تقدّر مراكز دراسات كثيرة في تونس - بينها مؤسسات أممية - أن التونسيين يحتلون المرتبة الأولى بين «المتشددين دينيًا» الذين انضموا إلى التنظيمات المسلحة في بؤر التوتر في ليبيا وسوريا والعراق. وعلى الرغم من صعوبة تقديم إحصائيات دقيقة حول عدد هؤلاء الشباب الذين التحقوا بالجماعات «الأصولية المسلحة» والحركات «السلفية الجهادية»، فإن الرسميين في تونس يقدرون العدد بما لا يقل عن 13 ألفًا، وهو عدد مرتفع نسبيًا في بلد لا يتجاوز عدد مواطنيه 12 مليون نسمة.
فكيف يمكن قراءة هذه الظاهرة؟ وما أسبابها العميقة ودوافعها الظرفية؟ وكيف ستتطور بعد المستجدات الأمنية والسياسية في ليبيا وسوريا والعراق.. وتحسّن التنسيق الأمني بين تونس وتركيا التي كانت تستخدم «معبرًا» رئيسيًا من قبل غالبية المرشحين للانضمام إلى الجماعات المسلحة في «بلاد الشام والعراق»؟
يعتبر عدد من الباحثين الجامعيين والخبراء في العلوم الإنسانية بتونس، بينهم عالم الاجتماع ووزير الثقافة السابق المهدي مبروك، وعالم النفس الاجتماعي عبد الوهاب محجوب، أنه لا يمكن فهم ظاهرة احتلال التونسيين الصدارة بين «المتشددين دينيًا» الذين التحقوا بالجماعات المسلحة المتطرفة في عدد من بؤر التوتر العربية بمعزل عن «المتغيرات العميقة التي يشهدها المجتمع التونسي وبقية دول المنطقة» بأبعادها السوسيولوجية والنفسية والاقتصادية والثقافية.
ويسجل هؤلاء أن انتشار العنف والتشدد ولجوء الشباب إلى «الحلول اليائسة» يعود إلى مرحلة ما قبل الثورات العربية عندما تعاقبت «قوارب الموت» في البحر الأبيض المتوسط التي يستخدمها عشرات آلاف المرشحين للهجرة غير القانونية سنويًا من الدول العربية إلى «جنة أوروبا». ويستدل الباحثون والخبراء بالدراسات الاجتماعية والنفسية التي أجرتها مؤسسات جامعية وأخرى مستقلة خلال العقدين الماضيين وسجلت انتشار السلوكيات العنيفة في صفوف الشباب والمراهقين، بما في ذلك المدارس والجامعات، إذ انتشر الشذوذ الجنسي وتعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية والخمر بنسب تراوحت بين 10 و20 في المائة من عدد الطلاب في بعض المؤسسات التربوية.
فشل النظام التربوي
في السياق نفسه، يربط عدد من النشطاء في الجمعيات الشبابية والثقافية لجوء الشباب إلى «الحلول اليائسة»، ومنها الانخراط في الجماعات المتطرفة و«التكفيرية» بفشل النظام التربوي وما يصفونه بـ«القطيعة بين الشباب ومؤسسات الإعلام والثقافة الرسمية وغير الرسمية». واعتبرت الباحثة الجامعية الشابة سمر ميلاد (23 سنة) في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الإخفاق في الدراسة وفي الاندماج في المجتمع دفع نسبة كبيرة من زملائها في جامعتها نحو خيارات أحلاها مر، كالانضمام إلى أحد التيارات اليسارية المتطرفة، أو إلى مجموعات المتشددين دينيًا، أو الوقوع في فخ المافيات التي تبيع الأوهام للشباب وتسعى لترحيله.. إما إلى أوروبا بطرق غير شرعية أو نحو تركيا تمهيدًا لتسللهم إلى أراضي (داعش)، حيث تنتظرهم رواتب بآلاف الدولارات مع منحة لا تقل عن 20 ألف دولار أميركي للعائلة في حال (الاستشهاد)».
الإعلام.. والشريعة الإسلامية
في السياق نفسه، تحمّل الناشطة الحقوقية خديجة العرفاوي «النظام التربوي والخطاب الديني الذي يروّج للفكر المتشدد في الجوامع ووسائل الإعلام مسؤولية توريط مزيد من شباب تونس والمنطقة في المجموعات التكفيرية والمتطرفة التي ترشحه للهجرة من (دار الكفر إلى دار الإسلام)...».. وحسب أنصار هذا الفكر ودعاياتهم عبر المواقع الاجتماعية والإعلام الإلكتروني، تعد تونس وغالبية الدول العربية والإسلامية التي لا تطبق الشريعة الإسلامية قولاً واحدًا «معادية للإسلام وأرض جهاد» ينبغي هجرتها نحو «أرض داعش».
ويؤكد سامي إبراهيم، الباحث في فكر الجماعات المتشددة، على دور وسائل الإعلام التونسية التي تروّج منذ ثورة الإطاحة بحكم زين العابدين بن علي في 2011 لمقولات متشدّدة عن الإسلام و«الجهاد» والشريعة الإسلامية. وتتحمل المواقع الاجتماعية الإلكترونية مسؤولية أكبر في تونس، حيث يتجاوز عدد المنخرطين فيها الـ80 في المائة.
وفي التوجه ذاته، نبهت جمعيات متخصصة في رصد توجهات وسائل الإعلام التونسي بعد الثورة، إلى أن من بين أسباب انتشار التشدد الديني بين الشباب ورحيل بعضهم نحو بؤر التوتر تعمدها ترويج بعض مقولات قيادات راديكالية ومتشددة لها نفوذها في المشرق العربي. ولقد روج رضا بالحاج ورفاقه القياديون في «حزب التحرير الإسلامي» بتونس في صفوف الشباب التونسي خلال الأعوام الماضية إلى «واجب نصرة الدولة السنّية في بلاد الشام والعراق ومجاهديها».
كذلك روّج هؤلاء في المواقع الاجتماعية، وخلال بروزهم في وسائل الإعلام التونسية، أحاديث ينسبونها إلى الرسول (عليه الصلاة والسلام) تبشر المسلمين بكون «الإنقاذ سيتحقق يومًا للمسلمين الذين سينقسمون ويضعفون عبر دولة إسلامية جديدة تبرز في الشام والعراق».
وفي اتجاه آخر، يسجل العميد السابق في الجيش الوطني، خليفة النفطي، أن ظاهرة هجرة آلاف الشبان التونسيين نحو بؤر التوتر ناجمة عن «انعكاسات دعاية وسائل إعلام دولية وعربية» ساهمت في إقناع تيار عريض من الشباب في كامل العالم العربي والإسلامي بأدبيات المتشددين والإرهابيين.
مؤتمر «أصدقاء سوريا»
في المقابل، يفسّر ناشطون «يساريون» و«قوميون» مؤيدون لنظام بشار الأسد في سوريا منذ 2011، انحياز تيار من الشباب للجماعات المتطرفة بـ«السياسات الخارجية لحكومات تونس خلال الأعوام الماضية، وبينها قطع العلاقات الدبلوماسية مع نظام دمشق وطرد السفير السوري». ويستدل هؤلاء في زعمهم بأن الرئيس السابق المنصف المرزوقي وحكومة تونس نظّما في أبريل (نيسان) 2012 في تونس «مؤتمر أصدقاء سوريا»، بمشاركة 75 وزير خارجية، كانت بينهم هيلاري كلينتون، وزيرة خارجية الولايات المتحدة ووزراء خارجية معظم الدول الغربية والعربية والإسلامية.
تأشيرة الدخول
الإعلامي الجمعي القاسمي يرى أن تلك السياسات والمواقف الرسمية، وترويج الإعلام التونسي لها، عوامل أسهمت في تشجيع آلاف الشباب على الهجرة إلى بؤر التوتر في ليبيا وسوريا والعراق بنية «قتال المشركين والنصيريين والعلويين والكفار...». وأضاف إليها عامل كون التونسيين غير مطالبين منذ 60 سنة بالحصول على «تأشيرة دخول» إلى ليبيا وسوريا وتركيا. وراهنًا، تقدر وزارة الخارجية التونسية عدد السياح التونسيين الذين يزورون تركيا سنويًا منذ عقود بنحو مائة ألف معظمهم من «تجار الشنطة» والأزواج الجدد. لكن لم يكن صعبًا أن يتسرب بين هؤلاء «إرهابيون ومتطرفون دينيًا» بعد تسهيلات من عصابات مختصة في التهريب لديها علاقات مباشرة بقيادات المجموعات المسلحة في سوريا والعراق وليبيا.
ولكن من ناحية ثانية، حسب وزير الخارجية التونسي خميس الجهيناوي، أسفر ترفيع مستوى التنسيق الأمني والسياسي بين تركيا وتونس في خفض نسبة التونسيين الذين «يهاجرون» نحو سوريا عبر أراضي تركيا التي يدخلونها بصفة قانونية لأغراض سياحية. كما أكدت وزارة الداخلية التونسية أن الشباب دون 30 سنة أصبح يمنع من السفر إلى عدد من الدول، بينها تركيا وليبيا والعراق من دون ترخيص أبوي مكتوب مختوم لدى السلطات. وحقًا، أدى هذا الإجراء إلى تخفيض نسبة السياح الشباب نحو تركيا، وقلص كذلك نسبة المرشحين والمرشحات للانضمام إلى الجماعات المسلحة والإرهابية في سوريا والعراق وليبيا.
القطيعة مع الشباب
إلا أن محمد الجويلي، عالم الاجتماع ومدير عام المرصد الوطني للشباب الرسمي في تونس، يتوقف عند عوامل أكثر خطورة وأعمق، بينها «تعمق القطيعة بين الشباب ومؤسسات الدولة والأحزاب السياسية والجمعيات غير الحكومية». وفعلاً، أنجز عدد من علماء الاجتماع ومؤسسات الأبحاث والدراسات أخيرًا استطلاعات رأي اجتماعية في صفوف الشباب كشفت أن نحو 90 في المائة من الشباب التونسي لم يعد يثق في مؤسسات الدولة وفي الأحزاب والجمعيات القريبة منها. كذلك كشفت الاستطلاعات عينها أن نحو نصف شباب تونس ما عاد يثق في الرسميين عندما يتحدثون عن «الوطن» و«المصالح العليا للبلاد»، وبات يشك في مصداقيتهم ونزاهتهم.
وفي مثل هذا المناخ، يعتبر محمد التومي، الباحث الجامعي المختص في فكر التنظيمات الإرهابية، أن «تعمق أزمة الثقة بين الشباب والمجتمع والدولة والأحزاب يؤدي إلى لجوئهم إلى الحلول اليائسة.. وبينها التطرف يسارًا أو يمينًا وتبني مقولات الجماعات التكفيرية وفهمها المتشدد للدين والمقدسات والجهاد».
الحريات من دون دولة قوية
ومن جهة أخرى، يعتبر بعض الإعلاميين والباحثين أن من بين أسباب انتشار التشدد في بلد «علماني» مثل تونس استثمر طوال 60 سنة ثلث ميزانيته في التربية والتعليم «ضعف الدولة المركزية» منذ انهيار حكم بن علي. ينتقد هؤلاء قرارات إلغاء وزارة الإعلام والمؤسسات المماثلة من دون إحداث مؤسسات بديلة عنها تضمن حدًا أدنى من التوازن بين الحقوق والواجبات و«الرقابة المقبولة». وفي هذا السياق، يسجل هيكل بن محفوظ، أستاذ القانون الدولي العام ورئيس لجنة الأمن الإقليمي في المؤسسة العربية والأفريقية للدراسات (ابن رشد)، أن «من بين أبرز غلطات حكومات ما بعد الثورة أنها اختزلت التغيير والإصلاحات في خطوات إجرائية، مثل تنظيم الانتخابات دون أن تنجح في بناء مؤسسات بديلة عن مؤسسات النظام السابق». وفي نظر الجنرال محمد المؤدب، المدير العام السابق للأمن العسكري، «استفادت من هذا المناخ العام الأطراف التي تحرص على إضعاف الدولة الوطنية، وبينها عصابات التهريب والإرهاب».
الشباب والإرهاب
ويلتقي رأي الجنرال المؤدب مع رأي محسن بن علي، المدير العام في وزارة التجارة التونسية، الذي سجل «أن استفحال ظاهرة التهريب وتنامي دور المهربين أسهما في مزيد انتشار الإرهاب بين الشباب. وأسهم ذلك في تفكير مزيد منهم في الهجرة من المجتمع الجاهلي والعلماني الليبرالي (أي المجتمع التونسي)» إلى دولة «داعش» المزعومة في الشام والعراق، أو نواتها في مناطق أخرى من بينها الجبال الحدودية التونسية - الجزائرية وبؤر التوتر في ليبيا، حيث أضحت الدولة ضعيفة جدًا.
ثم هناك ملف معقد آخر يفسر إقبال مزيد من الشباب على الجماعات المتورطة في الإرهاب في ليبيا وسوريا والعراق هو الخلافات بين الرسميين والحقوقيين التونسيين حول ملف «التائبين» والشباب العائدين من بؤر التوتر والحروب. وحسب مركز دراسات الأمن الشامل، الذي يرأسه الجنرال المتقاعد مختار بن نصر، يقدر عدد «التائبين العائدين» الذين سلموا أنفسهم إلى السلطات الأمنية التونسية والقنصليات والسفارات التونسية في تركيا ولبنان وليبيا وسوريا بنحو ألف شاب. وأورد المصدر نفسه أن ثلث هؤلاء العائدين أودعوا السجن، بينما ظل البقية على ذمة القضاء وخاضعين للرقابة الأمنية في مساكنهم. لكن قيادات بعض النقابات الأمنية التونسية تعترض على أي نوع من «فتح الباب للتوبة أمام الإرهابيين المسلحين»، بما في ذلك الذين أثبتوا أنهم تراجعوا لوحدهم عن الانضمام للمجموعات المسلحة في سوريا والعراق فور وصولهم إلى تركيا.
هذا الخلاف المتصل بفتح باب العودة لـ«التائبين» دفع آلافًا من الشبان التونسيين إلى الإحجام عن العودة أو الانتقال من سوريا والعراق باتجاه ليبيا ودول الساحل والصحراء الأفريقية مثل مالي وتشاد والنيجر، وهو ما يزيد المخاطر تهديدًا لهم وللمقربين منهم ودولهم..
والحصيلة هي أن قطاعًا عريضًا من «شباب ثورة تونس» يبقى مهددًا بالاختيار بين جملة من الحلول اليائسة، بينها الفرار من الساسة الفاشلين في أرض الوطن إلى بلدان تشهد حروبًا مدمرة وصراعات دامية بين الإرهابيين المتطرفين والمهرّبين والجيوش النظامية والدولية.
