قلق محلي ودولي من استمرار حرب الشوارع بين الميليشيات في طرابلس

البنتاغون: «داعش» لم يعد موجودًا سوى داخل منطقة صغيرة جدًا في سرت

مقاتلون ليبيون خلال مواجهات أمس مع فلول داعش في منطقة الجيزة البحرية داخل مدينة سرت (رويترز)
مقاتلون ليبيون خلال مواجهات أمس مع فلول داعش في منطقة الجيزة البحرية داخل مدينة سرت (رويترز)
TT

قلق محلي ودولي من استمرار حرب الشوارع بين الميليشيات في طرابلس

مقاتلون ليبيون خلال مواجهات أمس مع فلول داعش في منطقة الجيزة البحرية داخل مدينة سرت (رويترز)
مقاتلون ليبيون خلال مواجهات أمس مع فلول داعش في منطقة الجيزة البحرية داخل مدينة سرت (رويترز)

دخلت أمس حرب الشوارع، التي تشهدها العاصمة الليبية طرابلس، يومها الثاني بين الميلشيات المسلحة التي تتصارع على النفوذ والسلطة، فيما استمرت حكومة الوفاق الوطني، المدعومة من بعثة الأمم المتحدة برئاسة فائز السراج، في غيابها عن المشهد السياسي والعسكري المتأزم، ولم تصدر أي بيانات رسمية.
وقال مسؤول أمني في طرابلس، لـ«الشرق الأوسط»، إنه على الرغم من أن مقرات المؤتمر الوطني العام (البرلمان) السابق المنتهية ولايته، بالإضافة إلى حكومة الإنقاذ الوطني الموالية له برئاسة خليفة الغويل، لم تكن ضمن دائرة خطوط النار؛ لكنها كانت على حدوده وفي محيطه، مشيرا إلى أن الأمن الرئاسي انتشر وأخرج سلاحه الثقيل والخفيف، كما فعلت أغلب الكتائب المسلحة التي لا تخضع لسيطرة أي من الحكومات الثلاث، التي تدعي كل منها أنها صاحبة الشرعية الوحيدة في البلاد.
وتصاعدت أعمدة الدخان في أكثر من منطقة سكنية داخل طرابلس، بينما شوهد مسلحون يستخدمون قذائف «آر بي جي» بين ممرات المنازل في منطقة باب بن غشير، حيث قال سكان محليون ومسؤول أمني في طرابلس لـ«الشرق الأوسط» إن أصوات الانفجارات لم تتوقف أمس بين الميلشيات التي حشدت أسلحتها الثقيلة، واتخذت مواقع للقتال في أجزاء كثيرة من المدينة.
ودعا «الهلال الأحمر» العائلات الموجودة بمحيط الاشتباكات إلى عدم الخروج من بيوتهم إلا بعد وصول عناصره إليهم، بينما قال الدفاع المدني إن الاشتباكات العنيفة التي جرت أمس بشكل متقطع منعته من الوصول إلى مناطق اشتعلت فيها الحرائق بالعاصمة.
وجرت اشتباكات عنيفة في أحياء أبو سليم والهضبة، كما اندلعت معارك في محيط مبان تشغلها حكومة الغويل بالقرب من فندق «ريكسوس»، قبل أن تمتد إلى أجزاء أخرى من جنوب العاصمة.
وأعلنت «كتيبة ثوار طرابلس»، التي يقودها ضابط الشرطة السابق هيثم التاجوري، أنها سيطرت على منطقة غابة النصر بالكامل المحاذية لمجمع قاعات «ريكسوس» وقصور الضيافة، وقالت إن الغابة ستصبح متنزها وفضاء عاما لكل سكان طرابلس، وزعمت أنها ستسلم غابة النصر لوزارة الشباب والرياضة ولإدارة نادي الوحدة، ودعت المسؤولين والرياضيين القدامى والنشطاء للتواصل معها خاصة. كما عرضت الكتيبة عبر صفحتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» صورا فوتوغرافية، قالت إنها لمفخخات وألغام مجهزة للتفجير عثرت عليها بعد اقتحامها معسكر كتيبة الإحسان التابعة لوزارة الدفاع. وأوضحت الكتيبة أن بداية الاشتباكات تمت مع كتيبة متمركزة في غابة النصر تحوم حولها الشبهات، وتأوي عناصر مريبة من داخل وخارج طرابلس، وتهدد الأمن العام، ثم امتد الأمر لإحدى الفرق التي تتآمر على طرابلس من داخلها وفي أهم أحيائها زاوية الدهماني.
وأوضح عمر حميدان، الناطق باسم برلمان طرابلس غير المعترف به دوليا، أن الفوضى الأمنية التي تسود طرابلس الآن، وانقسام الصف والصراع على المكاسب السياسية والمصالح والنفوذ بين أبناء طرابلس، كان بسبب حكومة السراج، التي قال إنها دبرت ما وصفه بانقلاب عسكري، وجاءت مدعومة من قوى خارجية ومحمية من بعض الكتائب من الداخل، مؤكدا أن الوضع جد خطير الآن بين كتائب طرابلس وثوارها، ويهدد بنشوب حرب أهلية داخلها، وأوضح أن المؤتمر الوطني العام وحكومة الإنقاذ، باعتبارهم السلطات السياسية الشرعية، يبذلون، بتواصل مع أعيان وحكماء طرابلس، جهدهم لوضع حد لإنهاء هذه الأزمة وإطفاء جذوة الصراع بين ثوار طرابلس.
إلى ذلك، نفت إدارة مطار معيتيقة الدولي بطرابلس توقف الرحلات الجوية، مشيرة إلى أن الأوضاع طبيعية بالمطار ومحيطه، ولا صحة لما يشاع عن إخلاء المطار من الطائرات. لكن جامعة طرابلس أعلنت تأجيل الدراسة فيها إلى الأسبوع المقبل، وسط حالة من الترقب تسود المدينة التي كثيرا ما تدور اشتباكات فيها بين الفصائل المسلحة التي تمسك بزمام السلطة الفعلية.
ويسيطر على طرابلس خليط من الجماعات المسلحة، التي يتمتع بعضها بوضع شبه رسمي. وغالبا ما يندلع القتال بسبب الصراع على النفوذ، أو لشن هجمات انتقامية، في حين أن الجماعات المسلحة مقسمة أيضا بين تلك التي تساند الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة، وأخرى تعارضها. وإلى جانب الدوافع السياسية، هناك خصومة بين مجموعات متشددة من جهة، ومجموعات أخرى مناهضة لحكومة الوفاق الوطني وموالية لرئيس دار الإفتاء الشيخ المثير للجدل الصادق الغرياني، من جهة ثانية.
وقد تصاعد التوتر بين الجهتين منذ إعلان دار الإفتاء الليبية مقتل أحد أبرز أعضائها الشيخ نادر العمراني، الذي خطف قبل أكثر من شهر من أمام مسجد في طرابلس في ظروف غامضة.
من جهته، دعا مجلس النواب، الموجود بمدينة طبرق في أقصى الشرق الليبي، إلى ضرورة إخراج الميليشيات المسلحة من طرابلس، مشيرا إلى أن هذه الميليشيات تستخدم كل أنواع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة؛ بل حتى الدبابات وسط الأحياء السكنية والشوارع والمقار والمؤسسات العامة والخاصة، مروعة الشيوخ والنساء والأطفال من المدنيين العزل.
وناشد رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح جميع العقلاء والحكماء في طرابلس والمنطقة الغربية إلى سرعة التدخل للحفاظ على أرواح الناس في طرابلس وعلى الممتلكات العامة والخاصة.
ومن جانبها، هددت الحكومة الانتقالية، الموالية للمجلس برئاسة عبد الله الثني، بأنها ستلجأ إلى استخدام جميع السبل المتاحة لدعم الجيش، منددة بما وصفته بالصمت المخزي للمجتمع الدولي والموقف المكشوف من الدول الداعمة والراعية للإرهاب، الذي يستمر في العبث بالأرواح تجاه ما تشهده العاصمة طرابلس على مقربة من مقر ما يعرف بالمجلس الرئاسي من اشتباكات بجميع أنواع الأسلحة، لجماعات خارجة عن القانون، معتبرة ذلك انتهاكا صارخا لكل الأعراف والمواثيق الإنسانية والدولية، وضربا لكل القرارات، التي صدرت عن مجلس الأمن والأمم المتحدة، عرض الحائط، ووضع مصداقيتهما على المحك أمام شعوب العالم قاطبة. كما لفتت النظر إلى اختفاء كل مظاهر الحياة المدنية داخل طرابلس، التي لم يعد يسمع فيها سوى صراخ النساء والأطفال، ولم يعد يشتم فيها إلا رائحة الموت.
في المقابل، أعرب رئيس بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، مارتن كوبلر، عن جزعه البالغ إزاء المواجهات الجارية في طرابلس، وناشد القوات المنخرطة في أعمال العنف هناك أن توقف القتال فورًا، وأن يتم تغليب صوت الحكمة.
وقال كوبلر، في بيان وزعته البعثة الدولية، إنه «من غير المقبول على الإطلاق أن تتقاتل الجماعات المسلحة لفرض مصالحها وسيطرتها، وبخاصة في المناطق السكنية، حيث أدى ذلك إلى ترويع السكان»، مؤكدا ضرورة تنفيذ الترتيبات الأمنية الواردة في الاتفاق السياسي الليبي لتخليص المدن الليبية من الجماعات المسلحة، واستعادة النظام والأمن لشعب ليبيا.
وبخصوص الأوضاع المضطربة في طرابلس، قال بيتر ميليت، السفير البريطاني لدي ليبيا، في تغريدة له عبر موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، إنه قلق بشأن ما سماه الاشتباكات العنيفة في طرابلس، معتبرا الشعب الليبي يستحق العيش في بلاده بسلام.
فيما أعربت وزارة الخارجية الفرنسية في بيان لها عن قلقها من تصاعد العنف بين المجموعات المسلحة في طرابلس، مشيرة إلى أنها على اتصال بالسراج وتدعم جهوده لاستعادة سلطة الدولة وبخاصة في طرابلس.
من جهة أخرى، قالت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إن مقاتلي تنظيم داعش أصبحوا لا يسيطرون سوى على منطقة صغيرة جدا في معقلهم السابق في مدينة سرت الليبية، إذ قال المتحدث باسم البنتاغون، كابتن البحرية جيف ديفيس، إن المتطرفين المتبقين «قلة ولكنهم صامدون ويقاتلون حتى الموت»، ووصف المنطقة التي يسيطرون عليها بأنها «منطقة عنيدة.. وهذه آخر معاقل (داعش) في سرت وهم يقاتلون بضراوة».
وكان التنظيم يسيطر على المدينة المتوسطية بالكامل حتى الصيف الماضي، مرسخا وجوده في ليبيا. وقد بدأت الولايات المتحدة حملة قصف في أغسطس (آب) الماضي بطلب من الحكومة الليبية المدعومة من الأمم المتحدة لمساعدة القوات المحلية على استعادة المدينة بعد أكثر من عام على سيطرة التنظيم المتطرف عليها.
ورغم أن العملية استغرقت أطول من المدة اللازمة بأشهر؛ فإنها قلصت سيطرة التنظيم على المدينة، وأصبح لا يسيطر سوى على نحو خمسين مبنى فيها.
وسيمثل سقوط سرت، مسقط رأس العقيد الراحل معمر القذافي، ضربة قوية للمتطرفين الذين يواجهون سلسلة من النكسات وهجمات واسعة في سوريا والعراق.
وشنت المقاتلات والطائرات من دون طيار والمروحيات الأميركية 467 غارة منذ بدء العملية الجوية مطلع أغسطس الماضي. وغادرت السفينة العسكرية البرمائية «يو إس إس واسب» وكتيبتها من الطائرات المقاتلة التي شاركت في الضربات الأولية، وتستخدم القوات الأميركية الطائرات من دون طيار لشن الضربات الجوية حاليا.



«وزاري عربي» يدين إغلاق «هرمز» ويطالب إيران بالتعويض وجبر الضرر

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

«وزاري عربي» يدين إغلاق «هرمز» ويطالب إيران بالتعويض وجبر الضرر

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)

أدان وزراء الخارجية العرب التهديدات الإيرانية الرامية إلى إغلاق مضيق هرمز وتعطيل الملاحة الدولية، مطالبين في اجتماع، الثلاثاء، عبر تقنية الاتصال المرئي، بإلزام طهران بالتعويض وجبر الضرر عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن هذه التهديدات.

وأكد الأمين العام للجامعة، أحمد أبو الغيط، أن «الدول العربية لم تكن ولن تكون رهينة في يد إيران لتصفية الحسابات».

وبناء على طلب البحرين، عقد مجلس جامعة الدول العربية على المستوى وزراء الخارجية، الثلاثاء، اجتماعاً غير عادي، لـ«بحث الهجمات الإيرانية ضد الدول العربية والتزامات إيران المترتبة بموجب القانون الدولي والجهود المبذولة لإنهاء الأزمة التي تشهدها المنطق».

وجدد وزراء الخارجية إدانتهم «بأشد العبارات للهجمات الإيرانية السافرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد الأردن والإمارات، والبحرين، والسعودية، وسلطنة عُمان، وقطر، والكويت، والعراق»، وعدُّوها، بحسب القرار الصادر عن الاجتماع، «انتهاكاً جسيماً لسيادة تلك الدول، يقوض السلم والأمن في المنطقة، ويمثل خرقاً صارخاً للقانون الدولي... ويشكل تهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين».

وأكدوا أن «إيران تتحمل المسؤولية الدولية الكاملة عن هجماتها غير المشروعة وغير المبررة ضد الدول العربية، وأنها ملزمة، بموجب قواعد القانون الدولي، بجبر الضرر الكامل عن جميع الأضرار والخسائر الناجمة عن تلك الهجمات، بما في ذلك، الرد، والتعويض، والترضية»، وطالبوها بالوقف الفوري «لجميع هجماتها السافرة ضد الدول العربية والامتثال لالتزاماتها الدولية».

آلية لتوثيق الانتهاكات

أعاد الوزراء التأكيد على «دعم الدول العربية الكامل لحق الدول العربية المتضررة في اللجوء إلى المؤسسات الدولية والإقليمية لاستصدار قرارات تدين هذه الهجمات وتحمّل إيران المسؤولية عن تبعاتها»، داعين الهيئات العربية والإقليمية المختصة بالتنسيق مع الدول المتضررة إلى النظر في إنشاء آليات مناسبة «لتوثيق الانتهاكات وتقييم الأضرار والخسائر ومتابعة السبل الكفيلة بجبر الضرر عبر الوسائل الدبلوماسية والقانونية وغيرها من الوسائل السلمية».

وجدد الوزراء «إدانتهم للإجراءات والتهديدات الإيرانية الهادفة إلى إغلاق مضيق هرمز وباب المندب بعدّها انتهاكاً لأحكام القانون الدولي ولمبدأ حرية الملاحة في المضايق الدولية». وأكدوا في هذا الصدد على حق الدول العربية في الدفاع عن سفنها ووسائل نقلها وفقاً للقانون الدولي.

وكيل وزارة الخارجية السعودية عبد الرحمن الرسي خلال رئاسة وفد المملكة في الاجتماع (حساب الخارجية السعودية على منصة «إكس»)

وشدد وزراء الخارجية العرب على «رفض واستنكار استمرار إيران في تمويل وتسليح وتحريك الميلشيات التابعة لها في عدة دول عربية خدمةً لمصالحها، وبما يُشكل تهديداً خطيراً لأمن واستقرار تلك الدول والمنطقة». وجددوا التأكيد على الحق الأصيل للدول العربية المتضررة في الدفاع عن النفس، فردياً أو جماعياً، وفقاً للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة.

وقال أبو الغيط في كلمته إن الاجتماع «لا يهدف فقط إلى إدانة الهجمات الإيرانية الآثمة على عدد من الدول العربية»، وإنما يستهدف «مطالبة المجتمع الدولي بتحميل المعتدي كامل المسؤولية عن اعتداءاته غير القانونية وغير المبررة وغير المقبولة على عدد من الدول العربية».

«خرق جسيم»

وأضاف الأمين العام للجامعة العربية أن إيران لم تمتثل لقرار مجلس الأمن 2817 الصادر في 11 مارس (آذار) الماضي بالوقف الفوري للعدوان، ولم تعترف بأن اعتداءاتها على الدول العربية في الخليج والأردن والعراق مثَّلت خرقاً جسيماً للقانون الدولي، وانتهاكاً مرفوضاً لسيادة الدول، وتجاوزاً صارخاً لكل معاني حُسن الجوار.

وطالب أبو الغيط إيران بـ«الامتثال فوراً لقرار مجلس الأمن، وبتحمل المسؤولية كاملةً عما تسببت فيه هذه الهجمات غير المشروعة من أضرار وخسائر، بما يقتضي التعويض وجبر الضرر بحسب ما ينص عليه القانون الدولي في هذه الحالات».

وقال إن «تصورات إيران عن التحكم في الخليج العربي وفي مضيق هرمز باطلة قانوناً، ولا تستند لحجة أو مسوغ، ومرفوضة جملة وتفصيلاً».

وأكد أن «حرية الملاحة في المضايق والممرات الدولية، ومنها مضيق هرمز، أمرٌ كفله القانون الدولي... ولا يمكن لإيران أن تنتزع لنفسها حق التحكم في مضيق هرمز، لأنها ببساطة لا تملكه».

واستطرد قائلاً إن الجامعة العربية «تعتبر الاعتداء على أي دولة عربية، أو ممارسة التهديد والترويع ضد سكانها المدنيين، اعتداءً على الدول العربية جميعاً»، مؤكداً أن «الجميع يقف صفاً واحداً في التضامن مع الدول التي تعرضت للهجمات الآثمة». وشدد على أن «هذه الاعتداءات الغاشمة سوف تنتهي، وستخرج الدول العربية من هذه الأزمة أكثر قوة وأشد ترابطاً وتعاضداً».

تنسيق وتشاور

وهذه هي المرة الثالثة، منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، التي يجتمع فيها مجلس الجامعة على المستوى الوزاري لبحث تطورات التصعيد الإقليمي.

وكان وزراء الخارجية العرب قد أدانوا في اجتماع طارئ عبر تقنية الاتصال المرئي يوم 8 مارس (آذار) اعتداءات طهران على دول عربية، وأكدوا تأييد جميع الإجراءات التي تتخذها تلك الدول، بما في ذلك خيار الرد على الاعتداءات. ثم جددوا إدانتهم للاعتداءات في اجتماع الدورة العادية الـ165 نهاية الشهر الماضي التي اقتصرت أعمالها على مناقشة الاعتداءات الإيرانية على دول عربية.

وتأتي الاجتماعات العربية المتكررة في سياق التنسيق والتشاور العربي وتأكيد التضامن والدعم لدول الخليج، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، رخا أحمد حسن، الذي قال لـ«لشرق الأوسط» إن الاجتماعات المتتالية «تستهدف تأكيد دعم دول المنطقة التي تعرضت لخسائر مادية واقتصادية بسبب الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران»، مشيراً إلى تأثر سلاسل الإمداد بسبب تهديد إيران للملاحة في مضيق هرمز الذي قال إنه مضيق دولي لا يحق لطهران التحكم فيه بموجب القانون الدولي.

Your Premium trial has ended


لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.