بعد ضجة واسعة في الشارع التركي ورفض من المعارضة وانتقادات من الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية حول العالم، سحبت الحكومة التركية مشروع قانون يسمح بالعفو عمن أدين من الرجال بممارسة الجنس مع فتيات قاصرات قبل ساعات فقط من دخوله إلى الجلسة العامة للبرلمان، أمس الثلاثاء، لمناقشته بعد إقراره في قراءة أولى الخميس الماضي.
وكان يفترض أن يجري التصويت النهائي على مشروع القانون في جلسة أمس بالبرلمان الذي يحتل حزب العدالة والتنمية الحاكم غالبية مواقعه (317 مقعدا من أصل 550 مقعدا).
وأثار مشروع القانون احتجاجات داخل تركيا، ووجهت إليه انتقادات دولية. وقال منتقدوه إنه قد يضفي الشرعية على الاغتصاب، ويشجع الزواج من القاصرات.
وطالبت الأمم المتحدة الحكومة التركية بعدم الموافقة على مشروع القانون، قائلة إنها قد تضر بقدرة تركيا على محاربة الاعتداءات الجنسية وزواج القاصرات.
ويسمح القانون التركي بزواج الفتاة في سن 18 عاما، لكن لا يزال الزواج دون هذا السن منتشرا من خلال نوع من الزواج الشرعي غير المعترف به قانونا ويسمى «إمام نكاح».
وقال رئيس الوزراء التركي، بن علي يلدريم، إن مشروع القانون سحب للسماح بـ«توافق واسع»، ومنح أحزاب المعارضة الوقت الكافي لتطوير اقتراحاتها.
واحتشدت مئات النساء أمام مبنى البرلمان التركي، أمس الثلاثاء، قبل الإعلان عن سحب مشروع القانون الذي يبرئ مرتكب اعتداء جنسي على قاصر إذا تزوج المعتدي بضحيته.
وفي تصريح صحافي أدلى به مع ممثلين عن المنظمات النسائية، قال نائب رئيس المجموعة البرلمانية لحزب الشعب الجمهوري المعارض ليفنت جوك: «نطالب بأكثر من مجرد العدول عن المشروع القانون، وسنواصل كفاحنا لحين الإلقاء بهذا القانون المخزي في سلة القمامة» على حد تعبيره.
وكان أهم تصريح حول مشروع القانون المقترح، الذي تلقى رد فعل عنيف من المجتمع التركي، أدلى به الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، ودعا فيه إلى عدم الاكتراث بالانتقادات الموجهة إلى مشروع القانون.
وبعد ساعات من تصريحات إردوغان أعلن رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم أنهم يأخذون تصريحات إردوغان والمعارضة بعين الاعتبار قائلا: «سنطرح القانون على اللجنة التي ستقوم بدورها بتقييمه والتوصل لحل في هذا الموضوع، آخذة في عين الاعتبار جميع الآراء ووجهات النظر».
ودافع وزير العدل، بكير بوزداغ عن التشريع قائلا: «لن يكون المشروع بالتأكيد عفوا عن المغتصبين إنما هذه خطوة اتخذت لحل مشكلة في بعض مناطق بلدنا».
وكانت المحكمة الدستورية في تركيا قد ألغت في يوليو (تموز) جزءا من القانون الجنائي يصنف جميع الممارسات الجنسية مع الأطفال دون سن الـ15 باعتبارها اعتداء جنسيا.
وقالت أليف شفق، إحدى الروائيات المشهورات في تركيا لـ«بي بي سي»: «أحد مواضع الضعف في مشروع القانون، هي كلمة (موافقة أو رضا) الأهل. ماذا يعني هذا؟ نحن نتكلم هنا عن أطفال. فإذا تفاوض المغتصب مع الأسرة، أو دفع لها رشوة، أو هددها، فقد تسحب الأسرة شكواها، وقد تقول نعم كانت هناك موافقة، ولم يكن هناك إجبار».
لكن روضة كاواكجي، نائبة البرلمان عن «العدالة والتنمية»، قالت: «إن مشروع القانون أسيء فهمه.. إنه يعنى بتوفير حياة طبيعية للفتيات، اللائي تزوجن وهن طفلات، بسبب ممارسات ثقافية معتادة، ثم وجدن أنفسهن مع أطفالهن يعانين لأن أزواجهن في السجن».
وبعد سحب المشروع قال رئيس الوزراء بن علي يلدريم، إنه ستتم دراسة وتعديل المشروع، بالتشاور مع المعارضة ومنظمات المجتمع المدني، تنفيذا لتعليمات الرئيس رجب طيب إردوغان بالتوصل إلى إجماع أوسع بشأن المشروع.
وعشية انعقاد جلسة البرلمان التركي أمس للتصويت على مشروع القانون، قال إردوغان، مساء أول من أمس (الإثنين)، إنّ هناك فائدة كبيرة في سعي الحكومة من أجل حل هذه المشكلات عبر التوصل إلى توافق واسع، والإصغاء إلى الانتقادات والمقترحات التي تأتي من شرائح مختلفة من المجتمع.
وكان نواب حزبي الشعب الجمهوري والحركة القومية المعارضين طالبوا بسحب مشروع القانون. وقال النائب عن حزب الشعب الجمهوري عمر سُها آلدان: «ستُجبر طفلة صغيرة على مرافقة مغتصبها مدى الحياة. المغتصبة هي الطفلة. فهذا مقترح سيطبق على وقائع الاغتصاب التي سبقت السادس عشر من نوفمبر (تشرين الثاني)، فلماذا لا يقترح الحزب الحاكم أن يشمل المقترح وقائع المستقبل أيضًا إن كان يراد مصلحة البلاد؟ إن المستفيدين من هذا القانون سيتوجهون إلى المحكمة الدستورية، وستضطر الأخيرة إلى اتخاذ قرار التعميم وفقا لمبدأ المساواة، ليصبح هذا الأمر عادة منتشرة مسموحًا بها بموجب القانون تشمل المغتصبين في المستقبل أيضًا».
وقال النائب عن حزب الشعب الجمهوري جمال أوكان يوكسال: «ما نفعله هنا هو أننا نكون إن وافقنا على هذا القانون قد قمنا بتبرئة الرجل الذي اغتصب فتاة في الحادية عشرة من عمرها ثم قام فيما بعد بمنح عائلتها النقود (المهر) وشراء الطفلة. أشعر بالأسف الشديد. أرجوكم تراجعوا عن هذا المشروع ونعيد النظر فيه تحت سقف البرلمان مرة أخرى. لا يمكن أن نتحمل مسؤوليته السياسية والوجدانية أبدًا. المنحرفون الذين يرون هذا قد يجبرون الضحايا على الزواج. وسيصبح الإفلات من العقاب أمرا رسميا».
أما نائب رئيس المجموعة البرلمانية للحزب أوزجور أوزال، فأوضح أن البرلمان خُدع بالمقترح المطروح في الدقائق الأخيرة من جلسة البرلمان قائلا: «لن تتم معاقبة الجاني الذي سيتزوج بضحيته. فمثل هذا القانون يستغرق نقاشه في العادة 4 أيام، لكن الحزب الحاكم استعجل في الأمر وصدر قرار بعرضه على التصويت في غضون 4 ساعات. ليس نحن فقط من خُدعنا بل البرلمان برمته أيضًا».
وعلق نائب رئيس مجموعة نواب حزب الحركة القومية أركان أكتشاي بقوله: «ليس من الصائب فعل هذا بمقترحات اللحظة الأخيرة».
وأقر البرلمان التركي في قراءة أولى الخميس الماضي مشروع قانون أحالته إليه حكومة حزب العدالة والتنمية والذي يتيح «في حالات معينة» عدم إدانة متهم باعتداء جنسي على قاصر إذا تزوجها، وسط استهجان واسع داخليا وخارجيا.
وكان مشروع القانون سيشمل نحو 3 آلاف متهم حال إقراراه، حيث سيطبق بأثر رجعي فقط اعتبارا من 16 نوفمبر الجاري، ويسمح بتأجيل الحكم في قضايا الاعتداء الجنسي التي ارتكبت «من دون قوة أو تهديد أو خداع» قبل 16 نوفمبر 2016 إلى أجل غير مسمى إذا تزوج مرتكبوها من ضحاياهم.
وإزاء عاصفة الجدل التي أثارها مشروع القانون، طلب يلدريم من حزب العدالة والتنمية الحاكم، الذي أعد المشروع، إجراء مشاورات مع المعارضة في البرلمان بشأن النص قبل استئناف مناقشته والتصويت عليه أمس.
وأحدث مشروع القانون صدمة مجتمعية وانتشرت على «تويتر» بعد ساعات من الإعلان عن إقرار لجنة برلمانية للمشروع ليل الخميس - الجمعة، تعليقات رافضة تحت هاشتاغ: «لا يمكن تشريع الاغتصاب». وعبر فنانون ومشاهير وناشطون عن قلقهم. كما جاء اعتراض من جمعية «النساء والديمقراطية» التي تتولى سمية إردوغان ابنة الرئيس رجب طيب إردوغان منصب نائب رئيسها على مشروع القانون، واعتبرت أنه يتم على أساس قانوني إثبات ما يشكل أمرا قسريا أو طوعيا.
وتساءلت الجمعية: «كيف يمكن تحديد إرادة الفتاة نفسها؟». وجمعت عريضة على الإنترنت طالبت السلطات بعدم إقرار الاقتراح أكثر من 600 ألف توقيع.
ورغم غياب الإحصاءات الرسمية يشكل الزواج المبكر واقعا في تركيا خصوصا في شرقها وجنوبها الشرقي وتتعرض 40 في المائة من النساء في تركيا للعنف الجنسي بحسب إحصاءات رسمية.
وأعاد مشروع القانون إلى الأذهان التوتر بين تركيا والسويد في أغسطس (آب) الماضي على خلفية تغريدة نشرتها وزيرة الخارجية السويدية مارغوت فالستروم على حسابها على «تويتر» حول «سماح تركيا للأطفال ما دون الـ15 بإقامة علاقة جنسية»، وصفها وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو بالفضيحة.
وعلق جاويش أوغلو، على تغريدة فالستروم قائلا: «قبل كل شيء لا تليق هذه التصريحات بوزيرة خارجية، وهي مبنية على الكذب والتضليل. حكومتنا حازمة في مكافحة ومنع استغلال الأطفال».
الحكومة التركية تسحب مشروع قانون حول زواج القاصرات
أثار احتجاجات وانتقادات خارجية قبل ساعات من التصويت في البرلمان
مظاهرة متجهة إلى مبنى البرلمان أمس ضد القانون الذي تم سحبه في الساعات الأخيرة (أ.ف.ب)
الحكومة التركية تسحب مشروع قانون حول زواج القاصرات
مظاهرة متجهة إلى مبنى البرلمان أمس ضد القانون الذي تم سحبه في الساعات الأخيرة (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
