تفاقم المعاناة الإنسانية في حلب.. والنظام يسعى لـ«حسم عسكري» قبل تسلم ترامب السلطة

المعارضة تتلقى عرضًا بالتجمع في ثلاث نقاط مقابل توفير «انتقال آمن» إلى إدلب

امرأة يحملها أحد أفراد عائلتها أثناء نزوح الآلاف من شرق حلب أمس إلى مناطق سيطرة النظام في غربها (أ.ف.ب)  - صورة وزعتها وكالة «سانا» الرسمية تظهر نزوح الآلاف من شرق حلب أمس إلى مناطق سيطرة النظام في غربها (رويترز)
امرأة يحملها أحد أفراد عائلتها أثناء نزوح الآلاف من شرق حلب أمس إلى مناطق سيطرة النظام في غربها (أ.ف.ب) - صورة وزعتها وكالة «سانا» الرسمية تظهر نزوح الآلاف من شرق حلب أمس إلى مناطق سيطرة النظام في غربها (رويترز)
TT

تفاقم المعاناة الإنسانية في حلب.. والنظام يسعى لـ«حسم عسكري» قبل تسلم ترامب السلطة

امرأة يحملها أحد أفراد عائلتها أثناء نزوح الآلاف من شرق حلب أمس إلى مناطق سيطرة النظام في غربها (أ.ف.ب)  - صورة وزعتها وكالة «سانا» الرسمية تظهر نزوح الآلاف من شرق حلب أمس إلى مناطق سيطرة النظام في غربها (رويترز)
امرأة يحملها أحد أفراد عائلتها أثناء نزوح الآلاف من شرق حلب أمس إلى مناطق سيطرة النظام في غربها (أ.ف.ب) - صورة وزعتها وكالة «سانا» الرسمية تظهر نزوح الآلاف من شرق حلب أمس إلى مناطق سيطرة النظام في غربها (رويترز)


تلقت قوات المعارضة السورية في مدينة حلب، أمس، مبادرة من «الهلال الأحمر السوري»، تتضمن تحييد ثلاث مناطق في الأحياء الشرقية عن القصف «ستكون بمثابة نقطة تجميع لقوات المعارضة في المدينة، استعدادا لإخراجها من الأحياء الشرقية باتجاه إدلب»، بموازاة استمرار النظام وحلفائه في أعنف حملة قصف وهجمات تستهدف تلك الأحياء، سعيًا لإخراج المعارضة منها «قبل تسلم الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب السلطة» في يناير (كانون الثاني) المقبل.
وتواكبت التطورات في حلب، التي خلفت أزمة إنسانية بالغة، مع تسليم أممي بالأمر الواقع، عبر عنه مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا، بالقول إنه لا يستطيع تحديد مدة صمود شرق مدينة حلب السورية مع استمرار القتال المستعر هناك. وقال دي ميستورا، أمام البرلمان الأوروبي، في إشارة إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة السورية وتعمل قوات النظام والقوات الموالية لها حاليا على اقتحامها: «بوضوح لا يمكنني أن أنكر.. هذا تصعيد عسكري ولا يمكنني أن أحدد لكم إلى متى سيظل شرق حلب باقيًا».
ويشير سير المعارك في حلب إلى أن النظام وحلفاءه عازمون على المضي بحملة التصعيد العسكري للسيطرة على كامل الأحياء الشرقية المحاصرة التي «باتت تفتقد، حتى، مياه الشرب»، بحسب ما قال القيادي العسكري المعارض في قطاع حلب، محمد الشامي لـ«الشرق الأوسط»، مؤكدًا أن المقاتلين «لا يستطيعون الصمود أمام موجة قصف غير مسبوق»، موضحًا أن «راجمات الصواريخ لا تتوقف عن القصف، وتطلق في كل عملية قصف مائتي صاروخ دفعة واحدة، يليها قصف بالبراميل المتفجرة وغارات جوية تنفذها طائرات الميغ السورية وطائرات روسية تلقي بصواريخ محمولة في مظلات».
وقال الشامي: «في ظل هذا الضغط العسكري، تلقت قوات المعارضة مبادرة من الهلال الأحمر السوري، تقترح نقل المبادرة إلى النظام في حال الموافقة عليها من قبل المعارضة، تفيد بتحييد ثلاث مناطق عن القصف النظامي، يمكن أن تكون بستان القصر، والكلاسة، والمشهد أو منطقة سيف الدولة، وهي خطوط جبهة مفتوحة مع النظام في جنوب غربي الأحياء الشرقية المحاذية لمنطقة الراموسة، استعدادا لنقل المقاتلين المعارضين الذين لا يريدون التخلي عن أسلحتهم، بأسلحتهم الفردية والمتوسطة إلى ريف إدلب في وقت لاحق». وإذ أشار إلى أن قوات المعارضة لم تجب على المبادرة ولم تحدد موقفها منها بعد، قال إن المبادرة «سرية، يتذرع الهلال الأحمر فيها بأن تكون مخرجًا لتجنب مزيد من سفك الدماء في المدينة، ويعرض انتقالاً آمنًا للمقاتلين»، مشيرًا إلى أن وساطة «الهلال الأحمر» تمت عبر المجموعة نفسها التي أدخلت المساعدات إلى كفريا والفوعة أول من أمس. وأكد الشامي أن «المعارضين سيحددون خياراتهم ويختارون الحل الأمثل خلال هذا الأسبوع».
وبحسب «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، فإن أعداد المقاتلين المعارضين في أحياء حلب الشرقية، وحاملي السلاح ضمن الشرطة المحلية، يقدرون بنحو 14 ألف مقاتل، و«هو رقم كبير قد لا تستطيع إدلب تحمله، خصوصا أنها تكتظ بالمقاتلين المعارضين».
وتشير المبادرة إلى أن النظام يجبر المعارضين، تحت الضغط العسكري، للخروج من أحياء حلب الشرقية، في وقت يواصل النظام هجماته وتوغله في الأحياء بعد أيام على تقدمه وتقدم القوات الكردية في ثلثي الأحياء الشرقية المحاصرة.
وقال مسؤول كبير في التحالف العسكري الذي يقاتل دعما للنظام، إن قوات النظام وحلفاءها يهدفون لانتزاع السيطرة على شرق حلب بالكامل من أيدي المعارضة قبل تسلم الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب السلطة في يناير المقبل، ملتزمين بجدول زمني تؤيده روسيا للعملية بعد تحقيق مكاسب كبيرة في الأيام الماضية.
غير أن المسؤول الذي طلب عدم الكشف عن اسمه أشار إلى أن المرحلة التالية من حملة حلب قد تكون أشد صعوبة مع سعي النظام وحلفائه للسيطرة على مناطق أكثر كثافة سكانية بالمدينة.
ويحمل التصريح الأخير إشارات إلى استعجال النظام «الحسم» في حلب، قبل وصول ترامب إلى سدة الرئاسة. وقال عضو الائتلاف الوطني السوري المعارض، هشام مروة، إن الحل العسكري الذي يتبعه النظام وروسيا في حلب «لن يخفت صوت الثورة، ولا ينهي العنف». وأضاف مروة لـ«الشرق الأوسط» أن الإدارة الجمهورية الجديدة «سرعان ما ستكتشف أن الروس ليسوا شركاء في محاربة الإرهاب وإرساء السلام، وهو ما يدفع موسكو للاستعجال في الحسم العسكري»، مشددًا على أن روسيا «تركز على ضرب المعارضة المعتدلة وليس (داعش)، وهو ما سيؤكد للأميركيين أن القضية مرتبطة بتمكين الأسد، وتوظيف التطورات السورية ضمن قضايا استراتيجية يستفيد منها الروس في قضايا استراتيجية تهمها على مستوى أوكرانيا أو الدرع الصاروخي أو العقوبات الاقتصادية عليها».
وقال مروة: «رسالة الخارجية الأميركية قبل يومين عن موضوع تحميل روسيا مسؤولية الجرائم بسوريا، لا يعكس توافقا بين الإدارة الأميركية وروسيا حول حلب»، في إشارة إلى تحميل الولايات المتحدة خلال الموجز الصحافي للمتحدث باسم الخارجية الأميركية، جون كيربي، أول من أمس، روسيا «المسؤولية القصوى» عما يرتكبه النظام ضد المدنيين السوريين في مختلف أنحاء البلاد. ولفت مروة إلى أن هناك «أزمة دولية حول حلب، ورفضا من جميع أصدقاء الشعب السوري اقتحامها لكونه كسرًا نفسيًا لقوى الثورة والمعارضة بسوريا».
وفي زحام المواقف الدولية المنددة، يتواصل القصف في حلب، حيث أعلن «الائتلاف الوطني السوري» أن طائرات النظام «ارتكبت مجزرة مروعة بحق سكان حي (باب النيرب) في حلب راح ضحيتها 25 شهيدًا معظمهم من النساء والأطفال، وذلك أثناء نزوحهم خوفًا من القصف الوحشي المستمر على المدينة منذ نحو 14 يوما».
وقال الدفاع المدني السوري إن الطيران الحربي التابع للنظام استهدف سكان الحي عند توجههم سيرًا على الأقدام باتجاه مناطق سيطرة النظام في حلب الغربية. وأدان الائتلاف الوطني الجريمة، محملا المجتمع الدولي، الذي يكتفي بالصمت دون القيام بما من شأنه إنقاذ الأبرياء، المسؤولية إزاء التقصير في حماية المدنيين وعدم وقف العدوان.
من جهتها، قالت روسيا إن تقدم قوات النظام في حلب «غير بدرجة كبيرة الوضع على الأرض ومكن أكثر من 80 ألف مدني من الوصول إلى المساعدات الإنسانية بعد استخدام المتشددين لهم على مدى سنوات دروعا بشرية».
وقال الميجور جنرال إيجور كوناشنيكوف، المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية في بيان: «تمكن الجنود السوريون من تغيير الوضع بشكل كبير خلال الأربع والعشرين ساعة الأخيرة وذلك بفضل العمليات المخططة بشكل جيد جدا وبتأن». وأضاف: «بشكل عملي حُررت تماما نصف الأراضي التي احتلها مقاتلو المعارضة في السنوات الأخيرة في الجزء الشرقي من حلب».
وتركزت الاشتباكات العنيفة بين الطرفين، أمس، في حييي طريق الباب والشعار الملاصقين لحيي جبل بدرو والصاخور الاستراتيجي، اللذين خسرتهما الفصائل، الاثنين، بينما يبدو النظام عازمًا على البدء «بالمرحلة الثانية من عمليته العسكرية الهادفة إلى تحرير الأحياء الشرقية من حلب باقتحام الأحياء الجنوبية منها». وفي سيطرة النظام على حي طريق الباب، يغدو بمقدوره الوصول إلى حي الشعار، أحد أبرز معاقل المعارضة أيضًا.
* الأمم المتحدة: 6 آلاف مدني يفرون نحو مناطق أخرى
وانعكست تلك التطورات العسكرية على الوضع الإنساني، حيث وصفت الأمم المتحدة، أمس، الوضع في شرق مدينة حلب السورية بـ«المخيف» بعدما دفع التقدم السريع لقوات النظام السوري داخل مناطق سيطرة الفصائل المعارضة نحو 16 ألف مدني إلى الفرار نحو مناطق أخرى.
ومع استمرار عمليات الفرار من مناطق الاشتباك بين قوات النظام والفصائل في حلب، أعرب رئيس العمليات الإنسانية في الأمم المتحدة، ستيفن أوبراين، أمس، عن «غاية القلق على مصير المدنيين بسبب الوضع المقلق والمخيف في مدينة حلب». وقال أوبراين إن «كثافة الهجمات على أحياء شرق حلب في الأيام الأخيرة أجبرت نحو 16 ألف شخص على الفرار إلى مناطق أخرى من المدينة».
وفي مواجهة هذا التدفق، يستعد برنامج الأغذية العالمي لتلبية احتياجات العائلات الواصلة حديثا إلى القسم الغربي من حلب الخاضع لسيطرة القوات الحكومية.
وقال ناطق في جنيف إن نقل المساعدة إلى شرق حلب الخاضع لسيطرة المعارضة يبقى مهمة محفوفة بمخاطر كبرى بالنسبة للأمم المتحدة التي لا تزال تنتظر موافقة النظام. ولا يشمل هذا العدد من النازحين جراء القتال، الآلاف من المدنيين الذين نزحوا داخل الأحياء الشرقية خلال الأيام الثلاثة الأخيرة، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان. وأحصى المرصد أمس فرار أكثر من سبعة آلاف مدني إلى حي الشيخ مقصود ذي الغالبية الكردية، وأكثر من خمسة آلاف إلى مناطق تحت سيطرة قوات النظام، بعد حصيلة سابقة، الأحد، أفادت بنزوح عشرة آلاف مدني خارج الأحياء الشرقية.
وقالت المتحدثة باسم برنامج الأغذية العالمي، بتينا لوشر، في جنيف، إن المدنيين في شرق حلب يواجهون ظروفا «رهيبة» واصفة الوضع بأنه «انحدار بطيء نحو الجحيم».
وحتى بدء الهجوم، كان يعيش أكثر من 250 ألف شخص في الأحياء الشرقية في ظروف صعبة نتيجة حصار بدأته قوات النظام قبل نحو أربعة أشهر. ودخلت آخر قافلة مساعدات إنسانية إلى مناطقهم في يوليو (تموز) الماضي.
 



«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.


«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.