300 ألف مرآة تولد الكهرباء من أشعة الشمس الرخيصة

في أكبر محطة حرارية في العالم

300 ألف مرآة تولد الكهرباء من أشعة الشمس الرخيصة
TT

300 ألف مرآة تولد الكهرباء من أشعة الشمس الرخيصة

300 ألف مرآة تولد الكهرباء من أشعة الشمس الرخيصة

عندما افتتحت أكبر محطة حرارية شمسية في العالم لتوليد الطاقة في إيفانباه Ivanpah في ولاية كاليفورنيا أوائل العام الحالي استقبلت بعين الشك. ومحطة الطاقة هذه مذهلة فعلا، حيث تقوم 300 ألف مرآة، كل واحدة منها بحجم باب المرأب، بتركيز أشعة الشمس على ثلاثة أبراج بحجم 140 مترا بهدف توليد الحرارة العالية. وتولد هذه الحرارة البخار الذي يشغل النوع ذاته من التوربينات التي تستخدم في محطات وقود باطن الأرض (الأحفوري). ويمكن للحرارة هذه تخزينها (مثلا في تسخين الأملاح المنصهرة) واستخدامها لدى مغيب الشمس بتكلفة أقل من تكلفة تخزين الكهرباء في البطاريات.
لكن الكثير من الخبراء، حتى أولئك الذين استثمروا في المشروع، يقولون إنه قد يكون الأخير من نوعه، إذ يقول ديفيد كراين الرئيس التنفيذي لشركة «إن آر جي إنرجي»، إحدى الشركات الثلاث، بما فيها «سايت سورس إنرجي»، و«غوغل» التي مولت تشييد المحطة، أمام حشد من الباحثين ورجال الأعمال في مؤتمر عقد في أوائل العام الحالي، إن الأرقام الاقتصادية بدت جيدة لدى اقتراح إقامة المحطة قبل ست سنوات. لكن منذ ذلك الحين انخفضت أسعار الألواح الشمسية التقليدية بشكل كبير. «واليوم تنحصر معاملاتنا المصرفية على خدمة هذه الألواح فقط».
طاقة حرارية شمسية
إن جاذبية التقنية الحرارية thermal technology هذه بسيطة للغاية، فهي خلافا للألواح الشمسية التقليدية، يمكنها توليد الطاقة حتى ولو كانت الشمس لا تشع. لكنها في الواقع أكثر تكلفة من الكهرباء المنتجة بالوقود الأحفوري، والكهرباء من الألواح الشمسية. وهذه الحقيقة دفعت الخبراء والباحثين لكي يفتشوا عن أساليب جديدة لجعلها أكثر اقتصادية وقابلية للمنافسة.
ومن التحديات الكبيرة كما يقول فيليب غليكمان كبير التقنيين في محطة «أريفا سولار»، هو أن مجموعات المرايا، فضلا عن المحركات، وعلب التروس التي توجه هذه المرايا إلى الشمس، هي باهظة الكلفة. لكن أحد الحلول الممكنة، كما يقول أتت من شركة «أذرلاب» الناشئة في مدينة سان فرانسيسكو، يقوم على وضع مشغلات، وأخرى تعمل بالهواء المضغوط التي يمكن صنعها بتكلفة متدنية عن طريق استخدام المعدات الإنتاجية التي تستخدم حاليا في صنع قناني المياه البلاستيكية محل المحركات.
ونقلت مجلة «تكنولوجي ريفيو» الأميركية عن ليلى مادرون رئيسة العمليات الشمسية في المحطة أن التقنية هذه من شأنها أن تخفض تكلفة حقول المرايا التي تركز أشعة الشمس بنسبة 70 في المائة. لكن حتى هذه النسبة من التخفيض، كما تقول، لن تكون كافية لجعل التقنية قابلة للمنافسة مع الألواح الشمسية التقليدية، حتى ولو كانت تكلفة المرايا هي ثلث إلى نصف الكلفة الإجمالية للمحطة الحرارية الشمسية.
ولتخفيض الكلفة أكثر فأكثر يتطلب الأمر زيادة كمية الطاقة التي يمكن للمحطة الحرارية الشمسية أن تولدها لتسويق المزيد من الطاقة بنفس القدر من الاستثمار. وأحد المساعي لزيادة إنتاج الطاقة هو زيادة درجات الحرارة التي تعمل بموجبها المحطة، مما يجعلها أكثر كفاءة. فهي تعمل حاليا على درجة 650 درجة مئوية أو أقل، لكن بعض الباحثين يعملون على تطوير أساليب لزيادتها من 800 إلى 1200 درجة مئوية. ومثل هذا المسعى تعمل عليه شركة جديدة أخرى ناشئة هي «هالوتيكنيكس» التي تستخدم عمليات بحث ومسح شاملة لتطوير مواد جديدة، منها أنواع جديدة من الأملاح والزجاج التي يمكنها تخزين الحرارة على مثل هذه الدرجات العالية.
نظم هجينة
وثمة خيار آخر يقوم بتمويله برنامج جديد في الولايات المتحدة من قبل وكالة مشاريع الأبحاث المتطورة لأغراض الطاقة، يرتكز على إقامة محطات طاقة يمكنها إضافة ألواح شمسية إلى المحطات الحرارية الشمسية. والفكرة الأساسية من وراء ذلك هي أن الألواح الشمسية يمكنها أن تحول بكفاءة أمواجا بترددات معينة من الضوء إلى كهرباء. فالكثير من الطاقة على سبيل المثال يكون على شاكلة أشعة تحت الحمراء، وفوق البنفسجية التي لا تتحول، بل يجري بثها كحرارة ضائعة. أما المشروع الجديد هذا، فإنه ينظر في أساليب لتسخير هذه الحرارة.
والنظم الشمسية التي تجمع بين نظم الحرارة الشمسية والألواح الشمسية ليست جديدة. فلسنوات قدمت الشركات نظما شمسية ركبت فيها أنابيب مائية خلف الألواح الشمسية، مما يجعل الحرارة الضائعة من الألواح الشمسية الماء ساخنا صالحا للاستحمام.
والمسعى الجديد في كل الأحوال هو البحث عن أساليب للوصول إلى درجات حرارة عالية، ما يكفي لاستخدامها في توليد التيار الكهربائي والتي تنطوي على تركيز أشعة الشمس لبلوغ درجات حرارة عالية، ومن ثم تحويل بعض أشعة الشمس المركزة هذه إلى الألواح الشمسية.
ويقول هوارد برانز مدير البرامج المسؤول عن هذه المشاريع في الوكالة المذكورة إن الأمل معقود على أن تعوض الكلفة الإضافية لهذه النظم الهجينة عن أمرين: الأول جعل هذه النظم أكثر كفاءة، محولة أكثر من نصف الطاقة الموجودة في أشعة الشمس إلى كهرباء، مقارنة بنسبة 15 إلى 40 في المائة بالنسبة إلى الألواح الشمسية التقليدية الحالية. أما الأمر الثاني فهو أن القدرة على تخزين الحرارة لاستخدامها عند الضرورة، ستصبح أكثر قيمة وفائدة مع تركيب المزيد من منشآت الطاقة الشمسية، وذلك سيمكن ألمانيا التي تملك أكثر طاقة شمسية من أي قطر آخر من الاكتفاء، بدلا من أن تتوجه أحيانا كما هو الحال الآن وتدفع المبالغ إلى جيرانها، لكي تسحب منهم الطاقة الشمسية الزائدة عن حاجاتهم التي تتولد في الأيام المشمسة، وتستخدمها.



لماذا يحافظ بعض الناس على صفاء ذهني حتى الثمانينات؟

لماذا يحافظ بعض الناس على صفاء ذهني حتى الثمانينات؟
TT

لماذا يحافظ بعض الناس على صفاء ذهني حتى الثمانينات؟

لماذا يحافظ بعض الناس على صفاء ذهني حتى الثمانينات؟

تكشف دراستان علميتان واسعتا النطاق أن جيناً واحداً يُعرف باسم «APOE» يلعب دوراً حاسماً في تحديد ما إذا كان الدماغ سيشيخ وهو بصحة جيدة، أم سيتجه نحو التدهور والإصابة بمرض ألزهايمر. فقد أظهرت النتائج أن اختلاف نسخ هذا الجين يفسِّر إلى حد بعيد سبب احتفاظ بعض الأشخاص بذاكرة قوية وقدرات ذهنية عالية، حتى بعد سن الثمانين، في حين يواجه آخرون خطر الإصابة بالخرف في السن نفسها.

المعمِّرون المميَّزون

ويُطلق الباحثون على كبار السن الذين يحتفظون بذاكرة وأداء معرفي مميز اسم «المعمرين المميَّزين» (Super Agers) وهم أشخاص يبلغون 80 عاماً فأكثر؛ لكن قدراتهم الذهنية تضاهي من هم في الخمسينيات أو الستينيات. وكشفت دراسة واسعة قادها باحثون من المركز الطبي بجامعة فاندربيلت بالولايات المتحدة، ونُشرت في مجلة «Alzheimer’s & Dementia» بتاريخ 16 يناير (كانون الثاني) 2026، أن هؤلاء المعمرين يتمتعون بميزتين جينيتين واضحتين، تقللان بشكل كبير من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر.

جين واحد: بين الخطر والحماية

يحمل جين APOE ثلاث نسخ شائعة، تُعرف بالنسخة الثانية 2، والنسخة الثالثة 3، والنسخة الرابعة 4؛ إذ يرث كل إنسان نسختين من هذا الجين. ومنذ سنوات يعرف العلماء أن النسخة الرابعة تزيد خطر الإصابة بألزهايمر المتأخر، في حين تُعد النسخة الثانية عاملاً واقياً نسبياً.

وقد حللت دراسة جامعة فاندربيلت البيانات الجينية لأكثر من 18 ألف شخص مشارك، عبر 8 مجموعات من كبار السن. وهي أكبر مجموعة من كبار السن الذين تمت دراستهم حتى الآن. وكانت النتائج مذهلة. وأظهرت النتائج أن «المعمِّرين المميَّزين» كانوا الأقل بكثير في حمل النسخة الجينية المرتبطة بمرض ألزهايمر. فقد انخفض احتمال وجود هذه النسخة (النسخة الرابعة) لديهم بنحو 68 في المائة، مقارنة بمن أُصيبوا بالمرض بعد سن الثمانين. كما كانوا أقل بنسبة 19 في المائة في حمل هذه النسخة الخطِرة، مقارنة بأشخاص أصحاء معرفياً في السن نفسها، يتمتعون بصحة ذهنية طبيعية. وفي المقابل كان هؤلاء المعمِّرون أكثر حظاً في حمل النسخة الجينية الواقية (النسخة الثانية) إذ زادت فرص وجودها لديهم بنسبة 28 في المائة، مقارنة بأقرانهم الأصحاء، وبأكثر من الضعف مقارنة بالمصابين بألزهايمر في الفئة العمرية نفسها.

وقالت الدكتورة ليزلي غاينور، من قسم طب الشيخوخة بكلية الطب، مركز فاندربيلت للذاكرة ومرض ألزهايمر، بجامعة فاندربيلت، قائدة الدراسة، إن هؤلاء الأشخاص لا يشيخون بشكل جيد فحسب؛ بل يتمتعون أيضاً بانخفاض واضح في الخطر الجيني للإصابة بألزهايمر.

ومن اللافت أن الدراسة شملت مشاركين من خلفيات عرقية متعددة، ما يعزز أهمية النتائج على نطاق أوسع.

دور جيني أكبر مما كان يُعتقد

وتُعزِّز هذه النتائج دراسة أخرى قادها ديلان ويليامز من قسم الطب النفسي ووحدة الصحة مدى الحياة والشيخوخة، وباحثون آخرون من كلية لندن الجامعية بالمملكة المتحدة (UCL) ونُشرت في مجلة «npj Dementia» بتاريخ 9 يناير 2026، والتي حللت بيانات وراثية لأكثر من 450 ألف شخص، لتقدير حجم مساهمة جين APOE في ألزهايمر والخرف عموماً.

وتوصل الباحثون إلى أن ما بين 72 و93 في المائة من حالات ألزهايمر ترتبط بنسختي الجين الثالثة والرابعة. ونحو 45 في المائة من جميع حالات الخرف ما كانت لتحدث لولا تأثير هذا الجين. ومن المرجح أن يكون الجين نفسه مسؤولاً عن ثلاثة أرباع حالات ألزهايمر على الأقل.

وتُعد هذه التقديرات أعلى من دراسات سابقة؛ لأنها لا تركز فقط على النسخة الرابعة؛ بل تُظهر أن النسخة الشائعة -أي الثالثة التي اعتبرت سابقاً «محايدة»- تسهم أيضاً في زيادة الخطر، مقارنة بالنسخة الوقائية الثانية.

الجينات ليست قدراً محتوماً

ورغم التأثير القوي لجين APOE في خطر الإصابة بألزهايمر، فإن الدراستين تؤكدان أن الجينات لا تعمل بمعزل عن غيرها، ولا تمثل حكماً نهائياً. فحتى لدى الأشخاص الذين يحملون نسختين من المتغير عالي الخطورة، النسخة الرابعة (APOE-ε4) تبقى احتمالية الإصابة بالمرض أقل من 70 في المائة، ما يعني أن مسار المرض قابل للتعديل. وتشير هذه النتائج إلى أن تحسين عوامل نمط الحياة، مثل النشاط الذهني والبدني والصحة القلبية، والحد من التدخين والعزلة الاجتماعية، قد يسهم في تأخير ظهور المرض أو الوقاية منه، حتى لدى من يملكون استعداداً وراثياً مرتفعاً.

وتكشف هذه الدراسات مجتمعة أن فهم الجينات لم يعد هدفه التنبؤ بالمرض فقط؛ بل فتح الباب أمام الوقاية والتدخل المبكر. فمعرفة تأثير جين قوي مثل APOE لا تعني الاستسلام له؛ بل تتيح تحديد الفئات الأكثر عرضة للخطر، وتوجيه الجهود نحو حماية الدماغ قبل ظهور الأعراض.

ويؤكد الباحثون أن تبنِّي نمط حياة صحي قد يغيِّر مسار الشيخوخة المعرفية، ويؤخر المرض سنوات. وهكذا تنتقل رسالة العلم من «ما كُتب في الجينات» إلى «ما يمكن فعله لحماية الذاكرة» مانحةً الأمل، في شيخوخة أطول وأكثر صحة، وجودة حياة أفضل.


طرق علمية مبتكرة لإنتاج اللحوم المستزرعة

الأبحاث تركز على إنتاج لحوم مستزرعة في المختبر تشبه اللحوم التقليدية (جامعة كاليفورنيا)
الأبحاث تركز على إنتاج لحوم مستزرعة في المختبر تشبه اللحوم التقليدية (جامعة كاليفورنيا)
TT

طرق علمية مبتكرة لإنتاج اللحوم المستزرعة

الأبحاث تركز على إنتاج لحوم مستزرعة في المختبر تشبه اللحوم التقليدية (جامعة كاليفورنيا)
الأبحاث تركز على إنتاج لحوم مستزرعة في المختبر تشبه اللحوم التقليدية (جامعة كاليفورنيا)

شهدت السنوات الأخيرة اهتماماً متزايداً بإنتاج اللحوم المستزرعة في المختبر بوصفها بديلاً مستداماً للحوم التقليدية. وتعتمد هذه التقنية على زراعة خلايا حيوانية في بيئات مخبرية، على هياكل صالحة للأكل، بهدف إنتاج لحوم تُشبه منتجات المزارع التقليدية من حيث الملمس والطعم، من دون الحاجة إلى تربية الحيوانات كاملة.

وتركّز الأبحاث في هذا المجال على معالجة تحديات رئيسية عدة، من بينها: ارتفاع تكلفة الإنتاج، وتحسين نسيج اللحوم لمحاكاة تجربة المستهلك، وضمان الاستدامة البيئية، عبر تقليل استهلاك الموارد والحد من النفايات.

وفي هذا السياق، ابتكر فريق بحثي من «يونيفرسيتي كوليدج-لندن» في بريطانيا طريقة جديدة لاستخدام بقايا عملية تخمير الحبوب، وهي عملية تحويل السكريات الموجودة في الحبوب، خصوصاً الشعير، إلى كحول باستخدام الخميرة لإنتاج سليلوز بكتيري صالح للأكل، يمكن زراعة خلايا اللحوم عليه.

ولا يقتصر هذا النهج على خفض التكاليف فحسب، بل يستفيد أيضاً من مخلفات صناعية كانت تُهدر، ويوفّر بديلاً أكثر استدامة وكفاءة من حيث التكلفة لطرق إنتاج اللحوم الحالية، حسب دراسة نُشرت يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2026 بدورية «Frontiers in Nutrition».

إنتاج قطع دجاج مستزرعة في المختبر تحاكي اللحم الحقيقي في الشكل والقوام (جامعة طوكيو)

زراعة خلايا حيوانية

وتعتمد اللحوم المستزرعة بالمختبر على زراعة خلايا حيوانية في بيئات مهيّأة لنموها وتكاثرها، دون الحاجة إلى تربية الحيوانات كاملة. وتبدأ العملية بأخذ خلايا أولية من العضلات أو الأنسجة الدهنية، ثم زراعتها على هياكل داعمة صالحة للأكل تحاكي النسيج الطبيعي للحوم، وتدعم نمو الخلايا ثلاثي الأبعاد، مع تزويدها بالمواد الغذائية الضرورية، والتحكم بعوامل مثل درجة الحرارة ومستويات الأكسجين والضغط لتكوين ألياف عضلية مشابهة للحوم التقليدية.

ويُعد السليلوز البكتيري إحدى المواد الواعدة في هذا المجال، إذ يوفّر هيكلاً داعماً لنمو الخلايا، ويمكن استخدامه في إنتاج اللحوم المستزرعة. وقد استُخدم سابقاً في صناعة بعض أنواع الحلوى، لكنه أصبح مؤخراً يُوظّف في تطبيقات غذائية متنوعة، بما في ذلك الأطعمة النباتية، نظراً إلى قدرته على دعم نمو الخلايا وتحسين النسيج النهائي للمنتج الغذائي.

يقول أستاذ الطب التجديدي في الجامعة، الباحث الرئيسي في الدراسة، الدكتور ريتشارد داي، إن إنتاج اللحوم المستزرعة في المختبر يواجه تحدياً رئيسياً قبل وصوله إلى الأسواق، يتمثّل في تحقيق التكافؤ السعري مع اللحوم التقليدية، مضيفاً أن اللحوم الطبيعية تحتوي على مكونات هيكلية تمنحها ملمسها وتدعم نمو الخلايا، في حين أن الهياكل الداعمة المستخدمة حالياً لإنتاج اللحوم المستزرعة غالباً ما تكون باهظة الثمن، أو غير صالحة للأكل، أو غير مصنّفة بوصفها مادة غذائية.

وأوضح داي، لـ«الشرق الأوسط»، أن الابتكار الجديد الذي يعتمد على استخدام مخلفات تخمير الحبوب يوفّر حلاً عملياً لهذه المشكلة، إذ يتيح مواد منخفضة التكلفة وصالحة للأكل يمكن تحويلها إلى هياكل داعمة لنمو الخلايا. وأشار إلى أن هذه المواد متوفرة بكميات كبيرة عالمياً، ما يوفّر سلسلة توريد قابلة للتوسع، فضلاً عن خلق مصدر دخل ثانوي ودعم أهداف الاستدامة، وهو ما يعزّز الصورة الإيجابية لدى المستهلكين.

ولفت داي إلى أن الهياكل الداعمة الحالية مناسبة بدرجة أكبر لإنتاج اللحوم المفرومة ومنتجات مثل النقانق والبرغر، في حين أن إنتاج اللحوم الكاملة القطع، مثل شرائح اللحم أو صدور الدجاج، يظل أكثر تعقيداً، ويتطلّب تكرار البنية الطبيعية للحوم والألياف العضلية، مما قد يؤدي إلى ارتفاع التكلفة مقارنة بالمنتجات المفرومة.

ولإثبات الفكرة، استخدم الباحثون مخلفات خميرة البيرة المستهلكة لزراعة بكتيريا قادرة على إنتاج سليلوز عالي الجودة. وأظهرت الاختبارات، باستخدام ما يُعرف بـ«آلة المضغ» التي تقيس خصائص مثل القساوة والليونة واللزوجة، أن السليلوز الناتج كان أقرب في نسيجه إلى اللحوم الطبيعية وأكثر ملاءمة من السليلوز التقليدي، كما أظهر قدرة على دعم التصاق الخلايا الحيوانية ونموها، مما يؤكد إمكانية استخدامه في إنتاج اللحوم المستزرعة بالمختبر.

ويؤكد داي أن هذه التكنولوجيا يمكن أن تُسهم في تحسين الأمن الغذائي العالمي، إذ توفّر مادة خاماً رخيصة ومتاحة وصالحة للأكل، مما يجعل اللحوم المستزرعة أكثر جدوى اقتصادية، لا سيما في المناطق ذات الموارد المحدودة. كما أن قابلية التوسع في إنتاجها تساعد على انتقال هذه المنتجات من الأسواق المتخصصة إلى نظم الغذاء الرئيسية، مع تقليل الأثر البيئي لإنتاج اللحوم التقليدية من حيث استهلاك الأراضي والمياه، بما يتيح توجيه الأراضي الزراعية لزراعة محاصيل أخرى، وبهذا، يُسهم هذا الابتكار في دعم الإنتاج المستدام، والمساعدة في توفير الغذاء لسكان العالم المتزايدين.

انتشار محدود

وعلى الرغم من الموافقة على بيع عينات من اللحوم المستزرعة في بعض مناطق العالم، فإن انتشارها ما زال محدوداً جغرافياً ومن حيث حجم الإنتاج، إذ يتطلّب وصولها إلى شريحة أوسع من المستهلكين مزيداً من الموافقات التنظيمية (القانونية) وحلولاً لتحديات التصنيع على نطاق واسع، حسب معهد «The Good Food» البحثي في آسيا والمحيط الهادئ ومقره سنغافورة.

وحتى نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، سُمح بتداول هذه اللحوم في سنغافورة والولايات المتحدة وأستراليا، مع حصول شركات على موافقات لإنتاج أصناف تشمل الدجاج والسمان والسلمون، في حين تخضع منتجات أخرى للمراجعة التنظيمية في دول ومناطق عدة، من بينها الاتحاد الأوروبي، ونيوزيلندا، وسويسرا، والمملكة المتحدة، وتايلاند، وكوريا الجنوبية، كما تعمل دول أخرى على إعداد أطر تشريعية مماثلة.

وبالتوازي مع التطورات التنظيمية، تتضافر الجهود البحثية لتحسين تقنيات الإنتاج في بلدان، مثل: بريطانيا، واليابان، وأستراليا، والبرازيل، والولايات المتحدة. ففي عام 2025، أعلن فريق من جامعة طوكيو اليابانية إنتاج قطع دجاج مستزرعة في المختبر تحاكي اللحم الحقيقي في الشكل والقوام، باستخدام خلايا ليفية من الدجاج وجهاز يحاكي الدورة الدموية لتوصيل الأكسجين والمغذيات عبر ألياف مجوفة دقيقة، مما أتاح نمو أنسجة أكثر سماكة خلال تسعة أيام.

كما سبق ذلك في عام 2021 نجاح علماء من جامعة أوساكا اليابانية في إنتاج أول شريحة لحم من البقر الياباني «الواغيو» داخل المختبر باستخدام الطباعة الحيوية ثلاثية الأبعاد، عبر تنظيم العضلات والدهون والأوعية الدموية بطريقة تحاكي الملمس المميز لهذا النوع من اللحم. وتفتح هذه التقنيات المجال مستقبلاً لإنتاج لحوم مستزرعة ذات قوام ونكهة قابلة للتخصيص، وفق أذواق المستهلكين واحتياجاتهم الصحية.


سباق أميركي ــ صيني لاستكشاف القمر

جهود أميركية حثيثة لاستكشاف القمر
جهود أميركية حثيثة لاستكشاف القمر
TT

سباق أميركي ــ صيني لاستكشاف القمر

جهود أميركية حثيثة لاستكشاف القمر
جهود أميركية حثيثة لاستكشاف القمر

لطالما نفت وكالة الفضاء الصينية المأهولة (CMSA) وجود أي منافسة مع الولايات المتحدة على غرار سباقها مع الاتحاد السوفياتي السابق، للوصول إلى القمر في ستينات القرن الماضي. ومع ذلك، نجد أنه رويداً رويداً، وعلى امتداد عقود، بنت الصين برنامجاً فضائياً مأهولاً يسعى نحو أهداف تتضمن إنزال رواد فضاء على سطح القمر بحلول عام 2030، وإنشاء قاعدة هناك في السنوات اللاحقة.

تنافس صيني - أميركي

مع استمرار تأجيل مواعيد إطلاق مهمة «أرتيميس 3»، التابعة لـ«ناسا» للهبوط على سطح القمر، بدأت تتصاعد حدة تصريحات القيادات الأميركية بمجال الفضاء تجاه سباق الفضاء مع بكين. وفي هذا الصدد، صرّح جاريد أيزكمان، الرئيس الجديد لوكالة «ناسا»، ديسمبر (كانون الأول) الماضي: «نحن في خضم منافسة شرسة مع منافس يمتلك الإرادة والأدوات التي تمكنه من تحدّي التميّز الأميركي عبر مجالات متعددة، بما في ذلك الريادة في مجال الفضاء. ليس هذا وقت التأجيل، بل وقت العمل، لأننا إن تخلفنا عن الركب - إن ارتكبنا خطأً - فقد لا نتمكن من اللحاق بالركب ثانية أبداً، وقد تبدل عواقب ذلك موازين القوى هنا على الأرض».

ورغم تأخر إطلاق مهمة «أرتيميس 2» التابعة لـ«ناسا»، لنقل طاقم من رواد الفضاء في رحلة تجريبية حول القمر، فقد صرّح البيت الأبيض بأن على رواد الفضاء الأميركيين إعطاء الأولوية للهبوط على سطح القمر بحلول عام 2028. وهنا، ثمة تساؤلات تفرض نفسها: هل بمقدور بكين أن تسبقهم؟ وكيف ستجري الرحلة القمرية الصينية؟ وهل يمتلك البرنامج الفضائي الصيني تكنولوجيا تُضاهي أو تتفوق على نظيرتها الأميركية؟

تقول نامراتا غوسوامي، الأستاذة بجامعة جونز هوبكنز، في حديث نقله موقع «سبيكتروم» التابع لجمعية المهندسين الكهربائيين الأميركيين الإلكتروني: «لا أحد (في الصين) يُجادل بأننا في سباق فضائي. ومع ذلك، فإنهم ربما يضطلعون بجهود تُظهر الصين باعتبارها قوة فضائية، وهم جادّون للغاية في الوصول إلى مكانة متقدمة على هذا الصعيد».

مركبات فضائية صينية

أما المركبتان الفضائيتان «مينغتشو» (Mengzhou) و«لانيو» (Lanyue)، فتعتمد المعدات القمرية الصينية على أساس هندسي قائم بالفعل، وتقوم على أساس سفينة فضائية متعددة الأغراض تُدعى «مينغتشو»، تتسع لستة أو سبعة رواد فضاء، مع إمكانية سفر ثلاثة رواد فضاء فقط في رحلة من الأرض إلى مدار قمري منخفض. وبحسب ما عرضته وكالة الفضاء الصينية، تتضمن المركبة «مينغتشو» قسماً للطاقم على شكل مخروط ناقص، مع وحدة خدمة في الخلف تضم أنظمة الطاقة والدفع.

وإذا دققت النظر فستلاحظ تشابهاً مع مركبات الفضاء الأميركية «أرتيميس» أو «أبولو»، أو مركبة «كرو دراغون» التابعة لشركة «سبيس إكس»، أو مركبة «نيكس» الأوروبية، التي لم تُجرَّب بعد. وجدير بالذكر أن مبادئ الديناميكا الهوائية الأساسية، تجعل من المخروط الناقص شكلاً فاعلاً للغاية لإطلاق مركبة فضائية بأمان، وإعادتها عبر الغلاف الجوي للأرض.

ويجري التسويق لمركبة «مينغتشو» باعتبارها قابلة لإعادة الاستخدام، إذ تتميز بدرع حرارية خارجية يمكن استبدالها بعد الرحلة. ومن المقرر أن تجري عمليات الهبوط في صحراء غرب الصين. وجاء في بيان صادر عن وكالة الفضاء الصينية: «بالإضافة إلى أسلوب الهبوط باستخدام الوسائد الهوائية، يمكن حماية المركبة الفضائية بشكل أفضل من التلف، ما يسمح بإعادة استخدامها».

ومن المقرر إطلاق المركبة بواسطة صاروخ «لونغ مارش 10» الجديد ذي القدرة العالية على الرفع، وهو أحد صاروخين يُستخدمان في أي مهمة قمرية محددة. ويبلغ ارتفاع صاروخ «لونغ مارش 10»، المعد للرحلات القمرية، 92.5 مترً عند الإطلاق، ويولد قوة دفع تبلغ 2678 طناً. وتجدر الإشارة إلى أن صاروخ «أرتيميس 2» أقوى، إذ تبلغ قوته 3992 طناً.

وستنطلق «مينغتشو» إلى القمر بعد أن يُطلق صاروخ «لونغ مارش 10» آخر مركبة هبوط قمرية تحمل اسم «لانيو». وسيلتقي الصاروخان ويرسوان في مدار قمري، وسينتقل رائدا فضاء إلى «لانيو» ويهبطان على سطح القمر. بعد ذلك، ستنتظر مركبة «مينغتشو» رائدي الفضاء في مدارها للعودة إلى الأرض. يذكر أن كتلة مركبة «لانيو» تقدر بـ26 طناً، ويمكنها حمل مركبة جوالة تزن 200 كيلوغرام.

من ناحيتها، أفادت السلطات الصينية بأن اختبارات «لانيو» بدأت عام 2024. ومن المقرر أن تنطلق «مينغتشو» في أول رحلة آلية لها عام 2026، و«لانيو» عام 2027. أما أول مهمة اختبار مشتركة فمُخطط لها في عام 2028 أو 2029، على أن يتوجه أول طاقم إلى القمر بعد ذلك بعام.

خطة صينية طويلة الأجل

ما خطة بكين طويلة الأجل للفضاء؟ يغفل التركيز على المعدات فرقاً جوهرياً بين جهود بكين وواشنطن للهبوط على القمر؛ فبرنامج «أرتيميس» يعدّ نتاجاً لنقاشات متقطعة داخل أروقة الحكومة الأميركية منذ انتهاء برنامج «أبولو» في سبعينات القرن الماضي. ومنذ ذلك الحين، تغيرت الأهداف مراراً وتكراراً، غالباً مع تولي رؤساء جدد مناصبهم.

وفي المقابل، نجد أن الحملة الصينية نتاج خطة تسمى «مشروع 921»، نالت دعم الحزب الشيوعي الصيني للمرة الأولى عام 1992. ورغم تعرضها لبعض التحديثات وبعض النكسات التكنولوجية، ظلت الصين ملتزمة بها إلى حد كبير منذ ذلك الحين.

وعن ذلك، تقول غوسوامي: «ما ميّز الجهود الصينية في مجال الفضاء عن غيرها، دمج جميع العناصر؛ فالأمر لا يقتصر على مجرد إطلاق مهمة، بل يتجاوز ذلك بكثير. إنهم ينظرون إلى الفضاء باعتباره نشاطاً كاملاً، وليس مجرد مهمات».

وبعبارة أخرى، كما تقول الباحثة، فإن كل تكنولوجيا جديدة تعدّ جزءاً من جهد منسق لخلق وجود مستدام في الفضاء، الأمر الذي يُحقق مكاسب اقتصادية وجيوسياسية، وأحياناً عسكرية. وقد تكاملت جميع هذه العناصر، حتى الآن، بعضها مع بعض؛ فقد أطلقت أول كبسولة مدارية، «شنتشو 1» عام 1999، ما أسهم في إنجاز أول رحلة لرائد فضاء، يانغ ليوي، على متن «شنتشو 5» عام 2003. بعد ذلك، تطورت المحطات الفضائية (سلسلة «تيانغونغ»)، التي بدأت عام 2011، والتي يسافر إليها طاقم «شنتشو» بانتظام منذ ذلك الحين (أُطلقت «شنتشو 22» في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي). ومن المنتظر أن تتولى «مينغتشو»، نهاية المطاف، دور المركبة الرئيسية لنقل الطاقم في رحلات الفضاء حول الأرض.

في غضون ذلك، شهدنا وتيرة ثابتة لإطلاق المركبات الفضائية الروبوتية المدارية والهابطة على سطح القمر (أعادت مركبة «تشانغ إي - 6» أول عينة تربة من الجانب البعيد للقمر عام 2024)، وسيتبعها، كما قيل لنا الآن، رواد فضاء صينيون.

وبذلك يتضح أن الصينيين بدأوا ببطء وتأنٍّ، عن عمد، مع فترات راحة طويلة بين المهمات، ولم تكتسب جهودهم بمجال الفضاء زخماً واضحاً إلا في الفترة الأخيرة. وفي بعض الأحيان، استعانوا بخبرات دول أخرى. على سبيل المثال، استعارت كبسولة «شنتشو» المأهولة في التسعينات، جزءاً كبيراً من تصميمها من مركبة «سويوز» الروسية.

ويشير كثير من المهندسين، اليوم، إلى أن خطة «مينغتشو - لانيو» تشبه إلى حد كبير ما اقترحه مدير «ناسا» آنذاك، مايكل غريفين، لبرنامج «كونستليشن»، التابع لـ«ناسا»، عام 2005، وهو عبارة عن مركبة مأهولة تُطلق بواسطة صاروخ، ومركبة هبوط على سطح القمر بواسطة صاروخ آخر، حيث ينتقل رواد الفضاء إلى مركبة الهبوط بمجرد وصولهم إلى مدار القمر.

وبالتأكيد، فإن إطلاق كبسولة مأهولة ومركبة هبوط على سطح القمر، سيشكل عبئاً كبيراً على عملية إطلاق واحدة، كما كانت الحال مع برنامج «أبولو - ساتورن 5»، لأن عمليات الهبوط ستكون أكثر طموحاً مما يمكن إنجازه باستخدام وحدة الهبوط القمرية البسيطة لبرنامج «أبولو»، نظراً لطول مدة الإقامة وتجهيزات القاعدة القمرية.

من جهته، يقول مدير سابق رفيع المستوى في وكالة «ناسا»، طلب، كغيره، عدم ذكر اسمه: «يسعى الصينيون إلى تصميم مشابه لتصميم برنامج (أبولو). وهذا أمر مفهوم، لأن طموحهم يكمن في السرعة، وقد نجح برنامج (أبولو)».

ولهذا السبب يتحدث جاريد أيزكمان عن ضرورة الإسراع من وتيرة الجهود التي تبذلها وكالة «ناسا». وقد تجنب حتى الآن ذكر كلمة «الصين» علانية؛ فالصينيون، على حد تعبيره، هم عادةً «خصمنا الأكبر» أو «منافسنا».

من جهتهم، يقول بعض المخضرمين في وكالة «ناسا» إن الصين قد تُسهم في دفع الوكالة نحو مزيد من السرعة والمرونة. ويشيرون إلى أن نجاح برنامج «أبولو» يعود، إلى حد كبير، إلى سباق التفوق على الاتحاد السوفياتي. وقد يُساعد التحدي الصيني - حتى إن كان غير مُعلن أو متخيلاً - برنامج «أرتيميس» في المضي قدماً. وقال أيزكمان لموظفي «ناسا»: «لدينا منافس قوي يتحرك بسرعات مُذهلة، ومن المُقلق التفكير في عواقب فشلنا في الحفاظ على تفوقنا التكنولوجي والعلمي والاقتصادي في الفضاء. إن الوقت يداهمنا!».