قلق محلي ودولي من استمرار حرب الشوارع بين الميليشيات في طرابلس

البنتاغون: «داعش» لم يعد موجودًا سوى داخل منطقة صغيرة جدًا في سرت

مقاتلون ليبيون خلال مواجهات أمس مع فلول داعش في منطقة الجيزة البحرية داخل مدينة سرت (رويترز)
مقاتلون ليبيون خلال مواجهات أمس مع فلول داعش في منطقة الجيزة البحرية داخل مدينة سرت (رويترز)
TT

قلق محلي ودولي من استمرار حرب الشوارع بين الميليشيات في طرابلس

مقاتلون ليبيون خلال مواجهات أمس مع فلول داعش في منطقة الجيزة البحرية داخل مدينة سرت (رويترز)
مقاتلون ليبيون خلال مواجهات أمس مع فلول داعش في منطقة الجيزة البحرية داخل مدينة سرت (رويترز)

دخلت أمس حرب الشوارع، التي تشهدها العاصمة الليبية طرابلس، يومها الثاني بين الميلشيات المسلحة التي تتصارع على النفوذ والسلطة، فيما استمرت حكومة الوفاق الوطني، المدعومة من بعثة الأمم المتحدة برئاسة فائز السراج، في غيابها عن المشهد السياسي والعسكري المتأزم، ولم تصدر أي بيانات رسمية.
وقال مسؤول أمني في طرابلس، لـ«الشرق الأوسط»، إنه على الرغم من أن مقرات المؤتمر الوطني العام (البرلمان) السابق المنتهية ولايته، بالإضافة إلى حكومة الإنقاذ الوطني الموالية له برئاسة خليفة الغويل، لم تكن ضمن دائرة خطوط النار؛ لكنها كانت على حدوده وفي محيطه، مشيرا إلى أن الأمن الرئاسي انتشر وأخرج سلاحه الثقيل والخفيف، كما فعلت أغلب الكتائب المسلحة التي لا تخضع لسيطرة أي من الحكومات الثلاث، التي تدعي كل منها أنها صاحبة الشرعية الوحيدة في البلاد.
وتصاعدت أعمدة الدخان في أكثر من منطقة سكنية داخل طرابلس، بينما شوهد مسلحون يستخدمون قذائف «آر بي جي» بين ممرات المنازل في منطقة باب بن غشير، حيث قال سكان محليون ومسؤول أمني في طرابلس لـ«الشرق الأوسط» إن أصوات الانفجارات لم تتوقف أمس بين الميلشيات التي حشدت أسلحتها الثقيلة، واتخذت مواقع للقتال في أجزاء كثيرة من المدينة.
ودعا «الهلال الأحمر» العائلات الموجودة بمحيط الاشتباكات إلى عدم الخروج من بيوتهم إلا بعد وصول عناصره إليهم، بينما قال الدفاع المدني إن الاشتباكات العنيفة التي جرت أمس بشكل متقطع منعته من الوصول إلى مناطق اشتعلت فيها الحرائق بالعاصمة.
وجرت اشتباكات عنيفة في أحياء أبو سليم والهضبة، كما اندلعت معارك في محيط مبان تشغلها حكومة الغويل بالقرب من فندق «ريكسوس»، قبل أن تمتد إلى أجزاء أخرى من جنوب العاصمة.
وأعلنت «كتيبة ثوار طرابلس»، التي يقودها ضابط الشرطة السابق هيثم التاجوري، أنها سيطرت على منطقة غابة النصر بالكامل المحاذية لمجمع قاعات «ريكسوس» وقصور الضيافة، وقالت إن الغابة ستصبح متنزها وفضاء عاما لكل سكان طرابلس، وزعمت أنها ستسلم غابة النصر لوزارة الشباب والرياضة ولإدارة نادي الوحدة، ودعت المسؤولين والرياضيين القدامى والنشطاء للتواصل معها خاصة. كما عرضت الكتيبة عبر صفحتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» صورا فوتوغرافية، قالت إنها لمفخخات وألغام مجهزة للتفجير عثرت عليها بعد اقتحامها معسكر كتيبة الإحسان التابعة لوزارة الدفاع. وأوضحت الكتيبة أن بداية الاشتباكات تمت مع كتيبة متمركزة في غابة النصر تحوم حولها الشبهات، وتأوي عناصر مريبة من داخل وخارج طرابلس، وتهدد الأمن العام، ثم امتد الأمر لإحدى الفرق التي تتآمر على طرابلس من داخلها وفي أهم أحيائها زاوية الدهماني.
وأوضح عمر حميدان، الناطق باسم برلمان طرابلس غير المعترف به دوليا، أن الفوضى الأمنية التي تسود طرابلس الآن، وانقسام الصف والصراع على المكاسب السياسية والمصالح والنفوذ بين أبناء طرابلس، كان بسبب حكومة السراج، التي قال إنها دبرت ما وصفه بانقلاب عسكري، وجاءت مدعومة من قوى خارجية ومحمية من بعض الكتائب من الداخل، مؤكدا أن الوضع جد خطير الآن بين كتائب طرابلس وثوارها، ويهدد بنشوب حرب أهلية داخلها، وأوضح أن المؤتمر الوطني العام وحكومة الإنقاذ، باعتبارهم السلطات السياسية الشرعية، يبذلون، بتواصل مع أعيان وحكماء طرابلس، جهدهم لوضع حد لإنهاء هذه الأزمة وإطفاء جذوة الصراع بين ثوار طرابلس.
إلى ذلك، نفت إدارة مطار معيتيقة الدولي بطرابلس توقف الرحلات الجوية، مشيرة إلى أن الأوضاع طبيعية بالمطار ومحيطه، ولا صحة لما يشاع عن إخلاء المطار من الطائرات. لكن جامعة طرابلس أعلنت تأجيل الدراسة فيها إلى الأسبوع المقبل، وسط حالة من الترقب تسود المدينة التي كثيرا ما تدور اشتباكات فيها بين الفصائل المسلحة التي تمسك بزمام السلطة الفعلية.
ويسيطر على طرابلس خليط من الجماعات المسلحة، التي يتمتع بعضها بوضع شبه رسمي. وغالبا ما يندلع القتال بسبب الصراع على النفوذ، أو لشن هجمات انتقامية، في حين أن الجماعات المسلحة مقسمة أيضا بين تلك التي تساند الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة، وأخرى تعارضها. وإلى جانب الدوافع السياسية، هناك خصومة بين مجموعات متشددة من جهة، ومجموعات أخرى مناهضة لحكومة الوفاق الوطني وموالية لرئيس دار الإفتاء الشيخ المثير للجدل الصادق الغرياني، من جهة ثانية.
وقد تصاعد التوتر بين الجهتين منذ إعلان دار الإفتاء الليبية مقتل أحد أبرز أعضائها الشيخ نادر العمراني، الذي خطف قبل أكثر من شهر من أمام مسجد في طرابلس في ظروف غامضة.
من جهته، دعا مجلس النواب، الموجود بمدينة طبرق في أقصى الشرق الليبي، إلى ضرورة إخراج الميليشيات المسلحة من طرابلس، مشيرا إلى أن هذه الميليشيات تستخدم كل أنواع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة؛ بل حتى الدبابات وسط الأحياء السكنية والشوارع والمقار والمؤسسات العامة والخاصة، مروعة الشيوخ والنساء والأطفال من المدنيين العزل.
وناشد رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح جميع العقلاء والحكماء في طرابلس والمنطقة الغربية إلى سرعة التدخل للحفاظ على أرواح الناس في طرابلس وعلى الممتلكات العامة والخاصة.
ومن جانبها، هددت الحكومة الانتقالية، الموالية للمجلس برئاسة عبد الله الثني، بأنها ستلجأ إلى استخدام جميع السبل المتاحة لدعم الجيش، منددة بما وصفته بالصمت المخزي للمجتمع الدولي والموقف المكشوف من الدول الداعمة والراعية للإرهاب، الذي يستمر في العبث بالأرواح تجاه ما تشهده العاصمة طرابلس على مقربة من مقر ما يعرف بالمجلس الرئاسي من اشتباكات بجميع أنواع الأسلحة، لجماعات خارجة عن القانون، معتبرة ذلك انتهاكا صارخا لكل الأعراف والمواثيق الإنسانية والدولية، وضربا لكل القرارات، التي صدرت عن مجلس الأمن والأمم المتحدة، عرض الحائط، ووضع مصداقيتهما على المحك أمام شعوب العالم قاطبة. كما لفتت النظر إلى اختفاء كل مظاهر الحياة المدنية داخل طرابلس، التي لم يعد يسمع فيها سوى صراخ النساء والأطفال، ولم يعد يشتم فيها إلا رائحة الموت.
في المقابل، أعرب رئيس بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، مارتن كوبلر، عن جزعه البالغ إزاء المواجهات الجارية في طرابلس، وناشد القوات المنخرطة في أعمال العنف هناك أن توقف القتال فورًا، وأن يتم تغليب صوت الحكمة.
وقال كوبلر، في بيان وزعته البعثة الدولية، إنه «من غير المقبول على الإطلاق أن تتقاتل الجماعات المسلحة لفرض مصالحها وسيطرتها، وبخاصة في المناطق السكنية، حيث أدى ذلك إلى ترويع السكان»، مؤكدا ضرورة تنفيذ الترتيبات الأمنية الواردة في الاتفاق السياسي الليبي لتخليص المدن الليبية من الجماعات المسلحة، واستعادة النظام والأمن لشعب ليبيا.
وبخصوص الأوضاع المضطربة في طرابلس، قال بيتر ميليت، السفير البريطاني لدي ليبيا، في تغريدة له عبر موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، إنه قلق بشأن ما سماه الاشتباكات العنيفة في طرابلس، معتبرا الشعب الليبي يستحق العيش في بلاده بسلام.
فيما أعربت وزارة الخارجية الفرنسية في بيان لها عن قلقها من تصاعد العنف بين المجموعات المسلحة في طرابلس، مشيرة إلى أنها على اتصال بالسراج وتدعم جهوده لاستعادة سلطة الدولة وبخاصة في طرابلس.
من جهة أخرى، قالت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إن مقاتلي تنظيم داعش أصبحوا لا يسيطرون سوى على منطقة صغيرة جدا في معقلهم السابق في مدينة سرت الليبية، إذ قال المتحدث باسم البنتاغون، كابتن البحرية جيف ديفيس، إن المتطرفين المتبقين «قلة ولكنهم صامدون ويقاتلون حتى الموت»، ووصف المنطقة التي يسيطرون عليها بأنها «منطقة عنيدة.. وهذه آخر معاقل (داعش) في سرت وهم يقاتلون بضراوة».
وكان التنظيم يسيطر على المدينة المتوسطية بالكامل حتى الصيف الماضي، مرسخا وجوده في ليبيا. وقد بدأت الولايات المتحدة حملة قصف في أغسطس (آب) الماضي بطلب من الحكومة الليبية المدعومة من الأمم المتحدة لمساعدة القوات المحلية على استعادة المدينة بعد أكثر من عام على سيطرة التنظيم المتطرف عليها.
ورغم أن العملية استغرقت أطول من المدة اللازمة بأشهر؛ فإنها قلصت سيطرة التنظيم على المدينة، وأصبح لا يسيطر سوى على نحو خمسين مبنى فيها.
وسيمثل سقوط سرت، مسقط رأس العقيد الراحل معمر القذافي، ضربة قوية للمتطرفين الذين يواجهون سلسلة من النكسات وهجمات واسعة في سوريا والعراق.
وشنت المقاتلات والطائرات من دون طيار والمروحيات الأميركية 467 غارة منذ بدء العملية الجوية مطلع أغسطس الماضي. وغادرت السفينة العسكرية البرمائية «يو إس إس واسب» وكتيبتها من الطائرات المقاتلة التي شاركت في الضربات الأولية، وتستخدم القوات الأميركية الطائرات من دون طيار لشن الضربات الجوية حاليا.



لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
TT

لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.

نفت مصادر تحدَّثت مع «الشرق الأوسط» صحة وقوع محاولة إنزال لطائرة في جزيرة ميون، بعدما تضاربت أقوال المصادر اليمنية العسكرية في تسريب النبأ ونفيه، مما جعل مسألة الطائرة وتحليقها لغزاً يمنياً.

بدأت القصة عندما تحدَّث أكثر من مصدر مع «الشرق الأوسط»، يوم الأربعاء، عن محاولة هبوط طائرة عسكرية مجهولة بشكل مفاجئ في مدرج الجزيرة، غير أنَّ القوات الحكومية تصدَّت لها ومنعتها من الاقتراب؛ مما اضطرها إلى الانسحاب وفقاً لتلك المصادر.

جاء النفي اليمني الأول عن طريق مدير عام خفر السواحل بقطاع البحر الأحمر، العميد عبد الجبار الزحزوح، الذي قال وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ): «لم يتم رصد أي نشاط جوي غير اعتيادي، كما لم تُسجَّل أي محاولات إنزال من أي نوع».

النفي الثاني جاء على لسان مدير المركز الإعلامي لـ«ألوية العمالقة» الجنوبية، أصيل السقلدي، الذي قال في منشور على منصة «إكس» إن الطائرة التي حلقت في سماء باب المندب وجزيرة ميون وتعاملت معها القوات هي «طائرة مسيّرة معادية».

أهمية حديث السقلدي تتمثَّل في وجود قوات تتبع «ألوية العمالقة» في الجزيرة، وهو ما فتح باب السؤال: هل كانت هناك طائرة أو مسيّرة مثلما يقول السقلدي، أم أنَّه بالفعل لم يتم تسجيل أي نشاط جوي غير اعتيادي مثلما قال الزحزوح؟.

النفي الثالث جاء ليكون وسطاً، وعلى لسان اللواء الركن خالد القملي رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية الذي نفى وجود محاولة إنزال عسكري في الجزيرة، لكنه حلَّ لغز الطائرة بالقول إن ما حدث خلال اليومين الماضيين هو «مجرد تحليق لطائرة عسكرية تابعة لدولة صديقة في أجواء البحر الأحمر، وهو إجراء روتيني في ظلِّ الأوضاع الحالية».


بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
TT

بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)

أظهرت بيانات حكومية يمنية حديثة أن ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد الوطني خسائر فادحة، لا سيما مع استمرار منع تصدير النفط الخام وتهديد موانئه وناقلاته، الأمر الذي حرم الحكومة من أحد أهم مواردها المالية، وأدى إلى تفاقم العجز المالي وارتفاع مستويات الدين الداخلي، في وقت تحاول فيه السلطات تعزيز مسار التعافي الاقتصادي والانتقال نحو مشاريع تنموية أكثر استدامة.

وبحسب تقرير التطورات النقدية الصادر عن البنك المركزي اليمني، فإن التنفيذ الفعلي للموازنة العامة حتى نهاية عام 2025، سجل عجزاً نقدياً تجاوز 48 في المائة من إجمالي الإنفاق العام، وهو مستوى يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة في ظل تراجع الإيرادات السيادية.

ووفق البيانات، بلغت الإيرادات العامة نحو 1,435.2 مليار ريال يمني (نحو 870 مليون دولار)، مقابل نفقات وصلت إلى 2,773.5 مليار ريال (نحو 1.68 مليار دولار)، ما أدى إلى تسجيل عجز بقيمة 1,338.2 مليار ريال (نحو 811 مليون دولار).

ويرتبط هذا التدهور بشكل مباشر بتوقف صادرات النفط، التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لتمويل الموازنة، قبل أن تتعرض موانئ التصدير في حضرموت وشبوة لهجمات عطّلت عمليات الشحن، وأثارت مخاوف الشركات والملاحة البحرية.

ارتفاع ميزانية البنوك اليمنية يعكس استمرار النشاط المصرفي رغم التحديات (إعلام حكومي)

وفي موازاة ذلك، أظهرت البيانات ارتفاع الدين العام الداخلي بنسبة 8.8 في المائة، ليصل إلى 8,596.7 مليار ريال يمني (نحو 5.21 مليار دولار)، مقارنة بـ7,901.2 مليار ريال في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته.

ويشير التقرير إلى أن الاقتراض المباشر من البنك المركزي شكّل المصدر الأساسي لتمويل هذا الدين، بحصة بلغت 90.8 في المائة، وهو ما يعكس اعتماد الحكومة على التمويل النقدي لتغطية فجوة العجز، في ظل محدودية البدائل التمويلية الأخرى.

في المقابل، أسهمت أدوات الدين التقليدية، مثل أذون الخزانة والسندات والصكوك الإسلامية، بنسبة 9.2 في المائة فقط من إجمالي الدين، ما يبرز ضعف سوق الدين المحلية وتحديات تنشيطها في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

مؤشرات نقدية

على صعيد المؤشرات النقدية، أظهرت بيانات البنك المركزي اليمني ارتفاع الأصول الخارجية إلى 1,933.3 مليار ريال (نحو 1.17 مليار دولار) بنهاية ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بالشهر السابق، في مؤشر محدود على تحسن الاحتياطيات.

كما ارتفع رصيد العملة المصدرة إلى 3,641.1 مليار ريال يمني، بزيادة طفيفة، في حين سجلت القاعدة النقدية نمواً بنحو 122 مليار ريال لتصل إلى 4,444.4 مليار ريال، وهو ما يعكس توسعاً نقدياً قد يفرض ضغوطاً تضخمية في حال عدم ضبطه. (الدولار الواحد نحو 1600 ريال يمني).

الحكومة اليمنية حرمت من أهم مواردها المالية جراء توقف تصدير النفط (إعلام حكومي)

وبالمثل، ارتفع العرض النقدي الواسع إلى 11,429.3 مليار ريال يمني، وسط مساعٍ للحفاظ على استقرار السوق النقدية، في بيئة تتسم بتحديات مركبة تشمل تراجع الإيرادات، وانقسام المؤسسات المالية، وتقلبات سعر الصرف.

في سياق متصل، ارتفعت الميزانية الموحدة للبنوك التجارية والإسلامية إلى 12,341.8 مليار ريال (نحو 7.48 مليار دولار)، ما يشير إلى استمرار نشاط القطاع المصرفي رغم التحديات، وإن كان ذلك ضمن بيئة عالية المخاطر.

توجه حكومي

في موازاة هذه التحديات، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لتعزيز الشراكة مع المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي، لدعم مسار التعافي الاقتصادي وتوسيع البرامج التنموية.

وخلال لقاء في عدن، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات المرحلة المقبلة.

وتناول اللقاء استعراض المشاريع الممولة في مجالات الخدمات الأساسية والبنية التحتية، إلى جانب الإصلاحات المؤسسية وبناء القدرات، مع التركيز على تحسين كفاءة التنفيذ وضمان تحقيق أثر مباشر على حياة المواطنين.

اللقاءات اليمنية مع البنك الدولي تركز على دعم التعافي والاستدامة (إعلام حكومي)

وأكدت الحكومة اليمنية أهمية توافق برامج البنك الدولي مع أولوياتها الوطنية، لا سيما في قطاعات الصحة والتعليم والمياه، إلى جانب دعم خلق فرص العمل وتمكين النساء اقتصادياً.

كما شددت على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية الطارئة إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع تعزيز دور المؤسسات الوطنية وتمكينها من إدارة البرامج بكفاءة واستقلالية.

من جانبه، أكد البنك الدولي أهمية تنسيق الجهود بين الحكومة وشركاء التنمية، والعمل على تحسين كفاءة استخدام الموارد، ودعم القطاعات الحيوية، خصوصاً الطاقة والبنية التحتية والتعليم، بما يسهم في تحقيق استقرار اقتصادي تدريجي.

ويأتي هذا التوجه في ظل إدراك متزايد بأن استمرار الاعتماد على المساعدات الطارئة لم يعد كافياً، وأن المرحلة تتطلب بناء أسس تنموية قادرة على الصمود، وتوفير فرص اقتصادية مستدامة، رغم التحديات التي تفرضها الأوضاع الأمنية والسياسية.


الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)

هددت الجماعة الحوثية بما وصفته بـ«التصعيد التدريجي»، وذلك بعد تبنّيها رابع هجماتها ضد إسرائيل، وبعد نحو أسبوع من انخراطها في الحرب إلى جانب إيران في سياق الاصطفاف مع ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بقيادة طهران.

وفي ظلّ تصاعد خطاب القوى اليمنية الشرعية، التي تؤكد اقتراب معركة الحسم واستعادة الدولة من قبضة الجماعة، أعلنت إسرائيل أنها تتشاور مع واشنطن بشأن الرد على الهجمات الحوثية، رغم محدودية تأثيرها مقارنة بالكثافة النارية التي تواجهها من إيران و«حزب الله».

وفي بيان متلفز، أعلن المتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، مساء الخميس، أن قوات جماعته نفذت «عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية استهدفت أهدافاً حيوية للعدو الإسرائيلي في منطقة يافا المحتلة»، مدعياً أن العملية جاءت «بالاشتراك مع الإخوة المجاهدين في إيران و(حزب الله) في لبنان»، وأنها «حققت أهدافها بنجاح بفضل الله»، وفق قوله.

عناصر حوثية على متن عربة أمنية في صنعاء (أ.ف.ب)

وأضافت الجماعة في بيانها أن «تدخلها العسكري في هذه المعركة المهمة والاستثنائية هو تدخل تدريجي»، مشيرة إلى أنها «لن تتوقف عند هذا الحد من التدخل، وستتعامل مع التطورات المقبلة وفق ما يحدده العدو من تصعيد أو تهدئة».

الهجوم الأخير يُعد الرابع منذ إعلان الحوثيين انخراطهم المباشر في المواجهة الإقليمية، في تطور يعكس تصاعد التنسيق بين أطراف المحور المدعوم من طهران، والذي يضم إلى جانب الحوثيين كلاً من «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية مسلحة.

مشاغلة للدفاعات

كانت الجماعة الحوثية قد تبنّت، الأربعاء الماضي، هجوماً ثالثاً باتجاه إسرائيل، في وقت أعلن فيه الجيش الإسرائيلي أن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت صاروخاً أُطلق من اليمن «دون تسجيل إصابات أو أضرار»، مؤكداً أن الرصد المبكر مكّن من التعامل مع التهديد.

ويرى مراقبون أن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه الهجمات هو مجرد مشاغلة لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي تواجه بالفعل ضغوطاً نتيجة تعدد مصادر التهديد من إيران ومن «حزب الله».

وفي أول ظهور له بعد إعلان الانخراط، قدّم زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي خطبة مطولة، معلناً الانتقال من الدعم السياسي والإعلامي والدعائي لإيران إلى «الانخراط العملياتي المباشر».

زعيم الحوثيين دعا أتباعه للتعبئة والحشد بالتوازي مع الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (أ.ب)

وأكد الحوثي أن هجمات جماعته تأتي ضمن «العمليات المشتركة لمحور المقاومة»، في إشارة إلى المحور الذي تقوده إيران، زاعماً أن المواجهة الحالية «واجب يتجاوز الحدود الجغرافية»، في محاولة لإضفاء طابع عابر للحدود على الصراع.

كما دافع عن قرار المشاركة في الحرب إلى جانب إيران، معتبراً أن الحياد «ليس خياراً مطروحاً»، في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل اليمن من تداعيات هذا التصعيد على الأوضاع الاقتصادية والأمنية الهشة.

وشدد الحوثي على أتباعه من أجل الاستمرار في المظاهرات الأسبوعية المؤيدة لإيران والانخراط في الحرب إلى جانبها، كما حضّهم على تكثيف التعبئة وحشد طلبة المدارس إلى المعسكرات الصيفية؛ حيث تستغلها الجماعة بشكل سنوي لمزيد من الاستقطاب والتجنيد.

اقتراب الحسم

على الجانب الآخر، جاءت أحدث تصريحات عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، لتأكيد أن «معركة الخلاص من الانقلاب الحوثي باتت قريبة، وأن القوات الوطنية كافة ستخوضها بروح الفريق الواحد واليد الواحدة».

تصريحات صالح -نقلها الإعلام الرسمي- جاءت خلال زيارته قيادة وأفراد اللواء الثاني مغاوير، في الساحل الغربي اليمني؛ حيث أشاد بالدور البطولي للمقاتلين، مؤكداً أن هذه القوات «تُمثل صمام أمان الجمهورية اليمنية»، في رسالة تعكس ثقة متزايدة بقدرة القوات الحكومية على استعادة زمام المبادرة.

ولم يغفل صالح البُعد الإقليمي، إذ أشار إلى أن «الاعتداءات الإيرانية السافرة على دول الخليج والأردن كشفت بوضوح أن مشروع طهران ليس إلا أداة هدم تستهدف الأمة العربية»، مؤكداً أن هذا المشروع «لم يكن يوماً موجهاً نحو إسرائيل التي اتخذتها إيران ذريعة فحسب».

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح (سبأ)

وفي ردٍّ مباشر على مزاعم الحوثيين، قال صالح إن الجماعة «تزعم مواجهة إسرائيل، وتسوّق اتهامات مفضوحة ضد القوى الوطنية... لإيجاد مبرر لقتل اليمنيين»، مذكّراً بأن الحرب ضدها بدأت منذ عام 2004، «أي قبل وقت طويل من التجاذبات الإقليمية».

ووجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني تحيةً إلى مواطنيه في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أنهم «جزء أصيل لا يتجزأ من معركة الخلاص الوطني المقبلة»، في خطاب يجمع بين البُعدين العسكري والوطني، ويعكس حرصاً على توحيد الصف الداخلي.

وشدد صالح على رفع الجاهزية القتالية، وتكثيف التدريب، استعداداً «للمهام الوطنية المقبلة في سبيل استعادة الدولة والجمهورية»، في إشارة إلى مرحلة قد تكون مفصلية في مسار الصراع اليمني، خصوصاً إذا ما اختار الحوثيون العودة للحرب ورفض المسارات السلمية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة.