العنف والعشوائية.. السمة الجديدة لإرهاب المتطرفين

العنف والعشوائية.. السمة الجديدة لإرهاب المتطرفين

من «القاعدة».. إلى «داعش»
الاثنين - 6 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 05 ديسمبر 2016 مـ
أحد برجي مركز التجارة العالمي اللذين تعرضا لهجوم إرهابي في 11 سبتمبر من عام 2011 (غيتي)

باتت العشوائية والدمار لغة العصر، وشمل ذلك الجماعات الإرهابية التي تنحو للتخريب واستهداف الأبرياء ببطش وعنف بعيدًا عن التخطيط المدروس بعناية. ولقد أصبح الهدف المحوري إثارة الرعب وإبادة كل من يعارض فكر التنظيم، وبلغت الوحشية الحد الذي استهدف فيه الإرهاب الأطفال في المدارس، والمصلين في المساجد، والأبرياء في الملاعب الرياضية. ويعكس ذلك استراتيجية عقيمة تحمل جهلاً وقلة اكتراث في انعكاسات ذلك على الرأي العام، كون مثل هذه الهجمات العشوائية ستفضي إلى رفض المجتمعات لمنهجية هذه التنظيمات، التي تتخذ من المجتمع نفسه عدوًا لها.
الهجمات الإرهابية التي شهدناها في الآونة الأخيرة أشبه بأحداث شغب وعمليات قتل انتقامية فردية، تنافي المفهوم التقليدي للإرهاب الذي يستهدف المدنيين بأعداد كبيرة منهم من أجل التأثير على الرأي العام وتحقيق أهداف سياسية أو دينية. ويُلحظ أخيرًا تغير في هذا النمط واستهداف عسكريين بصفة فردية أو قتل عشوائي لأفراد، بما يشكل توجهًا جديدًا أكثر اضطرابًا.
ولقد حرصت التنظيمات المتطرفة الأقدم عهدًا مثل «القاعدة» على شيطنة العدو وتبرير أسباب قتله. وكان هناك نوع من الانتقائية في الهجمات الإرهابية التي تركز على نوعية اختيار الأهداف، مما يعكس استراتيجية معينة بهدف اكتساب عدد أكبر من المناصرين من خلال استهداف «الكفار» عبر هجماتها الإرهابية، والتركيز في رسالتها على مهاجمة الولايات المتحدة الأميركية وكل من يناصرها، وتعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001 أبرز مثال وأكبر عملية إرهابية تسببت بإشادة وتعاطف كثير من متابعي الحدث فور حدوثه.
حرص «القاعدة» في الوقت نفسه على كسب الرأي العام عبر إظهار نفسه كأنه أشبه بنسخة متطرفة من شخصية روبن هود نصير المستضعفين، وظهر ذلك جليًا في العراق عبر الحملات الإعلامية التي كانت تبرز ما يقوم به لإعادة بناء العراق ومساعدة أهاليه، وفي الوقت الراهن دوره في اليمن. غير أن التنظيمات المتطرفة الأحدث عهدًا تحوّلت ضاربة باستراتيجيات من سبقها عرض الحائط، إذ جعلت المجتمع بأسره عدوًا لها وضربته بهجمات لتستحيل صورة «نصير المستضعفين» إلى سفاح مختل عقليًا يبطش بالأبرياء.
إنه توجه نحو الأهداف الناعمة والأكثر سهولة دون اكتراث بالأبعاد والنتائج، مما يعكس تغييرًا جذريًا في مفهومي التطرف والإرهاب، وذلك ليس مستغربًا، سواء نتيجة ضعف التنظيمات في الفترة الأخيرة بحكم استهداف المجتمع الدولي للأماكن المحتشدة بالمتطرفين من جهة، والتشديد الأمني ووضع احترازات وقائية في كثير من الأماكن الحيوية والمزدحمة من جهة أخرى.
ومن ثم، فإن الهجمات الضخمة التي تهدف إلى قتل أعداد كبيرة من الأشخاص قد بدأت تتقلص، ليصبح التوجه صوب اختيار أهداف سهلة لا تتطلب مجهودًا كبيرًا في التخطيط، ولا أشخاصًا مدربين متمرسين، مجرد أشخاص من السهل التأثير عليهم عن بعد بتواصل من خلال العالم الإلكتروني وتحفيزهم نفسيًا وآيديولوجيًا، دون الحاجة إلى إعطاء تعليمات مباشرة لتفاصيل الهجمات. ويسهّل ذلك على التنظيمات المتطرفة التنصل من المسؤولية حيال تطرف الآخرين. خصوصًا بعد أن أصبحت مراقبة المشبوهين وتتبع حركاتهم ووسائل تواصلهم أسهل، مما قد يتسبب بالكشف عن خلايا إرهابية تخطط لعمليات إرهابية.
في الآونة الأخيرة يظهر تحفيز لدور «الذئب المنفرد»، وهو شخص واحد فقط يقوم بعملية إرهابية وحده، سواء من خلال تواصل عن بعد مع التنظيمات الإرهابية، أو مجرد تأثر بالرسائل الإعلامية للتنظيمات المتطرفة التي تعطي نصائح أو توجيهات عامة للطرق الأفضل لقتل الآخرين. وكان تنظيم داعش في الآونة الأخيرة قد ركز على حث المتطرفين على استهداف «الكفار»، ومن أشهر تلك التصريحات لقادته «دم الكافر حلال لك، فاستغلّه». وكثف التنظيم من استخدام وسائل الإعلام الإلكترونية التي تصدر بعدة لغات، والتي تعطي تعليمات محددة لطرق الاستهداف العشوائي لأي «كافر» بالطعن، وإعطاء نصائح وتعليمات حيال الأماكن الأكثر فاعلية التي يفترض طعنها في جسد الضحية لقتله، إضافة إلى التحذير من استخدام سكاكين المطبخ لعدم فاعليتها.
وتستهدف هذه النصائح «الذئب المنفرد» الذي يقوم بعمليات إرهابية وحده، سواء متأثرًا بالتنظيم عبر رسالته أو عملياته، أو بالتواصل معهم إلكترونيًا أو عبر أعضاء آخرين، وإن أصبح ذلك أقل كثيرًا بعد تضييق الخناق على المتطرفين. وبشكل عام، فإن التغيير في استراتيجيات الهجمات الإرهابية جعلها تبدو كأنها أعمال شغب أو جرائم لا تمت للإرهاب بصلة، بل تختلف جذريًا في الهجمات الإرهابية. الأمر الذي حدا بالسلطات الأمنية الأميركية وقت وقوع حادثة ولاية مينيسوتا، بالتصريح بأنها غير واثقة من ارتباط الحادثة بجماعة إرهابية. ويومذاك أقدم متطرف على طعن 8 أشخاص في مركز تجاري مما تسبب بإصابتهم بجروح. ولم يتأخر «داعش» في تبني هذا الهجوم الغريب الذي يبدو أشبه بعملية إجرامية بعيدًا عن الإرهاب.
أيضًا تبتعد العمليات الإرهابية التي شهدناها أخيرًا عما كان مألوفًا في الهجمات الإرهابية ذات الخطط المدروسة، وتميل بشكل أكبر نحو تكثيف الهجمات العنيفة العشوائية غير المدروسة، بما هو أشبه بهجوم شخص مختل غير سوي، كعملية الدهس باستخدام شاحنة في مدينة نيس بجنوب فرنسا، التي أدت إلى مقتل 84 شخصًا وإصابة الحشود بحالة هلع وفوضى. في حين تنحو عمليات أخرى نحو استهداف أشخاص معينين بأعداد قليلة، وهذا أيضًا توجه غير معتاد، كما حدث باستهداف مطبوعة «شارلي إيبدو» الفرنسية. وفي هذه الحادثة، ما كان هناك تصور لنفس الحدث في مكان آخر، يظهر اقتحام أشخاص مقنعين كأنه عملية سطو مسلح لبنك مصرفي، باستثناء أن حاملي الأسلحة ينتمون لـ«داعش»، يهدفون بإطلاقهم الرصاص على 12 ضحية في المطبوعة الانتقام للإسلام بطرقهم المتطرفة. وكما نذكر، تسببت حادثة «شارلي إيبدو» بأقوى حملات ضد الإرهاب وأوسع تضامن دولي مع ضحايا الإرهاب. وقد تكون هذه الحملات هي الأقوى على الصعيد العالمي من بعد حملات التضامن مع ضحايا الحادي عشر من سبتمبر.
أيضًا توجهت التنظيمات الإرهابية أخيرًا نحو التركيز على أهداف ناعمة جديدة، فبجانب استهداف السياح في أوروبا.. هناك استهداف للمنشآت الرياضية، والأطفال والمصلين، واستهداف فردي لرجال الأمن.
استهداف المنشآت الرياضية يشكل ابتعادًا أكبر عن نمطية الأهداف، وقد يكون ذلك في محاولة لإيجاد أماكن مستهدفة جديدة باحترازات أمنية قليلة، كما حدث في محاولة تفجير ملعب الجوهرة بمدينة جدة أثناء مباراة بين منتخبي المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، باستخدام سيارة مفخخة في مواقف الملعب. وبما أن الملعب يتسع لما يصل إلى 60 ألف متفرج كان مخططًا للعملية الإرهابية التسبب بكارثة إنسانية. وهذا الاستهداف للأنشطة الرياضية ظهر على الصعيد الدولي، فبعد استهداف أحد أكبر ملاعب العاصمة الفرنسية باريس، وجهت السلطات الأميركية تحذيرًا لوجود تهديدات من قبل إرهابيين متأثرين بتنظيم داعش، يستهدفون الملاعب الرياضية في الولايات المتحدة. وعلى أثر ذلك تم تكثيف الاحترازات الأمنية إبان اقتراب الدوري الوطني لكرة القدم الأميركية في سبتمبر 2016.
كذلك بات الاستهداف الفردي لرجال الأمن جزءًا من توجيهات «داعش»، إضافة إلى توجيه التنظيم المتطرف أعضاءه بقتل الأقارب المنتمين إلى السلك العسكري، وذلك قبل الانضمام إلى صفوف التنظيم المتطرف في مناطق الصراع. ولقد اكتشف عدد من الخلايا تنتمي لتنظيمات مختلفة في السعودية تستهدف رجال الأمن. والملاحظ عدم التركيز على شخصيات عالية الرتب، بل على أي رجل أمن لمجرد ارتدائه الزي العسكري.
إذ كشفت السلطات السعودية خلية إرهابية تتخذ من محافظة شقراء منطلقًا لأنشطتها التي تترصد رجال الأمن في كل من الرياض وتبوك والمنطقة الشرقية وتقوم بإرسال معلوماتهم بالتواصل مع تنظيم داعش في سوريا بهدف اغتيالهم، كما تعرضت إحدى دوريات الأمن التابعة لشرطة الدلم في محافظة الخرج للتفجير بعبوة ناسفة، فيما تعرضت دوريتان أخريان لتلفيات أخرى. ومن جهة أخرى، كثفت خلية إرهابية في بلدة العوامية في محافظة القطيف هجماتها على رجال الأمن، وإلى جانب عمليات السطو المسلح وأعمال الشغب والتخريب، تكررت عملية إطلاق النار على رجال الأمن واستهداف مواقع الدوريات الأمنية، وقد تم اكتشاف مصنع تجهيز قنابل المولوتوف بغرض التعرض لمسؤولي الأمن تحديدًا.
وأخيرًا، يبقى الأمر الذي يصعب استيعابه وتفهمه هو التوجه نحو قتل الأطفال والمصلين بتجرد تام من التعاطف معهم. وهنا يعتبر تنظيم بوكو حرام، الناشط في غرب أفريقيا الأشرس في تركيزه على الأطفال والمؤسسات التعليمية. وتعد عملية الاختطاف الأشهر للتنظيم هي تلك التي نفذها بتاريخ 14 أبريل (نيسان) 2014، عندما خطف ما يزيد على 200 طالبة نيجيرية تتراوح أعمارهن بين 12 و17 سنة، وتعرضن للسبي والزواج بالإكراه. كذلك أقدم على إحراق عدد كبير من المدارس النيجيرية، مما أدى إلى إغلاق عدد كبير من المؤسسات التعليمية وحرمان ما يزيد على مليون طفل نيجيري من ارتياد المدارس، وذلك حسب تقرير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف). كذلك، هذا التوجّه الشرس لم يضع حسبانًا للأماكن المقدسة وأماكن التعبد. والأمر الذي يعد غريبًا أن بعض هذه الجماعات التي تبرّر جرائمها بما تزعم أنه «تعاليم الإسلام الصحيح» لم تتردد بمهاجمة الأماكن المقدسة كما حدث قرب الحرم النبوي، أو المساجد مثل مسجد أبها لقوات الطوارئ، ومسجد القديح أثناء صلاة الجمعة ومسجد العنود في المنطقة الشرقية، ومسجد المشهد في نجران.
نحن الآن نلاحظ أن التطرف الإرهابي تحت رايات الدين المزعومة لا يكترث بسفك دماء مسلمين قرر المتطرفون تكفيرهم، كونهم لم ينضموا معهم، أو لم يؤمنوا بمفاهيمهم التي تكفّر وتقتل كل من يخالفها. إلا أن مراقبين يرون في الاستهداف العشوائي مؤشرات على ضعف هذه التنظيمات المتطرفة، سواء على صعيد استراتيجياتها بشكل عام أو على صعيد التخطيط للهجمات. وقد يعود السبب في ذلك إلى ضعف الإمكانيات الكمية والنوعية في الآونة الأخيرة، مما أجبرها على شن هجمات فردية أقرب إلى أعمال شغب وممارسات إجرامية عادية منها إلى «حرب» إرهابية ذات منظور استراتيجي.


أخبار ذات صلة



اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة