مودي يتوج 25 سنة من العلاقات مع إسرائيل بزيارة تاريخية

الهند أصبحت خلالها أكبر عميل دفاعي لتل أبيب وأكبر شريك تجاري لها في آسيا بعد الصين

ناريندرا مودي مع الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين خلال زيارة الأخير لنيودلهي في نوفمبر الماضي (أ.ف.ب)
ناريندرا مودي مع الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين خلال زيارة الأخير لنيودلهي في نوفمبر الماضي (أ.ف.ب)
TT

مودي يتوج 25 سنة من العلاقات مع إسرائيل بزيارة تاريخية

ناريندرا مودي مع الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين خلال زيارة الأخير لنيودلهي في نوفمبر الماضي (أ.ف.ب)
ناريندرا مودي مع الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين خلال زيارة الأخير لنيودلهي في نوفمبر الماضي (أ.ف.ب)

بزيارته المتوقعة في أوائل 2017 للاحتفال بمرور 25 عاما على العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع إسرائيل، فإن ناريندرا مودي سوف يكون أول رئيس وزراء هندي يزور إسرائيل.
زيارة الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين الأخيرة والتي استمرت 8 أيام إلى الهند، ورغم أهميتها على صعيد العلاقات بين البلدين، فإنها قد فقدت زخمها الإعلامي بسبب الانتخابات الرئاسية الأميركية وأزمة العملة المحلية.
ربطت مودي علاقات طويلة مع الحكومة الإسرائيلية، حيث زار إسرائيل عندما كان رئيسا لوزراء ولاية غوجارات الهندية في عام 2006. ولما تولى رئاسة وزراء البلاد التقى مع نظيره الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هامش اجتماعات الجمعية العام للأمم المتحدة في دورتها السنوية التي عقدت العام الماضي.

الرفض الهندي لإسرائيل
عندما يتعلق الأمر بالعلاقات الهندية الإسرائيلية، من الصعب تماما تجاهل القضية الفلسطينية. ولقد بدأ التضامن الهندي مع الشعب الفلسطيني منذ عهد الراحل نهرو. ولقد أدى قرار الأمم المتحدة عام 1947 بتقسيم فلسطين في 29 نوفمبر (تشرين الثاني)، إلى نشوب الصراع غير المنتهي في منطقة غرب آسيا. وصوتت الهند، ضد قرار تقسيم فلسطين، والذي مهد الطريق لإنشاء دولة إسرائيل.
الهند رفضت إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل لأكثر من أربعة عقود حتى عام 1992. وعلى الرغم من التحول في الموقف لرئيس الوزراء الهندي بي في ناراسيمها راو، فإن الهند ظلت في طليعة الدول الداعمة للقضية الفلسطينية، حتى بعد إقامة العلاقات الدبلوماسية الكاملة على مستوى السفراء مع تل أبيب. وفي الواقع، رفض أتال بيهاري فاجبايي رئيس وزراء الهند، وزعيم حزب بهاراتيا جاناتا الهندي الحاكم وقتذاك، الطلب الإسرائيلي بأن تدرج الهند منظمة حماس على قائمة المنظمات الإرهابية. ولكن، تغير الأمر برمته في عام 2014 بعد تولي حكومة حزب بهاراتيا جاناتا الحكم في الهند تحت قيادة ناريندرا مودي.

التواصل الهندي مع فلسطين
تواصلت الهند مع فلسطين بقوة قبل زيارة الرئيس ريفلين، كما أكد كبار المسؤولين الهنود لمراسلة صحيفة «الشرق الأوسط». وفي 31 أكتوبر (تشرين الأول) من العام الحالي، التقى عمار سينها، المسؤول في وزارة الخارجية الهندية مع السفير الفلسطيني في دلهي، عدنان أبو الهيجا، ووقعا على مذكرة تفاهم بشأن الالتزام بسداد 12 مليون دولار لإنشاء حديقة تكنولوجيا المعلومات في مدينة رام الله.
وبعد أسبوع واحد فقط، عبَر إم جيه أكبر، وزير الدولة الهندي للشؤون الخارجية إلى داخل الأراضي الفلسطينية، لعقد سلسلة من الاجتماعات بما في ذلك تدشين الآلية السنوية لمناقشات السياسة الخارجية في إطار لجنة هندية فلسطينية مشتركة. ولقد ترأس أكبر، مشاركا، أول اجتماعات اللجنة المشتركة في رام الله برفقة وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي في 8 نوفمبر، ثم التقى الرئيس الفلسطيني محمود عباس.
وكان الهدف من وراء الاتفاق والزيارة هو تهدئة المشاعر الفلسطينية قبيل زيارة الرئيس الإسرائيلي إلى نيودلهي، والتصويت الأخير المثير للجدل من جانب نيودلهي في اليونيسكو، على حد وصف كبار المسؤولين.
ويقول المحلل سوكومار موراليدهاران، الذي طالما غطى العلاقات الدبلوماسية الإسرائيلية الهندية، إن امتناع الهند عن التصويت إلى جانب قرار ينتقد أعمال إسرائيل في القدس في منظمة اليونيسكو قبل زيارة ريفلين، كان من الممكن أن يعطي نتائج عكسية ويصعب مهمة نيودلهي مع تل أبيب. ولهذا فقد امتنعت الهند عن التصويت.

التغيير في أبعاد العلاقات الهندية الإسرائيلية
بدأت العلاقات الهندية الإسرائيلية تشهد قدرا من التعزيز بشكل رسمي، عندما واصلت إسرائيل، بخلاف دول أخرى، بيع الأسلحة إلى الهند. وقلصت الدول الكبرى الأخرى من تصدير التكنولوجيا المتقدمة إلى الهند ردا على التجارب النووية الهندية التي أجريت في عام 1998. كما ساعدت إسرائيل الهند أيضا من خلال العرض الفوري من الطائرات الإسرائيلية من دون طيار، والقذائف، وغير ذلك من الأسلحة بين عشية وضحاها، عندما غزت باكستان الأراضي الهندية خلال حرب كارجيل في عام 1999.
يقول راتان سينغ غيل، الصحافي الهندي المتخصص في قضايا الدفاع: «اليوم، تتعاون كل من الهند وإسرائيل من خلال جهاز الاستخبارات الخارجية الهندي مع جهاز الموساد الإسرائيلي. واليوم أيضا، تعتبر إسرائيل ثالث أكبر مورد دفاعي لدى الهند، بعد روسيا والولايات المتحدة. وخلال العقد الماضي وحده، ابتاعت الهند معدات دفاعية من إسرائيل بقيمة 12 مليار دولار، ما يجعل من الهند أكبر عميل دفاعي لدى إسرائيل».
وفي الأثناء ذاتها، ارتفعت التجارة بين البلدين من 200 مليون دولار فقط في عام 1992 إلى أكثر من 5 مليار دولار في عام 2015، حيث أصبحت الهند أكبر شريك تجاري لإسرائيل في آسيا بعد الصين. واليوم، تتفاوض الدولتان بشأن اتفاقية التجارة الحرة، وتتعاون الدولتان الآن في مجالات الأبحاث، والتطوير، والتكنولوجيا، والتعليم، والزراعة، والسياحة بكل تأكيد.

هدوء اللهجة الهندية تجاه إسرائيل
يبدو أن الأمور تتغير الآن. ففي وقت سابق، حاول القادة الهنود المحافظة على سرية العلاقات مع إسرائيل قدر الإمكان. ولقد كانت العلاقات الدبلوماسية، والاتفاقيات الاقتصادية، والروابط الدفاعية مع إسرائيل تتم طي الكتمان والسرية. وبمرور السنين، خففت الحكومات الهندية المتعاقبة من حدة لهجتها حيال المعاملة الإسرائيلية للفلسطينيين. والآن، تفضل الهند علاقات أقرب مع إسرائيل، وليست هناك ذرة من الشك في ذلك. ولم تعد الهند تقدم مشروعات القرارات المعادية لإسرائيل في الأمم المتحدة، ولقد اتخذت محاولات جادة لتلطيف قرارات حركة عدم الانحياز ضد إسرائيل.
وأحد أبرز التعبيرات العلنية التي تعكس تحسن العلاقات بين الهند وإسرائيل، كان القرار الصادر في يوليو (تموز) من عام 2015 بشأن الامتناع عن التصويت ضد إسرائيل في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، والذي أنحى باللائمة على إسرائيل بشأن «جرائم الحرب» التي من المفترض أن تكون ارتكبتها خلال عملية الجرف الصامد في قطاع غزة، ولقد سعدت تل أبيب بذلك الموقف أيما سعادة.
ويقول سينغ: «في الآونة الأخيرة، كان من شأن الامتناع الهندي عن التصويت على قرار في منظمة اليونيسكو مؤيد لفلسطين ويتعلق بالمباني الإسرائيلية داخل مدينة القدس المسورة في أواخر أكتوبر الماضي، قبيل زيارة الرئيس الإسرائيلي للهند، أن يعقد من جهود نيودلهي. ولذا، ينبغي على الهند حسن التعامل مع إسرائيل من دون تجاهل المشاعر العربية حيالها».
لقد وجدت إسرائيل، في نهاية المطاف، في حكومة مودي شريكا يمكنها التعامل معه من دون أي ذرائع. وكان من السمات المميزة لسياسة مودي الخارجية تأكيد الثقة بالنفس حيال المصالح الهندية.
ويتحدث كثيرون في الهند عن ضرورة أن تتخذ بلادهم مواقف صارمة مثل إسرائيل، عندما يتعلق الأمر بالإرهاب العابر للحدود. ولقد أشار مودي بنفسه إلى إسرائيل في خطابه الذي أعقب الضربات العسكرية الهندية الأخيرة ضد باكستان في أعقاب الهجوم الإرهابي على معسكر الجيش الهندي، إذ قال: «يتحدث الناس في هذه الأيام وفي طول البلاد وعرضها عن شجاعة وبسالة جيشنا الوطني. ولقد كنا نسمع في وقت سابق أن إسرائيل قد فعلت ذلك. ولقد رأت الأمة أن الجيش الهندي ليس أقل من أي جيش آخر في العالم».
ماني شانكار أيار، عضو البرلمان الهندي عن حزب المؤتمر، قال منتقدا حكومة مودي وافتتانها بإسرائيل: «مودي يعشق الجانب العسكري في شخصية إسرائيل، وكذلك العداء الإسرائيلي للمسلمين. إنه ضرب عرض الحائط بما تقوم به إسرائيل تجاه الفلسطينيين العزل لعشرات السنين. إن تصريحات مودي تعكس رغبة جانحة لديه في أن يمارس تجاه باكستان ما تقوم به إسرائيل تجاه الفلسطينيين».

الهند تتبنى سياسة الفعل المتوازن في غرب آسيا
ويعتمد صناع السياسة الخارجية الهندية سياسة مستقلة عندما يتعلق الأمر بموازنة العلاقات مع الدول العربية وإسرائيل. ولقد حافظت الهند على علاقات جيدة مع دول الخليج العربي كافة.
ومودي، الذي تجنب زيارة أي بلد في غرب آسيا خلال العام الأول من توليه منصبه رئيسا لوزراء البلاد، قام بزيارة دولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر، والمملكة العربية السعودية، وإيران منذ أغسطس (آب) عام 2015. وفي سبتمبر (أيلول) من نفس العام، قام الرئيس الهندي براناب مخرجي بزيارة إسرائيل، ولكنه زار أيضا الأراضي الفلسطينية والمملكة الأردنية، التي تحتوي على أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين في العالم. كما استضافت الدولة الهندية أيضا الاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون العربي - الهندي.
وكانت الأسباب الواضحة وراء ذلك تشير إلى الدعم الهندي التاريخي للقضية الفلسطينية، وحساسية نيودلهي العالية حيال دول الخليج العربي، وحقيقة أن ملايين المواطنين الهنود يعملون في المنطقة العربية ويرسلون مليارات الدولارات على شكل تحويلات نقدية، التي تعتبر الهند في أمسّ الحاجة لها.
ولكن على مر السنين، ومع كثير من الدول العربية التي تعمل بشكل مباشر وعلني، وسري ومتحفظ في كثير من الأحيان مع دولة إسرائيل، فإن مثل هذا القلق لم يعد له أساس يذكر.
الجنرال المتقاعد هارشا كاكا يقول: «الصعوبة الكبرى بالنسبة للهند هي إيجاد توازن حذر في علاقاتها المتشابكة، بين عدد من الدول على رأسها إيران وإسرائيل وأفغانستان ودول وسط آسيا». مضيفا أن «الهند تمكنت بقدرات عالية وبنجاح من المحافظة على هذا الميزان السياسي الدقيق».



الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».