قليلة هي المدن، عبر العالم، التي تستطيع أن تستقبل الآلاف من الخبراء والمسؤولين والمئات من قادة وزعماء العالم، في تظاهرة دولية معينة، بالحفاوة اللازمة، موفرة لهم، في سبيل ذلك، كل أسباب الإقامة والراحة التي تليق بالضيف والمضيف، على حد سواء.
وفي مراكش، لا يكاد يمر أسبوع من دون أن تسمع عن تنظيم تظاهرة، بمضمون فني أو سياسي أو اقتصادي، أو غيره، يحضرها المئات والآلاف، بل عشرات الآلاف، آخرها مؤتمر الأطراف في الاتفاقية الإطار للأمم المتحدة بشأن تغير المناخ (كوب 22)، بمشاركة ما يناهز ثلاثين ألف مندوب، من نحو 196 دولة، وحضور المئات من قادة الدول ومشاهير العالم. ويمكن القول إن مراكش قد أكدت، خلال مثل هذه المناسبات، قيمة بنيتها التحتية وقدرتها على تدبير مقام الآلاف بين جنباتها، ممن يضافون إلى عشرات الآلاف من السياح الذين اعتادت عاصمة السياحة المغربية استقبالهم على مدار العام؛ الشيء الذي مكنها من أن تكرس سمعتها وتؤكد قيمتها وقدرتها على تلبية أذواق وانتظارات كل زائريها، سنة بعد أخرى، حتى صارت إحدى أهم وأفضل الوجهات السياحية العالمية.
ورغم أن مراكش، التي يقال عنها إنها «المكان المثالي الذي يمكن للإنسان أن يسترخي فيه، فينسى الندوب الصغيرة للحياة»، تقبل بالجميع، ببنية استقبال متنوعة، تلائم جميع الجيوب والأذواق، فإنه لا يمكن للمتتبع إلا أن يقف مشدوهًا أمام روعة وتميز عدد من الإقامات الفاخرة، التي تتطلب من الزائر أن يكون «غنيًا بشكل فاحش»، حتى ينزل بها.
وتتوفر مراكش على ما يفوق 70 ألف سرير، وهو ما يمثل ثلث الطاقة الإيوائية السياحية للمغرب، تتوزع على ما يفوق 170 فندقًا مصنفًا، وأزيد من 100 فندق غير مصنف، وأكثر من ألف دار ضيافة، وعدد آخر من القرى والإقامات السياحية. كل هذا، فيما تشكل الفنادق والقصور الفاخرة، التي يمكن القول إنها تبقى خارج كل تصنيف، نقط ضوء تزيد مراكش شهرة وسحرًا وبريقًا.
«رويال منصور»، «المامونية»، «نامسكار»، مثلاً، هي نماذج لعناوين سياحية فاخرة بمراكش، يصعب أن تقنع نفسك والآخرين أنها مجرد أماكن للإقامة السياحية، تتضمن غرفًا ومستقبلين وقائمين على الخدمة المرافقة. إنها أكبر من ذلك، غير أن خاصيتها الأولى أنها ليست في متناول الغالبية الساحقة من الناس، بغض النظر عن جنسياتهم، لتبقى حكرًا على أغنى الأغنياء، لذلك تتجاور في دفاترها الذهبية توقيعات مشاهير السياسة والاقتصاد والفن والرياضة والموضة، عبر العالم.
والمثير في هذه الفنادق الفاخرة أن نزلاءها صاروا يتحدثون عنها كوجهات سياحية قائمة بذاتها، بشكل قد يركز الأهمية على الفندق وليس المدينة أو البلد، حيث يتباهى السائح، حين العودة إلى بلده، بقضائه أياما في فندق «المامونية»، مثلا، ويقول لمعارفه: «لقد كنت في «المامونية»، دون حاجة إلى ذكر المدينة أو البلد حيث يوجد هذا الفندق. وتضمن هذه الإقامات الفاخرة للسائح أكلاً شهيًا، وفق لائحة تقترح عليه طعامًا، حسب جنسية المطبخ، حيث يمكنه أن يطلب طعامًا مغربيًا أو فرنسيًا أو حتى صينيًا. كما تقترح عليه جميع وسائل الراحة، بداية من الحمام والمسبح، وصولاً إلى قاعات الرياضة والتدليك وملاعب التنس والغولف، وغيرها، من رياضات النخبة، فضلاً عن كل الخدمات المرتبطة بالتلفزيون وتكنولوجيا الاتصالات الحديثة، من هاتف وإنترنت، وغيرها. كما تغرق في سيل من الخدمات، التي لا تتطلب من المقيم بها إلا أن يكون قادرًا على الأداء. بل إنها تعمل على أن تمنح المقيم بها كل ما قد يخطر له على بال، حتى أنه يمكن تقسيم هذه الخدمات، التي تقترحها عليه، إلى خدمات «فوق» الأرض و«تحت» الأرض، إلى درجة أن السائح يستطيع أن يصل هذه الفنادق، مباشرة، من المطار، ليغادرها، مباشرة، إلى بلاده، من دون حاجة إلى زيارة المدينة والاختلاط بباقي «البشر».
* المامونية.. مكان رائع
«هذا مكان رائع وواحد من أفضل الفنادق»، هذه العبارة كتبها رئيس الوزراء البريطاني الأشهر ونستون تشرشل، في رسالة إلى زوجته كلمنتين عام 1935، حيث كان يقيم في «المامونية»، طلبًا للراحة ورسم لوحاته. وإلى هذا الفندق، دعا تشرشل الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، ليطل من سطيحته على حدائقه الخلابة.
وتذهب بعض الكتابات التاريخية إلى أن كثيرًا من البساتين والحدائق بالمدينة كانت من تخطيط السلطان العلوي سيدي محمد بن عبد الله (محمد الثالث) (1710 - 1790)، الذي كان نائبًا عن أبيه السلطان عبد الله بن إسماعيل بمراكش، انطلاقًا من 1750، قبل أن يتولى الحكم بعد وفاة والده في 1757، و«كان (سيدي محمد بن عبد الله) كلما بلغ أحد أبنائه سن الزواج زوجه ووهب له مسكنًا خارج القصبة وأحاطه بالبساتين والجنان». وكانت الحديقة، التي تحولت، منذ 1923، إلى فندق «المامونية»، هي هدية زواج الأمير مولاي المأمون.
واستقبل فندق «المامونية»، منذ أن فتح أبوابه، عددًا كبيرًا من مشاهير العالم، على غرار ونستون تشرشل، الذي كان يمضي فيه عطلته الشتوية ويمارس هواية الرسم، حيث قام برسم كثير من اللوحات التي اكتسبت أهمية تاريخية، وبيع كثير منها في الفترة الأخيرة، كانت آخرها لوحة «مراكش»، التي أهداها إلى مارغريت ابنة الرئيس الأميركي السابق هاري ترومان عام 1951. وهي لوحة مرسومة بالألوان الزيتية تصور مشهدا لجبال الأطلس، كخلفية لأحد أبواب المدينة.
واستخدم الفندق، لتصوير أفلام عالمية شهيرة، مثل «موروكو» من بطولة الممثلة الألمانية مارلين ديتريش، و«الرجل الذي عرف أكثر من اللازم» للمخرج الشهير ألفريد هيتشكوك. وأقام بـ«المامونية» الفنان الشهير شارلي شابلن، عام 1955؛ كما أقام به عدد لا يحصى من مشاهير ونجوم العالم، أمثال كلود لولوش ومارتن سكورسيزي ونيكول كيدمان وسيلفستر ستالون وريشار جير وسوزان ساراندون وتوم كروز وشارون ستون وكيت وينستلي وشارل أزنافور وجون بول بلموندو وكاترين دونوف وآلان دولون وكلوديا كاردينالي وصوفي مارصو وكيرك دوغلاس وعمر الشريف وإديت بياف، ممن حملتهم إليه رغبة الاستمتاع بهدوء الفندق وفخامته وسحر المدينة وفرادة طقسها. ومن بين هؤلاء النجوم، سبق للمغني الفرنسي جاك بريل أن تغنى بـ«المامونية»، قائلا: «يبقى (المامونية)، على الدوام، حلمًا نتمنى أن نلتقيه كل يوم».
ومن نجوم الموضة، نجد إيف سان لوران وبيير بالمان وفرساتشي وكنزو وفالنتينو وجون بول غوتييه. وإلى نجوم الفن والسينما والموضة، استقبل الفندق رؤساء وملوك العالم، أمثال تيودور روزفلت، ورونالد ريغان، ونيلسون مانديلا، وفاليري جيسكار ديستان، وكوفي عنان، والملكة إليزابيث الثانية، وجاك شيراك، وهيلموت كول. ويحكى أن شارل ديغول، قضى بفندق «المامونية» ليلة واحدة، وذلك خلال زيارة للمغرب، وتردد أن مدير الفندق كان مضطرًا وقتها إلى توفير سرير على مقاس الرئيس الفرنسي الشهير، الذي عرف بطول قامته.
وتبدو قائمة عشاق «المامونية» كما لو أنها بلا حصر، الشيء الذي يبرز قيمة وشهرة وتميز هذا الفندق، الذي يقع بين «باب اجديد»، أحد أشهر أبواب مراكش، وضريح أمير المرابطين، يوسف بن تاشفين، الذي يحسب له أنه أسس المدينة، قبل نحو 11 قرنًا، وعلى مسافة أقل من عشر دقائق من مطار مراكش المنارة، وأقل من دقيقتين عن ساحة جامع الفنا الشهيرة.
* رويال منصور: تحفة معمارية
يرى الكثيرون في «رويال منصور» تحفة معمارية رفيعة، تساهم في تسويق صورة متميزة للأصالة المغربية المتوافقة مع البيئة، عبر أروقته ورياضاته الأصيلة وحدائقه الغناء، ومميزاته التي صنف بفضلها ضمن أحسن الفنادق في العالم. وعلى غرار «المامونية»، يستقبل «رويال منصور» عددًا كبيرًا من مشاهير ونجوم الفن والرياضة عبر العالم وكبار رجال المال والأعمال والسياسة. ويحسب له، حسب كثيرين، أنه يبقى من الفنادق الأكثر تجسيدًا للحرص العميق على البيئة لكونه واحة حقيقية مترابطة من الحدائق، كما يضم رياضات وأجنحة بمعمار أصيل، ومتميز بأسقف منحوتة، وحيطان مزينة بزليج متناسق مع لون مراكش الأحمر، وشرفات مشمسة، دون الحديث عن مطبخه الراقي، تحت إشراف الطباخ الفرنسي، الحائز على نجمة «ميشلان» الشهيرة، يانيك أللينو.
ويقع «رويال منصور» في قلب مراكش، على بعد خطوات من «المامونية»، بجوار عرصة مولاي عبد السلام وصومعة الكتبية، هو الذي ولد من رغبة إحداث فندق بمواصفات راقية، حيث الفخامة والخدمة تتجاوز ما هو منتظر ومتوقع من الزائر، الذي يجد نفسه يدخل، بدفء لافت، في قلب التقاليد المغربية لفن العيش. وقد حرص أرباب هذا المعلم السياحي، لحظة التفكير في إنشائها، في الاحتفاء، على حد سواء، بالهندسة المعمارية وفن الديكور والتزيين التقليدي، وبروح الابتكار المعاصر، وفنون الطبخ المغربي، لذلك انتهى تعبيرًا ومعبرًا عن جزء من متكامل من الموروث المغربي والروح المغربية.
ويزين خشب الأرز، البرونز المحفور والجص المنحوت المدخل الهائل الذي يذكر بالأبواب الكبيرة والشهيرة للمدن التاريخية المغربية، خاصة فاس ومكناس والرباط ومراكش. وتمامًا كـ«باب الخميس»، أحد أشهر أبواب مدينة مراكش التاريخية، تعد أبواب «رويال منصور» بالسعادة والغنى والازدهار. أما فضاءات الاستقبال، الصالونات، المكتبة والمطاعم، وغيرها من مرافق الفندق، فتجعل من البناية مكانًا للحياة السعيدة، فيما تجعل منه العمارة العربية الأندلسية والديكورات الداخلية مكانًا للفن والثقافة. أما الزليج ومربعات الطين المزجج وتدلاكت الجميلة الملمس واللامعة، فتتداخل مع الرخام المشبك. فيما ينافس الحديد المطاوع رقة خشب الأبواب المنحوت.
وتهيمن روح الابتكار على هندسة الخدمة، حيث تقود أنفاق أرضية إلى كل واحد من ثلاثة وخمسين رياضًا، حيث يلج العاملون، بسرعة وسرية، مع حرص على راحة النزلاء بشكل يحترم الخصوصيات. وبعيدًا عن التقاليد الفندقية، يعاش «رويال منصور» كتجربة، حيث يتم تغليب الانفعالات والمشاعر، فيما يترك لكل زائر رغبة خلق حكايته الخاصة ورسم ذكرياته المستقبلية
* ناماسكار.. حلم بلا حدود
يقع قصر «ناماسكار» في منطقة النخيل. ويبقى أول شعور ينتاب الزائر وهو يلج بوابة هذا القصر المترامي الأطراف، هو الفخامة التي تميزه، إضافة إلى هندسته التي تذكرك بأبرز البنايات الرومانية، لكن بلمسة هندية، كما أن الخضرة طاغية والبرك والمسارات المائية في كل مكان، أما أشجار النخيل والزيتون فباسقة، فيما تنقل زقزقة العصافير لهدوء جميل.
ويمكن القول إن «ناماسكار» هو فندق استثنائي، له زبائن من مختلف أنحاء العالم، وهو، على شاكلة «المامونية» و«رويال منصور»، أكثر من مكان للإقامة السياحية. إنه، كما يقول أصحابه: «وجهة متكاملة ورؤية فريدة للفخامة، وتجربة أصيلة، ونقطة جذب أخرى لاستقطاب مزيد من هؤلاء الذين يتعقبون كل شيء استثنائي ومدهش وثمين».
ويتصل قصر «ناماسكار» بحدائق تم تنسيقها بشكل رائع. وفيما تبقيك الفنادق غير المصنفة مرتبطًا بالأرض التي تمشي عليها، يرفعك «ناماسكار» إلى مستويات من الحلم، ضمن مساحة يتداخل فيها التاريخ بالجغرافيا، فتبدو كما لو أنك في بلاد الهند، أو بإحدى جزر الشرق الأقصى، أو في بغداد، زمن هارون الرشيد، وليس في مراكش، في بداية القرن الحادي والعشرين، حيث تحول الخضرة القصر إلى حديقة بهية الأوصاف، مكسوة بمختلف الأشجار والنباتات، مع امتداد مائي يغطي حيزًا بحجم هكتار ونصف من البرك والأحواض والمسابح، بحيث يبدو للزائر كما لو أن كل شيء في القصر قد بني فوق الماء، عبر هندسة تبرز فيها عناصر مستوحاة من مفاهيم «فانغ شوي» مع لمسات أندلسية، ممتزجة بخطوط شرقية وعصرية في تناغم جذاب، فيما تزيد القباب المذهبة، التي تعلو الأبنية، القصر غموضًا، يلف العين والقلب.
وككل الفنادق الفاخرة، لا يمكن لتجربة «ناماسكار» إلا أن تعاش كـ«تجربة استثنائية»، حيث كان هدف أصحابه، من وراء إنشائه، أول مرة: «ابتكار مكان ينفصل فيه ومن خلاله الزائر عن العالم الخارجي».
مراكش.. وسياحة الأحلام
فنادقها تحكي تاريخها ورقيها
مراكش.. وسياحة الأحلام
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة






