العائلات العراقية بين مراكز الاعتقال ونيران «داعش»

الإجراءات الأمنية في المخيمات تقلق منظمات حقوق الإنسان

أطفال عراقيون نازحون من الموصل هرباً من {داعش} يقفون في مخيم ديبكة تمهيداَ لنقلهم إلى أربيل (رويترز)
أطفال عراقيون نازحون من الموصل هرباً من {داعش} يقفون في مخيم ديبكة تمهيداَ لنقلهم إلى أربيل (رويترز)
TT

العائلات العراقية بين مراكز الاعتقال ونيران «داعش»

أطفال عراقيون نازحون من الموصل هرباً من {داعش} يقفون في مخيم ديبكة تمهيداَ لنقلهم إلى أربيل (رويترز)
أطفال عراقيون نازحون من الموصل هرباً من {داعش} يقفون في مخيم ديبكة تمهيداَ لنقلهم إلى أربيل (رويترز)

فر إحسان إسماعيل منذ نحو شهر من قريته أبو جربوعة، شرق الموصل، قبل ساعة فقط من والده ووالدته وشقيقته. نقلته القوات الكردية إلى مخيم الخازر على أن يلحق به أفراد عائلته. لكن هؤلاء نقلوا إلى مخيم آخر، ومنع إحسان من الانضمام إليهم.
وتمنع القوى الأمنية العراقية وقوات البيشمركة الكردية النازحين من الخروج من مخيماتهم، تأخذ هوياتهم فور وصولهم إلى المخيم وتفرض عليهم البقاء داخله. وتبرر ذلك بـ«أسباب أمنية» دفعت منظمة «حقوق الإنسان الدولية» إلى تشبيه الوضع بعملية «احتجاز».
ويقول إحسان (18 عاما) «مر شهر على هذه الحال، أنا في مكان وهم في مكان، ولا يسمح لي بالخروج... كل ما أريده هو أن اذهب إليهم. أفتقدهم كثيرا».
ويتساءل الشاب صاحب العينين الخضراوين والشعر الكستنائي «ما الفرق؟ لا أفهم.. المخيم مخيم والسياج هو ذاته».
في مخيم قيماوة شمال الموصل، لا يمنع النازحون من الحركة فقط، بل أيضا من استخدام الهواتف النقالة، بحسب منظمة «هيومان رايتس ووتش». ونتيجة ذلك لم يتمكن إحسان من التحدث إلى عائلته سوى مرتين فقط خلال شهر، وأثارت الإجراءات الأمنية في المخيمات قلق المنظمات الإنسانية. وتوضح بلقيس ويلي من منظمة حقوق الإنسان «في المخيمات التي تشرف عليها القوات العراقية، لا يسمح للنازحين بالتحرك بتاتا، إلا إذا قررت السلطات نقلهم أو إعادتهم إلى مناطقهم».
وتضيف «في المخيمات تحت سلطة حكومة إقليم كردستان، لا يسمح أيضا للنازحين من الموصل بالتحرك بشكل عام»، مشيرة إلى بعض الاستثناءات المحدودة مثل مخيم ديباجة جنوب الموصل، حيث يسمح للنازحين بالتنقل داخل القرية فقط بعد أن تأخذ منهم هوياتهم ضمانة لعودتهم.
عند مدخل مخيم الخازر الواقع شرق الموصل ويشرف عليه عناصر من البيشمركة سوق صغيرة تتنوع بضائعها بين خضراوات ومواد غذائية وملابس، لكن عملية البيع والشراء تتم من خلف سياج حديدي يفصل بين الباعة وزبائنهم النازحين.
وتقول ويلي «لم أر شيئا من هذا القبيل، إنه أمر مقلق من شأنه أن يؤسس لمسار خطير. أن يمنع آلاف العراقيين من التحرك في بلدهم».
وتتابع: «إنه أمر مرفوض على المستويات الدولية كافة، وحتى إن لم يكن حجزا، فإنه يبدو كذلك في الحقيقة».
ويروي نازحون آخرون قصصا أخرى تشبه قصة إحسان، ويقول فواز خالد (42 عاما) الذي يجلس برفقة شقيقيه وجيرانهم يشربون الشاي في إحدى خيم الخازر: «نحن على هذه الحال منذ 28 أكتوبر (تشرين الأول)، ولا أحد يسمعنا».
ويشرح خالد، وهو أب لتسعة أولاد، كيف وصل إلى المخيم قائلا: «حين رأينا أعلام البيشمركة من داخل القرية (أبو جربوعة)، قررنا الخروج مجموعات صغيرة لكي لا يعتدي علينا الدواعش، خرجت مع شقيقي الاثنين على أن تلحق بنا زوجاتنا».
ويتابع: «وصلنا إلى حاجز البيشمركة، قلنا لهم هناك عائلات خلفنا، أجابوا (نأخذكم ويلحقون بكم)». بعد ثلاثة أيام، سمع خالد أن زوجته وأطفاله وعائلتي شقيقيه في مخيم قيماوة.
يقول: «ذهبت فورا إلى المسؤولين في المخيم وقلت لهم إننا نريد الالتحاق بعائلاتنا، أجابونا إنها إجراءات فقط وسينتهي الأمر بعد عشرة أيام، وها نحن بعد شهر ولم يتغير شيء، أطلب الخروج وهم يرفضون». وبالإضافة إلى اتصالات هاتفية قليلة جدا بينهم وبين زوجاتهم، يأتي أقرباء لهم ليسوا بنازحين لزيارتهم، ويتولون نقل الأخبار بين أفراد العائلة.
وردا على سؤال لوكالة الصحافة الفرنسية حول القيود المفروضة على سكان المخيمات، قال أمين عام وزارة البيشمركة جبار ياور إنه موضوع أمني «نحن في حالة حرب مع جهة إرهابية تستخدم كل الطرق الممكنة لشن عمليات إرهابية داخل المدن، وقد يتسلل عناصر (داعش) بين النازحين وينشئون خلايا سرية».
وأضاف: «هذا أمر طبيعي. يبقى النازحون في المخيمات إلى حين فحصهم من الناحية الأمنية». لكن المشكلة أن هذا الفحص يستغرق أسابيع طويلة جدا. ولم تر شيماء إسماعيل (38 عاما) ابنيها محمد (20 عاما) وأحمد (21 عاما) منذ فرارهم معا من أبو جربوعة. وتفرقت الوالدة التي كانت مع ولديها محمود (16 عاما) وأماني (ثلاث سنوات) عن محمد وأحمد عند حاجز للبيشمركة. ظنت أنها ستلتقي بهم في المخيم، لتفاجأ بأنهم في مخيم آخر.
وتقول بحسرة «طلبت الذهاب عند أولادي، لم يسمحوا لي».
وتضيف وقد وضعت على رأسها شالا ظهر شعرها الكستنائي من تحته «رجوتهم أن اذهب إليهم أو أن يأتوا لي بهم، ولا من مجيب».
وتكلم شيماء ولديها مرة في الأسبوع، فهما يخافان أن يأخذ مسؤولو قيماوة الذي يشرف عليه الأكراد أيضا، الهاتف الخلوي منهما: «يخبراني بأنهما بخير ويقفلان الخط». وتضيف «محروق قلبي على ولادي».
عند مدخل قرية قوقجلي المحاذية للموصل، يقف محمد علي حسين (62 عاما) الذي فر من حي القادسية الثانية في مدينة الموصل في محاولة للالتحاق بعائلته بعد أكثر من عامين من الفراق بسبب سيطرة تنظيم داعش على المدينة.
ويقول أستاذ الرياضيات، الذي يحمل على ظهره حقيبة باهتة اللون، وقد بدت عليه علامات الحيرة: «أنا أصلا من بغداد، وعائلتي في كركوك. أولادي أساتذة في الجامعة وابنتي طبيبة وزوجتي معلمة، أريد أن أصل إليهم إلى كركوك أو أعود إلى بغداد».
ويضيف «قيل لي أن أذهب إلى مخيم الجدعة (جنوب الموصل) الذي تشرف عليه القوات العراقية، لكن أخاف أن أدخل المخيم فلا أخرج منه. يجب أن أجد حلا آخر».
من جانب آخر، سكت عبد الرزاق جلال عن الكلام برهة وبدت عليه الصدمة لدى سؤاله عن كيفية تعذيب تنظيم داعش له في سجن بالموصل لإجباره على الاعتراف بأنه جاسوس. قال لوكالة «رويترز»: «لم أعترف مطلقا. كنت أعرف أن العقاب سيكون الموت». وألقى «داعش» القبض على جلال (39 عاما) في قريته قرب الموصل في شمال العراق في وقت سابق هذا العام، متهما إياه بالتجسس لصالح القوات الكردية.
وبعد ست ليال وسبعة أيام من الضرب وإساءة المعاملة والتهديد بالقتل يقول: إن المتشددين تركوه يمضي لحال سبيله بعدما حكم قاض منهم بأنه «لا توجد أدلة كافية لإصدار حكم عليه». وكان جلال محظوظا أن نجا بحياته؛ فقد أعدمت «داعش» عشرات الأشخاص الذين اتهمتهم بالتجسس في الموصل في الأسابيع الأخيرة وحدها مع تقدم القوات العراقية المدعومة من الولايات المتحدة في الموصل معقل التنظيم.
وكان يعرف أن الأمر كان من الممكن أن يؤول إلى الأسوأ. فمصير الكثير من سكان قريته الفضيلية التي تبعد بضعة كيلومترات إلى الشمال الشرقي من الموصل ومصير كثيرين اعتقلوا في أماكن أخرى خلال حكم «داعش» منذ أكثر من عامين لا يزال مجهولا. وعلى الرغم من التئام الجروح الجسدية، حيث استعرض جلال صورا تعود لشهور على هاتفه لكدمات وجروح في جميع أنحاء جسمه؛ فالمحنة لا تزال محفورة في ذاكرته.
وقال جلال «علقوني رأسا على عقب من قدمي وضربوني لساعتين. كان هذا في الليلة الأولى.. استخدموا أسلاكا وعصيا خشبية وأحدهم، فقد كان هناك ثلاثة أو أربعة، ضربني بمسدس مرارا على رأسي». وأضاف أن جماعة «داعش» وجميعهم من مناطق محيطة بالموصل حاولوا حمله على الاعتراف بالتجسس لصالح قوات البيشمركة الكردية التي تقاتل الدولة الإسلامية، وعندما رفض زادوا من انتهاكاتهم وتهديداتهم. وقال «في اليوم الثاني طرحوني أرضا على وجهي وقيدوا يدي خلف ظهري. أحدهم وقف على ساقي وآخر على رأسي وبدأ في رفع يدي. ظننت أن صدري سينكسر». وقبل محاكمته ألبسه رجال «داعش» سترة برتقالية، وهي الملابس التي تقتل فيها «داعش» عادة ضحاياها، وأبلغوه بأنه سيحكم عليه بالإعدام بقطع رأسه.
وأضاف أن اثنين من نزلاء زنزانته الذين كان يزيد عددهم على 40 قتلا بهذه الطريقة بعدما اعترفا تحت الإكراه بتقديم معلومات لتوجيه ضربات جوية ضد مقاتلي «داعش». ولم يتسن لوكالة «رويترز» التحقق من صحة روايته.



أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.