بعد أسبوعين على انتخاب ترامب.. نيويورك تحاول استيعاب ما حدث

لماذا لم يصوت السود في ميلووكي لهيلاري كلينتون؟

بدأ العمال بتزيين المباني تحضيرا لأعياد الميلاد ورأس السنة في نيويورك (أ.ف.ب)
بدأ العمال بتزيين المباني تحضيرا لأعياد الميلاد ورأس السنة في نيويورك (أ.ف.ب)
TT

بعد أسبوعين على انتخاب ترامب.. نيويورك تحاول استيعاب ما حدث

بدأ العمال بتزيين المباني تحضيرا لأعياد الميلاد ورأس السنة في نيويورك (أ.ف.ب)
بدأ العمال بتزيين المباني تحضيرا لأعياد الميلاد ورأس السنة في نيويورك (أ.ف.ب)

مدينة نيويورك التي أصبحت رمزا للتنوع وصوت سكانها بنسبة 79 في المائة لمصلحة المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون ما زالت تحاول استيعاب الصدمة بعد أسبوعين من نتيجة الانتخابات، والتي شبهت بالتأثير الناجم عن حصول انفجار.
وأقر رئيس بلدية المدينة الديمقراطي بيل دي بلازيو بأن «كثيرين يعتبرون أن الشعور بالصدمة والفوضى ما زال قائما».
«إنه أمر محبط فعلا ومحزن»، يقول بريان بومبي الأربعيني، قال في تصريحات في تحقيق حول الموضوع للوكالة الفرنسية. بومبي جاء لكتابة رسالة على الجدار الذي بات شهيرا والذي أنشأه فنان شاب في ممرات محطة مترو يونيون سكوير. وأضاف: «إنه شعور يقارن بالشعور الناجم عن اعتداءات 11 سبتمبر (أيلول).
وبعد أسبوعين على انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة، ما زال عدد كبير من سكان المدينة يسعون عبر مختلف الوسائل التي تبدأ باليوغا وتصل إلى الوشم، مرورا بأنشطة مشتركة إلى تبديد ما يعتريهم من قلق وهواجس.
ويختار البعض الوشم. ويقول شيرو أوكي الموظف لدى «فان سيتي تاتو» في حي إيست فيليدج، إن ستة زبائن طلبوا وشما يذكر بالانتخاب، مثال «فليذهب ترامب إلى الجحيم». ويبحث آخرون عن الطمأنينة في اليوغا. وقد اقترح عدد كبير من مراكز اليوغا والتأمل في الأيام الأخيرة، عقد حلقات بعد الانتخاب من أجل تهدئة القلق الذي يساور بعض سكان نيويورك.
وفي عيادته، طرح الطبيب النفسي إدوارد راتوس موضوع الانتخابات مع معظم مرضاه، وقد اضطر كثيرون منهم إلى الموافقة على هذا الطرح مرغمين. وأضاف هذا الطبيب الذي يشكل الشبان الناشطون القسم الأكبر من مرضاه: «لقد تمحور الأسبوع حول الانتخابات، الأمر واضح». وأضاف: «كثيرون منهم يتساءلون ماذا سيحل ببلادنا؟ وبالحرية». ويزيد الانتماء إلى أقلية إثنية أو عرقية من الاضطراب الذي يشعر به المعادون لترامب.
وقال القس كالفين أو. بوتس خلال قداس الأحد في «ابيسيان باتيست تشيرش» التي تتمتع بنفوذ كبير في هارلم «على غرار اغتيال الرئيس كيندي في 1963، سيؤدي انتخاب دونالد ترامب إلى تغيير أميركا».
وقد استقبل هذا القس الاثنين أطفالا من مدرسة ثورغود مارشال الابتدائية في هارلم التي تأسست بدعم من الكنيسة. وأضاف هذا القس «إنهم يشعرون بالصدمة بعد الانتخابات». وقال: «يطرحون أسئلة، مثل هل أن دونالد ترامب رجل شرير؟ هل سيأخذون أهلنا؟ ولماذا يشعر الجميع بالخوف؟».
وقالت هينا خان الأم المسلمة لطفلين إن «الأمر بالغ الصعوبة بالنسبة إلى الأطفال، لأنك تمضي وقتك تعلمهم ألا يعاملوا أحدا بقسوة، وأن يتحلوا باللطف مع الآخرين، ثم ترى شخصا أقنع الناس بانتخابه ويقوم عكس ما نعلمه لأولادنا».
ويعتبر المسلمون في شمال شرقي الولايات المتحدة أن انتخاب دونالد ترامب «يوازي الشعور بالخيانة إلى حد ما»، كما تقول من ميريلاند التي تعيش فيها هذه الكاتبة التي ألفت عددا من الكتب المخصصة للأطفال، وتتطرق إلى عالم الإسلام.
ولم تستثن الأعمال العرقية هذه المدينة العالمية. وقال قائد الشرطة جيمس أونيل، إن «ما يحصل مقلق إلى حد ما»، مشيرا إلى ارتفاع الأعمال العنصرية بنسبة 31 في المائة منذ يناير (كانون الثاني).
وأكد بيل دي بلازيو الاثنين: «من المهم قول الأمور بما تتطلبه من صراحة: الخوف متفش كثيرا في هذا الوقت». ووضع خط هاتف مجاني في خدمة الأشخاص الذين يشعرون بأنهم مهددون. وقد احتشد 300 شخص الأحد في حديقة بحي بروكلين هايتس الذي أعيدت تسميته باسم مغني مجموعة بيستي بويز التي أسسها في الثمانينات ثلاثة شبان موسيقيين يهود من بروكلين. وكانوا يعبرون عن احتجاجهم بعد العثور على صليبين معقوفين في المكان المخصص لألعاب الأطفال، وقد أرفقا بعبارة تأييد لترامب.
وبعد المظاهرات الكبيرة في الأسبوع الأول والتي شارك في إحداها أكثر من 10 آلاف شخص، ما زال عدد كبير من المظاهرات يجرى في أماكن متعددة. ويستعد كثيرون حتى الآن للمشاركة في المظاهرة النسائية الكبيرة المقررة في 21 يناير، غداة تولي ترامب مهام منصبه. وفي انتظار هذه المظاهرة، تستعد عائلات لأن تمضي الخميس عطلة عيد الشكر في أجواء قلق. وأوضح بومبي الذي سيبقى في نيويورك مع عائلته التي تضم جمهوريين: «أنا متأكد أننا لن نتحدث في السياسة». وأضاف: «لست متأكدا أنهم أدلوا بأصواتهم» للجمهوري دونالد ترامب. وخلص إلى القول: «لا أريد أن أسأل. لا أريد أن أعرف».
وفي ميلووكي، من جانب آخر، يرتفع عدد الشبان السود العاطلين عن العمل، وتنتشر المتاجر المهترئة، ويبدو حي نورث افينيو في المدينة الأميركية كئيبا. هنا، لم يؤيد السكان السود الدعم المتوقع لهيلاري كلينتون في الانتخابات الرئاسية، لا بل صوت بعضهم لدونالد ترامب.
وميلووكي أكبر مدينة في ولاية ويسكونسن التي تقع غرب بحيرة ميشيغان الشاسعة. وتعد أكثر مدينة مقسمة عرقيا في الولايات المتحدة بحسب دراسة أجريت عام 2011، وشكلت ولاية ويسكونسن المليئة بالأراضي الزراعية والمعقل الصناعي السابق أكبر مفاجأة في الانتخابات الرئاسية في عام 2016: لم يتوقع أي أحد أن تصوت الولاية لترامب، لدرجة أن كلينتون لم تزر الولاية منذ الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، وأرسلت ابنتها وزوجها بدلا منها في الحملة الانتخابية. ويقول رونالد روبرتس، وهو رجل أسود يرتدي نظارات سميكة «اعتقدت (كلينتون) على الأغلب أنها ستفوز بويسكونسن». وبحسب الرجل المتقاعد الذي كان يعمل في قطاع صناعة السيارات «يجب عدم اعتبار الناخبين أمرا مفروغا منه، لأنهم عندها، سيبقون في منازلهم». وهذا ما حصل تماما، بحسب استطلاعات الرأي التي أجريت عند خروج الناخبين من مراكز الاقتراع، وما أكده سكان الحي الذي لا يوجد فيه أي شخص أبيض.
وتشير بريتني مايز التي تعمل في صالون تجميل «بالنسبة إلي، فإن هيلاري ليست أفضل من ترامب. ولهذا السبب لم أصوت».
ويطغى الفقر والإهمال والفصل العرقي على نورث افينيو، حيث تشهد مجموعة من المساكن الفارغة على عدم قدرة العائلات على دفع إيجاراتها وعلى الإفلاس. وتظهر نوافذ مهملة في بعض المنازل الوضع الاقتصادي الصعب الذي تعاني منه العائلات. وكان الرئيس الأميركي باراك أوباما حصل على تأييد الناخبين الذين يصوتون في العادة للديمقراطيين في هذه المنطقة في انتخابات الرئاسة عامي 2008 و2012. ويقول رونالد روبرتس: «هناك أشخاص كثيرون هنا دون عمل. ولا يوجد الكثير من الأموال لتداولها». في ميلووكي، يقيم البيض تقريبا في ضواح ثرية، حيث قام دونالد ترامب بحملة انتخابية. ووصل السود في وقت متأخر إلى المدينة في الستينات مع بدء اندثار العصر الذهبي للصناعة في الولاية. وتركزوا في الجزء الشمالي من المدينة، بينما تركز المهاجرون من أصول لاتينية في الجنوب.
ويبدو الفصل العرقي بين السود والبيض جليا، حيث تبلغ نسبة البطالة اليوم لدى السود أعلى بثلاث مرات من البطالة لدى البيض. ويحمل الطلاب السود أعلى معدل من الفشل الدراسي في الولايات المتحدة كلها.
وفي مقاطعة ميلووكي، دخل أكثر من 50 في المائة من السكان السود في المدينة بين عمر 30 - 40 عاما السجن، ما يعني منعهم من التصويت لفترة معينة. وأقر قانون مؤخرا يفرض تقديم هوية مع صورة للمشاركة في التصويت. وترى منظمات غير حكومية أن القانون تم إقراره للحد من تصويت الأقليات في الانتخابات الرئاسية.
وتقول أندريا كامينسكي، المسؤولة عن فرع ويسكونسن في رابطة الناخبات التي نشرت 250 مراقبا يوم الانتخابات الرئاسية: «في بعض الحالات، تم رد بعض الناخبين دون أسباب مقنعة».
وأضافت: «لا يمكن حتى إحصاء الأشخاص الذين لم يحاولوا أصلا التصويت بسبب هذا القانون حول أوراق هوية الناخبين. ولكن هذا على الأرجح، عدد أكثر بكثير من الذين تم رفض مشاركتهم».
وتقول دريكا ويسلي التي تعمل في محل «والمارت»: «أعرف بعض الأشخاص الذين لا يملكون بطاقة هوية ولم يتمكنوا من التصويت وارى أن الأمر غير عادل».
وترى لاتونيا جونسون، وهي مسؤولة سوداء محلية منتخبة، أن سكان الأحياء في شمال ميلووكي الغارقين في المخدرات والبطالة والعنف وانخفاض أسعار العقارات، فقدوا الأمل. وبحسب جونسون: «الواقع الكئيب هو أن الناس لا يدركون العلاقة بين التصويت وتحسين ظروفهم المعيشية».
وتتابع: «ترامب تحدث عن كل الفساد في السياسة وتزوير الانتخابات. ولهذا كان هناك أناس كثيرون شعروا بأن تصويتهم لن يغير شيئا». بينما اختار بعض السود التصويت للملياردير الجمهوري ترامب. ويقول دينيس جونسون (39 عاما)، سائق شاحنة: «صوتت لترامب لأني أعتقد أن بإمكانه خلق وظائف. نقطة». ويضيف «قال ماذا لديكم لتخسروه، وبالنسبة إلي، الأمر منطقي للغاية».
ويرى الرجل أن الولايات المتحدة ستصمد مع تولي ترامب الرئاسة، قائلا: «البلد سيصمد مع أربع سنوات لترامب. صمدنا ثماني سنوات مع أوباما وثماني سنوات مع (جورج) بوش».



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».