حروب عصابات وتحالف مع المتشددين.. بدائل المعارضة السورية إن تخلى ترامب عن دعمها

مسؤول أميركي: رغم البداية البطيئة لها فإنها ضغطت على الأسد ودفعته نحو التفاوض

حي الميسر في شرق حلب كما بدا أمس بعد معركة شنتها قوات النظام والميليشيات الداعمة لها ضد الفصائل المعارضة في المدينة (أ.ف.ب)
حي الميسر في شرق حلب كما بدا أمس بعد معركة شنتها قوات النظام والميليشيات الداعمة لها ضد الفصائل المعارضة في المدينة (أ.ف.ب)
TT

حروب عصابات وتحالف مع المتشددين.. بدائل المعارضة السورية إن تخلى ترامب عن دعمها

حي الميسر في شرق حلب كما بدا أمس بعد معركة شنتها قوات النظام والميليشيات الداعمة لها ضد الفصائل المعارضة في المدينة (أ.ف.ب)
حي الميسر في شرق حلب كما بدا أمس بعد معركة شنتها قوات النظام والميليشيات الداعمة لها ضد الفصائل المعارضة في المدينة (أ.ف.ب)

بعد ثلاث سنوات من شروع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في شحن مساعدات في صورة أسلحة إلى الجماعات المسلحة التي تقاتل ضد الرئيس بشار الأسد، تدفع الهزائم بميادين القتال والمخاوف من تخلي الإدارة الأميركية الجديدة بقيادة الرئيس المنتخب دونالد ترامب عنهم، فصائل المعارضة المسلحة، إلى إعادة تقييم البدائل القائمة أمامهم.
وحسبما أوضح مسؤولون أميركيون وخبراء إقليميون وعناصر من الفصائل أنفسهم، فإن البدائل تتضمن بناء تحالف أوثق مع تنظيم القاعدة وجماعات متطرفة أخرى تتميز بتسليح أفضل، والحصول على أسلحة أكثر تطورًا من دول في الخليج العربي بحيث تعوض انحسار الدعم الأميركي، واتباع أساليب حروب العصابات الأكثر تقليدية، بما في ذلك الاعتماد على القناصة والهجمات الأصغر نطاقًا، ضد أهداف للنظام وروسيا.
ويأتي هذا رغم أنه منذ أقل من عام مضى، كانت قوات المعارضة تسيطر على مساحة كبيرة من الأراضي داخل سوريا. ومنذ ذلك الحين، وفي ظل غياب دعم دولي فاعل، جرى شن ضربات جوية روسية ونظامية دون هوادة ضد مواقع المسلحين، وإلى جانبهم مدنيون أيضًا، بدعم من إيران وجماعة ما يسمى «حزب الله» وقوات ميليشيات شيعية عراقية؛ ما أدى إلى نجاح هذه الجبهة في استعادة السيطرة على الكثير من تلك الأراضي.
وجراء موجة من الهجمات القاسية على امتداد الأسابيع الثلاثة الماضية، اضطر مسلحو المعارضة إلى الانسحاب من الكثير من أجزاء بشرق حلب التي تمثل معقلهم الذي سيطروا عليه منذ عام 2012.
من جانبه، أوضح ترامب أن أولويته في سوريا تكمن في القتال المنفصل الدائر ضد تنظيم داعش، الذي من المفترض أنه في ظل الظروف المثالية يجري بالتعاون مع روسيا والأسد، بجانب حلفاء آخرين. ورغم أن الغموض لا يزال يكتنف الكثير من خططه بهذا الشأن، أعلن الرئيس المنتخب رفضه رؤية إدارة أوباما، التي ترى أن إنهاء الحرب الأهلية وإجبار الأسد على الجلوس على طاولة التفاوض، يشكلان عنصرين محوريين في الانتصار على «داعش»، ولمح ترامب إلى أنه سيحد من الدعم الأميركي الموجه إلى المسلحين السوريين.
من ناحية أخرى، فإن التخلي عن جماعات المعارضة التي دربتها وسلحتها، سيأتي بمثابة صدمة عنيفة لوكالة «وكالة الاستخبارات المركزية» في وقت تعاني بالفعل قلقا جراء ما أبداه ترامب خلال حملته الانتخابية من عدم ثقة في مستوى القدرات الاستخباراتية الأميركية.
وقال أحد المسؤولين الأميركيين الذين أجرينا معهم مقابلات ورفضوا الكشف عن هوياتهم؛ لأنه غير مصرح لهم بالحديث علانية، إنه رغم ما قدمته من بداية بطيئة وغير منظمة، فإن «المعارضة السورية نجحت في إنجاز الكثير من الأهداف التي سعت وراءها الولايات المتحدة»، بما في ذلك تطورها إلى قوة قتال جديرة بالاعتماد عليها، والتي أبدت قدرتها على الضغط على الأسد ودفعه نحو التفاوض، لولا التدخل الروسي بعمليات قصف، وتعزيز إيران وجودها البري.
وتشير تقديرات الولايات المتحدة إلى وجود 50.000 أو أكثر مما تصفهم بـ«المعارضة المعتدلة» متمركزين في محافظة إدلب الواقعة شمال غربي البلاد، وحلب وجيوب أصغر بمختلف أرجاء غرب وجنوب سوريا، وأنهم من غير المحتمل أن يتخلوا عن القتال.
في هذا الصدد، أوضح مسؤول أميركي: «أنهم يقاتلون منذ سنوات، وتمكنوا من البقاء طيلة هذه المدة. وبالتالي فإن معارضتهم الأسد لن تختفي ببساطة».
ورغم تحسن موقف المعارضة المسلحة، العام الماضي، بفضل الصواريخ المضادة للدبابات «تاو» التي قدمتها الولايات المتحدة ودول خليجية، فإن المسلحين يشتكون منذ فترة طويلة من أن المساعدات الأميركية شحيحة، وجاءت مقيدة بكثير من الشروط والمتطلبات. من جهته، رفض الرئيس أوباما إرسال أسلحة أكثر تقدمًا إلى المسلحين السوريين، بما في ذلك صواريخ مضادة للطائرات محمولة كتفًا، خشية وقوعها في أيدي متطرفين. كما فرض على حلفاء إقليميين فرض قيود مشابهة على شحنات الأسلحة التي تقدمها إلى المسلحين.
في هذا الصدد، قال أحد قادة جماعات المعارضة المسلحة المدعومة من واشنطن: «الآن، يتملكنا شعور شديد بالإحباط؛ فالولايات المتحدة ترفض إمدادنا بالأسلحة التي نحتاج إليها، ومع ذلك لا تزال تعتقد بأن بإمكانها أن تملي علينا ما ينبغي لنا فعله. لقد وعدونا بدعمنا، ثم يتخذون الآن موقف المتفرج بينما نغرق».
وأضاف القائد الذي رفض كشف هويته: «لن يصبح لأميركا نفوذ إذا أجبر رفاقنا على الانسحاب إلى إدلب من حلب».
الملاحظ أن معظم المسلحين الذين أجبروا على التخلي عن أراضٍ سيطروا عليها من قبل، فروا إلى إدلب التي بدأت تتحول بسرعة إلى معقل ما تبقى من المعارضة. يذكر أن المنطقة يهيمن عليها ما يصل إلى 100.000 مقاتل من «جبهة النصرة»، التابعة لتنظيم القاعدة، والتي تشير إلى نفسها الآن باسم «جبهة فتح الشام»، بجانب عدد مكافئ من المسلحين ينتمي إلى «حركة أحرار الشام»، وهي جماعة إسلامية ترتبط بحركة معارضة أوسع لا تعتبرها الولايات المتحدة إرهابية.
ويعتقد بعض الخبراء، بما في ذلك جنرال مايكل فلين، الذي اختاره ترامب مستشارًا للأمن الوطني، أن ثمة تحالفا متناميا على صعيد العمليات قائما منذ أمد بعيد بين المسلحين وجماعات متطرفة.
وأكد فلين العام الماضي، أن استراتيجية أوباما تجاه سوريا القائمة على البقاء بعيدًا أولاً، ثم تقديم دعم محدود للمعارضة من خلال برنامج سري لـ«سي. آي. إيه». سمحت فعليًا لتنظيمات متطرفة بالتنامي على حساب المعارضة المسلحة. وفي سؤال له خلال مقابلة أجرتها معه قناة «الجزيرة» في يوليو (تموز) 2015، حول ما إذا كان ينبغي توفير دعم أقوى في وقت مبكر للمعارضة، أجاب فلين: «عندما لا تتدخل لمساعدة شخص ما، فإنه سيبحث عن سبل أخرى للوصول لأهدافه..كان ينبغي علينا العمل في وقت مبكر فيما يخص هذه الجهود».
في الوقت ذاته، قال فلين إن الإدارة عمدت إلى التقليل من خطورة معلومات استخباراتية وردت مبكرًا حول أن «جبهة النصرة» وأخيرًا تنظيم داعش الذي يضم متطرفين إسلاميين وضباطا سابقين بالجيش العراقي، تعرضوا للتسريح بسبب الغزو الأميركي للعراق عام 2003 في تنام سريع. وأشار آخرون إلى أن وقف الدعم عن المعارضة المسلحة من شأنه تعزيز أهداف الروس والنظام، علاوة على خدمة المصالح الإيرانية على حساب المملكة العربية السعودية وقطر وحلفاء أميركيين إقليميين آخرين ينظرون إلى إيران باعتبارها مصدر تهديد لوجودهم.
في هذا الصدد، حذر النائب آدم بي. شيف، العضو الديمقراطي البارز بلجنة الاستخبارات التابعة لمجلس النواب، من أن: «سمعة واشنطن ستتعرض لضرر بالغ بين حلفائنا بالمنطقة إذا ما تخلينا عن دعمنا المعارضة المعتدلة». واستطرد موضحًا أن: «التساؤل هنا هو هل يمكن لحلفائنا بالخليج الاعتماد علينا أم لا، وما إذا كان الإيرانيون ستطلق أيديهم بالمنطقة أم لا».
وأضاف شيف: «من الواضح أن الكثير سيعتمد على ما يفعله الرئيس المنتخب، وما يحثه مستشاروه على القيام به». واستطرد مشيرًا إلى جنرال جيمس ماتيس الذي اختاره ترامب لمنصب وزير الدفاع: «أعتقد جنرال ماتيس ستكون لديه وجهة نظر مختلفة..تضع في اعتبارها التداعيات المرتبطة بالنفوذ الإيراني بالمنطقة».
الملاحظ أن الاختلافات حول ما إذا كان ينبغي اتخاذ موقف أكثر صرامة حيال روسيا داخل سوريا، بما في ذلك التدخل العسكري المباشر نيابة عن المدنيين، وغير المباشر نيابة عن المسلحين، في حلب وما وراءها أثارت بالفعل انقسامات عميقة في عهد إدارة أوباما بين وزارة الخارجية من ناحية ووزارة الدفاع والبيت الأبيض من ناحية أخرى.
وفي الوقت الذي تفكر الإدارة المقبلة بقيادة ترامب في الانسحاب من المشاركة بتقديم الدعم في إطار أو محاولة تسوية الحرب الأهلية في سوريا، أبدى آخرون بالفعل عزمهم التدخل لسد الفراغ الذي ستخلفه واشنطن خلفها. وقد أعلنت قطر أنها ماضية في تسليح المسلحين ودعمهم، بغض النظر عما ستقرره الولايات المتحدة.
وقال وزير الخارجية القطري، محمد بن عبد الرحمن جاسم آل ثاني، الأسبوع الماضي، خلال لقاء أجرته معه وكالة «رويترز» في الدوحة: «نرغب في وجود الولايات المتحدة إلى جوارنا، بالتأكيد، لكن إذا غيرت رأسها.. لن نغير نحن موقفنا».
*خدمة {واشنطن بوست}
- خاص بـ {الشرق الأوسط}



لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.