من التاريخ: «صلح وستفاليا».. والقياس الخاطئ للتاريخ

من التاريخ: «صلح وستفاليا».. والقياس الخاطئ للتاريخ
TT

من التاريخ: «صلح وستفاليا».. والقياس الخاطئ للتاريخ

من التاريخ: «صلح وستفاليا».. والقياس الخاطئ للتاريخ

ما زلت أومن بأن الإنسان مقيد جزئيًا بتجربته، كما أن الدول قد تصبح أسيرة فكريًا لماضيها، وهذا شعور إنساني طبيعي. لكني من خلال هذا الباب نبهت مرارًا إلى خطورة محاولات تطبيق مسيرة التاريخ الأوروبي والغربي في كل بقاع العالم على أنها أمر مسلم به في العصر الحديث.
هذا خطأ فادح لا يزال كثيرون من الغربيين يقعون فيه، استنادًا إلى الحقيقة السابقة الذكر. ولقد تابعت المبارزة الفكرية بين مفكرين غربيين يطرحون فيها إمكانية تطبيق ما يعرف بمعاهدة «صلح وستفاليا» - التي وقعت في مدينتي أوزنابروك ومونستر بشمال ألمانيا، عام 1648، وأنهت الحرب الدينية في أوروبا المعروفة باسم «حرب الثلاثين سنة» - على الشرق الأوسط. وأذكر أنني تناولت هذين الحدثين في هذا الباب مرات كثيرة، باعتبارهما أساس مفهوم السيادة الذي بني عليه مفهوم الدولة الأوروبية الحديثة، بعدما خاضت الإمبراطورية الرومانية المقدسة حربًا ضروسًا بين معتنقي المذاهب البروتستانتية من ناحية، وبين البابا (رأس الكنيسة الكاثوليكية) والإمبراطور اللذين حاربا للإبقاء على الطبيعة الكاثوليكية للقارة الأوروبية من ناحية أخرى.
وفي هذا الإطار، نشر مقال في مجلة «نيو ستيتسمان» البريطانية، بعنوان «نهاية حرب الثلاثين سنة»، تطرق لكيف أنه يمكن لـ«صلح وستفاليا» أن يكون نموذجًا عظيمًا للتطبيق على الشرق الأوسط حاليًا، وقد كتبه ثلاثة من المفكرين الغربيين. المفكرون الثلاثة رأوا أن حال الشرق الأوسط اليوم يشابه حال أوروبا خلال القرن السابع عشر، وبدأوا طرحهم بالقول إن «حرب الثلاثين سنة» نشبت بسبب حالة التعصب الديني في أوروبا، وإن ما أشعل فتيلها كان تدخل الدول الخارجية على أساس مذهبي في هذه الحرب، وذهبوا أيضًا إلى القول إن معاهدة «الصلح» لم تخلق مفهوم السيادة المطلقة كما هو شائع، بل ما أسموه «السيادة المشروطة» على أساس وجود ضامنين خارجيين وداخليين للسلام في المناطق التي دارت فيها الحروب بعد إقرار السلام. ومن ثم، استخلص كتّاب المقال أن الشرق الأوسط اليوم في خضم صراع مذهبي، وأن التسوية تحتاج إلى خريطة جديدة، من خلال مؤتمر موسع تشارك فيه كل القوى، على غرار ما حدث في المدينتين الواقعتين بإقليم وستفاليا الألماني، أوزنابروك ومونستر، وذلك لفرض سيادة مشروطة لضمان الوئام الداخلي، وضمان التسامح الديني، باعتباره الأساس السياسي لأي تسوية.
على الفور، رد الكاتب سليم جان على هذا الطرح، من خلال مقال له نشر في مجلة «فورين أفيرز»، بعنوان «لا وستفاليا للشرق الأوسط: لماذا سيفشل هذا الإطار»، وناقش على أساسه فكرة المقال السابق ولفظها، على أساس أن تلك المعاهدة جمعت بين إقرار مفهوم السيادة والمنظومة العلمانية في أوروبا، وهو ما لم يتطرق إليه المقال السابق. وأكد على أن السلام لم يصنع التسامح الديني في الممالك الأوروبية لأن الفصل الديني كان قد حُسم بقوة السلاح خلال الحرب. وبالتالي، فإن التجانس الديني الداخلي كان نتاج وسائل قسرية نجمت عن هجرات واسعة للمذاهب المختلفة من المناطق التي كانت فيها أغلبية مذهبية مناوئة. ثم إن صراع الدول تحوّل من داخل القارة إلى خارجها، عبر ما هو معروف بالحروب الاستعمارية الخارجية.. التي نقلت بؤرة الصراع إلى المستعمرات على حساب الداخل الأوروبي. وبناء عليه، لا ينطبق نموذج «صلح وستفاليا» على الشرق الأوسط.
حقًا، أيًا كانت الحجج المطروحة، سواء المؤيدة لمفهوم انطباق «صلح وستفاليا» على الشرق الأوسط اليوم أو المعارضة له، فإن ما يهمنا إبرازه وجود مجموعة من الحقائق التي تجعل الحوار السابق مجرد رفاهية فكرية مضللة، بالنظر إلى الطبيعة والهيكل المختلف لـ«حرب الثلاثين سنة» عن الشرق الأوسط اليوم. وفي هذا السياق، فإنني أطرح ما يلي:
أولاً: لا خلاف على أن معاهدة «صلح وستفاليا» أنهت صراعًا طائفيًا في أوروبا، فالكيانات البروتستانتية كانت رافضة لفكرة «التزاوج السياسي - الديني» بين مكانتي الإمبراطور الروماني المقدس وبابا الفاتيكان التي ولّدت شعار «إله واحد وإمبراطور واحد» للهيمنة على الحكم الأوروبي، ولكن في الحقيقة إن «حرب الثلاثين سنة» كانت تخفي في طياتها صراعًا سياسيًا عميقًا متأصلاً داخل الإمبراطورية، يتجسد في رغبة الزعماء الإقليميين في الاستقلال عن حكم الإمبراطور، ولقد وجد هؤلاء في التفتت المذهبي وسيلتهم للتخلص من السيطرة المركزية للإمبراطور. وطبعًا، هذا الأمر لا ينطبق أصلاً على الشرق الأوسط اليوم، لا من بعيد ولا من قريب، بل العكس هو الصحيح.
ثانيًا: واتصالاً بما سبق، كانت الكيانات السياسية الداخلية في الإمبراطورية الرومانية المقدسة تتطلع إلى السيادة. ومن ثم، تولدت عن هذه الحرب اللبنة الأساسية لمفهوم السيادة كما هو متعارف عليه اليوم، وبالتالي فهي كيانات صغيرة كانت تسعى للتوسع السياسي الداخلي بفرض سيادة الحاكم، أي من المقاطعة أو الولاية إلى السيادة أو الدولة أو الدويلة. أما عن الشرق الأوسط، فإنه اليوم يشهد عملية تفتت لمفهوم الدولة ذاته وهياكله، وهكذا تكون هذه الفرضية معاكسة للواقع ولحركة التاريخ في الشرق الأوسط.. وهذا اختلاف حيوي يجعل من القياس على «وستفاليا» عملاً أقرب إلى المهاترة السياسية عن واقع جدلي ذي فائدة.
ثالثًا: يستند المقالان إلى أساس أن وسط أوروبا والإمبراطورية كانا يعانيان من مشكلة اضطهادات دينية، وهو أمر لا خلاف عليه مثبوت تاريخيًا منذ «الحروب الهاسية» إلى «حرب الثلاثين سنة»، مرورًا بحروب «الهوغونوت» في فرنسا بين البروتستانت (الكالفينيين في الأساس) والغالبية الكاثوليكية، إلا أن هذا ليس موجودًا في تركيبة الدول الشرق أوسطية، ذلك أن هذه الدول لم تبحر في الحروب الأهلية لأسباب مذهبية في الأساس، بل لأسباب سياسية أو قُل: عرقية بحتة. وبالتالي، فالدين ليس العنصر الحاكم في هذا الإطار، حتى وإن كانت بعض الفرق السياسية تلبس رداء الدين. ثم إن بعض الديكتاتوريات التي توارت في الشرق الأوسط لم تكن دولها تعاني من اضطهادات مذهبية، بل اضطهادات سياسية وتهميش اجتماعي واقتصادي، حتى مع الاعتراف بوجود بعض التفرقة المذهبية.
رابعًا: إن محاولة تطبيق عناصر «صلح وستفاليا» يمثل في واقع الأمر خروجًا عن نمط التاريخ، إذ لا بد من حماية مفهوم سيادة الدولة باعتبار أن الدولة هي حامية الحقوق الأساسية لشعوبها بكل مذاهبها وقطاعاتها وفئاتها. ومن ثم، فإن السيادة المطلقة للدولة على أسس مقبولة بعقد اجتماعي هي مصدر التسامح والتعايش بين أبناء الدولة الواحدة، حتى وإن اختلفت مذاهبهم، إذ إن مفهوم المواطنة اليوم هو أساس مفهوم التسامح، وهذا المفهوم لا يمكن أن ينبع من دون وطن، والوطن لا يتأسس إلا بالدولة وسلطاتها. أما فكرة «السيادة المشروطة»، فهي في حقيقة الأمر تمثل التحرك بعجلة التاريخ إلى الخلف، سواء لأهداف التفلسف العقيم أو لأهداف سياسية مغرضة.
خامسًا: إن تلميح المقال الأول إلى أن تقسيم الشرق الأوسط جاء لأسباب استعمارية، وأن «خريطة الشرق الأوسط The cartography» يجب أن تأخذ في الاعتبار الاختلافات العرقية والمذهبية بين الدول، على أساس تطبيق نموذج «وستفاليا» إنما يمثل في حقيقة الأمر تلميحًا غير منطقي على أقل وصف، ومحاولة للعودة بعقارب الساعة إلى الخلف، ذلك أن الدول، حتى مع اختلافاتها الحدودية عند استقلالها في القارة الأفريقية على سبيل المثال، طبقت المبدأ القانوني Utis Possidetis، أي «إبقاء الملكية على ما هي عليه»، فيما يتعلق بالحدود حتى بعد الصراعات. ومن ثم، فإن التلميح إلى أن الحدود الحالية للدول غير المطابقة مذهبيًا أو عرقيًا إنما هو سكب للزيت على الحريق ومدعاة للصراع!
واقع الأمر، ومع الاحترام الكامل للاجتهاد الأكاديمي والثقافي والعلمي للتعلم من التجارب الماضية ولأخذ العبر من التاريخ باعتباره مدرسة الحاضر، يجب أن يتواكب القياس السياسي والفكري مع الحاضر، إذا ما كنا نريد إفساح المجال لفكر جديد يضيف ولا ينتقص، ويثًّبت ولا يخلخل. ولكن محاولات البعض للسعي لفرض الأنماط الحتمية المستقاة من تجربتهم، باعتبارها المنارة المطلوب اللجوء إليها، التي نلاحظ نماذج منها في الآونة الأخيرة، تجعل من التاريخ أداة للتسلط الفكري والتمركز الثقافي. وتقديري أن الدراسة الأولى هي مثال لهذا، بينما الثانية تعد مقاومة منقوصة لطرح مشؤوم.



صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.


الأرجنتين: بين معطيات التاريخ... ومصالح الحاضر والمستقبل

النيران تلتهم غابات معمّرة في باتاغونيا (آ ب)
النيران تلتهم غابات معمّرة في باتاغونيا (آ ب)
TT

الأرجنتين: بين معطيات التاريخ... ومصالح الحاضر والمستقبل

النيران تلتهم غابات معمّرة في باتاغونيا (آ ب)
النيران تلتهم غابات معمّرة في باتاغونيا (آ ب)

في صباح اليوم التاسع من الشهر الماضي، وبينما كانت منطقة الشرق الأوسط تشهد أخطر الأعمال الحربية التي عرفتها منذ عقود، وقف الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي أمام جمهور غصّت به قاعة المحاضرات الكبرى في جامعة يشيفا اليهودية بمدينة نيويورك، وقال: «أفتخر بكوني الرئيس الأكثر صهيونية في العالم». وبذا ضرب عرض الحائط بمبدأ الحياد التاريخي الذي التزمت به الدبلوماسية الأرجنتينية منذ الاستقلال إزاء النزاعات الدولية الكبرى، وفاخر صراحةً بانحيازه التام إلى المحور الأميركي - الإسرائيلي، مع توعّده بالنصر على «محور الشر الاشتراكي». قبل هذا الحدث، كانت الأرجنتين لا تزال تعيش حالة متوترة من الجدل المتجدّد حول الحرائق الهائلة التي التهمت مساحات شاسعة من محافظات منطقة باتاغونيا بأقصى جنوب البلاد، التي يتاخم غربها جمهورية تشيلي. واللافت أنه كلما اشتعلت الحرائق بنفس الشدة التي تميزت بها هذا العام، عندما التهمت ما يزيد على 230 ألف هكتار من الغابات والمناطق الزراعية، يعود الكلام عن مخطط لإقامة مستوطنات يهودية فيها.

في عام 1896، وضع الصحافي والناشط السياسي المجري تيودور هرتزل، مؤسس الحركة الصهيونية السياسية الحديثة، مؤلفه الشهير «الدولة اليهودية» الذي ذكر فيه لأول مرة اسم الأرجنتين، إلى جانب فلسطين، بوصفها موئلاً لإقامة «وطن قومي» لليهود.

وفي العام التالي، عقدت «الحركة الصهيونية العالمية» مؤتمرها الأول في مدينة بازل السويسرية، الذي وصفه هرتزل فيما بعد بأنه اللحظة التأسيسية للدولة اليهودية. وخلال ذلك المؤتمر نوقشت بضعة مقترحات لاختيار موقع جغرافي تقوم عليه تلك الدولة، وكان من بين المقترحات منطقة باتاغونيا الأرجنتينية وبعض أجزائها الممتدة إلى تشيلي المجاورة.

مقترح يهود الأرجنتين

ويستفاد من محفوظات المؤتمر الأول لـ«الحركة الصهيونية العالمية»، أن الوفد اليهودي الأرجنتيني هو الذي تقدّم يومذاك بمقترح لإقامة «الوطن اليهودي» في باتاغونيا، وفقاً لمشروع يحمل اسم «خطة إندينيا» على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية الخصبة التي تتوافر فيها كميات كبيرة من المياه العذبة. وكانت تلك الخطة تستند أيضاً إلى وجود بعض المستوطنات الزراعية التي أسسها مهاجرون من اليهود الأشكناز الذين وصلوا الأرجنتين من بروسيا (معظم ألمانيا وبولندا) وروسيا بعد حملات الاضطهاد التي تعرّضوا لها في شرق أوروبا ووسطها.

في تلك الفترة، كانت الأرجنتين قد رسّخت استقلالها عن التاج الإسباني في أواخر العقد الثاني من القرن الميلادي التاسع عشر، وأرست في دستورها مبدأ تشجيع هجرة الأوروبيين إليها «وكل الراغبين في فلاحة الأرض وزراعتها، وتحسين الصناعة، ونشر العلوم والفنون»، كما جاء في ديباجة النص الدستوري الأول الذي ما زال قائماً إلى اليوم.

ومن جهته، كان هرتزل قد أورد في كتابه المذكور «أن الأرجنتين، التي هي من أغنى بلدان العالم من حيث طبيعتها، ونظراً لمساحتها الشاسعة، وقلة عدد سكانها ومناخها المعتدل، تشكّل خياراً جذّاباً، إلا أننا نفضّل عليها خيار فلسطين، موطننا التاريخي الذي لا يُنسى، والذي بمجرّد لفظ اسمها تجيش مشاعر شعبنا بقوة».

ميلاي مكرماً داخل الكنيست الإسرائيلي بحضورنتنياهو والرئيس ينساق هرتسوغ ورئيس الكنيست عمير اوهانا (آ ب)

المؤتمر الصهيوني الثاني زكّى خيار فلسطين

بعدها، في المؤتمر الثاني الذي عقدته «الحركة الصهيونية العالمية» أواخر أغسطس (آب) 1898 أيضاً في بازل، سقط نهائياً خيار باتاغونيا بوصفها موقعاً لإقامة وطن قومي لليهود عندما تقرر إنشاء «مصرف الاستيطان اليهودي» لتمويل شراء الأراضي في فلسطين، وتثبيت أركان الحركة الصهيونية السياسية، والسعي للحصول على اعتراف دبلوماسي دولي بـ«الوطن القومي اليهودي» الجديد.

يومذاك، كانت المشاعر المناهضة لليهود في أوروبا الغربية والشرقية تزداد حدة بعد اتهام الجالية اليهودية بتدبير اغتيال قيصر روسيا إسكندر الثاني في عام 1881، وبعد الأزمة الاقتصادية والمالية الكبرى التي تعرّض لها النظام الرأسمالي في العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر.

الأوضاع الأوروبية أعادت إنعاش الفكرة

وهكذا، شكّلت الأجواء المعادية لليهود، خاصةً في أوروبا الشرقية، وباعتراف هرتزل ذاته، «أرضاً خصبة» لانطلاق الحركة الصهيونية السياسية، وكانت حقاً نقطة تحوّل تاريخية بالنسبة لليهود في عموم العالم؛ إذ أكّدت توصيات المؤتمر الثاني للحركة الصهيونية أن «فكرة اندماج اليهود في الدول التي يعيشون فيها محكومة بالفشل، وأنهم من غير وطن قومي لهم لن يتمكنوا من العيش بسلام».

وبالتالي، فإن فكرة إقامة الوطن اليهودي في باتاغونيا، التي كانت قد طويت صفحتها نهائياً بعد المؤتمر الثاني لـ«الحركة الصهيونية العالمية»، بقيت حاضرة في المشهد السياسي الأرجنتيني؛ إذ كانت تلجأ إليها الأحزاب اليسارية واليمينية على حد سواء، وفقاً لمقتضيات المرحلة السياسية، ولا سيما، كلّما استعرت نيران الحرائق الكبيرة في تلك المنطقة وتبيّن أنها كانت مفتعلة.

ثم إنه من دون أدنى شك، كان وجود المستوطنات الزراعية التي أقامها المهاجرون اليهود في الجنوب الأرجنتيني، وتردّد العديد من الإسرائيليين عليها حتى اليوم، من أبرز العوامل التي تسهم في استعادة الحديث عن تلك الخطة واستحضارها في الجدل السياسي المحلي.

وجود اللاجئين النازيين

ويضاف إلى ما سبق، أن لجوء العديد من القيادات النازية إلى الأرجنتين بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وفي طليعتهم أدولف آيخمان «الذراع اليمنى» لأدولف هتلر، والدكتور جوزيف منغيلي «ملاك الموت» الذي كان مشرفاً على معسكرات «الهولوكوست» (المحرقة النازية)، لعب دوراً أساسياً في إثارة هذا الملف وطرحه للتداول والتجاذب في النقاش السياسي والاجتماعي الأرجنتيني.

هنا، تجدر الإشارة إلى أنه بعد الحرب العالمية الثانية لجأ آلاف الألمان الذين كانوا يتولون مناصب مسؤولية في النظام النازي إلى كل من الأرجنتين وتشيلي، حيث استقر معظمهم تحت أسماء مستعارة. وللعلم، الرئيس الجديد لتشيلي، اليميني المتطرف خوسيه أنطونيو كاست، هو نجل أحد الضباط النازيين الذين هاجروا إلى تشيلي بعد الحرب. وتشاء المفارقة السياسية أن كاست هو اليوم الحليف الإقليمي الأوثق للرئيس الأرجنتيني اليميني المتطرف خافيير ميلي، الذي يفاخر بصهيونيته وتحالفه الاستراتيجي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وكان نتنياهو قد استُقبل أخيراً بحفاوة بالغة في العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس، وأعلن ميلي معه قيام «تحالف الأحرار»، متوعّداً بـ«طرد الاشتراكيين من أميركا اللاتينية».

أكثر من هذا، كان ضمن القرارات الأولى التي اتخذها ميلي بعد وصوله إلى الحكم، القرار برفع السريّة بشكل كامل عن جميع الوثائق الرسمية التي تتناول الإجراءات الرسمية التي سهّلت لجوء النازيين إلى الأرجنتين واستقرارهم فيها، ومصادر تمويل تلك العملية التي تعرف باسم «طريق الجرذان».

ميلي استقبل أخيراً نتنياهو بحفاوة بالغة في العاصمة الأرجنتينية وأعلن معه قيام «تحالف الأحرار»...

متوعّداً بـ«طرد الاشتراكيين من أميركا اللاتينية»

«حلف اليمين» أعاد طرح فكرة باتاغونيا

ومما لا شك فيه أن العامل الأبرز الذي يساهم اليوم في إعادة طرح موضوع الاستيطان اليهودي في منطقة باتاغونيا، هو السياسة اليمينية المتطرفة التي ينهجها الرئيس ميلي، والعلاقات الوثيقة التي تربطه بحليفيه نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترمب، وأيضاً بالجاليتين اليهوديتين في الأرجنتين والولايات المتحدة التي زارها 15 مرة منذ وصوله إلى السلطة مطلع عام 2024.

ويضاف إلى ذلك أن التدابير الليبرالية المتطرفة التي ينهجها ميلي لمعالجة الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعاني منها الأرجنتين، تقتضي فتح الأبواب للاستثمارات الخارجية على مصاريعها، وتسهيل دخولها إلى القطاعات المجزية، مثل الزراعة والسياحة والمناجم واستخراج النفط... وهذه قطاعات تتوافر لها أرضية مناسبة جداً في مقاطعات باتاغونيا.

ولكن، في المقابل، تخشى أوساط المعارضة الأرجنتينية أن يكون القرض «السخي» بمليارات الدولارات الذي قدمته إدارة ترمب - ضد نصيحة الخزانة الأميركية - إلى الأرجنتين عشية الانتخابات التي أوصلت ميلي إلى السلطة، والمقايضة النقدية التي أُلغي القرض بموجبها مطلع العام الحالي، قد اخضعا الرئيس الأرجنتيني لشروط غير معلنة هي التي توجّه تحركاته على الجبهتين السياسية والاقتصادية.

من جانب آخر، بعد اشتعال الموجة الأخيرة من الحرائق الكبيرة التي خرج معظمها عن السيطرة لفترة طويلة، وبعدما تبيّن أنها كانت في جلّها مفتعلة، وجّهت أوساط إعلامية قريبة من الحكومة اليمينية في بوينس آيرس أصابع الاتهام إلى مجموعات السكان الأصليين من قبائل «المابوتشيه». وهؤلاء يعارضون المشاريع الاستثمارية الكبرى التي تروّج لها الحكومة لاستخراج النفط والمعادن وتشييد المنتجعات السياحية، تحت غطاء استصلاح الأراضي للزراعة وإنتاج الأغذية، لا سيما أن نحو 20 في المائة من سكان الأرجنتين يعيشون على المعونة الغذائية منذ سنوات.

بين ذريعتي السياسة... والتغيّر المناخي!

ولكن التحقيقات كشفت أخيراً عن أن إحدى الحرائق الكبرى تسبّب بها سائح إسرائيلي. وهذا الأمر أثار الكلام مجدّداً عن إحياء المخطط القديم لإقامة مستوطنات يهودية في المنطقة التي يملك فيها مساحات واسعة عدد من كبار المتموّلين اليهود الأرجنتينيين الذين لعبوا دوراً بارزاً في إيصال ميلي إلى السلطة. بل، والمعروف محلياً، أنه منذ سنوات يقوم آلاف الإسرائيليين الشباب، بعد نهاية خدمتهم العسكرية الإجبارية، بما يعرف في طقوس الجماعات اليهودية المتطرفة باسم «الرحلة الكبرى»، وفيها يمضون عدة أشهر في مناطق باتاغونيا الواقعة بين الأرجنتين وتشيلي، وأحياناً في بعض المناطق البرازيلية كذلك.

الأحزاب والقوى المعارضة لحكومة ميلي تعتبر أن الحرائق في معظمها نتيجة أزمة التغيّر المناخي وفترات الجفاف الطويلة التي منذ سنوات تضرب المنطقة، لكنها أيضاً تتهم الحكومة بالتقاعس في اتخاذ التدابير اللازمة لحماية البيئة، وبالاصطفاف في معسكر الإدارة الأميركية التي تنكر وجود أزمة مناخية عالمية وترفض التوصيات الأممية لمعالجتها والحد من تفاقمها.

وحقاً، لم تنفق حكومة ميلي خلال العام الماضي سوى 22 في المائة من الميزانية المخصّصة لمكافحة الحرائق، مع الإشارة إلى أن سنة 2025 كانت من السنوات التي سجّلت رقماً قياسياً في عدد الحرائق الكبيرة التي قضت على مساحات زراعية وحرجية واسعة في الأرجنتين. أيضاً، تذهب بعض الأطراف، خاصة في أوساط السكان الأصليين، إلى حد اتهام الحكومة بالتحضير لبيع الأراضي المحروقة إلى اليهود بأسعار بخسة، وذلك لبناء مستوطنات فيها يلجأ إليها أولئك الذين يرفضون الذهاب إلى إسرائيل، أو الذين يرغبون في مغادرتها بعد الأحداث الأخيرة في الشرق الأوسط. وبالفعل تتكلّم هذه الأوساط عن معلومات تفيد بالعثور في أمكنة الحرائق على بقايا متفجرات مصنوعة في إسرائيل. ثم إنها تذكّر منظمات السكان الأصليين بأعمال الإبادة الجماعية التي تعرّض لها أسلافهم في القرن التاسع عشر على يد الجيش الأرجنتيني بعد سنوات من نيل الاستقلال.

حكومة ميلي اليميني ترد على هذه الاتهامات، مصوبةً: أولاً على المنظمات البيئية التي قطعت عنها كل المساعدات التي كانت تحصل عليها من الدولة، وفرضت قيوداً تعجيزية تحول دون حصولها على مساعدات. وثانياً على منظمات السكان الأصليين الذين بدأت تلاحقهم قانونياً لعرقلتهم تنفيذ بعض المشاريع السياحية في باتاغونيا.

بل إنها، من ناحية ثالثة، تضع الانتقادات في إطار حملة مناهضة للسامية تزعم أن الأحزاب والقوى اليسارية تقف وراءها.

بوادر نفور من «الحلفاء» السابقين

أخيراً، ما يلفت المراقبين في هذا السياق، أن بعض القوى والشخصيات التي اليمينية المعتدلة نسبياً التي ساعدت ميلي في الوصول إلى السلطة، ودعمته في البرلمان خلال الأشهر الأولى من حكمه لإقرار عدد من المشاريع التي تضمنها برنامجه الانتخابي، بدأت تحذّره من الانجراف في تحالفه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، ومن مغبّة الوقوع في مخططاته التي قد تضره بالمصالح الوطنية في الأمد الطويل.ومن بين هؤلاء الرئيس الأسبق ماوريسيو ماكري، زعيم الحزب الجمهوري المحافظ، وهو متزوج من سيدة الأعمال جوليانا إبراهيم عواضة، المتحدرة من أصول عربية. وكان ماكري، الذي تولى الرئاسة بين 2015 و2019، قد دعا ميلي إلى الامتناع عن دفع الأرجنتين نحو تحالفات من شـأنها ضرب التوازن الإقليمي الذي قامت عليه دائماً المصالح الوطنية الأرجنتينية.