تعي باريس، وفق ما تقول مصادرها التي تحدثت إليها «الشرق الأوسط» أمس، أن التطورات الميدانية المتسارعة الحاصلة في حلب مردها عزم النظام وحليفيه الروسي والإيراني على إحداث «تغيير نوعي» في الوضع العسكري في حلب، مستفيدين من «الغياب الأميركي» بين إدارة راحلة وأخرى تتأهب للوصول. وبما أن باريس «لم تعد تتوقع شيئًا» من واشنطن في المرحلة الفاصلة عن تسلم الرئيس المنتخب دونالد ترامب زمام الأمور في 20 يناير (كانون الثاني) المقبل، فإنها تسعى لـ«ملء الفراغ» السياسي والدبلوماسي، ومحاولة «فرملة التدهور» الحاصل في حلب وفي أنحاء أخرى من سوريا.
تريد باريس التي تنظر بأسى إلى الوضع الإنساني المأساوي في الأحياء الشرقية لمدينة حلب، إعادة وضع الملف السوري على رأس الاهتمامات الدولية، خصوصا أنها ترى أن بعض ما يسمى «الأسرة الدولية»، قد «هضم» سقوط حلب بأيدي النظام، فيما البعض الآخر «يشيح» بنظره عما يجري في سوريا، فضلا عن وجود «جهة ثالثة» لم تعد تمانع في إيكال كل الملف السوري إلى روسيا. لكن الدبلوماسية الفرنسية، بحسب ما قاله جان مارك أيرولت، وزير الخارجية الأسبوع الماضي لـ«الشرق الأوسط»، «لا تريد أن تزيح أنظارها عما يحصل في سوريا وخصوصا في حلب، من مجازر، ولا تريد أن تخنع أو تقبل بالأمر الواقع المفروض»؛ ولذا، فإن باريس تتحرك على أكثر من «جبهة» وغرضها الأول، كما تقول مصادرها، هو الاستمرار في ممارسة الضغوط على روسيا، لأنها تعتبر أن «كل الأوراق السورية» موجودة لديها، وهي وحدها القادرة اليوم في ظل الغياب الأميركي، على دفع الوضع في هذا الاتجاه أو ذاك.
إزاء «المأساة الإنسانية» الحاصلة في حلب، وفق تعبير البيان الصادر عن وزير الخارجية، أمس، فإن باريس تريد العمل في أكثر من اتجاه، وأول الاتجاهات الدعوة إلى اجتماع «فوري» لمجلس الأمن الدولي من أجل «النظر في وضع هذه المدينة المنكوبة (حلب)، وفي الوسائل التي تمكن من إيصال المساعدات إلى السكان». لكن باريس، على غرار لندن وواشنطن والأمم المتحدة وعواصم أخرى، تطالب خصوصا بـ«وقف الأعمال العدائية» لتسهيل وصول المساعدات الإنسانية.
ليست المرة الأولى التي تتوجه فيها باريس لمجلس الأمن وتقدم مشاريع قرارات اصطدمت غالبيتها بحق النقض «الفيتو» الروسي، وآخرها كان أوائل شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وتبدو المصادر الفرنسية متيقنة من أن روسيا ستعمد إلى تعطيل المشروع الفرنسي إذا ما اختارت باريس هذا السبيل. والمعروف أن أمام مجلس الأمن طريقتين للتعبير عن موقف: إما مشروع قرار «وهو مستبعد بسبب الفيتو»، أو بيان تصدره الرئاسة باسم المجلس. وفي هذه الحالة، يفترض توافر إجماع أعضائه. والحال أن الأمرين اليوم متعذران. لكن هذا لا يعني، بحسب المصادر الفرنسية أن الجهود المبذولة «ستذهب هباء» لأنها تكون قد حققت هدفين: الأول، إعادة الملف السوري إلى مجلس الأمن، والثاني، تركيز الضغط على الطرف الروسي الذي «لا يستطيع أن يتجاهل ردة فعل ومواقف الأسرة الدولية، خصوصًا أن موسكو تعاني من العزلة بحسب ما ظهر في مجلس الأمن الشهر الماضي».
بين رئيس أميركي منتخب «دونالد ترامب» عازم على التعاون مع موسكو في الملف السوري ومرشح يميني رئاسي فرنسي يتبنى الموقف نفسه ولا يجد غضاضة في التعامل مع الأسد لمحاربة «داعش»، تجد الحكومة الفرنسية نفسها في حالة حصار. لكنها رغم ذلك، وبحسب ما قاله مصدر رئاسي فرنسي لـ«الشرق الأوسط» أمس، مستمرة في مساعيها للنظر في «كيفية ملء الفراغ» الأميركي من جهة، وفي تعبئة الأطراف الدولية والإقليمية التي تستطيع أن تلعب دورا في توفير الدعم للمعارضة، وتخفيف عبء الضغوط العسكرية الميدانية على قواها المسلحة.
وانطلاقًا من هذا المبدأ، فإن الدبلوماسية الفرنسية تحضر لاستضافة اجتماع لما يسمى مجموعة «النواة الصلبة» «أي الدول الرئيسية العشرة الداعمة للمعارضة وهي إلى جانب فرنسا، الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا والسعودية والإمارات وقطر وتركيا والأردن». وكان من المقرر أن يلتئم الاجتماع الوزاري في باريس في السادس من الشهر المقبل. لكن يبدو أن التاريخ النهائي لم يحدد بعد بصورة قاطعة.
تريد باريس، وفق مصادرها، أن تنظر الدول العشر في كيفية مواجهة «استراتيجية الحرب الشاملة» التي ينفذها النظام السوري بدعم من روسيا والتي أخذت تأتي أكلها. وبنظر باريس، فإن النجاحات العسكرية للنظام ستعني عمليا القضاء على أي أمل بالتوصل إلى حل سياسي وفق الأسس التي أقرت سابقا، وهي بيان جنيف للعام ،2012 وقرار مجلس الأمن 2254. وتعي فرنسا أن النظام «لن يكون مستعدًا لتقديم أي تنازل» إذا كان قد تيقن من أنه قادر على إنجاز الحسم العسكري. ولذا ومن الزاوية الفرنسية، فإن المطلوب اليوم السعي لإيجاد «جبهة موحدة» بوجه روسيا وإيران والنظام والاستفادة من المرحلة الانتقالية وقبل تسلم ترامب البيت الأبيض، لجر الإدارة الأميركية لمواقف «صلبة» لم يرد الرئيس أوباما اتخاذها منذ أن اندلعت الحرب في سوريا. ولذا، فإن باريس ترى أنه تترتب عليها مسؤولية «إضافية» بسبب تراجع الدور الأميركي من جهة، وانشغال بريطانيا بموضوع الخروج من الاتحاد الأوروبي. لكن الحقيقة المجردة تفيد بأن فرنسا نفسها دخلت عمليا في مرحلة الانتخابات الرئاسية التي تطغى على ما عداها من المسائل الخارجية بما فيها الملف السوري. فهل ستنجح الدبلوماسية الفرنسية في تعبئة الشركاء والأسرة الدولية لوقف التدهور المأساوي في حلب وإعادة ترميم جهود الأمم المتحدة والمبعوث الدولي، أم أن الضغوط التي يراد ممارستها على موسكو ستذهب هباء؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام القليلة المقبلة.
10:32 دقيقه
باريس تطلب اجتماعاً فوريًا لمجلس الأمن حول حلب.. وتحضر لـ«النواة الصلبة» أوائل ديسمبر
https://aawsat.com/home/article/796256/%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%B3-%D8%AA%D8%B7%D9%84%D8%A8-%D8%A7%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D9%8B-%D9%81%D9%88%D8%B1%D9%8A%D9%8B%D8%A7-%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86-%D8%AD%D9%88%D9%84-%D8%AD%D9%84%D8%A8-%D9%88%D8%AA%D8%AD%D8%B6%D8%B1-%D9%84%D9%80%C2%AB%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%88%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%84%D8%A8%D8%A9%C2%BB-%D8%A3%D9%88%D8%A7%D8%A6%D9%84
باريس تطلب اجتماعاً فوريًا لمجلس الأمن حول حلب.. وتحضر لـ«النواة الصلبة» أوائل ديسمبر
مصادر فرنسية: نسعى لجبهة تواجه «استراتيجية الحرب الشاملة»
- باريس: ميشال أبونجم
- باريس: ميشال أبونجم
باريس تطلب اجتماعاً فوريًا لمجلس الأمن حول حلب.. وتحضر لـ«النواة الصلبة» أوائل ديسمبر
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة








