مارتن كوبلر لـ «الشرق الأوسط»: الحوار المخرج الوحيد للأزمة السياسية في ليبيا

المبعوث الأممي إلى ليبيا شدد على ضرورة اعتماد حكومة الوفاق الوطني من قبل مجلس النواب

مارتن كوبلر (غيتي)
مارتن كوبلر (غيتي)
TT

مارتن كوبلر لـ «الشرق الأوسط»: الحوار المخرج الوحيد للأزمة السياسية في ليبيا

مارتن كوبلر (غيتي)
مارتن كوبلر (غيتي)

في أوقات الاستراحة القصيرة التي يقتنصها مارتن كوبلر، المبعوث الأممي الخاص إلى ليبيا، تجده يحاور مواطنين عاديين، قبل أن يعود مرة أخرى للمباني الرسمية وقاعات الاجتماعات لاستئناف مفاوضات صعبة بين الأفرقاء الليبيين، والدخول في حوارات مع أطراف محلية وإقليمية ودولية، لإنقاذ هذا البلد الغني بالنفط والغارق في الفوضى منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حتى الآن.
ورغم حالة الجمود التي أصابت المجلس الرئاسي المنبثق عن اتفاق جرى توقيعه بين أطراف ليبية، برعاية كوبلر، في مثل هذا الشهر من العام الماضي، فإن المبعوث الأممي يقول في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط» إنه لم يصب بالملل، ولا يزال متفائلا ويثق في إمكانية عودة الاستقرار والوحدة والسلام إلى ليبيا. وللمرة الثانية خلال أقل من شهر، وصل كوبلر الأربعاء الماضي إلى القاهرة ليبدأ على الفور في إجراء لقاءات متنوعة مع جهات مختلفة حول الوضع الليبي. ويأتي ذلك بعد يومين من زيارته لمدينة طبرق الليبية التي يقع فيها مقر مجلس النواب (البرلمان) الذي يرأسه عقيلة صالح.
وفيما يلي نص الحوار:
* ما هو الهدف من زيارتكم إلى القاهرة؟
تهدف هذه الزيارات إلى إقناع البرلمان بتعديل الإعلان الدستوري، الذي يجري العمل به كدستور منذ سقوط نظام القذافي، بحيث يتضمن الاتفاق السياسي الذي جرى التوصل إليه في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2015 في مدينة الصخيرات المغربية.
وأنا أوافق على ما يُجمع عليه الليبيون، حتى لو كان العودة للمسودة السابقة من الاتفاق السياسي أو غيرها. لكن تضمين الاتفاق في الإعلان الدستوري، هو مطلب لأعضاء الحوار السياسي، وإذا ما جرى اتخاذ هذه الخطوة المهمة فسيكون من حق كل من مجلس النواب ومجلس الدولة تعديل أي شيء داخل هذا الاتفاق فيما بعد.
وأنا أرى أن اعتماد أي حكومة على الميليشيات أمر مثير للقلق، ولا مستقبل للميليشيات في الدولة الليبية، لكن هذا الأمر لا يمكن تغييره سريعا بين ليلة وضحاها.
* نحييكم على الجهود التي تقومون بها في ليبيا. لكن البعض يتساءل أنه بعد نحو سنة من اتفاق الصخيرات، يبدو أنه لا يوجد تقدم، ما سبب ذلك؟
- لا أشاركك القول في أنه لا يوجد تقدم على الإطلاق. كانت هناك ثلاثة تطورات أساسية. الأول هو أني أعتقد أن هناك إجماعا دوليا ووطنيا داخل ليبيا على أنه لا يوجد اتفاق آخر سوى اتفاق الصخيرات. وأنا أحاول أن أعمل مع الاتحاد الأوروبي ومع الجامعة العربية ومع مجلس الأمن أيضا، ومع الاتحاد الأفريقي. وهناك إجماع الآن على أن الصخيرات هي الإطار العام. في الداخل الليبي ربما لا يوجد كثيرون يؤيدون هذا الاتفاق، لكن هناك إجماعا على أنه لا يوجد بديل أو خيار آخر. البديل سيكون الفوضى. والتطور الثاني هو وجود المجلس الرئاسي داخل طرابلس، وهو يحاول أن يعمل جاهدا. أما التطور الثالث فهو محاربة الإرهاب، إذ لا يوجد الآن تنظيم داعش. والقوات الليبية حاربت، وكان هناك عدد كبير من القتلى داخل سرت وفي الشرق. وخلال العامين الماضيين استطعنا أن نثبِّت هذه التطورات. أعتقد جادا أنه يجب أن تكون الحرب موجهة ضد الإرهاب بدلا من أن تحارب الأطراف بعضها بعضا.
هذه هي التطورات الإيجابية. لكني غير راض عن الوضع الآن. هناك حكومة الوفاق الوطني التي لم يتم اعتمادها بعد من قبل مجلس النواب، ولذلك يجب أن يحدث هذا الاعتماد. أعترف أن الوضع الإنساني سيئ للغاية، ومشكلة المهاجرين والهجرة لا تزال موجودة، كما لا يوجد جيش موحد. هناك حكومة تسيير أعمال فقط. لكني أريد أن أستغل الشهر المقبل حتى تكون هناك تطورات. الليبيون يحتاجون إلى مستشفيات تعمل، وإلى مدارس يذهبون إليها، كي تتواصل الحياة.
* لكن هناك من قد يقول إن المجلس الرئاسي لم يتمكن من التوصل إلى توافق مع البرلمان طيلة سنة حتى الآن، فما الحل؟ وهل يوجد أمل جديد من أجل إحداث هذا التوافق؟
- شعاري دائما هو أن يتحدث الناس، بعضهم مع البعض الآخر، فمن خلال الحوار يمكن أن نخلق ثقة، ولذلك أعمل دائما على أن أجمع رئيس البرلمان في طبرق ورئيس المجلس الرئاسي فايز السراج. أنت محق في أنها مسألة ثقة. فبعد 42 عاما من الحكم الديكتاتوري للقذافي لا توجد مؤسسات قوية. وهذا لا يمكن أن يحدث بين ليلة وضحاها. لكني متفائل بالاجتماعات المنتظمة لأعضاء الحوار السياسي، حيث يأتون من الغرب ومن الشرق ومن الجنوب. وهناك ليبراليون وإخوان مسلمون يجلس كل منهم مع الآخر، حول طاولة واحدة، علما بأنه قبل نحو سنة لم يكن بمقدور هؤلاء أن يجلسوا سويا حتى لتناول وجبة الغداء. اليوم هم يجلسون ويتناقشون كما حدث مثلا قبل أيام في مالطا. هم لا يتفقون مائة في المائة، وحتى ربما توجد حالة من انعدام الثقة. لكن لا أحد يغادر الغرفة. وهناك أيضا عزم على أن يصلوا إلى حل.
* في المجلس الرئاسي هناك اعتماد على الميليشيات، وحتى قوات «البنيان المرصوص» (تحارب «داعش» في سرت) هي عبارة عن مجموعات من الميليشيات. فكيف لمجلس رئاسي وحكومة وفاق أن تعتمد على الميليشيات؟
- هذا سؤال جيد للغاية، وهو أيضا أمر يثير القلق، وأنا أوافقك الرأي في أنه لا يمكن لحكومة أن تعتمد على ميليشيات. ولكن هذا الأمر لا يمكن تغييره أيضا في يوم وليلة. لا نستطيع الاستيقاظ غدا ونجد أن الميليشيات لم تعد موجودة. ولذلك نحن نعمل في طرابلس مع المجلس الرئاسي لتأسيس الحرس الرئاسي. نحن الآن في طور بناء وحدة، هي الحرس الرئاسي تحت رئاسة المجلس الرئاسي، وهي من ستحمي المجلس الرئاسي والسفارات، وهي لن تكون منافسا للجيش. هي وحدة تقتصر وظيفتها على حماية المجلس الرئاسي والسفارات والمنشآت الحيوية؛ لأنه حتى السفارات لا يمكن أن تكون خاضعة لسلطة الميليشيات. لذا أنا واثق من أن الحرس الرئاسي سيتطور قريبا ليحل مكان الميليشيات. وحتى في اتفاق الصخيرات هناك وضوح تام بشأن هذه الأمور. وفي نهاية المطاف يجب أن تنتهي هذه الميليشيات وأن تصبح خارج الصورة، وأن تسلم سلاحها ويتم إدماجها في المؤسسات الأمنية، أو في المؤسسات المدنية. وكثير من عناصر الميليشيات يريدون ذلك لكي يعودوا إلى أعمالهم. لكن لا يوجد بديل الآن. فلمن سوف يسلمون أسلحتهم؟ وأين سيذهب هؤلاء الناس؟ كل هذه الأسئلة ينبغي أن يناقشها الليبيون بأنفسهم ويقررون بخصوصها، وهي عملية طويلة. وبالعودة إلى سؤالك، فإن الحرس الرئاسي سيحل محل هذه الميليشيات وسيقوم بحماية المجلس.
* سؤال آخر يتعلق بالميليشيات مرة أخرى في طرابلس بالذات. كثير من قادة هذه الميليشيات من الجماعة الليبية المقاتلة التابعة لتنظيم القاعدة، ومعظم هذه القيادات كانت تعمل في أفغانستان ضمن ما كان يعرف بـ«المجاهدين». فهل مثل هذه القيادات ستكون موجودة في الحرس الرئاسي؟ وهل سيكون لها أي دور مستقبلا؟
- على جميع الميليشيات أن تُحَل، وهذا أمر يتفق عليه الجميع. الميليشيات لا يمكن أن توفر الأمن. وهناك كثير من الميليشيات المختلفة، ومعظم المجموعات في طرابلس هي مجرد عصابات إجرامية وليست ميليشيات. مجموعات تقوم بالاختطاف وليس توفير الأمن، ولذلك فإن ما نحتاجه هو تأمين جيش منظم وشرطة نظامية حتى يتم توفير الأمن. وعندما أتحدث إلى المواطنين العاديين في الشارع الليبي يرددون شيئا واحدا عندما أسألهم عما يتوقعونه من الأمم المتحدة: «فقط نريد الأمن». إنه مطلبهم الأساسي لأنه بناء على الأمن تستطيع أن تبني دولة. في السابق كان هناك مليون مصري يعملون في ليبيا، ولن يتمكن هؤلاء العاملون من العودة إلى ليبيا إذا انعدم هناك الأمن، وخصوصا في الغرب. لذا لا بد أن تكون الدولة موحدة وبجيش ليبي واحد وموحد في جميع البلاد.
> من بين المشكلات التي برزت خلال العام الأخير، مشكلة تفرض طرح السؤال التالي: هل المشير خليفة حفتر (قائد الجيش الوطني) هو من يجب أن يركب سيارة السراج؟ أم أن السراج هو من ينبغي عليه أن يركب سيارة حفتر؟ من يقود؟
- المسألة هي مسألة بناء جيش ليبي واحد. كما هو الوضع الحالي بموجب الاتفاق، فالمجلس الرئاسي هو القائد الأعلى للجيش. وهو المراقب المدني على الجيش، والجيش يتبع المجلس الأعلى للقيادة.
هناك نقاشات جارية الآن على نقطتين. وقد تحدثت في طبرق مع محمد شعيب النائب الأول لرئيس البرلمان، وقبل أسبوعين ناقشت في أبوظبي عقيلة صالح رئيس البرلمان الليبي، وكان النقاش حول إن كان الاتفاق سيبقى على ما هو عليه الآن، أم سيتم إدخال بعض التعديلات عليه. وإحدى هذه الأسئلة هي القائد الأعلى للجيش. بالنسبة للأمم المتحدة نحن ليس لدينا رأي. على الليبيين أن يقرروا، وعملنا ومهمتنا تنظيم العملية إذا ما أرادوا ذلك، وأن يجلسوا على الطاولة ليناقشوا كيف تُحَل المشكلة. والسؤال الثاني المطروح هو دور الجنرال حفتر والمادة الثامنة من الاتفاق (الخاصة بالقائد الأعلى للجيش)، وهذا أمر يعود إليهم أيضا. لكن يجب عليهم أن يلتقوا أولا. الحل لن يهبط من السماء، الحل ينبغي أن يكون من خلال الحوار. وهذه مهمة الأمم المتحدة وبقية الدول.
* هناك اعتقاد أن مدة المجلس الرئاسي سوف تنتهي خلال الشهر الجاري بعد مرور سنة على بداية عمله، فكيف سيتم التعامل مع هذا الأمر؟
- حساب السنة يبدأ بعد أن يعتمد مجلس النواب الاتفاق وليس قبل ذلك. وقد سبق لمجلس النواب أن رفض الحكومة مرتين. وبمجرد أن يعتمد مجلس النواب الاتفاق، يبدأ سريانه ويبدأ حساب السنة. وبعد ذلك يمكن تمديد عمل المجلس الرئاسي لعام آخر. ويجب على مجلس النواب الآن اعتماد حكومة الوفاق.
* هناك من يقول إن عددا من أعضاء المجلس الرئاسي وعددا من الوزراء المقترحين على صلة بجماعات متطرفة وجماعات إرهابية. ألا ترى أن هذا الأمر يمكن أن يؤخر مسألة التوافق بين القيادات الليبية إذا كان صحيحا؟
- من وجهة نظر الأمم المتحدة، فإن المتطرفين والإرهابيين هم (تنظيم) القاعدة، و«داعش» وأنصار الشريعة، وأي شخص تابع لهذه التنظيمات لا يوجد له أي دور أو مكان في المؤسسات. وهناك لائحة بأسماء هذه المنظمات. ولكن من وجهة نظرنا فهذا لا يشمل «الإسلام السياسي». ولكن البعض يرى أن «الإسلام السياسي» هو أيضا تنظيمات إرهابية. وأنا ألتقي بأعضاء «الإخوان المسلمين» داخل الحوار السياسي الليبي، فهم جزء من الحياة السياسية، وهم ليسوا على قائمة الجماعات الإرهابية المصنفة لدى الأمم المتحدة، لذا ألتقي بهم. الشيء المهم هو المصالحة الوطنية. هناك انقسامات كثيرة داخل المجتمع الليبي، لذلك من المهم جدا أن يجتمع الجميع. وهذا لا يمكن أن يحدث إلا من خلال الحوار. وإذا لم تتحدث القيادات بعضها مع البعض الآخر، فكيف سيقوم الناس العاديون بذلك.
أنا ألتقي كثيرا من الشباب الليبي؛ لأنني أعتقد أن استهداف الشباب والتحدث معهم أمر أساسي وضروري. كما أتحدث مع كبار السن أيضا، لكن الشباب يجب أن يقود، ذلك أن 70 في المائة من سكان ليبيا أقل من 39 عاما، و50 في المائة من السكان تتراوح أعمارهم بين 15 إلى 39 عاما. فأين هم في هذه العملية السياسية؟ فهم ليسوا في البرلمان ولا في المجلس الرئاسي ولا في مجلس الدولة، وغير ممثلين أبدا. ونفس الأمر بالنسبة للنساء. أعتقد أن المرأة والشباب ينبغي أن يكون لهم دور في الأمن والسلام. الشبان ليسوا فقط مستقبل البلاد، ولكنهم حاضر البلاد أيضا. الدفع بالشباب مسألة سياسية، يجب أن يشاركوا في الحياة السياسية في ليبيا. ويمكن للكبار أن يتعلموا بعض الأمور من الشباب أنفسهم.
* أمضيتَ حتى الآن نحو سنة في مهمتك مبعوثا للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا. هل شعرت بأي ضغوط من بعض الدول في المنطقة أو من دول العالم الأخرى للقيام بأمر بعينه؟
- الضغط الأساسي يأتي من الليبيين. فهم لديهم بعض التوقعات من الأمم المتحدة، لكن الأمم المتحدة لا يمكن أن تنفذها كلها، وليس بمقدورها توفير الأمن. لكن يمكنها تنظيم الكيفية التي توفر بها ليبيا الأمن لنفسها. أنا أشعر بالأسف حيال هذا الأمر، حيث إنني أريد أن أوفي بهذا الالتزام على وجه الخصوص. ربما تكون هناك ضغوط تأتي من دول أعضاء في الأمم المتحدة، أو من بعض الدول الإقليمية وغيرهم، لكنني لا أضع مثل هذه الضغوط في الحسبان. ففي بعض الأحيان مثلا أستيقظ في منتصف الليل وأنا أشعر بقلق، ليس بسبب التفكير في الضغوط الخارجية أو حتى الضغوط التي تأتي من بعض قيادات الداخل الليبي، ولكن من التفكير في الناس في ليبيا، وأتساءل: كيف سيكون حالهم في الصباح وهم يحملون كل هذه التوقعات من الأمم المتحدة؟ هم يستحقون حياة أفضل. وهذا هو الضغط الحقيقي الذي أشعر به.
* هل تختص مهمتكم بوصفكم بعثة أممية، فقط في محاولة إيجاد توافق سياسي بين الليبيين، أم تتعلق أيضا بتقديم مساعدات لضحايا الخلافات في هذا البلد؟
- هذه البعثة مُوافق عليها من مجلس الأمن. وفي قرار مجلس الأمن هناك مهام محددة لتقوم بها البعثة. ومهمتها الآن تطبيق الاتفاق السياسي؛ لأن الأمن هو أساس الازدهار، وأيضا تقديم المساعدة الإنسانية والدفع بالاقتصاد. ولكن المساعدة الإنسانية هي الأساسية، ومراقبة وضع حقوق الإنسان في البلاد، وعليه هناك كثير من المهام، أهمها تطبيق الاتفاق السياسي الليبي، وتقديم المساعدات الإنسانية لرفع لمعاناة عن الشعب الليبي.
* كانت هناك ملاحظات منذ بداية اتفاق الصخيرات، ومنها أنه لا يوجد ممثلون عن نظام القذافي، ولا توجد قبائل من تلك الرافضة لثورة 17 فبراير (شباط) 2011، وهناك أطراف شعرت منذ البداية أنها غير ممثلة ويبدو أنها غير ممثلة حتى اليوم، ما تعليقك؟
- لا أتفق معك في هذا الرأي. فهناك بعض الوزراء الآن في حكومة الوفاق كانوا يعملون تحت النظام السابق، ووزير الخارجية الحالي السيد سيالة كان يعمل في السابق ضمن نظام القذافي. وأنا ألتقي أيضا ببعض القيادات العسكرية في غرب البلاد، كانوا تحت نظام القذافي. وإذا كان هناك أشخاص ارتكبوا جرائم، أو أيديهم ملطخة بالدماء فلا يمكن أن يكون لديهم دور. ومثل هؤلاء يجب معاقبتهم في لاهاي (المحكمة الدولية). نحن على اتصال بالمحكمة الجنائية الدولية والمدعية العامة فيها. ولكن الغالبية يجب أن يتم إدماجهم. وشعاري هو التحدث على وجه الخصوص مع من يعارضون حوار الصخيرات، ولذلك أنفق سبعين في المائة من وقت عملي مع من يعارضون الصخيرات. فأمر مَن يوافقون على الاتفاقية مفروغ منه. لكننا نحتاج الآخرين، منهم القبائل وأيضا هناك من كانوا يعملون تحت النظام السابق، ومن المهم جدا إدماج الجميع، وأن يكون أيضا هناك حوار بين الأطراف التي لا يتفق بعضها مع البعض الآخر.
* هذه هي الزيارة الثانية لكم التي تقومون بها للقاهرة في أقل من شهر. لماذا القاهرة تحديدا؟ وما الجديد؟
- أنا آتي للقاهرة مرة على الأقل كل شهر. ولكني أزور دولا أخرى كالجزائر والنيجر وتشاد. دول الجوار الليبي مهمة جدا. ومن المهم أن أتحدث إلى المصريين هنا، ومن المهم أيضا التحدث إلى الآخرين. هناك كثير من أعيان القبائل الليبية يعيشون في مصر، وهناك كثير من الليبيين ألتقي بهم هنا في القاهرة، وسألتقي برئيس أركان القوات المسلحة المصرية. وقبل أسبوعين التقيت بوزير الخارجية المصري السيد سامح شكري، لكنه ليس موجودا هذه المرة في مصر. لدى مصر الآن اهتمام كبير جدا بما يحدث داخل ليبيا، وطول الحدود المصرية مع ليبيا يبلغ نحو 1200 كيلومتر، لذا من المهم جدا أن أستمع إلى مشورة القيادات المصرية؛ لأنني أحتاج لمعرفة كيف يفكرون. كما أنني أحب القاهرة كثيرا، فقد وُلد ابني هنا في القاهرة عندما كنت سفيرا لبلادي بها طوال سنوات.
* وهل أكلت «الكشري» في القاهرة أيضا؟
- بالطبع، وأنا أحب الكشري جدا. ولا زلت أحرص على تناوله كلما جئت للقاهرة. وأنا أحب النوع الذي يباع في الطريق. حين كنت سفيرا هنا تجولت كثيرا في القاهرة وفي مصر عموما. كنت أتجول بسيارتي، وحين أجد بائع كشري في الشارع أتوقف وآكل وجبة.
* لكنك كنت تركز على عقد الاجتماعات بين الأطراف الليبية في تونس أو في المغرب أو في جنيف، ولم تبدأ زيارة القاهرة إلا في الفترة الأخيرة، لماذا؟
- لا، هذا ليس صحيحا، فقد زرت القاهرة كثيرا، وكل شهر تقريبا أكون في القاهرة منذ بداية تسلمي لمهامي، وربما هذه هي زيارتي الثانية عشرة لمصر منذ ذلك الوقت.
* يرى البعض أنه إذا وافق الليبيون على العودة إلى المسودة الرابعة من اتفاق الصخيرات (التي تخفض عدد نواب رئيس المجلس الرئاسي) فإنك يمكن أن تساعد في هذا الاتجاه. فهل هذا مطروح على الطاولة؟
- هذا الأمر مطروح للنقاش الآن، ولكنه لا يعود إليّ، بل إلى الليبيين. ومسألة كيف ستكون هيكلية الجيش الليبي وشكل المجلس الرئاسي هي قرارات تعود إلى الليبيين أنفسهم. الخطة واضحة تماما بعد اجتماع أعضاء الحوار السياسي قبل أسبوعين. أعضاء الحوار السياسي طلبوا من مجلس النواب تعديل الإعلان الدستوري. وهذا يعني أن اتفاق الصخيرات جزء من الدستور الليبي، وبهذا يصبح مجلس النواب هو من يملك هذا الاتفاق، وهناك آلية للتعديل داخل الاتفاق، لكن كل هذا بعد تضمين الاتفاق في الإعلان الدستوري أولا، وبعد ذلك يمكن لمجلس النواب ومجلس الدولة تعديل أي شيء داخل هذا الاتفاق. كثيرون ينتقدون الاتفاق، ولكن كل الأسئلة التي طرحتها لديها أجوبة داخله. وحتى آلية التغيير موجودة داخل هذا الاتفاق. لكن هذا يعتمد على تعديل الإعلان الدستوري من داخل مجلس النواب. لقد أرسلت خطابا للسيد عقيلة صالح، بطلب من أعضاء الحوار السياسي، لإدخال الاتفاق في الإعلان الدستوري. وكنت في طبرق لأتحدث معهم في هذا الأمر. وإذا كانوا لا يريدون تعديل الإعلان الدستوري فليخبرونا لماذا.
* بعد كل هذه الجولات من محاولات التوفيق بين الليبيين طوال أكثر من سنة. هل بدأت تشعر بالملل؟
- على العكس تماما. في بعض الأحيان تكون النقاشات تدور ربما في نفس الحلقة، ولكن في أحيان أخرى تمنحني تلك النقاشات نفسها الأمل في أنه يمكن أن نخرج من هذا النمط. هناك نقاشات قد تدور في نفس المحطة، لكن في النهاية الكل يرى أنه لا بد من أن يكون هناك تقدم. تقاسم السلطة بين جميع العناصر وأيضا مبدأ الشمولية، أي أن يكون الجميع على الطاولة، من الغرب والشرق والجنوب، ومن الشباب والنساء والأحزاب السياسية والبلديات. الآن الصراع كله حول كيفية تقسيم الثروة. ولعل الجميع يجب أن تكون لديه حصة من تلك الثروة. ولكن هذا سيأخذ وقتا.
* ماذا تقول لليبيين؟
- بعد سنة من النقاشات يجب أن نصل إلى حل ونتيجة. ورسالتي إلى مجلس النواب: تعديل الإعلان الدستوري والجلوس مع مجلس الدولة للوصول إلى اتفاقات وحلول في القضايا العالقة. ولكن رسالتي الأساسية إلى الشعب الليبي: أنا لا أملّ ولا أكلّ من العمل من أجلكم، النساء والأطفال والرجال، كل شخص لا بد أن يجد فرصة للتعليم، وكل مريض لا بد أن يجد مستشفى لعلاجه. ولا وجود لأم تضطر لأن تصحو في الليل على صوت إطلاق النار في الشارع وبكاء أطفالها من الخوف. والأمم المتحدة دائما بجانب الضعفاء في كل مكان. وعليه أقول: ادعموا المجلس الرئاسي والاتفاق السياسي وادعموا العملية السياسية.



مصر تُشدد على وقوفها مع دول الخليج لمواجهة أي تحديات تستهدف أمنها

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُشدد على وقوفها مع دول الخليج لمواجهة أي تحديات تستهدف أمنها

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

شدّدت مصر على وقوفها مع دول الخليج في مواجهة أي محاولات تستهدف أمنها، وأكدت تطلعها لأن تصل المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران إلى تفاهمات تراعي الشواغل الأمنية لدول المنطقة، وفي مقدمتها دول الخليج العربي.

جاء ذلك خلال اتصالات هاتفية أجراها وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظرائه في الكويت والبحرين وسلطنة عمان وباكستان، وفقاً لبيانات صادرة السبت، عن «الخارجية المصرية».

وتأتي الاتصالات المصرية بالتزامن مع بوادر لاستئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان، وترقب لما ستؤول إليه المفاوضات، وفي ظل أوضاع مضطربة في المنطقة، وتهديدات متصاعدة للملاحة البحرية في مضيق هرمز.

وأجرى عبد العاطي اتصالاً هاتفياً مع الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، وزير خارجية دولة الكويت الشقيقة، للتشاور حول التطورات في المنطقة، وتنسيق الجهود لخفض التصعيد.

تبادل الوزيران الآراء بشأن مستجدات المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية عقد الجولة الثانية لتثبيت وقف إطلاق النار واستدامة التهدئة وإنهاء الحرب، لتجنيب المنطقة تداعيات خطيرة، وشدّد عبد العاطي في هذا السياق على ضرورة مراعاة الشواغل الأمنية لدول الخليج، وفقاً لبيان «الخارجية المصرية».

وجدد عبد العاطي إدانة مصر الهجوم الذي استهدف موقعين بالمراكز الحدودية البرية الشمالية الكويتية، الجمعة، باستخدام طائرات مسيّرة، مؤكداً «تضامن مصر الكامل مع حكومة الكويت وشعبها وسائر دول الخليج الشقيقة في مواجهة أي محاولات لزعزعة أمنها واستقرارها»، ومشدداً على دعم مصر لكل الإجراءات والتدابير التي تتخذها السلطات الكويتية لحماية حدودها وصون مقدراتها.

وكذلك أجرى اتصالاً هاتفياً مع وزير خارجية سلطنة عمان، بدر البوسعيدي، تناول التطورات المتسارعة في المنطقة وتنسيق الجهود المشتركة لخفض التصعيد.

وتبادل الوزيران الرؤى حول أهمية دعم مسار التفاوض للتوصل إلى تفاهمات تُسهم في تثبيت وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب وإرساء دعائم الاستقرار بالمنطقة، وتعزيز الحلول السياسية بعيداً عن التصعيد العسكري.

وجدّد الوزير عبد العاطي التأكيد، خلال الاتصال، على تضامن مصر الكامل ودعمها لسلطنة عمان الشقيقة وسائر دول الخليج العربي، مشيراً إلى أن أمن الخليج يُمثل جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.

وأجرى عبد العاطي اتصالاً مع وزير خارجية مملكة البحرين، عبد اللطيف بن راشد الزياني، جدّد خلاله تضامن مصر الكامل مع البحرين في مواجهة أي تحديات تستهدف أمنها واستقرارها.

وسبق أن أدانت مصر مراراً الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وزار الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، عدداً من الدول الخليجية في رسالة دعم وتضامن.

وبالتزامن مع بوادر استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، أجرى عبد العاطي اتصالاً مع وزير خارجية باكستان، محمد إسحاق دار، أكد خلاله ضرورة الحفاظ على حرية الملاحة الدولية، ومراعاة الشواغل الأمنية لدول المنطقة، وفي مقدمتها دول الخليج العربي.


السيسي: مصر تدعم الحقوق العربية بلا مهادنة

الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي: مصر تدعم الحقوق العربية بلا مهادنة

الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، السبت، أن بلاده تدعم «الحقوق العربية بلا مواربة أو مهادنة»، مؤكداً أن التضامن هو السبيل الوحيد لتجاوز المحن، وحذر «من مساعٍ مدبرة لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط»، ما عده خبراء بمثابة رسائل توضح استراتيجية القاهرة ورؤيتها بشأن مختلف الأزمات وسبل مواجهتها.

وقال السيسي، في كلمة مسجلة، السبت، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الرابعة والأربعين لتحرير سيناء، إن «منطقة الشرق الأوسط تمر بظروف دقيقة ومصيرية، حيث تشهد مساعي مدبرة لإعادة رسم خريطتها، تحت دعاوى آيديولوجية متطرفة»، مؤكداً أن «الطريق الأمثل لمستقبل المنطقة لا يقوم على الاحتلال والتدمير وسفك الدماء، بل على التعاون والبناء والسلام».

وشدد السيسي على «ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، ووقف محاولات تقسيم دول المنطقة وتفكيكها، والاستيلاء على مقدرات شعوبها، وإذكاء أسباب الاقتتال الداخلي والحروب الأهلية والدولية»، مؤكداً أن «الحلول السياسية والمفاوضات هي السبيل الأمثل لتجنيب المنطقة مزيداً من الكوارث والدماء والدمار».

وفي هذا الصدد، أشار السيسي إلى «إدانة مصر بكل وضوح وحزم الاعتداءات التي تعرضت لها بعض الدول العربية مؤخراً، ورفضها القاطع لأي مساس بسيادة تلك الدول، أو انتهاك سلامة أراضيها»، وقال: «تتخذ مصر مواقف سياسية مشهودة لدعم الحق العربي أمام المنظمات الدولية دون مواربة أو مهادنة». وأضاف الرئيس المصري أن «التضامن هو السبيل الأوحد لتجاوز المحن، وأن بلاده ستظل السند والركيزة لأمتها، تدافع عن قضاياها، وتعمل بإخلاص من أجل تحقيق مصالحها العليا».

وسبق وأدانت مصر مراراً الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وزار الرئيس المصري عدداً من الدول الخليجية في رسالة دعم وتضامن.

فيما أدان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال اتصاله مع الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، وزير خارجية دولة الكويت، الهجوم الذي استهدف موقعين بالمراكز الحدودية البرية الشمالية الكويتية، أمس، باستخدام طائرات مسيرة.

وأكد «تضامن مصر الكامل مع حكومة وشعب الكويت وسائر دول الخليج الشقيقة في مواجهة أي محاولات لزعزعة أمنها واستقرارها، مشدداً على دعم مصر لكافة الإجراءات والتدابير التي تتخذها السلطات الكويتية لحماية حدودها وصون مقدراتها».

وحدة الصف العربي

رأى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير رخا أحمد حسن، أن خطاب السيسي تضمن رسالة مهمة تضمنت التأكيد على «أهمية وحدة الصف العربي باعتباره السبيل لمواجهة التحديات»، وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الخطاب عبّر عن «موقف مصر المبدئي بعدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وأنه لا تنازل عن الحقوق العربية في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة».

وجدد السيسي خلال كلمته التي تطرقت لملفات عديدة، التأكيد على «أهمية التطبيق الكامل للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بما يشمل إدخال المساعدات الإنسانية دون معوقات، والشروع الفوري في إعادة إعمار القطاع»، مشدداً على «رفض مصر القاطع؛ الذي لا يقبل تأويلاً أو مساومة، لأي مسعى يرمى إلى تهجير الفلسطينيين، تحت أي ظرف كان»، ومؤكداً «ضرورة وقف الاعتداءات المتكررة، ضد أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية».

الرئيس المصري يؤكد الدفاع عن الحقوق العربية بلا مواربة (الرئاسة المصرية)

وأعاد السيسي التأكيد على أن «خيار مصر دائماً هو السلام». وقال إن هذا «خيار ينبع من قوة وحكمة وقناعة ثابتة، لا من ضعف أو تردد أو خوف»، مشدداً على أن «القوات المسلحة المصرية؛ بعقيدتها وجدارتها، قادرة على حماية الوطن والدفاع عنه، والتصدي لكل من يحاول المساس بأمنه القومي، أو تهديد استقراره».

طريق التنمية

وأشار إلى أن بلاده «اختارت، بإرادة صلبة وعزم لا يلين، أن تسلك طريق البناء والتنمية، دون توقف أو تأجيل، رغم ما واجهته من تحديات جسيمة خلال العقد الأخير»، لافتاً في هذا الصدد إلى «الحرب على الإرهاب، وجائحة (كورونا)، والحرب الروسية - الأوكرانية، وحرب غزة، وأخيراً الحرب الإيرانية»، وقال إن هذه التحديات «ترتب عليها تداعيات ثقيلة، منها خسارة مصر نحو عشرة مليارات دولار، من إيرادات قناة السويس... ولجوء نحو عشرة ملايين وافد إلى مصر... فضلاً عن الارتفاع العالمي في أسعار الغذاء والطاقة».

وسبق أن أشارت مصر مراراً لما تعرضت له من خسائر اقتصادية بسبب الاضطرابات الجيوسياسية، واتخذت أخيراً إجراءات تقشفية لترشيد الاستهلاك ومواجهة تداعيات أزمة الطاقة الناتجة عن الحرب الإيرانية.

وتضمن خطاب الرئيس المصري في ذكرى تحرير سيناء رسائل عدة؛ أبرزها بحسب الخبير العسكري اللواء سمير فرج «التأكيد على السلام باعتباره خياراً استراتيجياً»، وقال فرج لـ«الشرق الأوسط»، إنه في ظل تأكيد السيسي على خيار السلام، «تحتفظ مصر بالقوة العسكرية اللازمة للدفاع عن الوطن»، ما «يجعل الجيش قوة ردع لا هجوم واعتداء».

وأضاف فرج أن الرئيس المصري أكد «أهمية تنمية سيناء باعتبارها السبيل لتأمينها ضد أي محاولات اعتداء مستقبلية»، مشدداً على أن الرئيس المصري كان حريصاً على التحذير من محاولات تقسيم المنطقة، أو المساس بسيادة دولها، والتأكيد على رفض التهجير، وأن الخطاب في مجمله تضمن توضيحاً لرؤية مصر واستراتيجيتها في مواجهة الأزمات ودعم الحقوق العربية.


إصلاح الطرق يُنعش الاقتصاد الريفي في اليمن

مشروعات الطرق في اليمن وفّرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل (الأمم المتحدة)
مشروعات الطرق في اليمن وفّرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل (الأمم المتحدة)
TT

إصلاح الطرق يُنعش الاقتصاد الريفي في اليمن

مشروعات الطرق في اليمن وفّرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل (الأمم المتحدة)
مشروعات الطرق في اليمن وفّرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل (الأمم المتحدة)

في بلدٍ أنهكته سنوات الحرب وتتابع الكوارث الطبيعية والانهيارات الاقتصادية، تبرز مشاريع البنية التحتية بوصفها واحدة من أكثر الأدوات فاعلية في دعم قدرة المجتمعات على الصمود، ليس فقط من خلال إصلاح ما دمرته الأزمات، بل عبر إعادة وصل السكان بالخدمات والأسواق ومصادر الدخل.

في هذا السياق، يقدم المشروع الطارئ لتحسين طرق الربط الحيوي في اليمن نموذجاً عملياً لكيفية تحول الطرق الريفية من ممرات معزولة وموسمية إلى شرايين حياة تنقل الناس والسلع والخدمات، وتعيد تنشيط الاقتصاد المحلي في مناطق ظلت لسنوات رهينة العزلة وصعوبة الوصول.

ووفق بيانات أممية، نجح المشروع الذي ينفذه مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع بتمويل من البنك الدولي في إعادة تأهيل 153 كيلومتراً من الطرق الريفية، مما أتاح لأكثر من 1.5 مليون شخص الوصول بصورة أكثر انتظاماً إلى الأسواق والمدارس والمرافق الصحية، والحصول على الخدمات الأساسية رغم التحديات المناخية القاسية التي تشمل الفيضانات والانهيارات الأرضية والسيول الموسمية التي كانت تعزل قرى ومناطق واسعة عن محيطها لأيام وربما أسابيع.

إصلاح أكثر من 150 كيلومتراً من الطرقات في اليمن (الأمم المتحدة)

ولا تتوقف أهمية هذا المشروع عند إعادة تأهيل البنية التحتية المادية، بل تمتد إلى إعادة صياغة الحياة اليومية في المجتمعات الريفية. ففي محافظتي إب وتعز، لم تعد الطرق تُجرف بالكامل مع كل موسم أمطار كما كان يحدث سابقاً، ولم يعد الوصول إلى المستشفيات أو مراكز الرعاية الصحية رحلة شاقة تستغرق أياماً بسبب انقطاع المسارات وارتفاع منسوب السيول.

هذا التحول انعكس بصورة مباشرة على حياة السكان، خصوصاً النساء والأطفال وكبار السن، الذين كانوا الأكثر تأثراً بعزلة المناطق الريفية. كما بات بإمكان الطلاب الوصول إلى مدارسهم بصورة أكثر انتظاماً، وهو ما يمنح العملية التعليمية قدراً أكبر من الاستقرار في بيئة تعاني أصلاً من تحديات مركَّبة تشمل الفقر والنزوح وتراجع الخدمات العامة.

دفعة قوية

على المستوى الاقتصادي، شكَّلت الطرق المؤهلة حديثاً عنصراً حاسماً في تنشيط الحركة التجارية، لا سيما في المناطق الزراعية التي يعتمد سكانها على بيع منتجاتهم في الأسواق المحلية والإقليمية. فقبل هذه الإصلاحات، كانت وعورة الطرق أو انقطاعها خلال مواسم الأمطار تؤدي إلى تلف جزء كبير من المحاصيل الزراعية قبل وصولها إلى الأسواق، مما يضاعف خسائر المزارعين ويقلل من عوائدهم.

وحسب البيانات الأممية، فقد أصبح بمقدور المنتجين نقل محاصيلهم بسرعة أكبر وتكلفة أقل وكفاءة أعلى، بما يحافظ على جودة المنتجات ويزيد من فرص تسويقها بأسعار أفضل. وهذا التحسن لا يدعم دخل الأسر الزراعية فقط، بل يسهم أيضاً في تعزيز الأمن الغذائي عبر استقرار تدفق السلع الزراعية إلى الأسواق وتقليل فجوات العرض التي كانت تتسبب في ارتفاع الأسعار أو شح بعض المنتجات.

وتشير المعطيات إلى أن كل كيلومتر من الطرق التي أُعيد تأهيلها أسهم في تحريك النشاط الاقتصادي في محيطه، سواء عبر زيادة حركة النقل، أو تنشيط التجارة المحلية، أو تسهيل وصول التجار والموردين إلى مناطق كانت في السابق شبه معزولة اقتصادياً.

مشروع الطرق في اليمن ساعد على سرعة الوصول إلى المستشفيات (المتحدة)

إلى جانب الأثر الخدمي والاقتصادي، وفَّر المشروع مكاسب مباشرة لسوق العمل المحلية. فقد أسهم في توفير نحو 80 ألف يوم عمل، إلى جانب آلاف فرص العمل غير المباشرة خارج مواقع التنفيذ، كما أتاح وظائف لأكثر من 10700 يمني، بينهم نساء وأسر تعاني من انعدام الأمن الغذائي، وهو ما وفر مصدر دخل بالغ الأهمية لشرائح اجتماعية شديدة الهشاشة.

وفي إطار دعم الاقتصاد المحلي، شمل المشروع تدريب 42 مقاولاً محلياً، بينهم سبع شركات مقاولات مملوكة لنساء، مع منحهم فرصاً للمشاركة في تنفيذ أعمال الصيانة والتأهيل. ولم يقتصر الدعم على العقود التشغيلية، بل شمل أيضاً تطوير المهارات في مجالات إدارة المشاريع، وسلامة الطرق، والمعايير البيئية، بما يعزز جاهزية الكفاءات المحلية للمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار المستقبلية.

كما عززت العقود الممنوحة للشركات المحلية من شعور المجتمع بالملكية والمسؤولية تجاه هذه المشاريع، ووفرت قاعدة تشغيلية يمكن البناء عليها في مرحلة ما بعد الصراع، حيث يصبح القطاع الخاص المحلي شريكاً رئيسياً في التنمية وإعادة البناء.

تمويل إنساني صاعد

بالتوازي مع هذه المشاريع التنموية، أظهرت بيانات الأمم المتحدة تحسناً نسبياً في وتيرة تمويل خطة الاستجابة الإنسانية في اليمن خلال العام الجاري، في مؤشر يعكس تنامي إدراك المجتمع الدولي لحجم الاحتياجات الإنسانية والتنموية في البلاد.

ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، بلغ إجمالي التمويل المستلم لخطة الاستجابة حتى أبريل (نيسان) 2026 نحو 264.3 مليون دولار، بزيادة قدرها 61.4 مليون دولار مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي، أي بارتفاع نسبته 30.3 في المائة. كما ارتفع إجمالي التمويل المخصص لليمن داخل الخطة وخارجها إلى 293 مليون دولار، مقارنةً بـ228.9 مليون دولار في الفترة المقابلة من 2025.

مع تحسن الطرق باتت المنتجات تُنقل إلى الأسواق بسهولة (الأمم المتحدة)

وارتفعت نسبة تمويل الخطة إلى 12.2 في المائة، مقابل 8.2 في المائة فقط في الفترة نفسها من العام الماضي، وهي زيادة تعكس تحسناً في حجم التعهدات والصرف، وإن كانت لا تزال أقل بكثير من حجم الاحتياجات الفعلية.

وتصدرت المفوضية الأوروبية قائمة المانحين بقيمة 73.4 مليون دولار، تلتها بريطانيا بـ37.9 مليون دولار، ثم ألمانيا بـ23.4 مليون دولار، واليابان بـ19.6 مليون دولار، وكندا بـ16.2 مليون دولار، مما يشير إلى استمرار الحضور الدولي في دعم اليمن، سواء عبر التدخلات الإنسانية المباشرة أو عبر المشاريع التنموية التي تركز على بناء الصمود.