احتجاجات الأورومو والأمهرا في إثيوبيا إلى أين..؟

بعد صيف معكّر المزاج.. أديس أبابا تنتظر شتاء ثقيلاً

احتجاجات الأورومو والأمهرا في إثيوبيا إلى أين..؟
TT

احتجاجات الأورومو والأمهرا في إثيوبيا إلى أين..؟

احتجاجات الأورومو والأمهرا في إثيوبيا إلى أين..؟

لا يستطيع أحد التكهن بما سيحدث في إثيوبيا في مقبل الأيام، فالحكومة تقول إنها سيطرت على الأوضاع بعدما أعلنت حالة الطوارئ، والمعارضة صعّدت من لهجتها ومطالبها من التهميش إلى تغيير نظام الحكم. الحكومة تمسك بزمام الحكم بقوة، وتجد تأييدًا دوليًا وإقليميًا قويًا، وقوميتا الأورومو والأمهرا اللتان تقودان الاحتجاجات تستندان إلى ثقل سكاني كبير، لذا فإن صيف «الهضبة» المعتدل الذي رفعت درجة حرارته الاحتجاجات، قد لا يتطور قريبًا إلى شتاء ثقيل يعقبه ربيع على غرار ثورات «الربيع العربي». بل ما يحدث هنا في الدولة الأكثر نموًا في أفريقيا، والأكثر تأثيرًا ونفوذًا، يشبه لعبة «شد العضل»، قد تنتهي بارتخاء زند المعارضة أو زند الحكومة.. ومن يرتخي زنده أولاً هو الخاسر. ولكن لحسابات إقليمية ودولية كثيرة، فإن تطور الأوضاع فيها وبلوغها مرحلة الاضطراب غير مرغوب فيه، إذ الحكومة باعترافها بـ«مشروعية» المطالب وتعجيلها بتكوين مجلس وزراء جديد، تكون عمدًا قد أرخت قبضتها قليلاً.. لعل الطرف الآخر يدرك أصول اللعبة ويقبل بـ«التعادل الإيجابي» حيث الكل كاسب. أما إذا أصرّ المحتجون على مواصلة الضغط فإن الإقليم كله مهدد باضطراب كبير.
لقد اعترفت الحكومة الإثيوبية بالأخطاء التي أدت لاحتجاجات الأورومو والأمهرا الأخيرة، وأعلنت عن تشكيل وزاري أخيرًا أشركت فيه عددا كبيرا من المنتمين للقوميتين المحتجتين، بعدما حمّلت «جهات خارجية» في بادئ الأمر مسؤولية حدوث تلك الاحتجاجات، وخففت من لهجتها التجريمية للمحتجين.
وزير الشؤون الفيدرالية كاسا تكلي برهان قال في تصريحات نقلتها «الشرق الأوسط» من العاصمة السودانية الخرطوم، إن التشكيل الوزاري الجديد محاولة لـ«جعل الحكومة تشبه الشعب الإثيوبي»، وإن مطالب المجموعة المحتجة عادلة، وإنها تعبير عن اتساع تطلعات الشعب التي نتجت عن التنمية، وأضاف: «مطالبهم مشروعة لكن تحقيقها دفعة واحدة يعد امتحانًا للدولة، ولتقصير منّا نحن في الحكومة».
وتعد تصريحات المسؤول الإثيوبي البارز، الأولى من نوعها التي تعترف بشرعية الاحتجاجات، وتبين أن الحكومة في أديس أبابا راجعت موقفها من الاحتجاجات التي اعتبرتها «أعمالاً تخريبية» في بادئ الأمر، ومن ثم قمعتها بشدة. وأعلنت في التاسع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي حالة الطوارئ في البلاد لمدة ستة أشهر، اعتقلت خلالها وفقًا لتقارير صحافية غربية 1600 نقلاً عن مسؤول حكومي إثيوبي.
ونقلت مجموعات حقوقية مقتل زهاء 500 شخص على الأقل خلال تلك الاحتجاجات، وهو الرقم الذي لم ينفه رئيس الوزراء هيلا مريام ديسالين بقوله وفقًا لـهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) «هذه التقديرات قد تكون دقيقة»، قبل أن ينحى باللائمة على ما يسميه «قوى معادية لحالة السلم».
وعلى الرغم من تجديد الوزير للاتهامات لكل من مصر وإريتريا بتأجيج الأوضاع في بلاده، فإن اعترافه بجذور الأزمة وشرعية المطالب، عبر قوله «التقصير منّا نحن في الحكومة»، يمكن أن يعتبر توجهًا جديدًا في التعامل مع القضايا الداخلية، والتخلي عن توجيه الأنظار إلى قوى خارجية مثلما تفعل أنظمة المنطقة عادة.
من ناحية ثانية، يؤكد اعتراف أديس أبابا أن الاحتجاجات والمظاهرات التي اشتعلت ضدها، ليست وليدة سخط شعبي طارئ، أو تعبيرًا عن مطالب سياسية أو مظالم اقتصادية فحسب، بل إنها مرتبطة عميقًا بتاريخ وجغرافيا وثقافة إثيوبيا الدولة التي قارب عدد سكانها المائة مليون نسمة، بعدما كان في حدود 79 مليونا وفقًا لتعداد عام 2008، ثار منهم أكثر من 60 في المائة نظموا الاحتجاجات التي اندلعت في البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي.
ولا يمكن النظر إلى التعديل الوزاري الذي أعلنه رئيس الوزراء هيلا ماريام ديسالين بمعزل عن هذه الأوضاع، ذلك أن التعديل منح القوميتين المحتجتين أكثر من ثلث الحقائب الوزارية بينها وزارة الخارجية، في حين احتفظت قومية التيغراي التي توجه إليها أصابع الاتهام بتهميش الأورومو والأمهرا بأربع وزارات فقط.
ووفقًا للمحلل السياسي عبد القادر محمد علي في مقال نشر على موقع «عدوليس» الإريتري المعارض، فإن خطوة أديس أبابا يمكن أن تُفهم على أنها محاولة لتهدئة غضب الحركة الاحتجاجية، رغم النفي الرسمي لربطها بما يجري في البلاد، لكن المعارضة الأورومية كانت قد رفعت سقف مطالبها لإسقاط النظام. وبالتالي، اعتبرت التغيير «مجرد مناورة ومحاولة لذر الرماد في العيون»، ونقل عن زعيمها مرار غودنا نفيه وجود علاقة بين التعديلات الوزارية والمطالب الشعبية نهائيًا.

خلفية ديموغرافية
جدير بالذكر، أنه تسكن إثيوبيا أكثر من 80 قومية ومجموعة عرقية وثقافية، تمثل الأورومو منهم 34.5 في المائة، والأمهرا 26.91 في المائة، وتبلغ نسبة قومية التيغراي - التي يتهمها الثوار الغاضبون بتهميشهم - 6.07 في المائة فقط من جملة عدد السكان، لكنها اليوم تملك السلطة والثروة.
ولقد بدأت الاحتجاجات القومية منذ عام 2001، ثم تصاعدت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، وشارك فيها بداية طلاب المدارس والجامعات. ثم التحق بهم بقية السكان في إقليم أوروميا، ما تسبب في اضطرابات في أكثر من مائة مدينة وقرية، ويومذاك جرى التعامل بقسوة لافتة، ما أدى إلى مقتل أكثر من مائة قتيل، واعتقال الآلاف. وللعلم، يرفض الأورومو خططًا حكومية لتوسيع الحدود الإدارية للعاصمة أديس أبابا التي تقع في إقليمهم، واقتطاع أراضيهم وإضافتها لإقليم العاصمة، وتوزيعها على الاستثمارات الأجنبية. ويرون في هذه الخطط أنها أتت على حساب مزارعهم وأراضيهم وحياتهم الاجتماعية والثقافية التي تقوم على الأرض، وأنها تعد اعتداء على قوتهم وخصوصيتهم الثقافية.
ولكن مع مشاركة قومية الأمهرا – أكثر من 26 في المائة من نسبة السكان، التي كان ينسب إليها الإمبراطور السابق الراحل هيلاسيلاسي - في الاحتجاجات الأعنف التي اندلعت أغسطس الماضي، واتهامها الحكومة الفيدرالية بالتدخل في شؤون إقليمهم وعاصمته مدينة غوندر، اكتسب العمل المعارض شكلاً جديدًا. إذ ما زالت قومية الأمهرا تحتفظ بموقف سياسي سلبي من حكم الرئيس الراحل ملس زناوي - وهو من التيغراي -، وبالتالي حزبه وجبهته. وتتهمه بالتفريط في وحدة إثيوبيا والاعتراف باستقلال دولة إريتريا. كذلك لا تخفي موقعها المعارض هذا، على الرغم من تمثيلها في التحالف الحاكم والبرلمان.
الاحتجاجات ذات الطابع القومي، استعرت في الواقع لعشر سنوات، بيد أن تصاعدها في الأسابيع الأخيرة الماضية أعطاها زخمًا جديدًا، ودفع منظمات دولية للحديث عن قمع السلطات الإثيوبية للمعارضين وتقييدها للحريات العامة. بل وجعلها تنتقد صراحة «قمع الحريات الصحافية»، خاصة، أن إثيوبيا تحتل اليوم المركز الثاني في أفريقيا من حيث سوء أوضاع الصحافة. وهذا ناهيك من اتهام تدخل أديس أبابا في شؤون المسلمين، وعجز الائتلاف الحاكم عن تمثيل شعوب إثيوبيا، أو قومياتها المختلفة.

اتهامات.. ونفي
منظمة «هيومن رايتس ووتش»، في تقريرها الصادر في يونيو (حزيران) الماضي، ذكرت أن قرابة 400 إثيوبي لقوا حتفهم خلال الاحتجاجات الأخيرة، واعتقل أكثر من 20 ألف سياسي أورومي منذ مارس (آذار) 2014. واتهم التقرير الذي تنفي صحته حكومة أديس أبابا وتصفه بـ«الكاذب والملفق» الحكومة الإثيوبية بشن «حملة قمع وحشي ضد متظاهرين سلميين بشكلٍ عام».
ومن جانبه، يرجع فيصل محمد صالح، الصحافي والخبير في شؤون القرن الأفريقي، جذور الاحتجاجات الحالية إلى أيام حكم الرئيس الأسبق منغيستو هيلا ماريام ذي الطابع الماركسي. إذ استفز منغيستو قوى سياسية إثيوبية كثيرة. وفي الوقت ذاته، كانت قوى قومية تنظر إليه باعتباره امتدادًا لحكم قومية الأمهرا المسيطرة منذ عهد الإمبراطور هيلاسيلاسي.
ووفقا لصالح، فإن اعتبار الحكم في إثيوبيا امتدادًا لحكم جماعة عرقية أو قومية، تسبب في قيام معارضة قومية وعرقية، فنشأت عدة جبهات مناوئة ذات طابع مثل جبهة تحرير التيغراي وجبهة تحرير الأورومو وجبهة تحرير أوغادن (الممثلة للقومية الصومالية في جنوب شرقي البلاد). وفي تطور لافت دعمت الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا (حيث الثقل السكاني للتيغرينيا أولاد عمومة التيغراي الإثيوبيين) التي كانت تحارب حكومات أديس أبابا مطالبة بالاستقلال، جبهات المعارضة الإثيوبية ودربتها.
يقول صالح إن الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا التي كان يقودها الرئيس آسياس أفورقي في ذلك الوقت، أسهمت في تمكين الزعيم الإثيوبي الراحل ملس زناوي، لأن مصالحهما الاستراتيجية تكمن في قيام حركات معارضة داخلية ضد النظام الذي يقاتلونه من أجل تحرير بلادهم. وتبعًا لهذا الحلف نشأت الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا (EPLF) والجبهة الشعبية لتحرير التيغراي (TPLF)، كحليفين استراتيجيين.
ولأن الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا كانت لها اليد العليا في التحالف، فقد كانت تدعم جبهة تحرير التيغراي بأفراد الجيش الإثيوبي الذين يقعون تحت أسرها، فيعيدون تجنيدهم لصالحهم، ثم تمدها بالسلاح وغيره «وكانت رؤية بعيدة صائبة». وأثمر التحالف بين الحركتين المسلحتين في إبراز وتقديم الجبهة الشعبية لتحرير التيغراي، في الوقت الذي وجدا فيه الدعم من الحكومة السودانية، لأنها هي الأخرى كانت تريد إسقاط نظام منغيستو لأنه يدعم حركة التمرد الجنوبية (الحركة الشعبية لتحرير السودانية) ضدها.

تغيّر الظروف
ويوضح صالح أن الظروف والمتغيرات الدولية أضعفت نظام حكم منغيستو، صاحب التوجه الاشتراكي، فاضطر للدخول في حوارات مع الجبهات المعارضة الداخلية والجبهة الشعبية لتحرير إريتريا في أوروبا. وبفشل هذه الحوارات صعدت الجبهتان المسلحتان العمل العسكري، وشنتا هجومًا متزامنًا على العاصمتين الإثيوبية أديس أبابا والإريترية أسمرا، لإسقاط منغيستو واستعادة أسمرا من السيطرة الإثيوبية.
ولكن وقبل دخول الثوار أديس أبابا شكّل قادة التيغراي تحالفًا مع عدد من الجبهات القومية ضم حتى جبهة تحرير الأورومو، وبعد سقوط حكومة أديس أبابا كونوا «حكومة تنوع» برئاسة ملس زناوي (من التيغراي)، ترأس مجلس وزرائها تامريت لاين (من الأمهرا)، بجانب ممثلين عن القوميات الأخرى، وأطلقوا عليه مسمى «الجبهة الثورية الديمقراطية للشعب الإثيوبي».
واستفادت الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا من الاتفاق الاستراتيجي مع جبهة تحرير التيغراي، وحصلت بموجبه على حق تقرير المصير. ثم سيطرت في مايو (أيار) 1991 على إريتريا، وبعدها وافقت الجبهتان الإريترية والإثيوبية في يوليو (تموز) من ذلك العام على إجراء استفتاء بإشراف دولي. وبالفعل، أجري الاستفتاء في أبريل (نيسان) 1993 وفيه صوّت فيه الإريتريون بغالبية ساحقة تجاوزت الـ90 في المائة لصالح استقلال بلادهم، ووافقت إثيوبيا على نتيجة الاستفتاء، معترفة بإريتريا دولة مستقلة، ورفعت راياتها دولة مستقلة في 24 مايو 1993.

سيطرة التيغراي
لاحقًا، بدأ الحديث يتردد في إثيوبيا عن سيطرة قومية التيغراي على مقاليد الأمور. وأبدى بعض شركاء الحكم تململهم من هذه السيطرة وعلى رأسهم قادة الأورومو، ثم انضم إليهم آخرون ما كانوا مشاركين في التحالف الحاكم. ووفقًا لفيصل محمد صالح فـ«إن الأورومو الغاضبين انتقدوا بعنف ما سموه سيطرة التيغراي على قلب الدولة رغم تمسكهم الظاهري بالتحالف القديم، وسيطرتهم على حركة الاقتصاد والأعمال، واتجاه قادة كبار منهم نحو الأعمال، أشهرهم سبحت نقا، الذي يصنف بأنه الزعيم التاريخي والأب الروحي لجبهة تحرير التيغراي».
وكان التحالف الحاكم قد تبنى بادئ الأمر دستورًا فيدراليًا (اتحاديا) أعطى حتى حق تقرير المصير للقوميات الإثيوبية، ما جعله دستورًا نموذجيًا وقتها. غير أن الاتهامات توالت بأن حكومة أديس أبابا مارست قمعًا وحشيًا ضد القوميات، وأنها لم تلتزم بنظام الحكم الفيدرالي الذي يعطي كل إقليم الحق في حكم نفسه، ما جعله لا يبدو في نظر كثيرين نظامًا فيدراليًا حقيقيًا.
ولم تتوقف المعارضة ضد نظام الحكم. وبينما كان البعض يعارض من داخل البرلمان، صنع آخرون معارضة خارج البرلمان، بل إن بعضها كانت مسلحة تقوى وتضعف حسب تطور الأوضاع الإثيوبية. وحسب الخبير صالح «من الواضح أنها (أي المعارضة) في الآونة الأخيرة أصبحت كبيرة خاصة بين أفراد قومية الأورومو، التي مع أنها الأكبر من حيث الحجم، فهي الأقل حظوظًا في السلطة والثروة والتعليم، وبينها نسبة كبيرة من المسلمين».
ثم تزامن الغضب العرقي ضد الحكومة مع شكاوى من المسلمين (من الأورومو وغيرهم) الذين يزعمون أنهم يعانون من التهميش، والإبعاد عن مركز صناعة القرار، رغم اقتناعهم بأنهم أكثر عددًا من المسيحيين، وهنا نشير إلى أن الدولة الإثيوبية كانت تعد تاريخيًا دولة مسيحية مرتبطة بالكنيسة الأرثوذكسية.
ويذهب المسلمون إلى أكثر من ذلك بالقول إن الحكومة في نزاعها معهم فتحت الباب أمام مجموعات إسلامية أخرى، مثل مجموعة «الأحباش» - الذين يختلف مذهبهم عن المذاهب الأخرى - بسبب خوفها من تقدم «حركة الشباب الإسلامي» المتشددة في الصومال وكذلك «القاعدة» ومجموعات أخرى، فحاولت تغليب مذهب «الأحباش» لأنه مذهب سلمي لا يتبنى التطرف والعمل المسلح.

فشل بتلبية المطالب
ويقطع صالح أن الإطار الدستوري الإثيوبي لم يفلح في معالجة مطالب الاحتجاجات المتكررة، والمتمثلة في كيفية توزيع الأرضي واقتسام السلطة، والمشاركة السياسية والتهميش والتنمية غير المتوازنة. وهذا، بالإضافة إلى تفشي موجات قمع الصحافة والمدوّنين على الإنترنت، إذ يفيد «لا توجد حرية صحافة يقال عليها في إثيوبيا، مع أن الدستور يعطي حريات واسعة تبلغ حد تقرير المصير للمجموعات المختلفة، وكانت الممارسة العملية سلطوية وقمعية أدت لمزيد من الاحتقان أفرز الاحتجاجات الأخيرة». ويضيف أن «النجاح الاقتصادي الإثيوبي غطى في مرحلة ما على هذه التناقضات، وجعل العالم يتغاضى عن السياسات السلطوية والقمع الذي كان يمارسه النظام الحاكم». وبسبب النجاح الاقتصادي كانت إثيوبيا تقدم في المؤسسات الدولية، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي كـ«قصة نجاح» من العالم الثالث، فضلا عن كونها توصف بأنها الأقل فسادًا بين الدول الأفريقية.
وحقًا، شجعت قصة النجاح الاقتصادي بمعدل نمو سنوي قدره 10 في المائة على التغاضي عن القصور السياسي في التجربة، و«لكن - حسب الصحافي والخبير السوداني - الواضح أن النموذج ما عاد يستطيع السير أكثر، فالاضطرابات السياسية تهدد الاقتصاد والاستقرار والتنمية». وفي إشارة للتعديل الوزاري الأخير قال صالح «لا أعلم ما إذا كانت إعادة تشكيل الحكومة وتركيبها من جديد، يعكس فعلاً تغييرًا في النظرة السياسية لجبهة تحرير التيغراي، أم أنها مجرد تغيير شكلي يهدئ الأمور لفترة قليلة لتنفجر مرة أخرى». وهو يرى أن المجتمع الدولي «راهن على الاستقرار الإثيوبي، وعلى اعتباره نموذجًا تنمويًا يمكن أن يعطي إشارات إيجابية في الجوار المضطرب وغير المستقر اقتصاديا... والاقتصاد المتنامي والاستقرار السياسي أعطى إثيوبيا نفوذًا سياسيا كبيرًا في الإقليم، لكن هذه الاضطرابات إذا أثرت على الاقتصاد ستؤثر حتمًا على النفوذ الإثيوبي في المنطقة، وسيفقد الإقليم فرصة وجود دولة مركزية، لأن الفكرة الغربية مبنية على وجود دولة مركزية في الإقليم مستقرة ونامية اقتصاديا وتؤثر في الآخرين ليوكل لها بعض المهام».
وفيما يتعلق باتهامات إثيوبيا لكل من مصر وإريتريا بالضلوع في الاحتجاجات، يرى صالح أن إريتريا «أصلا لا تستطيع الاستثمار في النزاعات الإثيوبية بسبب ضعف إيراداتها ونفوذها وتأثيرها المحدودين، بل على العكس فإن إثيوبيا هي التي تؤوي المعارضة الإريترية... لكنها حتمًا تسعد بأي ململة ونزاعات في إثيوبيا». وهنا يشير أن هناك حساسية شعبية تاريخية بين البلدين ترفض فكرة انطلاق معارضة إحداهما من أراضي الأخرى: «فالمعارضة التي تعمل من إثيوبيا ترفضها جماهير إريترية كبيرة لأنها ترى أن خلافها وصراعها مع حكومة الرئيس آسياس أفورقي يختلفان عن خلافها مع إثيوبيا، وبالمقابل، توجد نفس النظرة عن الإثيوبيين».
وبعد مجيء ملس زناوي للحكم 1991 عبر جبهة تحرير التيغراي، ذات العلاقة القوية مع السودان، تحسنت علاقات إثيوبيا مع جوارها، عدا إريتريا تحت حكم آسياس أفورقي، قائد الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا، بسبب النزاعات المتكررة بين الدولتين، والتي تفاقمت رغم العلاقة القديمة بين الزعيمين اللذين كانت علاقاتهما شديدة القرب عرقيًا وسياسيا خلال سنوات الثورة، كما أنهما ينتميان لقومية واحدة.
أما عن العلاقات المصرية الإثيوبية فإنها تعيش اليوم أسوأ فتراتها، وفاقمت منها مخاوف مصرية بسبب بناء إثيوبيا «سد النهضة»، الذي ترى فيه مصر تهديدًا لمصالحها المائية، في حين تعزز إسرائيل علاقاتها مع أديس أبابا، التي ارتفعت صادراتها إلى إثيوبيا بنسب كبيرة، وزار عدد من رجال الأعمال الإسرائيليين إثيوبيا مرات كثيرة.



واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
TT

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور «التفاوض تحت النار»؛ إذ نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته بعدما اتهم طهران بالمماطلة و«اللعب على الوقت»، وأمر بموجة ضربات على أهداف في جنوب إيران، شملت، بحسب مسؤولين أميركيين، منظومات دفاع جوي ورادارات ووحدات قيادة وسيطرة للطائرات المسيّرة. كذلك، لم تعد واشنطن تعرض القوة باعتبارها رداً محدوداً على إسقاط مروحية «أباتشي» أميركية قرب مضيق هرمز فحسب، بل كأداة ضغط لإجبار إيران على القبول باتفاق بشروط أميركية. وبهذا المعنى، انتقلت إدارة ترمب من الردع الدفاعي إلى «الدبلوماسية القسرية» المكشوفة. وتصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث، بأن واشنطن «ستفاوض بالقنابل إذا لزم الأمر»، أوضحت الهدف السياسي من الضربات. لكن المفارقة الخطرة أن استخدام القوة لتقصير طريق الاتفاق قد يدفع طهران إلى رد يوسّع الاشتباك، ويفتح الباب أمام حرب تقول واشنطن إنها لا تريدها.

بدأ التصعيد الأخير في «الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية» بردّ أميركي على إسقاط مروحية من نوع «أباتشي» في منطقة مضيق هرمز. وفي حينه بدت الضربات الأولى محسوبة: استهداف رادارات ومنظومات دفاعية ومواقع تحكّم، مع الحرص على تجنب سقوط قتلى إيرانيين يفرضون على طهران ردّاً أكبر. إلا أن موجة الأربعاء غيّرت المعنى السياسي والعسكري للعملية. ذلك أن الضربة الثانية لم تُقدَّم فقط بوصفها انتقاماً من حادث بعينه، بل كجزء من قرار أميركي بزيادة الكلفة على إيران كلما تأخرت في توقيع اتفاق.

أكبر من رسالة وأقل من حرب

هذا التدرّج يشرح حسابات ترمب، أي: ضربات كبيرة بما يكفي لإيصال رسالة، ومحدودة بما يكفي لتجنب حرب شاملة.

إنه يريد إثبات أن تهديداته ليست كلاماً انتخابياً، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام صفقة. غير أن المعادلة باتت أكثر هشاشة، بعدما تحوّلت التهديدات إلى ضربات مباشرة داخل أراضٍ إيرانية حساسة بجنوب البلاد وقرب مضيق هرمز.

فرزين نديمي، الباحث المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في إيران ومنطقة الخليج في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى»، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الطرفين يحاولان في هذه المرحلة «فرض إرادتيهما ووضع القواعد». وهنا لا يستبعد نديمي كلياً أن يكون اصطدام المسيّرة الإيرانية بالمروحية الأميركية حادثاً غير مقصود، لكنه يقرأ السلوك الإيراني في سياقه الأوسع، أي أنه محاولة لإظهار مَن يملك اليد العليا في المضيق، والتدخل في العمليات الأميركية، واختبار حدود الردع الأميركي. ولذا، في رأيه، جاء رد ترمب السريع على أهداف عسكرية داخل إيران لإفهام طهران أن العبث بحرية الحركة الأميركية في الخليج لن يبقى بلا ثمن.

في المقابل، تدرك واشنطن أن مقتل جنود أميركيين أو إصابة منشآت خليجية كبرى قد يخرج الأزمة من دائرة «الضغط من أجل الاتفاق» إلى دائرة الحرب. ولهذا فإن عبارة «الضرب من أجل التفاوض» لا تلغي خطر الانزلاق، بل تكشف عنه. فالقوة هنا محاولة لإعادة ترتيب الطاولة قبل الجلوس إليها، لكن الطرف الآخر قد يردّ على الطاولة نفسها بالقوة أيضاً.

ربط الساحات

في خلفية التصعيد، تواصل إيران العمل بمنطق «ربط الساحات». وهي اليوم لا تتعامل مع مضيق هرمز، والملف النووي، ولبنان، وإسرائيل، والقواعد الأميركية كملفات منفصلة، بل تحاول تحويلها إلى أوراق داخل مساومة واحدة مع واشنطن: فإذا ضُغط عليها نووياً، لوّحت بالملاحة؛ وإذا استُنزف «حزب الله» في لبنان، أمكنها التصعيد ضد إسرائيل أو في الخليج؛ وإذا طُلبت منها تنازلات قاسية، حضرت ورقة القواعد الأميركية والسفن ومنشآت النفط.

نديمي، بالتالي، يضع المسألة في إطارها السياسي الأوضح. فهو يقول إن النظام الإيراني يريد إدخال لبنان، أو على الأقل بيروت وضواحيها، في أي «صفقة» مع الولايات المتحدة، لكنه يستبعد قبول إسرائيل بذلك. وبحسب هذه القراءة، لا يقتصر «ربط الساحات» على تحريك حلفاء أو إطلاق صواريخ، بل يشمل أيضاً استخدام خطر اشتعال الجبهة الإيرانية - الإسرائيلية، وتهديد المضيق والقواعد الأميركية، من أجل منع إسرائيل من استكمال تقويض «حزب الله» في لبنان، ومنع الدولة اللبنانية من احتكار القرارين الأمني والعسكري.

لكن هذه الاستراتيجية تعكس القدرة على التعطيل أكثر مما تعكس قدرة على فرض تسوية مستقرة؛ فإيران تستطيع إرباك الملاحة، لكنها لا تتحمل إغلاقاً طويلاً للمضيق من دون رد عسكري واقتصادي واسع. وهي تستطيع أيضاً استخدام «حزب الله» كورقة ردع، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة بناء موقعه السابق بعد الحرب والضربات الإسرائيلية والضغط الأميركي. ثم إن تفوّق الولايات المتحدة وإسرائيل الجوي والاستخباراتي يجعل كلفة المواجهة المفتوحة باهظة.

لا تتعامل واشنطن مع هرمز والنووي ولبنان وإسرائيل والقواعد الأميركية كملفات منفصلة

مضيق هرمز: ورقة الضغط الأخطر

يبقى مضيق هرمز قلب الأزمة. فإسقاط المروحية الأميركية، والحديث عن مضايقة السفن، والضربات على الرادارات والدفاعات الجوية في الجنوب الإيراني، عناصر تؤكد أن الصراع على المضيق صار أحد مفاتيح التفاوض.

واشنطن تريد تثبيت أن المرور في هذا الشريان العالمي لن يخضع لإذن إيراني، وأن أي محاولة لفرض «رسوم سياسية» أو أمنية على الملاحة ستواجه بالقوة. أما إيران فتريد إثبات أن أي اتفاق يتجاهل قدرتها على التأثير في المضيق سيكون اتفاقاً ناقصاً.

وتنسجم هذه القراءة مع ما يقوله نديمي عن أن طهران لا تختبر فقط قدرة واشنطن على الرد، بل تختبر أيضاً مدى استعدادها لفرض قواعد اشتباك جديدة في الممر البحري الأكثر حساسية في العالم. وهي مع محاولة إظهار اليد العليا في المضيق لا تهدف فقط إلى إحراج الجيش الأميركي، بل إلى تثبيت فكرة أن أي تفاهم حول النووي أو العقوبات أو خفض التصعيد لا يمكن أن يتجاهل موقع إيران الجغرافي وقدرتها على تهديد خطوط الطاقة.

هذه النقطة تكتسب أهمية أكبر بعد كشف ترمب عن عمليات أميركية لمرافقة سفن تجارية عبر المضيق، وكلامه عن استمرار تدفق كميات كبيرة من النفط على الرغم من التهديدات الإيرانية. وحتى لو بالغ في تصوير العملية باعتبارها «سرية»، تظل الرسالة السياسية واضحة وهي واشنطن تريد كسر الانطباع بأن إيران تستطيع خنق السوق النفطية العالمية متى شاءت. فاضطراب التأمين والشحن يمنح طهران ورقة ضغط، بينما نجاح واشنطن في تأمين المرور يضعفها.

... لبنان داخل «الصفقة الكبرى»

وسط هذه المواجهة، لا يغيب لبنان عن الحسابات الإيرانية والأميركية والإسرائيلية. فإيران تنظر إلى «حزب الله» باعتباره آخر أوراق نفوذها الكبرى في المشرق، وأي تسوية لا تحمي موقعه أو تمنع استكمال إضعافه ستُقرأ في طهران كهزيمة استراتيجية. لذا تحاول إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إدخال لبنان في أي تفاهم مع واشنطن، أو على الأقل منع إسرائيل من استثمار اللحظة لإعادة رسم ميزان القوى جنوب لبنان.

في المقابل، لا تريد واشنطن أن تتحوّل المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية إلى رهينة إيرانية. ويشرح ديفيد شينكر، نائب وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، أن إدارة ترمب تدرك مخاوف الحكومة اللبنانية من مواجهة مباشرة مع «حزب الله»، لذلك تدفع بخطة تقلل احتمالات الصدام تتضمن نشر وحدات الجيش اللبناني في مناطق تكون إسرائيل قد أخلتها من عناصر الحزب ومخازنه، ثم تتولى منع عودة المقاتلين والسلاح إليها. ويضيف شينكر أن عودة السكان، وبالذات الشيعة، قد تمنح الحكومة رصيداً إذا نجحت في تأمين المناطق. لكنه يحذّر من أن «حزب الله» سيختبر الجيش ويحاول إعادة بناء حضوره، وأن الخطة ستفشل ما لم يتخذ الجيش خطوات فعلية لمنع ذلك.

هنا تدخل العقوبات الأميركية كأداة ضغط موازية للضغط العسكري في الخليج. وبحسب شينكر، فإن صدور عقوبات جديدة مسألة «شبه مضمونة»، وأن استهداف معاوني رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأمنيين «كان رسالة بأنه نفسه سيحاسَب إذا عرقل المسارين السياسي والعسكري بين لبنان وإسرائيل». أما العقوبات على ضباط في الأمن العام واستخبارات الجيش، فهي في رأيه أهم؛ لأنها تستهدف نمطاً قديماً من التنسيق والتسريب والتعايش بين مؤسسات أمنية لبنانية و«حزب الله». وبالتالي، فالرسالة الأميركية ليست موجهة إلى الحزب وحده، بل أيضاً إلى بنية الدولة التي سمحت له بالبقاء داخل القرار الأمني.

عقدة «النووي» والصفقة الناقصة

في سياق متصل، في قلب التصعيد كله، تبقى المفاوضات النووية. فواشنطن لا تريد تهدئة عسكرية فقط، بل «اتفاقاً ذا معنى»، كما قال ترمب، يقيّد البرنامج النووي الإيراني لسنوات.

الملفات المطروحة معقدة: تعليق التخصيب، التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، تعطيل أو تفكيك منشآت رئيسية، وقبول تفتيش مفاجئ. وهذه ليست تنازلات تقنية بسيطة، بل تمسّ ما تعدّه إيران سيادة وطنية ورمزاً لقدرتها على تحدي الضغوط الغربية.

لذلك، تبدو طهران مترددة. فهي تريد تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمّدة والاعتراف بدورها الإقليمي، لكنها لا تريد الظهور كأنها وقّعت تحت القصف.

ثم إنها تخشى من أن يؤدي اتفاق نووي صارم إلى تقليص أوراق قوتها من دون ضمانات لبقاء نفوذها الإقليمي. لكن مغادرة الوفد القطري المفاوض للعاصمة طهران، مساء الأربعاء، من دون تحقيق أي خرق دبلوماسي، أكدت أن الفجوة لا تزال عميقة. وفي المقابل، يعتقد ترمب أن الوقت الذي منحته واشنطن لإيران استُهلك بلا نتيجة، وأن الضربات قد تكسر المراوحة وتدفع طهران إلى قرار سريع.

الدبلوماسي الأميركي المخضرم دينيس روس رأى في مقالة رأي أن لجوء ترمب لسياسات الضغط القصوى دفع القادة الإيرانيين إلى الشعور بأنه ليس لديهم ما يخسرونه، فاستخدموا أوراقاً قصوى كتعطيل الملاحة. لكن روس يشدد على أن الاقتصاد الإيراني بات على حافة الانهيار، وأن تدمير الرادارات والدفاعات الجوية وشبكات المياه - كما حدث في مقاطعة سيريك الإيرانية - يعمّق أزمات النظام الداخلية.

ويضيف روس أن «الخطر الأكبر ليس في انهيار المفاوضات فقط، بل في التوصل إلى صفقة ناقصة». فقد ينجح الطرفان في وقف الضربات وفتح المضيق وتجميد بعض عناصر البرنامج النووي، لكن من دون معالجة آليات التصعيد الأخرى، مثل: المضايقات البحرية، ونشاط «حزب الله» في لبنان، وحرية إسرائيل في تنفيذ ضربات ضد أهداف إيرانية أو حليفة لإيران. عندها لن تنتهي الحرب، بل سيعاد تنظيمها في اشتباكات محسوبة قابلة للانفجار في أي لحظة.

أيضاً فإن تخفيفاً اقتصادياً واسعاً وغير مشروط للعقوبات قد يمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترميم قدراته وشبكاته الإقليمية، بينما قد يدفعه الضغط بلا أفق سياسي إلى تصعيد أوسع. لذلك تبدو واشنطن أمام توازن بالغ الدقة: أن تقدم لإيران مخرجاً لا يبدو إنقاذاً مجانياً، وأن تفرض قيوداً لا تجعل التوقيع مستحيلاً، وأن تردع من دون أن تنزلق إلى حرب لا تريدها.


أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الخطوط العريضة لاتفاق نووي محتمل مدته 15 سنة، يتجاوز مجرد تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز المغلق منذ ما يزيد على 100 يوم. وبحسب صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، الخلاصات الأساسية لهذه المفاوضات المعقدة، تتمحور حول أربعة ملفات شائكة:

- مدة تعليق التخصيب: تطالب واشنطن بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لمدة لا تقل عن 20 عاماً، في حين تصر طهران على 10 سنوات، مع وجود مؤشرات على إمكانية التسوية عند 15 عاماً.

- مصير المخزون المخصب: تسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لـ«تخفيف» كامل المخزون الإيراني البالغ 11 طناً (بما في ذلك الوقود القريب من درجة إنتاج الأسلحة)، وسط خلاف حول ما إذا كان التدمير سيجري محلياً أم بنقله خارج البلاد.

- تفكيك المنشآت الحصينة: تصرّ واشنطن على التفكيك التام لمواقع نطنز وفوردو وأصفهان، التي تضررت سابقاً في ضربات «مطرقة منتصف الليل»، بينما ترفض إيران التخلي عما تسميه «حق التخصيب» وتطالب بالإبقاء على منشأة واحدة مفتوحة.

- التفتيش الفجائي والصارم: يطالب الجانب الأميركي بمنح المفتشين الدوليين صلاحية الدخول «في أي وقت وإلى أي مكان»، وهو ما يواجه ممانعة إيرانية شديدة؛ نظراً لوجود العديد من المواقع المشتبه بها داخل القواعد العسكرية المغلقة التابعة لـ«الحرس الثوري».

وتُظهر الخلاصات أن أي اتفاق نووي مستقبلي - رغم أفضليته الفنية مقارنة باتفاق عام 2015 - سيبقى رهينة لمدى التزام النظام الإيراني على أرض الواقع، وقدرته على كبح جماح التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري»، الذي يرى في هذه الشروط استسلاماً كاملاً. وهو ما يفسر لجوء طهران لرفع وتيرة التصعيد العسكري كأداة لتحسين شروط التفاوض هرباً من تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر بقاء النظام ونفوذه الإقليمي.


عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
TT

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم. لم يكن نجماً يطارد الأهداف؛ بل كان حكماً حمل الصافرة ليصبح وجهاً صومالياً بارزاً في الملاعب الأفريقية. وبعد 34 سنة وبالشهر ذاته، يونيو 2026، كاد أرتان يولد من جديد ويدخل منصة الكبار عبر حلم «المونديال» بالمشاركة في نهائيات كأس العالم التي انطلقت الخميس، لولا «كارت أحمر» أصدرته واشنطن ضده في مطار ميامي الأميركي، بزعم «تطبيق قانون يمنع دخول جنسيات من بينها الصومال». وهكذا تحوّل عمر إلى «أيقونة عالمية»، وتصدّر اسمه النشرات الإخبارية وسط مواقف دعم من مختلف البلدان، واستقبلته بلاده استقبال الملوك في احتفال غير مسبوق، وتقدّم المستقبلين الرئيس حسن شيخ محمود.

في مسيرة الـ34 سنة، نجاحات عديدة خطّها عمر عبد القادر أرتان، الحاصل على بكالوريوس في التنمية. وفي دولة أنهكتها الحرب الأهلية، يواجه كثيرون تحدّيات جمة في رسم مستقبل ناجح، ولكن كان لأرتان رأي آخر تكشفه الأرقام؛ إذ سرعان ما حصل على الشارة الدولية في عام 2018، وأدرج رسمياً في قائمة حكام «الفيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم) الدوليين بعد سنتين فقط من حصوله على فرصة التحكيم في دوري الدرجة الأولى الصومالي عام 2016، و4 سنوات من ولوجه تدريبات التحكيم الرياضي عام 2014، وبدء إدارة الدرجة الثالثة بالدوري الصومالي.

اعتماده حكماً دولياً

كانت أول مباراة تولّى أرتان تحكيمها خارج النطاق المحلي، بعد اعتماده حكماً دولياً، مباراة أجريت في كينيا بين فريقي ناديين من كينيا ومدغشقر. وبعدها شارك أرتان حكماً في دورة اتحاد شمال أفريقيا تحت 20 سنة في عام 2022، وفي كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة في عام 2023.

ثم، في يناير (كانون الثاني) 2024، أصبح أول صومالي يدير مباراة في كأس الأمم الأفريقية بكوت ديفوار، لدى إشرافه على لقاء تونس وناميبيا ضمن دور المجموعات، وقد وصفت وكالة الأنباء الصومالية (صونا) تلك المباراة يومذاك، بـ«المباراة الصعبة».

هذا السجل المشرّف لم يتوقف؛ إذ صار أرتان أول صومالي يحكم مباراة نهائي أفريقيا، حين أدار مباراة الإياب بين بيراميدز المصري وماميلودي صنداونز الجنوب أفريقي في القاهرة، وكانت تلك الخطوة المتفردة في شهر يونيو (حزيران) في عام 2025.

وفي يوليو (تموز) 2025، اختير الحكم الصومالي الموهوب ضمن قائمة «الفيفا» التي يدير حكامها مباريات كأس العالم للشباب تحت 20 سنة، التي نظمت في تشيلي. وبعدها، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عرف أرتان نجاحاً جديداً وكبيراً عندما توّج بجائزة «أفضل حكم في أفريقيا» لعام 2025، خلال حفل جوائز الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) الذي استضافته العاصمة المغربية الرباط، وكان هذا الإنجاز وفق وكالة الأنباء الصومالية «الأكبر في تاريخ التحكيم الصومالي».

حكم أفريقيا البارز

جاء اختيار أرتان، في حينه، بعد منافسة قوية مع حكمين من جنوب أفريقيا وموريشيوس. وأعلنت لجنة الجوائز في «الكاف» فوزه تقديراً لأدائه الاستثنائي خلال العام الحالي، وإدارته عدداً من أهم المباريات القارية والدولية، وعلى رأسها نهائي دوري أبطال أفريقيا، ومباريات كأس العالم تحت 20 سنة التي تُوِّج بها المنتخب المغربي.

وحقاً، يُعدّ هذا التتويج محطة بارزة في مسيرة أرتان، الذي لمع اسمه خلال السنوات الأخيرة بفضل انضباطه، وحرفيته، وقراراته الدقيقة داخل الملعب، ما جعله - بحسب وكالة الأنباء الصومالية - واحداً من أبرز حكام القارة.

ومن ثم، دفع هذا التتويج رئيس الصومال، حسن شيخ محمود، للقاء أرتان والإشادة به، واعتبار نجاحه «إنجازاً تاريخياً يعكس صورة مشرقة للشباب الصومالي وقدرته على التنافس في الميادين الدولية». وأردف أنه «يمثل نموذجاً للإصرار والتميز... وفوزه يشرف الصومال وشعبها».

في مصاف «الكبار»... وصدمة مؤلمة

في أبريل (نيسان) 2026، دخل عمر أرتان مكانة الكبار في كرة القدم باختياره للمشاركة في نهائيات كأس العالم لكرة القدم، ليصبح بذلك أول حكم صومالي يبلغ هذا الإنجاز التاريخي في مسيرة الرياضة الوطنية. وهذه المحطة دفعت رئيس البلاد لتهنئته للمرة الثانية، واعتباره «نموذجاً مُلهماً ومصدر فخر للأجيال الصاعدة من الشباب الطامح إلى التميز».

غير أن فرحة مقديشو وعمر أرتان لم تدُم سوى شهرين؛ إذ صدمه قرار رسمي أميركي من واشنطن منعه في يونيو الحالي من دخول البلاد.

فلقد أوقف أرتان في مطار ميامي ومنع من دخول الولايات المتحدة، ونقلت وكالة «رويترز» الأربعاء، عن إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في بيان، أن مواطناً صومالياً، دون ذكر اسمه، وصل إلى مطار ميامي الدولي آتياً من إسطنبول يوم السبت الماضي، واعتُبر غير مسموح له بالدخول بسبب مخاوف تتعلق بالتحريات الأمنية. وجاء القرار بعد أشهر من فرض واشنطن حظراً شاملاً على سفر مواطني 12 دولة منها الصومال في عام 2025.

الاتحاد الدولي (الفيفا) أكد الاثنين الماضي، أن أرتان لن يتمكن من التدريب والتحكيم في نهائيات كأس العالم، التي انطلقت الخميس في كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ولم يجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تبريراً في مواجهة انتقاد رياضي بدأ يتزايد إلى أن يخرج الأربعاء، مدّعياً أن الولايات المتحدة منعت دخول الحكم الصومالي بسبب صلته بأفراد «يشتبه في انتمائهم إلى منظمات إرهابية»، من دون أن يقدم دليلاً على ذلك.

غير أن اتهام ترمب كان بلا صدى؛ إذ كان ضجيج الاحتفالات والتضامن مع الحكم الصومالي الأعلى أصداءً. وأفادت وكالة الأنباء الصومالية الأربعاء، بأن «أرتان وصل إلى العاصمة مقديشو وسط استقبال حافل في مطار آدم عبد الله الدولي، تقدمه وزراء ونواب في البرلمان الفيدرالي، وممثلون عن الاتحاد الوطني لكرة القدم، بالإضافة إلى مسؤولين آخرين وشرائح المجتمع المدني المختلفة، بخلاف دعم دولي».

وبحسب الصورة التي نشرتها الوكالة، كانت ملامح وجه أرتان تشع بالفرحة وسط زحام كبير، عزّزته لغة صمود بدت في تصريحاته، وقال أثناء تلويح مئات الجماهير بعلم الصومال: «أعدكم، بمشيئة الله، أنني سأحضر البطولة التالية. أريد أن يطمئنّ الشعب الصومالي إلى هذا، وأن يظل واثقاً».

أما «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) فنقلت عن أرتان قوله: «على الرغم من الظروف التي أمرّ بها، فإنني في مزاج إيجابي وأركّز على التحدّيات المقبلة في مسيرتي التحكيمية». وتابع: «أود أن أشكر عائلة كرة القدم على رسائلها، وأتمنى لزملائي كل التوفيق والنجاح خلال كأس العالم، وأتطلع إلى الانضمام إليهم مجدّداً في مسابقات مستقبلية».

تعليقات صومالية

سعاد جالو، الرئيسة بالإنابة للجنة الأولمبية الوطنية الصومالية، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقة، إنها «حزينة لما يحدث... وإذا كانت هناك اعتبارات أمنية، فلماذا مُنحت له التأشيرة أصلاً؟»، قبل أن تجيب: «عندما تغيب الشفافية عن الإجراءات، تتراجع الثقة في النظام بأكمله وتمسّ مصداقية (الفيفا)، وتتناقض مع الإرث الطويل من الانفتاح والاستضافة للولايات المتحدة».

أما المحلل السياسي الصومالي حسن نور، فقد اعتبر أن «الصومال ربح أكثر من مرة من هذا الحكم الصومالي المتميز»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن أرتان «رمز رياضي كبير استطاع أن يجمع الشعب الصومالي حكومة ومعارضة عليه، رغم خلافاتهما التي تجاوزت أكثر من سنة، والجميع توحّد خلف دعمه، في موقف غير مسبوق».

من جهة أخرى، رأى نور أن كأس العالم خسرت حكماً متميزاً، «وعرف العالم أن الصومال يضم نجوماً كباراً، فضلاً عن الاحتفاء الواسع والتضامن الكبير الذي لاقاه أرتان عقب عودته إلى بلاده، بخلاف دعم غير منقطع النظير من السلطات الحكومية».

بدوره، أعرب الاتحاد الصومالي لكرة القدم في بيان، عن «حزنه إزاء ما حدث»، واصفاً تعيين أرتان لإدارة مباريات كأس العالم بأنه إنجاز تاريخي للبلاد نتج عن سنوات من التفاني والمهنية والنزاهة. وتابع أنه «رغم أن نهائيات كأس العالم انطلقت الخميس بمشاركة 48 منتخباً، بحثاً عن تتويج وفوز عالمي يوم الختام 19 يوليو، فإن الحكم الصومالي المبعد عمر أرتان كان أول الفائزين باحتفاء عالمي غير مسبوق، كان ربما لا يصل إليه حال استمر بالبطولة، وكأنه ينطبق عليه عبارة (من رحم المعاناة يولد الأمل)».

على الصعيد الرسمي

أما على الصعيد الرسمي، فقد أعربت وزارة الخارجية الصومالية في بيان الأربعاء، عن أسفها الشديد إزاء قرار السلطات الأميركية منع دخول الحكم الدولي الصومالي، مشددة على أن أرتان «أحد أبرز الرموز الرياضية في الصومال، ومصدر فخر واعتزاز وطني لإسهاماته الكبيرة وإنجازاته التي ألهمت الشباب الصومالي».وقالت الوزارة إن الحكومة الفيدرالية بذلت جهوداً دبلوماسية مكثفة مع الجهات المعنية لتسهيل سفر أرتان، إلا أن تلك المساعي لم تفضِ إلى النتيجة المرجوة. وبالتالي، عاد الحكم إلى مقديشو وسيواصل أداء مهامه ومسؤولياته الوطنية والقارية بالمستوى نفسه من التفاني والمهنية العالية التي عُرف بها طوال مسيرته الرياضية. ووجّهت «الخارجية» الصومالية خالص شكرها وتقديرها لجميع الدول الشقيقة، والأفراد، والهيئات والمؤسسات الرياضية التي عبّرت عن تضامنها ودعمها خلال هذه الفترة. وشدد البيان على أن «الخارجية» ستواصل اتصالاتها مع الشركاء المعنيين للحصول على إيضاحات إضافية بشأن هذه المسألة، مؤكدةً التزامها الثابت بصون كرامة مواطنيها وحماية حقوقهم في الخارج.