67 عامًا هل تبرر محاولات تركيا الانضمام إلى «الأوروبي»؟ ولماذا «شنغهاي»؟

67 عامًا هل تبرر محاولات تركيا الانضمام إلى «الأوروبي»؟ ولماذا «شنغهاي»؟
TT

67 عامًا هل تبرر محاولات تركيا الانضمام إلى «الأوروبي»؟ ولماذا «شنغهاي»؟

67 عامًا هل تبرر محاولات تركيا الانضمام إلى «الأوروبي»؟ ولماذا «شنغهاي»؟

على مدى 67 عامًا في الفترة بين 1959 و2016 سعت تركيا جاهدة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وعانت في تلك الحقبة الزمنية من فتور أوروبي تجاهها منذ بدايات محاولاتها الأولى للانضمام إلى مؤسساته التأسيسية، وكان كل انتقال أو تطور إيجابي لهذه العلاقة يحتاج إلى وقت طويل.
لماذا تسعى تركيا للانضمام إلى هذا الاتحاد؟ وكيف واجه الاتحاد الأوروبي طلب تركيا المتكرر؟ وما العوائق التي حالت دون اكتمال شروط انضمام تركيا إلى الاتحاد؟ هل أجبر الاتحاد الأوروبي تركيا على الانسحاب ودفعها إلى تحويل مسار الانضمام إلى تكتل اتحادي آخر؟ لماذا منظمة شنغهاي للتعاون بدلاً من الاتحاد الأوروبي؟
إن محاولات تركيا على مدى الحقبة الزمنية بدءًا من 31 يوليو (تموز) 1959 وصولاً إلى تصريح الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أمس (الأحد) 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، بأن بلاده ليست بحاجة إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بأي ثمن، وأنها قد تصبح بدلاً من ذلك عضوًا في تكتل أمني تهيمن عليه روسيا والصين ودول آسيا الوسطى، تعود إلى أسباب تركية منطقية لمصلحتها أولاً، حيث تقلل عملية انضمامها إلى تكتل اتحادي دولي من الحواجز التي تعوق التجارة وتدفق رؤوس الأموال وتنقل الأشخاص بين تركيا والاتحاد (المنضم إليه)، إضافة إلى أن رغبة تركيا في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي خاصة تشكل نوعًا من الضغط الذي يدفع إلى الأمام عجلة الإصلاحات التي تحتاجها تركيا بشدة.
تركيا تضع مسألة الوصول إلى السوق الداخلية للاتحاد الأوروبي على رأس قائمة أهدافها، حيث ينص أحد بنود اتفاق أنقرة (1963) وكذلك بروتوكول أنقرة (1971) على أنه ينبغي أن يتم إنشاء الاتحاد الجمركي قبل تنفيذ عملية الانضمام إلى السوق الداخلية، ولم تتوقف الآثار الناتجة عن الاتحاد الجمركي الذي تم تكوينه بين الاتحاد الأوروبي وتركيا في عام 1996، عند حد القضاء على التعريفات الجمركية والحواجز الكمية على التجارة في السلع الصناعية والمنتجات الزراعية المصنعة، لكنها تجاوزته إلى القيام بعمل مواءمة بين المعايير واللوائح الاقتصادية.
تقدمت تركيا بطلب لعضوية الجمعية الأوروبية إبان تأسيسها عام 1959 وقبلت فيها عام 1963 بتوقيع اتفاقية أنقرة، ثم تقدمت بطلب لعضوية الاتحاد عام 1987 فقبلها الأخير مرشحة عام 1999، غير أن مفاوضات العضوية الكاملة لم تبدأ إلا عام 2005 في عهد حكومة حزب العدالة والتنمية الأولى، لكن دون تحديد سقف زمني لها.
وتطرح دول أوروبية كثيرة أسبابًا تعتبرها وجيهة لرفض عضوية تركيا في الاتحاد، أهمها الهوية والجغرافيا، إذ لا تنظر دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى تركيا بوصفها دولة أوروبية، باعتبار أن الجزء الأكبر من مساحتها يقع في القارة الآسيوية، كما أن عدد سكانها سيجعل منها ثانية دول الاتحاد الكبرى حال قبول عضويتها، فضلاً عن توقعات بأن تتجاوز ألمانيا خلال سنوات قليلة، الأمر الذي سيعطيها - وهي البلد المسلم - أغلبية في البرلمان الأوروبي، ويجعلها دولة مؤثرة في توجيه وتحديد سياسات الاتحاد الذي تعتبره دول كثيرة ناديًا مسيحيًا.

إضافة إلى ذلك، تعتبر دول الاتحاد الأوروبي أن الاقتصاد التركي سبب وجيه آخر يمنع انضمامها إلى الاتحاد، ورغم سرعة نمو الاقتصاد التركي أعلى من معدلات الاتحاد، فإن تركيا ما زالت متأخرة عنه في مجالات أخرى، مثل البطالة وعجز الموازنة والديون الخارجية، كما أن اليد العاملة التركية - كبيرة العدد وزهيدة الأجر - تخيف عددًا من الدول الأوروبية بقدر ما تخيفهم احتمالية غرق أسواقهم بالبضائع التركية، وعلى رأسها المنتجات الزراعية الأجود والأرخص من مثيلاتها الأوروبية، وهذا قد يفسر استثناءها من اتفاقية الاتحاد الجمركي بين الطرفين.
هناك تكامل جيد نسبيًا بين كلا الاقتصادين في الوقت الحالي، ففي عام 2008، كان الاتحاد الأوروبي في أعلى القائمة التركية لكبار شركائها التجاريين، حيث يمثل الاتحاد نحو 41.7 في المائة من التدفقات التجارية، بما يفوق بكثير روسيا (11.4 في المائة) والصين (5.2 في المائة) والولايات المتحدة (4.9 في المائة). وما بين عامي 2006 و2007، بلغت تدفقات الاستثمار الأوروبي المباشر إلى تركيا أكثر من 24 مليار يورو، وسجلت أسهم الاستثمار الأوروبي المباشر أكثر من 48 مليار يورو مع بداية عام 2008.
ولا يزال هناك كثير من العوائق الفنية والإدارية التي تقف في طريق التجارة، خصوصًا في القطاع الخدمي، وهناك حاجة إلى التغلب على هذه العوائق قبل انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وهذا من شأنه أن يحقق مكاسب كبيرة للاقتصاد التركي، فمجرد تحقيق التناغم بين العوائق والتنظيمات من شأنه أن يزيد إجمالي الناتج المحلي بنسبة 0.8 في المائة والتجارة الثنائية بنسبة من 12: 18 في المائة سنويًا، وفقًا لبعض التقييمات المتحفظة.
والمكسب الرئيسي من انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي يتمثل في تحسن المؤسسات الاقتصادية والسياسية في تركيا، فخلال الخمسين عامًا الماضية، كانت المساعي التركية الرامية إلى الانضمام الأوروبي بمثابة دفعة لتحقيق إصلاحات مؤسسية حساسة من الناحية السياسية، وكذلك إدخال تعديلات مميزة على السياسات الاقتصادية التي عادت بالنفع على تركيا، حتى إن فشلت في مفاوضاتها من أجل الانضمام إلى الاتحاد.
ويقف خلاف تركيا مع كل من اليونان وأرمينيا حجر عثرة أمام قبولها في الاتحاد، حيث تضع الأولى «فيتو» على عضوية تركيا لموقفها تحديدًا من القضية القبرصية، أبرز ملفات الخلاف بين البلدين.
اليوم، وبعد 56 عامًا من تقديم الطلب وأكثر من 11 سنوات من بدء المفاوضات الفعلية، ما زال أمام تركيا شوط كبير لتقطعه في مسيرة عضويتها المأمولة، فهناك 14 فصلاً فقط (من أصل 35 فصلا) قد فتحت للتفاوض، بينما تعلق دول مثل فرنسا وألمانيا وقبرص الجنوبية (اليونانية) ثمانية فصول أخرى وتمنع فتحها، وفي نظام الاتحاد الأوروبي - الذي يشترط موافقة جميع الدول الأعضاء لفتح أي فصل للتفاوض - قد يعني هذا استحالة أو على الأقل تأجيل قبول تركيا عضوًا في الاتحاد الأوروبي إلى أجل غير مسمى.
إن انضمام تركيا إلى عضوية الاتحاد الأوروبي في حد ذاته مفيد جدًا للاقتصاد التركي على مستوى القطاعات، بحيث إن عوائق التعريفة وغيرها من العوائق التي تمثل فعليًا نوعيات من الضرائب، سوف تؤدي إزالتها إلى تغيير في أسعار السلع المنتجة في تركيا والاتحاد الأوروبي، فمن وجهة النظر التركية سوف يسمح ذلك للمنتجين بالتخصص في المجالات التي تتميز فيها تركيا، مثل المنسوجات والملابس وخدمات الأعمال والنقل، وقبل كل هذا السلع الزراعية، التي تمثل أكثر من 50 في المائة من صادرات تركيا.
من وجهة النظر الأوروبية، يعد هذا إحدى العقبات السياسية والاجتماعية الرئيسية أمام انضمام تركيا إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى قضية حرية انتقال الأفراد، حيث من المرجح أن يؤدي وصول تركيا إلى الأسواق الأوروبية الداخلية إلى زيادة المنافسة التي يواجهها المزارعون الأوروبيون، والفرنسيون منهم على وجه الخصوص، وإلى تحويل التجارة بعيدًا عن دول وسط وشرق أوروبا، التي لها عضوية في الاتحاد، ففي ضوء تخصص تلك الدول في نفس القطاعات الاقتصادية التي تتخصص فيها تركيا، من المرجح بشكل كبير أن يؤدي وصول تركيا إلى الأسواق الداخلية إلى خسارة في الإنتاج في تلك الدول، فحتى الآن استفادت دول وسط وشرق أوروبا من ميزة الوصول إلى الأسواق الأوروبية الأخرى، وانضمام تركيا إلى الاتحاد سوف يزيد من حدة المنافسة وسوف يؤدي حتمًا إلى بعض الخسارة في القوة السوقية.
ملف الهجرة هو العقبة الكبرى سياسيًا واقتصاديًا، فأكثر الدراسات تحفظًا تقدر تدفقات المهاجرين من تركيا إلى الاتحاد الأوروبي عند 2.9 مليون مهاجر، عندما يتم الأخذ بنظام حرية انتقال الأفراد، وهو ما يمثل 3 في المائة من سكان وسط وشرق أوروبا و0.7 في المائة من سكان غرب أوروبا، وتتكهن الدراسات بأن 76 في المائة من بين هؤلاء المهاجرين المحتملين سوف يستقرون في ألمانيا، و8 في المائة يستقرون في فرنسا و4 في المائة في هولندا.
واتهم الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الاتحاد الأوروبي، بأنه يريد دفع أنقرة إلى التخلي عن عملية الانضمام إليه، وتحدث عن خيار إجراء استفتاء لحسم هذه القضية شعبيًا، ملمحًا إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد استفتاء شعبي.
وقال إردوغان في مقابلة مع صحيفة «حرييت»، إن «الاتحاد الأوروبي يسعى إلى إجبارنا على الانسحاب من هذه العملية (الانضمام)، إذا كانوا لا يريدوننا، فليقولوا ذلك بوضوح وليتخذوا القرار». وأضاف أن «لصبرنا حدودًا، إذا احتاج الأمر يمكن أن نذهب نحن أيضًا لمشاورة شعبنا»، مشيرًا إلى الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، «نحن أيضًا يمكن أن نسأل شعبنا».
الاتحاد الأوروبي انتقد «تراجع» تركيا في التزامها بمعايير الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، خصوصًا على صعيد حرية التعبير ودولة القانون.
إن العقبات والمفاوضات الفعلية على مدى 11 عامًا، أحدثت نوعًا من الفتور الكبير بين تركيا ودول الاتحاد الأوروبي، حيث لجأت الأخيرة إلى التلويح للانضمام إلى تكتل اتحادي آخر، بإعلانها التوجه نحو منظمة شنغهاي للتعاون، المنظمة الدولية التي تأسست في 2001، وتضم الصين، وروسيا، وكازاخستان، وقيرغيزستان، وأوزبكستان، وطاجيكستان.
هناك أكثر من 17 اتحادًا ومنظمة دولية، تملك تركيا عضوية في نحو 3 منها، يأتي في مقدمتها حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وهو اتحاد عسكري يهدف إلى حراسة حرية الدول الأعضاء وحمايتها من خلال القوة العسكرية، كما أن تركيا عضو في مجموعة أستراليا المنتدى غير الرسمي للدول الأعضاء، حيث يسعى من خلال توافق أدوات مراقبة الصادرات إلى ضمان ألا تسهم الصادرات في تطوير الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، إضافة إلى عضويتها في بنك التنمية الآسيوي الذي يهدف إلى تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية في بلدان آسيا والمحيط الهادي من خلال القروض والمساعدات التقنية.
وبالعودة إلى منظمة شنغهاي للتعاون، حيث لوحت تركيا بالانضمام إليها بدلاً من «الأوروبي»، قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، إن مسألة انضمام بلاده إلى المجموعة سهلة، معتقدًا أنه إذا انضمت تركيا إلى المنظمة سيكون بمقدورها التصرف براحة أكبر.
ولدت نواة المنظمة عام 1996، بهدف تعزيز الثقة والاستقرار في المناطق الحدودية بين الصين وروسيا وعدد من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، لتكبر وتنمو حتى أصبحت ما يعرف اليوم باسم منظمة شنغهاي.
وتضم المنظمة 6 دول دائمة العضوية، هي روسيا، والصين، وطاجيكستان، وقيرغيزستان، وكازاخستان وأوزبكستان، و5 دول تملك صفة مراقب وتحضر الاجتماعات السنوية، وهي الهند، وإيران، ومنغوليا، وباكستان وأفغانستان، كما أن سريلانكا وبيلاروس وتركيا تعتبر شركاء في الحوار.
المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية غنغ شوانغ، قال معلقًا على تصريحات الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، حول إمكانية عضوية بلاده في منظمة شنغهاي للتعاون: «نولي أهمية كبرى لرغبة تركيا في تعزيز التعاون مع المنظمة».
وفي معرض رده على سؤال بشأن «تصريحات إردوغان حول إمكانية التفكير بعضوية شنغهاي»، أشار غنغ، خلال مؤتمر صحافي اليوم (الاثنين)، إلى أن «تركيا تعد دولة مهمة في أوراسيا، وأن شنغهاي تعد شريكة حوار مهمة». ولفت إلى أن «بكين مستعدة للعمل مع الدول الأعضاء بشأن تنظيم الهيكل القانوني للمنظمة».
وكان إردوغان صرح خلال عودته من زيارة أوزبكستان الأسبوع الماضي، بأن بلاده ستشعر بالارتياح في حال انضمامها إلى منظمة شنغهاي.
يذكر أنه إلى جانب الدول دائمة العضوية والدول المراقبة في المنظمة، من المتوقع أن تمنح القمة المقبلة العضوية الكاملة لباكستان والهند.



صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.