دخل ماراثون إعداد مشروع الدستور الجديد لتركيا أمتاره الأخيرة بتوافق بين لاعبين اثنين فقط على الساحة السياسية؛ مما ينذر باستقطاب محتمل قد يقود إلى اعتراضات واسعة من جانب المعارضة، وبخاصة العلمانية ممثلة في حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة التركية.
والتقى رئيس الوزراء التركي رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم، بن علي يلدريم، أمس (الخميس) رئيس حزب الحركة القومية دولت بهشلي، الشريك الوحيد في إعداد مشروع الدستور، لبحث التفاصيل النهائية للمشروع الجديد.
وأبدى يلدريم وبهشلي، في تصريحات أعقبت الاجتماع الذي عقد بمقر رئاسة الوزراء في أنقرة، اتفاقا على المواد المقترحة في المشروع، وقال يلدريم إنه تسلم التعديلات التي اقترحتها الحركة القومية على النص وستعرض على اللجنة المركزية لحزب العدالة والتنمية لإبداء الآراء حتى يتم طرح المشروع على البرلمان سريعا.
من جانبه، قال بهشلي إن «الصورة أصبحت واضحة، ولا حاجة إلى التأخير»، مشيرا إلى أن حزبه سيعطي تأييده لمشروع الدستور، وبذلك يمكن الاتجاه للاستفتاء عليه مباشرة بعد ذلك.
وقال يلدريم إنه بعد أن يتم التصويت على المشروع بعدد الأصوات اللازم لطرحه للاستفتاء، وهو 330 صوتا من بين 550 إجمالي أعضاء البرلمان، سيطرح للاستفتاء في غضون شهرين.
وأضاف يلدريم أن «حزب العدالة والتنمية الحاكم أكمل عمله بشأن مقترح تعديل الدستور وتطبيق النظام الرئاسي، وأن حزب الحركة القومية توافق بأغلبية كبيرة على مسودة الاقتراح».
ويحتاج الحزب الحاكم إلى دعم الحركة القومية من أجل تأمين الأغلبية المطلوبة في البرلمان حتى تتم الدعوة لاستفتاء بشأن التغيير الدستوري؛ كون العدالة يمتلك فقط 317 من مقاعد البرلمان.
وقال رئيس اللجنة الدستورية في البرلمان التركي نائب رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم، مصطفى شينتوب، إنه سيتم عرض مشروع الدستور الجديد على البرلمان خلال 15 يوما، وسيتم عرضه على الشعب للتصويت عليه خلال فصل الربيع.
وأشار إلى أن تركيا تدار بدستور 1982، الذي لم يتم إجراء تغييرات عليه سوى 18 مرة، مبينا أن هذا الدستور لم يعد يلبي احتياجات تركيا الحالية.
وأوضح أن هناك تصورا مغلوطا يشاع حول النظام الرئاسي الذي سيتضمنه الدستور الجديد، موضحا أن البعض يفكر في تطبيق النظام الرئاسي، بحيث يصبح النظام التركي على غرار الولايات المتحدة الأميركية «وهذا التصور خاطئ؛ لأن تركيا صاحبة تاريخ طويل».
وأشعل مشروع الدستور الجديد في تركيا، الذي يتضمن انتقالا من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي، مناقشات حادة بين حزب العدالة والتنمية الحاكم وحزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة التركية والذي يرفض تغيير النظام الذي وضعه مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك، معتبرا أن النظام المطروح الآن يكرس لنوع من الديكتاتورية.
لكن حزب الشعب الجمهوري أصبح يقف في جبهة، وحزب العدالة والتنمية الحاكم ومعه حزب الحركة القومية اليميني المعارض في جبهة أخرى، بعد الاستبعاد المسبق لحزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد من مناقشات تعديل الدستور، وخضوعه الآن لعملية ملاحقة لنوابه لاتهامهم بدعم الإرهاب.
وانتقد بن علي يلدريم حزب الشعب الجمهوري ورئيسه كمال كليتشدار أوغلو مرارا، واتهمه بأنه أصبح محاميا لمن يدعمون الإرهاب، في إشارة إلى موقفه الرافض اعتقال النواب الأكراد بالبرلمان، وكذلك موقفه من الدستور الجديد والنظام الرئاسي، قائلا إنه كان عليه الانضمام إلى المناقشات الجارية حول الدستور والإدلاء بوجهات نظر حزبه.
وتمسك كليتشدار أوغلو بأن النظام الرئاسي الذي يسعى إليه الرئيس رجب طيب إردوغان سيكرس الديكتاتورية في تركيا، لافتا في الوقت نفسه إلى أن المناخ السائد حاليا في تركيا لا يجعل أحدا آمنا على نفسه، وأنه بصفته زعيما سياسيا يمكن أن يتعرض للسجن كما حدث في فترات سابقة مع رئيس الوزراء الراحل بولنت أجاويد ورئيس حزب الشعب الجمهوري السابق دنيز بيكال. ويعارض حزب الشعب الجمهوري وحزب الشعوب الديمقراطي، أكبر حزبين معارضين في تركيا، النظام الرئاسي، لكن حزب الحركة القومية غيّر موقفه من الرفض إلى التأييد بعد محاولة الانقلاب الفاشلة.
وقال بن علي يلدريم إن «الحكومة ربما تدعو إلى استفتاء على النظام الرئاسي مهما كان مدى الدعم الذي ستحظى به في البرلمان»، بمعنى أنه حتى لو حصل مشروع الدستور على أغلبية الثلثين (367 صوتا) وهي الأغلبية التي يمر بها المشروع من البرلمان مباشرة، دون الحاجة إلى الاستفتاء. وقال بعض مسؤولي الحزب الحاكم إن «الاستفتاء ربما يجري في ربيع 2017».
وقالت مصادر بحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا لـ«الشرق الأوسط» إنه «من المحتمل أن يتضمن مشروع الدستور الجديد ما بين 50 و100 مادة تتضمن نظاما رئاسيا كاملا، وإلغاء وزارة الدفاع والقضاء العسكري ومجلس التعليم العالي».
وأضافت المصادر، أنه بحسب مشروع الدستور الذي تداول رئيس الوزراء بن علي يلدريم حوله مع رئيس حزب الحركة القومية المعارض دولت بهشلي خلال لقائهما أمس (الخميس) في أنقرة ينص على «نظام رئاسي كامل يكون فيه رئيس الجمهورية هو (رأس الدولة والإدارة) ويدير السياسة الداخلية والخارجية، ويكون هو (القائد الأعلى) للقوات المسلحة».
وبحسب مشروع الدستور، فإن الرئيس سيتمتع أيضا بسلطة التصديق على قرارات البرلمان، وحق استخدام الفيتو على القرارات، كما سيعلن اسم نائب الرئيس قبل إجراء الانتخابات الرئاسية كما هو معمول به في النظام الأميركي.
كما سيكون من بين صلاحيات الرئيس حل البرلمان وإقالة رئيسه، لكن المصادر قالت: إن «بهشلي اعترض على هذه المادة». ويمنح مشروع الدستور الرئيس صلاحية إصدار المراسيم بقرارات.
ويتضمن المشروع الجديد إمكانية التحقيق مع رئيس الجمهورية في حال وجود اتهامات بارتكابه جريمة شخصية أو تتعلق بمنصبه، شرط أن يحظى المقترح بموافقة ثلثي أعضاء البرلمان على الأقل (367 نائبا من بين 550).
وإلى جانب النظام الرئاسي، تتضمن المسودة أيضا إلغاء القضاء العسكري على أن يتولى كل من مجلس الدولة والمحكمة العليا النظر في القضايا التي كان يعنى بها القضاء العسكري، كما سيتولى المجلس الأعلى للقضاة ومدعو العموم تحصين المحكمة العليا ومجلس الدولة؛ على أن يعين الرئيس نصف أعضاء الهيئات القضائية ويختار البرلمان النصف الثاني.
ويتضمن مشروع الدستور أيضا إلغاء وزارة الدفاع وهيئة التعليم العالي. وألمحت المصادر إلى أنه قد يجري تقليص مواد المشروع إلى ما بين 50 و60 مادة بعد استكمال المداولات حوله. وكان حزب العدالة والتنمية الحاكم وحزبا الشعب الجمهوري والحركة القومية المعارضان عقدوا اجتماعات بمقر البرلمان التركي لبحث حزمة تعديلات دستورية مصغرة عقب محاولة الانقلاب الفاشلة.
وجاءت هذه الاجتماعات بعد لقاء عقده الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مع رؤساء أحزاب العدالة والتنمية الحاكم والشعب الجمهوري والحركة القومية، لكن حزب الشعب الجمهوري عارض فيما بعد التوسع في حملات الاعتقالات والوقف عن العمل والفصل التي طالت أكثر من 125 آلف شخص من مختلف القطاعات.
واستثنى إردوغان من الدعوة إلى اجتماعات دراسة تعديل الدستور حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، الذي يتهمه بدعم حزب العمال الكردستاني. ثم تصاعد التوتر بين حزب الشعب الجمهوري والعدالة والتنمية على خلفية توقيف رئيس حزب الشعوب الديمقراطي و10 من نوابه، معتبرا أن ذلك عمل مخالف للدستور التركي.
ومن المتوقع، بحسب محللين، أن تقود هذه التباينات في المواقف إلى حالة استقطاب جديدة تلقي بظلال سلبية على المشهد السياسي في تركيا، في الوقت الذي تواجه فيه انتقادات حادة، وضغوطا من جانب حلفائها في الغرب والاتحاد الأوروبي؛ على خلفية حملات الاعتقالات الموسعة واستهداف النواب الأكراد واعتقالات الصحافيين والتلويح بفرض عقوبة الإعدام؛ ما أدى إلى قرار البرلمان الأوروبي بالتجميد المؤقت لمفاوضات عضويتها في الاتحاد الأوروبي الذي يعتبر مؤشرا سلبيا على إمكانية اتخاذ قرار نهائي بهذا الشأن.
مشروع الدستور التركي الجديد والنظام الرئاسي في أمتارهما الأخيرة
انفراد الحزب الحاكم والحركة القومية بإعداده ينذر باستقطاب سياسي
رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم (يمين) مع رئيس حزب الحركة القومية دولت بهشلي (أ.ب)
مشروع الدستور التركي الجديد والنظام الرئاسي في أمتارهما الأخيرة
رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم (يمين) مع رئيس حزب الحركة القومية دولت بهشلي (أ.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

