الحداثة العربية والصعود الأصولي

الحداثة العربية والصعود الأصولي

فرضيات خاطئة وتأريخ غير دقيق
الاثنين - 6 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 05 ديسمبر 2016 مـ
عربة عسكرية إسرائيلية تقل جنودا وتمر بأخرى مدمرة في صورة تعود إلى حرب الأيام الستة في حزيران 1967(غيتي)

هل فشلت الحداثة العربية وكان فشلها مبررًا وسببًا رئيسيًا لصعود الأصوليات الدينية كبديل كما يقول البعض؟ وهل انهزمت هذه الحداثة في معاركها جميعًا.. وفي تحقيق أي من وعودها سواء في الحرية أو التحرر والتحرير.. أو في تحقيق الوحدة التي كانت في خمسينات القرن الماضي «نشيد إنشاد العرب»، حسب تعبيرات منيف الرزاز حينئذ؟ فصعدت تيارات الخلافة بديلاً عنها، كما يطرح بعض المؤرخين والمنظرين في الاتجاهين؟
من يقولون بفشل الحداثة العربية، لا يقيسونها بأفكارها ولكن بارتباطات زائفة مدخولة عليها. لا يقيسونها بممثليها وأطروحاتها ومنجزاتها التي غيرت شكل المجتمع والدولة العربية بعمومها، من مدنية التعليم وإنشاء الجامعة والدفاع عن حقوق المرأة وحضورها وعملها، إلى الإصلاح السياسي والفكرة ووضع الدساتير وصناعة المؤسسات كالبرلمان واستقلال القضاء والمواطنة... إلخ.
لا يمكن أن ينكر منصف أن مثل هذه المنجزات، كانت طرحًا وقضية رئيسية عند كل ممثلي النهضة أو الحداثة العربية، منذ أن كتب رفاعة الطهطاوي عن تعليم البنات في «المرشد البنين»، وأبدى إعجابه بالدستور الفرنسي وترجم بعض أجزائه، إلى النشيد الوطني والحديث عن إخوة الوطن.. مرورا بخير الدين التونسي، ووضع أول دستور عربي في عهد الصادق باي في يناير (كانون الثاني) 1861 ميلادية وأنشئ مجلس استشاري ضم ستين عضوا، حينها رأسه خير الدين باشا نفسه.
بداية لا بد لنا من ضبط مفهومنا لـ«الحداثة العربية» التي نراها جهودًا ومسارات تجاوز التقليد الثقافي والفكري والسياسي السابق على القرن التاسع عشر. وتمثلت في جهود مختلفة وفي مجالات متعددة، من السياسة إلى الاجتماع إلى الأدب إلى الصحافة والإعلام، التي تزامن تأسيسها مع هذا التوجه.. إلى إعادة المساءلة والهوية نفسها التي أنتجت تيارات وطنية وقومية وأممية. كما أنتج سؤال التقدم نفسه الذي طرح منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر ولم ينطرح فقط مع الكتيب الشهير للأمير شكيب أرسلان «لماذا تخلف المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟» المطبوع عام 1939 ميلادية، بل تم طرح السؤال نفسه مرارا وتكرارا قبل ذلك.
ثم أن الحداثة لا تتحمل أخطاء وخطايا أنظمة شوفينية أو عسكرية أو انقلابية أو يمينية رفعت شعارات النهضة والوحدة وفشلت في تحقيق وعودها، أو خاضت معارك لم تكن مستعدة لها وحصدت هزائم لم تكن على مستوى معاركها، فليست هي الحداثة التي هزمت.
أسئلة كثيرة وإشكاليات مختلفة تحتاج للكشف والمناقشة، وتفض ضبابية الموضوع والقراءة في هذه المسألة، التي يكررها ويلح عليها الأصوليون والمتطرفون بمختلف اتجاهاتهم. ومن ثم، يحملون تيار الحداثة والتنوير العربي كل ويلات وأزمات الأمة على اختلافها، من وعد بلفور عام 1917 إلى سقوط خلافة العثمانيين عام 1924 إلى نكبات الصراع العربي الإسرائيلي، وصولا للأزمات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة.
وسنعرض فيما يلي لبعض القضايا والمسائل التي توضح وتثبت فرضيتنا لفض الاشتباك وتحقيق المناط في هذه المسألة.


في التأريخ الخاطئ للصحوة الإسلامية
يؤرخ - عند الكثيرين - لما يعرف بـ«الصحوة الإسلامية» بأنها انطلقت من شعور النكبات العربية، وخصوصا بعد النكسة والهزيمة أمام العدو الإسرائيلي عام 1967، التي عدت حينها إعلان نعي وفشل للفكرة الناصرية حينها ولوعودها بالوحدة والتحرر العربي.
وصحيح أن كثيرا من تيارات الإسلام السياسي والقتالي الأولى جددت نفسها وحضورها بعد نكسة يونيو (حزيران) 1967، وتطورت لتنتج أول تنظيمات راديكالية مسلحة قوية أواخر السبعينات تحديدا. لكن يمكن القول إن المجموعات الراديكالية التي نشأت أواخر العقد التالي - السبعينات - كانت مرتبطة بالزخم والتأثر بنجاح الثورة الخمينية الإيرانية، ومنفعلة غضبا باتفاقات السلام مع إسرائيل، فتوحدت مجموعات «الجهاد المصري» في تنظيم واحد عام 1979، إذا استثنينا حركة ك«الشبيبة المغربية» التي أسست منطلق عام 1970 حينها.
لكن كان لنكسة يونيو 1967 تأثيرها الفكري والرمزي أيضًا، حيث مثلت هزة كبيرة لتيارات اليسار وأفكاره التي كانت صاعدة في هذا الوقت في المنطقة كلها. وبدأ التوجه للالتحام بالثقافة السائدة والرهان على الأمة بديلا عن القائد الذي انتكس وفشلت وعوده وتنظيماته في تحقيق النصر. وهكذا تحول كثيرون من المفكرين والكتاب للتوفيق بينهما من جديد والبحث عن الثورة في التراث، كما فعل حسن حنفي أو الطيب تيزيني. واتجه آخرون للتوجه الإسلامي كليةً على مستوى الفكر مثل المحقق الدكتور محمد عمارة والمؤرخ الأستاذ طارق البشري، إلى الراحل محمد جلال كشك، وصولا - وإن تأخر قليلا - للأستاذ عادل حسين وغيرهم، في اتجاه جمع مقولات اليسار العربي والماركسي إلى مقولات التراث الإسلامي والانتماء لهويته ومرجعيته.
ونود أن نشير لتجربة ونكسة عربية أخرى مثلت الفشل تمخّضت أيضًا عن تيارات متطرفة وعنيفة، وهي غزو النظام البعثي للكويت عام 1990 ثم خروجه منها، بتحالف غربي عربي، ما كسر الآيديولوجية القومية الوحدوية ونهجها الاندماجي من جديد - كما يقول برنارد لويس - واستنفر بعد هزيمتها راديكالية معولمة في وجه العالم الذي بدأ يستهدفها، فنشأت تيارات وتنظيمات «القاعدة» ونشأت التنظيمات الأخرى المعولمة بعد هذا التاريخ.
ولكن لا يمكن فصل الأخيرة بالخصوص عن المسار التاريخي قبلها، والذي امتد عقدا من الزمان بين 1979 و1989 من مرحلة «الجهاد الأفغاني» الذي أعطى للعرب الأفغان فيه ثقة على مواجهة الدول الكبرى والقوى العظمى، وتحقيق إماراتهم ودولهم، وأتاح لهم خبرة من الحرب لم تكن لولا هذه المرحلة أن تكون.


تاريخ سابق للأفكار الصحوية
لكن مع التدقيق نرى أن هذا التأريخ للصحوة الإسلامية بنكسة يونيو 1967 أو غيرها، في إشارة لصعود الفكر الإسلامي، وحضوره الاجتماعي والعنيف غير صحيح. ذلك أنه موجود دائما وأبدا، في مسار العصور الحديثة عربيا وإسلاميا، لكنه كان أفرادا حينها، ولم ينتظم في تيارات وتنظيمات منظمة وهيكلية إلا مع نشأة جماعة الإخوان المسلمين عام 1928، استفادة وتأثرا بفكرة الحزب والتنظيم الحديثة، وتوفيقا مع فكرة الطريقة الصوفية القادم منها حسن البنا المؤسس للجماعة أيضًا. وهذا، خاصة بعد سعي البنا قبل ذلك بعام مع آخرين لإنشاء جمعية الشبان المسلمين عام 1927 التي كانت نخبوية محافظة في بدايتها، ضمت بقايا الحزب الوطني ورجال المجتمع، ولم تكن شعبية، كما كانت ثمة جمعيات دينية أخرى قبلها بسنوات كجمعية أنصار السنة المحمدية عام 1925 والجمعية الشرعية - التي كانت ذات ميل أشعري وشعائري - التي أسست عام 1912.
كذلك إن أي قراءة استقرائية لتفاصيل مرحلة ما قبل إنشاء الإخوان المسلمين، منذ بداية طرح فكر النهضة نفسه، وولادة «الإصلاحية الإسلامية» ممثلة بجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وتلامذتهما الذين حافظوا على اتجاههم ولم يغادروه ك«صاحب التمهيد» مصطفى عبد الرازق وشقيقه على عبد الرازق، يستحضر قوة وحضور الاتجاه التقليدي وتأثيره حينها. إذ نجح في حرمان الأخير من عالميته وطرده من هيئة كبار العلماء، وتكفيره ونزع كل شرعية عنه، حتى توقف قلمه عن الإنتاج وكان مسهبا لفترة طويلة. كما خاض التيار نفسه معركة «في الشعر الجاهلي» بعد ذلك بعام مع الدكتور طه حسين، ونجح في فرض ما أراد عليه حينها.. وكذلك مع أمثال قاسم أمين ومنصور فهمي ممن دافعوا عن حقوق المرأة، ومحمود عزمي وإسماعيل مظهر وإسماعيل أدهم والشاعر «الدارويني» العراقي الكبير جميل صدقي الزهاوي الذين دافعوا عن العقل والاستنارة، كما كان يسمى التنوير حينها.
بل كان للأفكار الأصولية حينها منابرها القوية كـ«المنار» للشيخ محمد رشيد رضا، خاصة بعد سقوط الخلافة العثمانية عام 1924، إذ تحولت منبرا للدفاع عنها حينها، بعدما كانت منبرا لإصلاحية محمد عبده الذي نشر بها تفسيره. كما كان ينشر بها أمثال قاسم أمين وأحمد لطفي السيد وغيرهم، ومجلة «الفتح» صوت جمعية الشباب المسلمين، وغيرها من المنابر.
لكن حتى هذا التاريخ، قبل ظهور تنظيمات دعوات الخلافة، كان تيار الاستنارة واتجاهاته المتنوعة قبل ثورة يوليو (تموز) 1952 موجودا وقويا وفاعلا، ويحدث تأثيراته وينجز منجزاته، ويحقق مكاسب للسياسة وللمجتمع وللمرأة وللدستورية والمواطنة في كل أنحاء المنطقة.


الحداثة العربية وتعليقات مغلوطة
حصرت الحداثة العربية خطأ فيما يسمى «العلمانية العربية» التي ظلت جزئية - بتعابير عبد الوهاب المسيري - لم تقل أبدا بالقطيعة الكلية مع الدين. وهي ليست وحدها الحداثة العربية، التي ولدت من أحضان الإصلاح الديني نفسه ومن جهود أصحاب العمائم شأن رفاعة الطهطاوي والأفغاني وعبده وغيرهم من دراسي العلوم الشرعية في الأصل. وكان سؤالها مؤسساتيًا أكثر منه سؤالا دينيا، أو سؤالا قيميا. وركزت حربها على التقليد وعلى الكراهية وعلى رفض اللحاق بالتقدم الغربي.
لقد كانت قضيتها التقدم في مختلف المجالات، سياسة واقتصادا ومجتمعا وآدابا ولم تكن قضيتها الرئيسة - وإن حضرت - نقد الدين بل نقد الفكر الديني السائد.
أيضًا تحملت الحداثة العربية عبء وفشل ما يسمى الحكومات الثورية التي حكمت في الحواضر التاريخية منذ خمسينات القرن الماضي، في مصر والشام والعراق. وسعت بشرعية من هوية وحدوية واجتماعية اشتراكية لاحتكار السلطة والتركيز على وعود التحرر والاستفادة من التناقضات الدولية في هذا الحين بين القوتين العظميين (الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي)، بعد الحرب العالمية الثانية، فنجحت في تحقيق الاستقلال الأول للوطن، إلا أنها لم تنجح في تحقيق الاستقلال الثاني للمواطن. وانقلبت بدعاوى الحرب والصراع على منجزات الحداثة السابقة على حكمها، في التعددية والحرية والقبول بالآخر والتسامح السياسي والفكري. واستعانت وتحالفت في مرحلتها الأولى في سبيل ذلك بالتيارات الأكثر شعبية، التي كانت تقليدية وتنظيمات إسلامية شأن الإخوان المسلمين في بداية ثورة يوليو 1952 في مصر. وهو ما استمر حتى صدامهما على السلطة في مارس (آذار) 1954، وأخرج الإخوان حينها أول مظاهرات عرفها العالم والتاريخ تهتف بسقوط الديمقراطية والأحزاب بالآلاف في شوارع القاهرة دعما وتمكينا لمن اصطدموا به فيما بعد.
كذلك من الأخطاء الشائعة في مثل هذه الفرضية أنها تفترض الحداثة تيارا واحدا أو اتجاها واحدا، رغم أنها نسق مفتوح ضم الكثير من التيارات والاتجاهات، حتى لا يُرفض أعداؤها أحيانا، ومن ينحرف ببعض أفكارها. وهكذا أنتجت الحداثة الغربية في القرن العشرين النازية كما خرجت من أزماتها وتموجاتها وانفتاحها اتجاهات متطرفة متعددة ليس آخرهم آلاف المقاتلين في صفوف «داعش»، فهل الحداثة الغربية مسؤولة عن ذلك؟
لا شك لا..
إن القول بفشل الحداثة العربية وكونه سببا للصعود الأصولي والمتطرف يتجاهل كذلك السياقات البنية الفكرية الأصولية المعادية لها والمعادية لكل ما هو غربي في بدايتها، وفي بعض تجلياتها، وفي إلحاحها منذ سقوط خلافة العثمانيين على مسألة الحكم ورفض التشريعات الوضعية. وهذا ما أعاق أطروحات النهضة، وحصر مفكريهم خاصة مع توظيف بعض الأنظمة التسلطية لبعض اتجاهاتها أو الأفراد القريبين منها أحيانا في مواجهته.


أخبار ذات صلة



اختيارات المحرر

فيديو