتماعات التي سوف تتجدد الأيام المقبلة في القاهرة، تهدف، حسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، لكسر جمود اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتحقيق تقدم في القضايا العالقة مثل عمل «لجنة التكنوقراط»، فضلاً عن إحراج إسرائيل وعدم السماح لها بتكريس الأمر الواقع.

وأشارت فضائية «القاهرة الإخبارية»، السبت، عن مصادر لم تسمها، إلى أن «القاهرة استضافت خلال اليومين الماضيين، مباحثات بمشاركة الوسطاء والممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، لاستكمال جهود وقف إطلاق النار في غزة».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع الممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف في 1 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وأكدت المصادر أن «أجواء إيجابية سادت المفاوضات مع إبداء جميع الأطراف الالتزام بالعمل على تنفيذ كل بنود خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن غزة»، لكنها أوضحت أن «حماس» تتمسك بتنفيذ كل مخرجات قمة شرم الشيخ وخطة الرئيس ترمب بشأن غزة.

وأضافت المصادر أن «حركة (حماس) والفصائل الفلسطينية أكدت جديتها لاستكمال خطوات تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار بغزة بكل مراحله، وهناك توافق بين جميع الأطراف على استكمال المحادثات في القاهرة، خلال الأسبوع المقبل».

جاءت تلك التأكيدات غداة حديث «حماس»، في بيان، الجمعة، أن وفدها التقى مسؤولين مصريين وممثلين عن الفصائل الفلسطينية، كما عقد لقاء مع الممثل السامي لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، بحضور وسطاء من مصر وقطر وتركيا، مؤكدة ضرورة استكمال تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق بجميع بنودها.

وأعرب وفد «حماس»، عن التزام الحركة والفصائل الفلسطينية باتفاق وقف إطلاق النار بكافة مراحله، مشيراً إلى أنه تلقَّى دعوة لاستكمال المحادثات في القاهرة خلال الأيام المقبلة.

ويرى أستاذ العلوم السياسية المحلل السياسي في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أن القاهرة حريصة على أن يبقى ملف اتفاق غزة قائماً بما لا يسمح لإسرائيل بتكريس الأمر الواقع واستمرار سيطرتها على القطاع في ظل استمرار حرب إيران، وبالتالي يحاول الوسطاء كسر جمود الاتفاق، واستمرار المحادثات حول القضايا العالقة ومنها بدء لجنة التكنوقراط عملها.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن «حماس» تدرك أن إسرائيل لن تنفذ المرحلة الثانية لأسباب عديدة، بينها التملص من الالتزامات والاستحقاقات عليها، وتريد أن تلقي بالكرة في الملعب الإسرائيلي من أجل إحراجه أمام العالم، وتقول إنها جاهزة لتنفيذ كل الاتفاق، بما يسمح بتفكيك الجمود الحالي.

فلسطينيون نازحون يتجمعون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

كان مصدر فلسطيني مقرب من «حماس» والفصائل الفلسطينية أكد لـ«الشرق الأوسط»، الجمعة، أن وفد «حماس» برئاسة خليل الحية التقى ملادينوف، وناقش معه الإطار المطروح، وما يتضمنه من ملف السلاح، بخلاف ملف دمج الموظفين في جهاز الشرطة والمؤسسات، لافتاً إلى «أن مطالب الحركة كانت خلال اللقاءات بالقاهرة واضحة، وتتمثل في انسحاب الاحتلال، ووصول قوات الاستقرار وتشكيل الشرطة، قبل الحديث عن أي تنفيذات في ملف السلاح، باعتبار أن أي شيء مخالف يعدّ مجازفة، ويفضي لفراغ أمني كبير».

وبحثت الحركة أيضاً مع الفصائل بالقاهرة ملف السلاح، والكل أجمع على أهمية تهيئة الأمور بوصول «قوات الاستقرار» وتشكيل الشرطة، بخلاف مناقشة ملف تمكين «لجنة التكنوقراط» من عملها. وأكدت «حماس» أن إسرائيل ترفض مرورها، والمشكلة لديها، وفق المصدر، الذي لفت إلى أن ردّ «حماس» النهائي لا يزال محل دراسة.

ويُعدّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ملادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام دولية وإقليمية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح».

وتقول إسرائيل إنها لن توافق على الانسحاب من غزة، ما لم يُنزع سلاح «حماس» أولاً.

ويرى نزال أن ملادينوف لا يتفاوض وإنما ينقل رسائل، لافتاً إلى أن الجميع على باب المرحلة الثانية، لكنه لن يُفتح إلا بعد إنهاء حرب إيران، وحالياً ما يتم هو تجهيز لكل الملفات لبَدْئها على الفور بعد انتهاء الأزمة الدولية.

ويعتقد فهمي أن الاجتماعات المقبلة سوف تشهد ترتيبات لتحقيق إنجاز على الأرض، لا سيما في ملف عمل «لجنة التكنوقراط».


تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
TT

تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)

تزايدت التحذيرات الدولية من تأثر اليمن بتداعيات التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، في وقت يعاني فيه بالفعل من واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، وتراجع العمل الإنساني في أجزاء واسعة من البلاد، ما قد يدفع إلى مرحلة جديدة من التدهور الاقتصادي والإنساني.

وتعكس التطورات الاقتصادية الناجمة عن العمليات العسكرية الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة ومصادر الطاقة، المخاوف المتزايدة من تأثير التوترات الإقليمية على الوضع الداخلي في اليمن، وتزيد من الضغوط على ملايين السكان الذين يعيشون أصلاً في ظروف معيشية شديدة الهشاشة.

وتشهد مدينة عدن حالة قلق بين الأهالي تظهر في تزايد الطوابير أمام محطات الوقود والغاز المنزلي، بعد سريان مخاوف من نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، ما دفع شركة النفط اليمنية إلى التأكيد على انتظام تموين كل المحطات الحكومية والخاصة بالوقود، والتحذير من الشائعات التي اتهمت جهات، لم تسمّها، بالوقوف خلفها لإثارة الفوضى.

وعلى الرغم من ثبات أسعار الوقود وتوفره، فإن مصادر محلية نقلت لـ«الشرق الأوسط»، وجود ملامح أزمة بالغاز المنزلي بدأت في الظهور من خلال تراجع المعروض منه بسبب الإقبال والزحام المتزايدين على شرائه وتخزينه، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعاره في منافذ بيع جديدة غير خاضعة للرقابة، يخشى السكان من أن تكون مقدمة لسوق سوداء.

طوابير السيارات أمام محطات الوقود في عدن قبل 5 أعوام (أ.ف.ب)

ويرى عبد الواحد العوبلي، الباحث الاقتصادي اليمني، أن تكلفة أسعار الوقود هي أكثر ما يلحق الضرر بالاقتصاد اليمني ومستوى المعيشة، وفي حال استمرار المواجهات العسكرية الحالية وتداعياتها، فإن هذه التكلفة ستزيد من الأعباء على السكان والمغتربين.

وقال العوبلي لـ«الشرق الأوسط»، إن تكلفة استيراد الوقود قبل 3 أعوام كانت تصل إلى 3 مليارات ونصف مليار دولار، وإذا استمرت الأزمة الحالية، فستكون هناك زيادة تقدر بمليار دولار، سواء في مناطق سيطرة الحكومة أو مناطق سيطرة الحوثيين، وهو ما سيدفع إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات، ويجبر المغتربين على مضاعفة تحويلاتهم إلى أقاربهم.

وحذر تقرير حديث صادر عن منظمة «ACAPS» المعنية بتنسيق وتحليل بيانات الطوارئ الإنسانية، من احتمال حدوث تصعيد خطر في اليمن على خلفية تطورات الصراع الإقليمي.

احتياجات متزايدة

بيّن التقرير الصادر في أول أيام الشهر الحالي، أن اليمن يعدّ من أكثر الدول عرضة للتأثر بالتوترات الإقليمية، خصوصاً مع احتمالية انخراط الجماعة الحوثية في النزاع بشكل يؤدي إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية داخل البلاد، وزيادة الضغوط على الأوضاع الاقتصادية والإنسانية المتدهورة، وانعدام الأمن الغذائي، وتعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الطاقة.

سكان عدن أظهروا قلقاً من عودة أزمات الوقود برغم التطمينات الحكومية (شركة النفط اليمنية)

ونبه إلى أن ذلك سينعكس مباشرة على حياة السكان، في ظل اعتماد البلاد بدرجة كبيرة على الواردات، والهشاشة الاقتصادية المزمنة.

ولمّح إلى أن التصعيد العسكري قد يعطل طرق التجارة ويزيد من تكاليف النقل والإمدادات، ويدفع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات أعلى، ويعمّق مستويات الفقر والجوع.

وحدّد 3 سيناريوهات محتملة للتطورات، تبدأ بانتهاء سريع للصراع الإقليمي مع بقاء تداعياته الاقتصادية، إلى جانب استمرار تعقيد المشهد العسكري الداخلي، وصولاً إلى سيناريو تصعيد واسع النطاق، وهو السيناريو الذي وصفه التقرير بأنه الأخطر على اليمن، حيث قد يؤدي إلى انهيار إضافي في الخدمات الأساسية واتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية بشكل كبير.

ولا تقتصر التحديات على الغذاء فقط؛ إذ حذرت منظمة «الصحة العالمية»، بدورها، من أزمة متفاقمة في القطاع الصحي، حيث يواجه عدد من المستشفيات نقصاً في الأكسجين الطبي، مع استمرار أنشطتها لتقييم احتياجات المرافق الصحية، والسعي لإنشاء محطات أكسجين وتطوير شبكات داخلية لنقله مباشرة إلى غرف المرضى، ومحاولة تفادي انهيار بعض الخدمات الطبية الحيوية.

سلاسل الإمداد إلى اليمن معرضة للخطر جراء تداعيات التصعيد العسكري الإقليمي (أرشيفية - رويترز)

كما حذّر مجلس الأمن الدولي من تدهور متسارع في الأوضاع الإنسانية في اليمن، مع استمرار الجمود السياسي وتراجع التمويل الدولي، في وقت يواجه فيه ملايين السكان ظروفاً معيشية قاسية. وزادت السيول الأخيرة من تعقيد المشهد بعد تضرر آلاف الأسر، ما دفع وكالات أممية لتقديم مساعدات طارئة لنحو 12 ألف متضرر.

انتظار التدخل الدولي

في ضوء هذه التحذيرات، جدّد برنامج الغذاء العالمي التذكير بأن اختطاف الجماعة الحوثية موظفيه، واستيلاءها على مكاتبه وأصوله، أدى إلى تراجع كبير في نطاق العمليات الإنسانية بالمناطق الخاضعة لسيطرتها خلال العام الماضي.

وأورد البرنامج في تقرير سنوي، أن بيئة العمل الإنساني أصبحت مليئة بالعقبات السياسية والأمنية، وأن احتجاز موظفي الوكالات الأممية، تسبب في تعليق كامل للأنشطة الإنسانية في تلك المناطق.

قوة أمنية حوثية أمام بوابة مقر الأمم المتحدة في صنعاء (رويترز)

واختطفت الجماعة الحوثية عشرات الموظفين المحليين العاملين في المنظمات الدولية، متسببة في عرقلة وصول المساعدات الغذائية إلى الأسر الأكثر ضعفاً، وإضعاف قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة في بلد يعتمد ملايين سكانه على المساعدات للبقاء.

وينبه إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشأن الإنساني، إلى أن برنامج الغذاء العالمي سبق وأعلن، قبل عامين، توقف أنشطته الخاصة بتوزيع الأغذية في مناطق سيطرة الحوثيين، متوقعاً استمرار بعض الأنشطة في مناطق سيطرة الحكومة، بالحدود الدنيا بسبب نقص التمويل.

ويذهب القرشي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن تراجع العمليات الإنسانية وتقلص التمويل الدولي قد يدفع الأزمة إلى مستويات أكثر خطورة، خصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين التي تضم الحجم الأكبر من المحتاجين، متوقعاً أن يكون أكثر من 23 مليون يمني لا يعرفون ما سيأكلونه في اليوم التالي.

انخراط الحوثيين في الصراع الإقليمي تهدد بزيادة تدهور معيشة اليمنيين (رويترز)

ووصف القرشي تخلي المجتمع الدولي عن اليمنيين، بأنه «وضع غير مقبول إنسانياً»، داعياً الحكومة والداعمين إلى إنجاز خطوات اقتصادية بالاعتماد على الموارد ومواجهة الفساد.

ومن كل ذلك، تبدو الأزمة الإنسانية في اليمن مرشحة لمزيد من التدهور، ما لم تتخذ خطوات دولية عاجلة لتخفيف الضغوط الاقتصادية وتعزيز العمل الإنساني، لإنهاء واحدة من أطول الأزمات الإنسانية في العالم.


صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
TT

صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)

في خطوة تعكس تحسن الأداء المؤسسي في اليمن وعودة الانخراط الدولي، أقرّ مجلس إدارة صندوق النقد الدولي نتائج مشاورات المادة الرابعة مع الحكومة الشرعية بعد توقف استمر أكثر من 11 عاماً، في تطور يعدّ مؤشراً مهماً على استعادة قنوات التعاون مع المؤسسات المالية الدولية وتعزيز الثقة بالمسار الإصلاحي الذي تتبناه الحكومة.

وأكد الصندوق في بيانه أن استئناف هذه المشاورات يعكس تحسن القدرات المؤسسية وإنتاج البيانات الاقتصادية، مشيداً بالجهود التي بذلتها السلطات اليمنية لتحقيق حد أدنى من الاستقرار الاقتصادي، رغم الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

وأشار الصندوق إلى أن الاقتصاد بدأ يُظهر بوادر تعافٍ تدريجي بعد الركود العميق الذي أعقب توقف صادرات النفط في عام 2022، مع تباطؤ وتيرة الانكماش وتراجع الضغوط المالية والخارجية.

وعلى الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، حذّر الصندوق من أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط قد تؤثر سلباً على الاقتصاد اليمني خلال العام الحالي، في ظل هشاشة الأوضاع الاقتصادية واعتماد البلاد على الواردات، ما يجعلها عرضة لتقلبات أسعار الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

وفد من البنك الدولي يشهد تدشين مشروع للمياه في عدن (إعلام حكومي)

وشدد بيان صندوق النقد على أهمية التزام الحكومة اليمنية بتعبئة الإيرادات وتعزيز الحوكمة المالية، باعتبارهما عنصرين أساسيين لضمان استمرارية تقديم الخدمات العامة الأساسية.

كما أشار إلى أن اعتماد سعر صرف قائم على السوق، إلى جانب إصلاحات قطاع الطاقة وتحسين بيئة الأعمال، تمثل ركائز رئيسية لدعم التعافي الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.

وأكد البيان أن استمرار الحوار مع الدائنين وتأمين التمويل الخارجي سيسهمان في تخفيف حدة الأزمة الاقتصادية، خصوصاً في ظل التحديات الإنسانية الحادة التي يواجهها اليمن. كما توقع أن يؤدي إعطاء الأولوية للإنفاق الأساسي إلى ضغوط مؤقتة على الميزان المالي، إلا أنه سيساعد في حماية الفئات الأكثر هشاشة.

من جانبها، رحّبت الحكومة اليمنية بإقرار نتائج المشاورات، معتبرةً أن هذه الخطوة تمثل تقديراً دولياً للإجراءات التي اتخذتها لتعزيز الانضباط المالي والشفافية ومكافحة الفساد، رغم تداعيات الحرب وتوقف صادرات النفط نتيجة الهجمات التي تنفذها الجماعة الحوثية.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة في مختلف القطاعات، والعمل بالتنسيق مع الشركاء الدوليين لتخفيف المعاناة الإنسانية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، مشيرةً إلى إقرار الموازنة العامة لعام 2026 ضمن جهود إعادة تفعيل مؤسسات الدولة.

تحديات مستمرة

على الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال التحديات التي تواجه الاقتصاد اليمني كبيرة ومعقدة، في ظل استمرار الحرب والانقسام المؤسسي وضعف الموارد المالية. وأكد صندوق النقد أن المخاطر المحيطة بالآفاق المستقبلية تظل مرتفعة، خصوصاً في ظل التطورات الإقليمية وتأثيراتها المحتملة على الاقتصاد العالمي.

وأشار إلى أن التضخم، وتذبذب أسعار الصرف، وارتفاع تكاليف الواردات، تمثل عوامل ضغط رئيسية على الاقتصاد اليمني، ما يتطلب تبني سياسات احترازية متوازنة للحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي. كما شدد على أهمية تعزيز الإيرادات غير النفطية، وتوسيع قاعدة الصادرات، خصوصاً في القطاع الزراعي.

وفي هذا السياق، توقع الصندوق أن يبدأ الاقتصاد اليمني في استعادة زخمه تدريجياً اعتباراً من عام 2027، مدفوعاً بتراجع معدلات التضخم وتحسن الدخول الحقيقية وتخفيف السياسات المالية التقشفية، إضافة إلى نمو التحويلات المالية والصادرات غير النفطية.

سياسات مرنة

أكد محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أن استئناف مشاورات المادة الرابعة يمثل عودة مهمة للتفاعل المؤسسي مع المجتمع الدولي، ويفتح آفاقاً جديدة للحصول على الدعم الفني والمالي.

وأوضح أن السياسات المالية والنقدية التي تم تبنيها خلال الفترة الماضية أسهمت في الحد من تدهور الأوضاع الاقتصادية وتهيئة أرضية أولية للتعافي، مشدداً على أن المرحلة الحالية تتطلب استمرار تبني سياسات واقعية ومتدرجة تأخذ في الاعتبار التحديات القائمة.

جانب من اجتماع وفد دولي في عدن مع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني (إعلام حكومي)

وأشار إلى أن البنك المركزي يواصل تنفيذ سياسات نقدية منضبطة ومرنة في آنٍ واحد، تهدف إلى الحفاظ على استقرار سعر الصرف والحد من التضخم، وضمان توفر السلع الأساسية، بالتنسيق مع الجهات الحكومية والشركاء الدوليين.

كما لفت إلى أن التطورات الإقليمية، خصوصاً تلك المتعلقة بأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، تمثل تحدياً إضافياً يتطلب استجابة سريعة وسياسات متوازنة لتقليل آثارها على الاقتصاد الوطني.

وشدد محافظ البنك المركزي اليمني على أن تحقيق الاستقرار الاقتصادي المستدام يظل مرهوناً بتضافر الجهود الوطنية والدعم الدولي، إضافة إلى إنهاء الحرب واستعادة مؤسسات الدولة، بما يمهد الطريق أمام مرحلة جديدة من التعافي والتنمية.