هل سيحمل جنود تنظيم داعش المندحرون من سوريا والعراق رايات «الخلافة» المزعومة إلى أراضٍ جديدة في دول أخرى، لا سيما أن التنظيم الإرهابي لن يتنازل عن حلمه بـ«الخلافة»، على الرغم من خسائره المتوالية على يد التحالف الدولي الذي تتزعمه الولايات المتحدة الأميركية؟
ردًا على هذا التساؤل، رجّح خبراء مصريون أن تكون اليمن وتونس والأردن والمغرب والجزائر وماليزيا وجنوب الفلبين وإندونيسيا وكندا وإيطاليا وأميركا وبلجيكا وفرنسا من وجهات «داعش» المقبلة. وشدد هؤلاء، في دراسة بحثية أعدها مرصد دار الإفتاء في القاهرة، على أن «التنظيم سيحاول بشتى الوسائل، وبكل الحيل المتاحة، التخفي والتستر، والحصول على تأشيرات مزيفة لتسهيل الدخول إلى تلك البلدان».
وقال الخبراء الذين أعدوا الدراسة البحثية المصرية لـ«الشرق الأوسط» أيضًا إن «التنظيم لن يلجأ فقط إلى الدول العربية، إنما إلى الدول الغربية، وسيسعى لما يسمى بفكرة (الخلافة العالمية) لجذب أنصار من الغرب يؤمنون بفكرته، فينضمون إلى التنظيم طواعية، أو عن طريق الإغراءات التي يلجأ إليها هذا التنظيم، ويعتبرها أسلوبًا فاعلاً في استقطاب الشباب». ودعت الدراسة أيضًا الدول المجاورة للعراق وسوريا وليبيا لتوخي الحذر من هروب مقاتلي «داعش» إليها «فرارًا من كثافة وقوة العمليات الموجهة ضدهم في هذه الدول».
يذكر أن التنظيم الإرهابي الأكثر دموية تكبد خلال الأشهر الماضية خسائر يومية فادحة بسبب هجمات التحالف الدولي وجيوش تلك الدول. وهذه الخسائر أضحت تهدد دولة «الخلافة المزعومة» التي أعلنها «داعش» عام 2014. ووفق الخبراء، فإن «التنظيم ليس له مخرج الآن، في ظل الخسائر المتكررة وفقدان الأراضي التي كان يستولي عليها، سوى الفرار بعناصره الباقية من العراق وسوريا، والبحث عن أراض وزعامات جديدة في أي مكان، لالتقاط الأنفاس».
* النكاية والإنهاك
قالت الدراسة إن «استراتيجيات التنظيم المعلنة تشير إلى أنه يسعى دومًا إلى إيجاد مناطق ارتكاز وتجمع، ليعلنها ولاية تابعة (للخلافة المزعومة). فإذا فقد مناطق الارتكاز.. تلك التي تقع في المناطق التي يسيطر عليها، فإنه يتحول إلى استراتيجية (النكاية والإنهاك)، باعتبارها الأقل كلفة في المواجهة مع الجيوش والسلطات المحلية في المناطق التي يقبع فيها عناصر التنظيم».
ويرى «داعش» في استراتيجية «النكاية والإنهاك» وقودًا حيويًا يؤدي دوره في إبقاء نار الصراعات والمواجهات معه مُشتعلة. وقد وردت استراتيجية «النكاية والإنهاك» في كتاب «إدارة التوحش» الذي عثر عليه خلال إحدى المداهمات لمعاقل المتطرفين عام 2008، والذي يعد المرجع الأهم للتنظيم الإرهابي.
وشدد مصدر مطلع في دار الإفتاء المصرية على أن استراتيجية «النكاية والإنهاك» تتطلب وجود كثير من العناصر المسلحة المنضوية تحت لواء «داعش»، للعمل على زيادة مناطق الاضطراب بالانتشار السريع والتنقل الدائم بين المناطق، مما يتطلب تجنيد أكبر عدد ممكن من العناصر، خصوصًا الشباب، لهذا الغرض، مضيفًا: إن لجوء «داعش» إلى «النكاية والإنهاك» يهدف إلى تشتيت جهود القضاء عليه، حيث تعتمد تلك الاستراتيجية على توسيع ساحة الصراع، وفتح بؤر جديدة، وتحويل أنظار التحالفات الدولية الموجه ضده إلى أماكن مختلفة من العالم.
وأكدت الدراسة أن «النكاية والإنهاك» تسبب خسائر فادحة للدول التي تتعرض لها، خصوصًا مع صعوبة تحديد هوية العناصر المقاتلة، وأماكن اختفائهم، والأماكن المستهدفة بالعمليات الإرهابية، وهو ما يسبب وقوع كثير من العمليات الإرهابية التي تهز كيان الدول، وتضرب استقرارها، وتهدد مواردها الاقتصادية، وتدفع الاستثمارات الأجنبية والسياحة إلى الهرب خوفًا من التعرض لتلك العمليات، مما يعني أن تكلفة تلك الاستراتيجية تكون فادحة، ولا يُمكن أن تقف أمامها الدول فرادى لفترة طويلة من الزمن. وقال المصدر المطلع نفسه إن «داعش» لن يتمركز في منطقة واحدة، بل سينتشر كالخلايا السرطانية في جميع أنحاء العالم، وهو ما يؤثر بالسلب على أمن واستقرار المجتمع الدولي.
وعانى التنظيم خلال الأشهر الماضية من هروب كثير من مقاتليه، بسبب اكتشافهم زيف مزاعم التنظيم وأكذوبة «أرض الخلافة» وادعاءات الرفاهية والرواتب الكبيرة التي حلموا بها، فضلاً عن ضعف قُدرات التنظيم القتالية.
* النكسات الميدانية
وأضافت الدراسة: «إن كثيرًا من المؤشرات، وتطور الأحداث على الأرض، تشير إلى خسارة التنظيم لكثير من نقاط تمركزه في سوريا والعراق وليبيا، خصوصًا بعد العمليات الأخيرة في الموصل، وكذلك الهجوم الكبير الذي يتعرض له التنظيم في الرقة (معقل التنظيم)، إضافة إلى قرب حسم معركة سرت (أحد أهم معاقل التنظيم بليبيا)، وهو ما يشير بقوة إلى تحول مقاتلي التنظيم من المواجهة المباشرة إلى الهرب والاختفاء بعيدًا عن أعين السلطات، تمهيدًا لشن عمليات وفق استراتيجية (النكاية والإنهاك) الأكثر أثرًا والأقل كلفة».
وقال الدكتور محمد أحمد الدش، مدرس الدعوة والثقافة الإسلامية بمصر، إنه «عند القول بانهزام واندحار تنظيم داعش في سوريا والعراق وليبيا، فقد يكون من غير الجائز التكهن بالقضاء على عناصره عن بكرة أبيهم، الأمر الذي تبقى معه الأذناب، محاولة حفظ التوازن، وإعادة السيطرة من جديد على أجزاء ذات أهمية استراتيجية في سوريا والعراق وليبيا».
وأضاف: «ولو تم إجلاؤهم من المناطق الرئيسة، فإنهم سيبحثون عن أكثر من دولة، لتكون منطلقًا لدعايتهم من جديد بشكل متواز. وسيكون الانتقال إلى هذه الدول بكل الحيل المتاحة من التخفي والتستر، والحصول على تأشيرات مزيفة لتسهيل الدخول إلى تلك البلدان، فضلاً عن قدرة التنظيم على ضم عناصر جديدة غير ملاحقة أمنيًا مما يجعله تنظيمًا سرطانيًا، يستوجب سرعة القضاء عليه قبل استفحاله وازدياد خطره على تلك الدول الجديدة».
ورجح الدش لجوء التنظيم إلى ما يسمى بفكرة «الخلافة العالمية»، لجذب أنصار من الغرب يؤمنون بفكرته، فيدخلون في التنظيم طواعية، أو عن طريق الإغراءات التي يلجأ إليها هذا التنظيم، ويعتبرها أسلوبًا فاعلاً في استقطاب الشباب.
* أوروبا وأميركا.. واليمن
الكلام السابق أيده الدكتور حامد المكاوي، أستاذ تفسير وعلوم القرآن في مصر، مؤكدًا أن «داعش» سيحاول تصدير الإرهاب من الشرق الأوسط إلى دول أوروبا والولايات المتحدة، من خلال آلاف الشباب المعبئين آيديولوجيا والمدربين تدريبًا عاليًا، حيث ينشر التنظيم فيديوهات تظهره بمظهر الحامي للفضيلة، كفيديوهات تدميره للمواقع الإباحية على الإنترنت، وأكاذيبه بفتح روما، والاستعانة بتأويلات لأحاديث قدسية وفيديوهات عن خرافات معركة «دابق»، وغير ذلك من تبريرات لما يقوم به من قتل للأبرياء والمدنيين.
وتوقع المكاوي أن تكون اليمن هي واجهة التنظيم، ثم تونس والأردن والمغرب والجزائر وماليزيا، وجنوب الفلبين بسبب اضطهاد المسلمين، وهو ما يخلق أرضية خصبة لتنامي الإرهاب، وإندونيسيا وكندا وإيطاليا وأميركا وبلجيكا وفرنسا، وذلك لتحقيق «حلم الخلافة». ولم يستبعد المكاوي استخدام داعش جوازات سفر مزيفة لعبور الدول المجاورة.
وعن كيفية مواجهة «داعش»، لمنع الانتشار في هذه الدول الجديدة المجاورة للعراق وسوريا وليبيا، قال الدكتور محمود الصاوي، عميد كلية الدعوة بالقاهرة، إن «تفكيك الخطاب التكفيري الإرهابي والداعشي ونقضه من أوجب الواجبات على الأمة في هذا الزمان»، مضيفًا: «ولكي تنجح هذه المواجهات الفكرية لا بد من تضافر كل الجهود، وتكامل كل المؤسسات المعنية بصناعة الوعي في المجتمعات، وتجفيف منابع (داعش)، فضلاً عن نشر المفاهيم الإسلامية الصحيحة في دول جنوب شرقي آسيا وأوروبا، وقطع الطريق أمام (داعش) لنقل المفاهيم المغلوطة عن الإسلام إلى مسلمي تلك الدول، حتى لا يوظفهم التنظيم في تنفيذ العمليات الإرهابية التي تستهدف تقويض دعائم تلك الدول وإضعافها، وفتح مناطق سيطرة وانطلاق لعناصره».
في حين قال الدش «إن فكرة (الخلافة) لدى الدواعش لن تموت، ومن ثم وجب أن تكون هناك مزاوجة بين العمليات العسكرية ومواجهة أفكارهم المتطرفة بفكر إسلامي وسطي يجتث تلك الجرثومة، ويقي الأمة ويلاتها، ويصحح صورة الإسلام في الغرب الذي يجهل أو يتجاهل قدر الإسلام ومكانته من أجل تحقيق مصالح سياسية وأطماع اقتصادية»، وأردف: «لا يعني الأمر عقد مناظرات بيننا وبينهم لإفحامهم وإلزامهم الحجة، وإنما توعية الشباب بخطورة ما يدعون إليه من أفكار هدامة، وبيان وتوضيح شر ما يؤمن به هؤلاء، وضرورة التمسك بالعقيدة الحقة تمسكًا دونه كل المغريات والمساومات، تأكيدًا لحرمة دماء المسلمين، وإشاعة قيمة السلام في المجتمع الإنساني.
* تحالف عالمي
وترى الدراسة المصرية حتمية وجود تحالف عالمي لمواجهة هذا الخطر المستشري، وحصار تلك الآفات المقاتلة الهاربة لـ«داعش» من مناطق الصراع بسوريا والعراق وليبيا، ومنعها من عبور حدود الدول المجاورة، واتخاذها مناطق عمليات لاستراتيجيها الخبيثة، وتلفت إلى أن هذا التحول على الأرض يشير إلى إمكانية وجود التنظيم في مختلف دول المنطقة، وعلى امتداد مساحتها، وتكوين «خلايا نائمة» أو «ذئاب منفردة»، وفق مصطلحات التنظيم، مما يحتم على دول المواجهة أن تغير من استراتيجيتها، من المواجهة العسكرية المباشرة إلى مواجهة خلايا نائمة تنتشر على مساحات واسعة، وتقوم بعمليات إرهابية نوعية بشكل لا مركزي، ثم ما تلبث أن تعود للخفاء مرة أخرى، لتتوارى عن الأنظار والملاحقة الأمنية.
* مصطلح الخلافة
من جهة أخرى، وحول تخلى «داعش» عن فكرة «الخلافة» المزعومة في أرض العراق وسوريا، والاتجاه لدعوة عناصره للانتشار في دول أخرى، قال الصاوي: أرفض مصطلح «الخلافة» لدى «داعش»، متسائلاً: «هل حقًا يعمل (داعش) لله ولرسوله ولإحياء الخلافة وإعادة مجد الأمة الإسلامية ورفاهيتها وتقدمها، أم أنه صنيع استعماري يعمل لحساب أعداء الدين والوطن والعروبة والإسلام، ويفتح الطريق للمستعمرين الغاصبين والمحتلين لاكتساح أرض العرب والمسلمين ونهب ثرواتهم ومقدراتهم، وإشعال الحروب بين جنباتهم». وتابع قائلاً: «إن (داعش) أسوأ دعاية للخلافة والإسلام في هذا الزمان، فهم فرغوا المصطلح الشريف من مضمونه ومحتواه القيمي، بما يتضمنه من العدل والرحمة والمساواة وحماية الحقوق ونشر رايات المحبة والسلام على ربوع الأرض كلها، وحولوه إلى قتل وسفك دماء ونهب واستحلال للأموال والأعراض».
من جهة أخرى، يرى مراقبون أن تكرار انسحاب التنظيم من المناطق التي سيطر عليها في سوريا والعراق وليبيا، وتراجع قدرته عن الدفاع عنها، سوف يزيد من احتمالات انشقاق عدد غير قليل من عناصره، بشكل قد يؤدي لتراجع قدرته على تنفيذ عمليات إرهابية نوعية خلال المرحلة المقبلة. وأكد هؤلاء أن التنظيم سيكثف من مشاهد ومناظر إعدام الضحايا، ليوجه رسالة للعالم ولأنصاره، مفادها أن من يخالفه في الفكر والمعتقد سيكون مصيره النحر.. ولتأكيد أنه لا يزال قويًا، وأوراق اللعبة في يده.
وفي السياق ذاته، قال مرصد دار الإفتاء إن «داعش» ما زال مستمرًا «في بيع الوهم لأتباعه ومقاتليه، حتى وهو يتهاوى منهزمًا في الموصل، لمنع فرار عناصره، وذلك من خلال وعوده البراقة بدخول الجنة، والاستمتاع بالحور العين، حال الموت في أثناء الحرب ضد أعداء التنظيم، على حد زعمهم».
وكشف «المرصد» عن أن التنظيم وحد موضوع خطبة الجمعة الماضية في الموصل، لتدور حول «الحور العين»، من أجل رفع معنويات عناصره، لافتا إلى أن أحد خطباء التنظيم زعم وجود 50 نوعًا من تلك الحور تنتظر كل عنصر من عناصر التنظيم الإرهابي. وذكر أن هذه المحاولات الخادعة تؤكد أن التنظيم يدرك خسارة معاركة، إلا أنه يحاول الاستمرار إلى النهاية بما تبقى له من مقاتلين، حتى يظهر تماسكًا في مواجهة القوات العراقية.
هل يحمل جنود «داعش» المندحرون رايات «الخلافة» المزعومة إلى أرض جديدة؟
ترجيح تشتتها في اليمن وماليزيا وإندونيسيا وفرنسا بعد هزائم العراق وسوريا
هل يحمل جنود «داعش» المندحرون رايات «الخلافة» المزعومة إلى أرض جديدة؟
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
